Showing posts with label حتى نفهم. Show all posts
Showing posts with label حتى نفهم. Show all posts

Wednesday, July 11, 2012

"شرعنة" الفن.. ومنطق الدجاج

نشر هذا الخبر على بوابة الأهرام في السادس عشر من ديسمبر عام 2010 ، أي قبل الثورة بشهر وتسعة أيام تقريباً ، والواقعة حدثت بعد فشل الأزهر في وقف عرض المسلسل الإيراني "يوسف الصديق" والذي استقبل بتمجيد مبالغ فيه للدراما والنموذج السياسي الإيرانيين ،وبتهليل مبالغ فيه لا يتناسب مع المستوى الفني المتواضع والأخطاء التاريخية الصارخة (دة لو حنتكلم فن وتاريخ)..وبغض النظر عن صياغة "العلاقات العامة" الصارخة في الخبر (والتي تتنافى بالمرة مع أساسيات صياغة الخبر الصحفي بشكل يدركه أي شخص تعلم القراءة حديثاً)، سواء النسخة المنشورة على بوابة "الأهرام" في ذلك الوقت ، أو في الصحف السعودية ، إلا أن الخبر يظهر حقيقتان ، أقلهما أهمية مفادها أن مسلسل "عمر بن الخطاب" يهم الشبكة التليفزيونية السعودية بأي طريقة .. أما الحقيقة الأهم فهي تتلخص ببساطة شديدة في أن البعض يحتاج لرجال الدين لكي يضفي شرعية دينية على الفن!

يشترك النموذجان السعودي والإيراني في شيء واحد : الترويج لدعاية أن كل ما يفعل كل منهما مقدس ، ولا يحتمل الخطأ ، في فترة من الفترات كان يتم الاعتماد على رجال الدين والمؤسسات الدينية بشكل صريح وصارخ ، تماماً كما حدث في الخبر ، أما الآن وقد استقرت تلك الصورة في وجدان الناس ، فيبدو توقيع السلطة الحاكمة وحده يكفي لإظهار أن أي فعل لها هو مقدس لا يأتيه الباطل من أي داهية .. بدليل حملة العلاقات العامة المستمرة وراء المسلسل صحفياً وإلكترونياً رغم أن "المرجعيات الدينية" أعلنت رفضها له ، سواء الأزهر ، أو مؤسسة الإفتاء في السعودية نفسها.. والجديد في اللعبة هذه المرة أن الحكومات تحاول إظهار أنفسها هذه المرة بمظهر الإصلاحي الذي يمثل الإسلام المعتدل المستنير (في مواجهة المؤسسات الدينية المحافظة الطابع)، أمر نلاحظه بشكل صارخ في الحالة السعودية بالتحديد.. ومن قبلها في "إيران" في فترة "خاتمي"..

ويبدو توقيع السلطة الحاكمة على أي فعل بهذا الشكل لسبب بسيط ، وهو أن للسلطة رجال الدين الخاصين بها والمبررين لسياستها ، كأننا نتحدث عن "مصر مبارك" تماماً.. مع الفرق أن "تديين ما ليس بديني" في المجتمع المصري لم يصل إلى مستوى ما يحدث في الدولتين سالفتي البيان.. لا في عهد "مبارك" ولا حتى الآن..

وفي ظل علاقة السلطة الحاكمة في البلدين بالإعلام ، والإنتاج الفني (سواء بشكل مباشر أو بغير مباشر) من العادي أن يوقع رجل الدين على العمل الفني أو يراجعه "شرعياً" من وجهة نظره أو ما يعتبره وجهة نظر الشرع ، سواء في المسلسلات "التاريخية" في الحالة الخليجية (التي تستعين بكفاءات من خارج الخليج لإنتاجها وإخراجها بما أن الدراما الخليجية لا تزال تحبو وتقابل بهجوم من رجال دين متشددين)، أو في كل ما له علاقة بالدراما تقريباً في "إيران" ، حيث يقوم رجال الدين بنفس الدور الذي كان يقوم به "محمد علي" في الاقتصاد في مصر طوال فترة حكمه (1805-1840) : المنتج الأوحد ، الموزع الأوحد ، الرقيب الأوحد ، والمصدر الأوحد ، بما لا ينافي أجندة الدعاية داخلاً وخارجاً.. أمر يبدو مرذولاً عندما نتحدث عن فن وإبداع وأفكار وخلافه..

هل نحتاج إلى "رجال الدين" لضبط الفن و/أو للترويج له؟ هل نحتاجه لأن يقول لنا "افعل" و "لا تفعل" معاً؟ أم لأن يقول لنا افعل ما شئت ما دمت لا تخالف كذا وكذا وكذا؟ هل معرفتنا كعامة ناس ، بيننا الصانع والزارع والطبيب والمهندس وبالتأكيد الفنان بالدين "ميح" لدرجة أننا لا نعرف حلالاً من حرام؟ هل نحتاج لأيزو رجال الدين لكي نطمئن لمشاهدة أي عمل فني أياً كان؟ حتى ولو كان برنامج "عالم سمسم"؟ باعتقادي أن أي شخص مهما كانت درجة انحلاله به شيء من الدين ، بما أننا لا نتحدث عن مجتمع ملحد أو يعبد الأصنام..

وبين شرطتين : هناك فرق بين أن يراجع أساتذة التاريخ وفقهاء الدين تفاصيلاً تاريخية ودينية تتعلق بعمل فني ما ، وبين أن يقوم رجال الدين بمراجعة أي عمل فني مشهداً مشهداً وجملةً جملةً وحرفاً حرفاً و/أو أن يقوم بـ"اعتماد" العمل الفني من عدمه..

ختاماً.. ما يضحك أكثر أن من يهش لهذا الدور لرجال الدين هم أنفسهم من يقولون أنهم ليبراليون ، الليبراليون عادةً ما ينتقدون عامة الناس لأنهم يميلون لرجال الدين ويصدقونهم بداعٍ وبدون ، وهم أنفسهم يفعلون نفس الشيء معتبرين أن تجسيد الأنبياء والمرسلين على سبيل المثال- ما دام أباحه رجال دين - فهو دليل على حرية واستنارة ومواجهة لقوى الظلام ، رغم مواقفهم من رجال الدين وتديين المجتمع ، ولم يسألوا هم أنفسهم عن الاستنارة في مجتمعات بها أصنام سياسية ، ويعتبر فيها تقديم أي تناول فكري أو اجتماعي أو تاريخي معارض للنظام الحاكم في بلادهم جريمة تقترب من الطعن في الأنبياء والمرسلين أنفسهم.. أم ينتظر هؤلاء المستنيرون من رجال الدين أن يصدروا فتوى "تبيح" انتقاد النظم والتابوهات السياسية في أي مجتمع؟

آمل أن أكون قد أوصلت فكرة التدوينة بشكل صحيح.. دمتم بخير..
* وعلى جنب : أليس من الغريب أن يرفض مخرج مسلسل "عمر بن الخطاب" العمل في مسلسل "الشحرورة" بداعي تعرضه - كما يزعم - لقادة وزعماء عرب؟

Tuesday, July 10, 2012

الشيخ "أسامة القوصي" : مفتي الديار السينمائية

وبرغم كل ما سبق ، فإن بطل هذه النكتة ليسوا من مشايخ التطرف الذين اعتدنا على سماع أشياء عجيبة منهم من حين لآخر ، بل هو من "الإسلاميين المعتدلين" طبقاً للتصنيفات الإعلامية ، ويهيل عليه البعض آيات الإشادة لـ"استنارته" .. التي أترك لكم تحديد موقفكم منها ..

مولانا الشيخ قرر تقمص دور الناقد الفني معلناً في حوار له مع موقع "اليوم السابع" أنه من "المقبول" تواجد مشاهد "فاضحة" - التعبير له - طالما أن "الحبكة الدرامية" "توجب ذلك" ، وأن "إلا ان الأفلام الجنسية لها غرض واضح، أما الأفلام الأخرى فهي تهدف للإصلاح، لذلك فإننا نقبل تلك المشاهد في سياق ولا نقبلها في سياق آخر"..

سيادته يقول "من المقبول" ، ولا أعرف بأي منطق ، فلا يقبله منطق المجتمع الذي يرفض تلك النوعية من المشاهد "من غير حاجة" ودون انتظار لفتوى تحريم أو إباحة لمشاهد "الأباحة" خاصةً في فن جماهيري مثل السينما يمكنه أن يقبل تلك النوعية من المشاهد ، حتى وإن تحاكى أفراده عن تلك المشاهد ، فإنهم يفعلون ذلك بـ"حذر" كما لو كانوا يهربون مخدرات ، ولا يقبله المنطق الديني ، في أي دين كان ، أن يقبل مشاهد الجنس المباشر في السينما أو أي فن آخر.. رجال الدين المسيحي في الخارج لهم انتقادات لمشاهد العنف والجنس ، وليس "غريزة أساسية" سوى مثال .. بما أنه من السادة المتحدثين باسم الدين.. ولا المنطق الإبداعي الذي يفترض أن هناك فرقاً ، حتى عند أكثر صناع الفيلم السينمائي تحرراً ، بين ما هو "فني" وما هو "بورنو"..

سيادته يتحدث عن الغرض "الواضح" للأفلام الجنسية ، التي لم يحدد موقفه منها "بعد"، أي أنه ، بما أنه "داعية" و "مفكر إسلامي" ومؤخراً "ناقد سينمائي" ، فهو يعرف أكثر ، وبنظرة عين واحدة ، الفرق بين الفيلم العادي والفيلم الثقافي ، المتحدث باسم الدين ، المبني على أحكام "مطلقة" ، عامة ومجردة (1) مثل القانون ، يفتي في أمور "نسبية" ، فالبعض يرى أن بعض المشاهد الخارجة أمر عادي ، ويرى أن هذا الفيلم "مفيهوش حاجة" ، في حين من الممكن أن يرى آخر ، ليبرالي مثلاً ، نفس الفيلم على أنه "فيلم من إياهم" (2)، وتلك المشاهد كمشاهد مقززة.. وعلى ما أسمع ، وربما يكون العتب على السمع ، يبقى الكلام عن الحبكة الدرامية والتصاعد والذروة والعقدة والصراع الداخلي حقاً أصيلاً لنقاد ومتابعي الفن السابع ، وليس لرجال الدين.. ولأنه يريد تقديم نفسه كسلفي "مودرن" يتحدث عن قبول تلك المشاهد في أفلام غرضها "الإصلاح".. ألم يخبر أحدهم الناقد الفني "مولانا" بأن الأفلام ليست وعظاً ، وبأن الوعظ الحقيقي مكانه على المنبر الذي كاد سيادته أن ينساه ، بما أنه من عجائب مصر السبعين أن يقوم أي شخص بأي عمل في العالم إلا عمله الأصلي!

فعلاً وكما قيلت في أحد الأفلام "أوفر قوي قوي يا انشراح" ..في الوقت الذي هلل فيه البعض للتصريح العبقري الذي يدل على "استنارة" و "حداثة" و ..و ...كشفه البعض الآخر ، ومنهم الناقد السينمائي "طارق الشناوي" الذي وصف تصريح "مولانا" بالمزايدة قائلاً له وبوضوح "نحن فنانون ومبدعون نطالب بحرية الرأي وليس حرية الجنس" ، و"الشناوي" عنده حق ، وأضيف أنه في الوقت الذي يزايد فيه البعض على كل شيء في الفن بما فيه الفن نفسه ، يظهر من يزايد على المزايدين أنفسهم فيدخل في إباحة ما هو مختلف عليه فنياً ومرفوض مجتمعياً باسم الدين، وبنفس منطقهم ، منطق الأستاذ الذي يعرف أكثر ، ورجل الدين الذي يفتي بلا سند وبلا سبب وبلا قراءة وبلا ملاحظة وبلا رجوع لأهل الاختصاص وبلا أي شيء ، تماماً كباقي السلفيين الذين يحلو له انتقادهم.. تذكروا أنه السلفي المودرن الحداثي المستنير الذي سيثري بفتاواه الحياة الفنية بتنظيره لنوع من مشاهد البورنو بما لا يخالف شرع الله!
(1) ولست بحاجة للتذكير بمثال ينسب للعالم الأزهري الراحل الشيخ "محمد أبو زهرة" في شرح تلك النقطة ، حين قال أن الإسلام حرم الزنا حتى لو بامرأة مشركة محترفة عقيمة.. أي أن التحريم مطلق وليس نسبي فيما لم يرد فيه استثناء..
(2)...ولأننا نستنير بالآراء والفتاوى والأحكام لمولانا مفتي الديار السينمائية ، وبما أنه أدرى بالسينما من أهلها ، لماذا لم يخبرنا بمثال أو اثنين عن فيلم جنسي صرف وافقت عليه الرقابة ويعرفه الناس بما أن "أهداف الفيلم الجنسي معروفة"؟..هاهاهاها :(

Sunday, July 8, 2012

إقحام الأنبياء في معارك الهواء

ولا زلنا مع معارك الهواء..

في فترة من الفترات أثير موضوع رفض ظهور الأنبياء في الأعمال الفنية الدرامية من قبل صناع أفلام ونقاد ذوي ميول عالمانية متباينة في درجة تشددها (هناك عالمانية متشددة كما أن هناك تدين متشدد.. للتذكير فقط) ، وكان برنامج "زووم" - لمن لا يزال يتذكره - مسرحاً لتلك النقاشات على مدى أسابيع ، كانت شبه موجهة - هذا رأيي الشخصي - لفكرة أنه "لا داعي" لـ"رفض" ظهور الأنبياء - عليهم جميعاً الصلاة والسلام - وآل البيت النبوي رضوان الله عليهم على الشاشة ، وأن حركة الفتاوى يجب أن تكون "أكثر مرونة" و "أقل تشدداً" في هذا الصدد .. لم تكن أحداث 11 سبتمبر قد وقعت بعد.. كي يضاف إلى الحج "توصيل صورة الإسلام المعتدل السمح المستنير إلى جمييييع أنحاء العالم" و ..و... رغم أن هناك فتاوى أزهرية لعلماء أزهريين كبار ، ولها أسانيدها بالتأكيد فقهياً ومنطقياً..

ومع ظهور هوجة الدراما الإيرانية المدبلجة عاد الموضوع للواجهة من جديد .. خاصةً عندما عرضت بعض الفضائيات المصرية ، ومن بينها "ميلودي دراما" في العام 2010 مسلسل "يوسف الصديق" الذي ظهر فيه ممثل يقوم بدور سيدنا يوسف عليه السلام ، والتي تمسكت بموقفها رغم الرفض العنيف للمؤسسة الأزهرية ولقطاع كبير من الناس ، ولم يخل بالتأكيد الملف الذي عرضته مجلة "الوعي الإسلامي" عدد أبريل نفس العام ، والذي سبق تناوله هنا بشكل ضمني في وقته من عرض الفتاوى السنية والشيعية في تلك المسألة..

وعن نفسي ، رافض لفكرة ظهور الأنبياء على الشاشة جملة وتفصيلاً ولي تحفظات على ظهور أفلام تتناول سيرتهم ، ولي في ذلك أسباب من وجهة نظر متفرج عادي جداً..

1-أولها ببساطة اقتناعي ، واقتناع أعداد كبيرة من الناس بمن فيهم عالمانيون كثر ، بأن للأنبياء وضع خاص جداً في الإسلام يختلف عنه في أي ديانة أخرى ، المسلم العادي يؤمن بكل الأنبياء والمرسلين ولا يفرق بينهم ، ويعتبر أن قصصهم الواردة في الكتب السماوية وآخرها القرآن الكريم تاريخ ديني ، نوع خاص من التاريخ لا يحتمل التأويل ولا عرض وجهات النظر الشخصية فيه ، نؤمن به لأنه دين ، هناك فرق بين أن يكتب "س" عن شخصية تاريخية مثل "جمال عبد الناصر" من وجهة نظره الشخصية جداً فيه وفي الناصرية إيجاباً أو سلباً ، لأنه يبقى شخصاً عادياً مهما كان له أو عليه ، مهما نجح ومهما أخفق، ولا يحظى بالاستثنائية التي يحظى بها الأنبياء ، أما الأنبياء فهم محركون بوحي من الله عز وجل ، ولهم صفات نقر بها كمسلمون لأنها في صلب عقيدتنا.. من العادي جداً أن تكون لهم - عليهم الصلاة والسلام - تلك القدسية في مجتمعاتنا على العكس من مجتمعات أخرى ترى الموضوع بشكل آخر.. تلك القدسية التي أراها لا تعيبنا في أي شيء .. عكس ما قد يعتقد البعض..

بالتالي هناك "مسافة" بيني كشخص متفرج على عمل فني وبين شخصية أي نبي حتى وأنا أتخيلها ، وعادةً الشخص "العادي" - عاماً كان أو غير عام- الذي توجد بينك وبينه مسافة سببها أنك تقدره وتجله وتحترمه لا تراه كثيراً جداً طول الوقت ، مهيب فلا تستطيع - كشخص لم يعاصره على الأقل- أن تنظر في وجهه ، خصوصية المسافة بيني وبين النبي المرسل لا تجعلني كشخص من عامة الناس أقبل فكرة تخيله في صورة شخص أعرفه أو لا أعرفه (=الممثل الذي يقوم بدوره حتى لو كان يمثل للمرة الأولى والأخيرة في حياته)، فما بالكم لو كان ذلك في صورة شخص لي معه "سوابق" ، كأن يسند دوره إلى ممثل كوميدي أو ممثل يذكر بأدوار الشر ، أو أراه في صورة أكثر من شخص ، باعتبار أنه يوجد أكثر من مسلسل يتناول حياة نفس النبي.. ألا يُخشى من ذلك أن يؤثر على صورة الأنبياء لدى مجتمع يفترض أنه غير ملحد وغير منحل؟

2-أحيلكم إلى ما ذكره الكاتب والروائي الراحل "عبد الحميد جودة السحار" في مقاله بمجلة "الهلال" عام 1970.. وهو مهم للغاية :

تختلف القصة في القرآن عنها في التوراة اختلافًا كبيرًا .. فالتوراة تسرد في تفاصيل وتتابع قصص الأنبياء ودور المرأة في حياتهم والصراع بين قوى الخير والشر، وقصة كل نبي تبدأ غالبًا بمولده وتنتهي بوفاته وتروي ما كان من أحداث بين البداية والنهاية، ولما كانت تلك القصص تهتم برواية أفعال الأنبياء فقد أطلق على أسفار العهد القديم أسماء الأنبياء أو من قاموا بخدمات جليلة لإسرائيل مثل إستير ونحميًا ودانيال. أما القصة في القرآن فلا تقصد لذاتها بل للعبرة، لذلك لا توجد في القرآن الكريم قصة نبي كاملة في سورة واحدة إلا قصة يوسف عليه السلام.

ولذلك السبب لم تأتي قصة سيدنا يوسف عليه السلام مفصلة ، ولم يحتوي القصص القرآني على تفاصيل ، منها اسم الفرعون الذي كان يحكم مصر في فترة سيدنا موسى عليه السلام ، ونظيره الذي كان يحكمها وقت ظهور سيدنا يوسف عليه السلام ، واسم السجينين اللذين كانا مع سيدنا يوسف عليه السلام في السجن وفسر لهما رؤياهما ، وأسماء أشقاء سيدنا يوسف عليه السلام .. الغرض هو العظة والعبرة فقط لا أكثر.. تظهر بوضوح حين نقرأها لا حين نشاهدها في عمل فني درامي..

الدراما يا سادة لعبة التفاصيل ، يجب أن يكون لديك تفاصيل ليكون لديك عمل درامي جيد ، أسماء وعلاقات وحقب زمنية يبني عليها المخرج ديكوراته وأكسسواراته ، وفي القصص القرآني لا توجد تفاصيل ، ولكي تقدم عملاً به تفاصيل عليك البحث في مصادر أخرى ، وقد تعلق قدماك في الإسرائيليات وتسقط في بحر غميق من الأخطاء والمغالطات ، قد تتسع طبعاً إذا ما أردت أن تضيف من خيالك بعض التفاصيل الأخرى بما أن كل المصادر لا تكفي، قد تجعل من عملك الفني مهزلة فنية وتاريخية متكاملة ، هذا لو اعتبرنا حسابات مجموعة المؤلفين والمخرجين من عينة "دة فن يا بيه مش دين"..

3-التطور الحالي للفن وفلسفته ،وخصوصاً بما يتعلق بالدراما ، أدعى لأن يصبح تجسيد الأنبياء درامياً مرفوضاً أكثر من أي وقت مضى ، انتهى في الدراما زمن "تقديس النص" ، أصبح الكاتب الآن أكثر حرية من أن يتم سجنه في نص وحبسه في كلماته وضمن حدوده ، بمعنى أن أي نص يؤخذ عنه سيناريو لفيلم أو مسلسل لا يقدم كما هو من الألف إلى الياء بشكل حرفي ، بل يخضع لمعالجة وتحوير تخضع لرؤية كاتب السيناريو أو المؤلف حتى لو تضارب ذلك مع النص وروحه ، لا تستغرب إذا ما رأيت يوماً ما مسرحية "شكسبير" الشهيرة "هاملت" في فيلم فارس كوميدي أو كوميديا موسيقية ، مع الوقت بدأ الكتاب يتعاملون مع "النص الديني" نفس معاملة "النص الأدبي"(1)(2) ، ومع الوقت ، وكرد فعل طبيعي للتسيس والتطرف والتمذهب في بلداننا بدأت نزعة مشابهة في الظهور ، قد يقبل ذلك مع النصوص الأدبية التي لا قداسة لها فعلاً على أرض الواقع ، لكن مع نصوص ذات طبيعة مختلفة ، يبدو ذلك مستحيل القبول..

ومع إمكانية عدم الإبقاء على النص الديني كما هو عليه يبقى هناك احتمالان أحلاهما مر .. الأول أن يشطح أحد السادة الكتاب بشكل يعكس رؤيته هو ويتضارب كليةً مع ما جاء في "النص الديني" ، كأن يغير - مثلاً - في نهاية مسلسله وفيلمه الذي يتناول فيه أحد قصص الأنبياء على العكس مما هو مذكور في القرآن الكريم ، فقط كرؤية فنية .. وفي هذه الحالة لن يكون مجتمعنا ولا مجتمعات كثيرة في العالم "منشكحة" حين تفاجأ بذلك ، والاحتمال الثاني والأسوأ أن يتم العبث بغرض الدعاية السياسية والمذهبية ، وهذه مصيبة سوداء ، خاصةً وأننا في مصر فعلناها مع "ألمظ وعبده الحامولي" قبل ما يقرب من نصف قرن من أن يقدم لنا "محفوظ عبد الرحمن" في "بوابة الحلواني" قصة مغايرة تماماً ، وما قد فُعِل بالأمس مع التاريخ ، قد يفعل اليوم مع أشياء أخرى..

4-لأي عمل فني في العالم هدف ، هذا ما أعرفه ، حتى لو كان هذا الهدف هو مجرد التسلية ، ومع هذا النوع الاستثنائي من القصص ، والذي يحظى مصدره الوحيد بقدسية خاصة جداً - يبقى هناك هدف واحد فقط ، ألا وهو السرد الدقيق في ضوء النص الديني بغرض الوعظ ، فقط ، عكس المسلسلات المأخوذة مثلاً عن نص أدبي يقبل المعالجة والتحوير والإعداد والتمصير وغيره ، هل يخدم ظهور الأنبياء على الشاشة هذا الغرض؟ لا بالنسخ والرقعة والثلث..

لا يوجد أي مبرر من أي نوع فنياً ولا تاريخياً ولا وعظياً ولا .. ولا .. من ظهور الأنبياء على الشاشة ، وظهور ممثل في دور سيدنا يوسف عليه السلام في المسلسل الإيراني أضر بصورة القصة لدينا وحولها من صورتها التي نعرفها عليه إلى عمل اجتماعي متواضع المستوى..

مرة أخرى ، رافضو ظهور الأنبياء على الشاشة ليسوا من المتشددين المتطرفين الذين يعتبرون الفنون كلها حراماً على إطلاقها كما يتصور بعض الأتاتورك ، من بين هؤلاء الرافضين السيناريست الكبير "وحيد حامد" حين انتقد وبشدة محاولات إيران تقديم فيلم عن الرسول صلى الله عليه وسلم ، لأسباب يدخل فيها بعض ما سبق ذكره من نقاط أرجو أن أكون قد أحسنت توضيحها..

باختصار شديد .. تحسين صورة الإسلام يأتي بألف صورة وصورة ، ليس من بينها إظهار الأنبياء على الشاشة لغرض سياسي أو دعائي أياً كان ، وعلى السادة "المبدعين" إن أرادوا الدخول في معارك هواء ، أن ينتقوا معارك حقيقية تستأهل الانتباه والنقاش حولها بحق وحقيق..

كل الشكر للزميل طارق سعد الدين الذي كتب تدوينةً هامةً للغاية كانت مصدراً مهماً لمعلومات كثيرة استرشد بها كاتب السطور حين كتابته لتلك التدوينة..
17-7-2012: ولو أن ذلك يعد مخالفة صارخة لقواعد التدوين ، إلا أنه جاءتني فكرة الفقرة الثالثة بالأمس أثناء مشاهدة حوار على القناة الأولى للتليفزيون الرسمي حول تلك المسألة مع الناقد السينمائي الشهير "رفيق الصبان" .. وفكرة تلك الفقرة أخطر من أن تضاف كتحديث تحت تلك الخانة ، لذا أستميحكم عذراً في أن أضمنها للتدوينة الأصلية..
(1)...ونذكر بأن الفرق كبير بين أن يتم تقديم قصة النبي أو المرسل (عليه الصلاة والسلام) بشكل تاريخي ويتم تحريفها لغرض فني أو دعائي ، وبين أن يستوحي الكاتب من القصة تيمة أو خط يتم تقديمه بشكل فني بعيد عن القصة الأصلية كما يحدث مثلاً مع تيمة الكراهية بين الإخوة غير الأشقاء (الموجود أثرها في قصة سيدنا "يوسف" عليه السلام) في أكثر من عمل فني.. أرى والله أعلم أن الأمر الثاني مقبول ، أما الأول فأعتبره جريمة..
(2) في العام 2008 أثير في الولايات المتحدة الأمريكية وفي أستراليا جدل عنيف حول محاولة لتقديم أحد قصص الإنجيل في مسرحية تحمل عنوان "عيد الجسد" للكاتب الأمريكي الشهير "تيرنس ماكنيللي" قيل فيها أن ذلك الأخير قام بمعالجة القصة نفسها بشكل "عصري" وتقديم أبطالها في الزمن الحالي بمن فيهم السيد المسيح عليه السلام بشكل "مشين أخلاقياً"..

Friday, July 6, 2012

معارك الهواء : يجعجعها "مبدعون" ويكسبها الإسلاميون

قبل أن يتضايق قرائي الليبراليون مما سأكتب ، فقط أطلب منهم بعض سعة الصدر التي أتوقعها عادةً من ليبراليين!

أغلب صناع الأعمال الفنية ينتمون لمدارس فكرية وسياسية لها تصورها بالتأكيد تجاه الدين ،والدولة ، والحريات ، وأشياء كثيرة ، وما يعد تابوهات ، بالنسبة للمجتمع ، لا يبدو كذلك بالنسبة لهم ، ويؤمن بعض هؤلاء ، وليس الكل ، بضرورة كسر تلك التابوهات ، من أجل مزيد من الحرية ، ومن أشهر تلك التابوهات بالتأكيد ما يمت بصلة للدين والسياسة..

ومن أغلب هذا الأغلب مؤدلجون ، نموذج "الفنان الناشط" ، ومن هؤلاء والحمد لله من لا يعرف الفرق بين الفيلم والمنشور ، والمسلسل والمانفيستو ، لديه الفن وسيلة ليس لتوصيل وجهة نظر (لإنه لو حب يوصل وجهة نظره كفنان حيوصلها بطريقة فنية محترمة) قد ما هو لـ"النضال" ، ويعيش بعضهم هذا الدور أفضل من أقوى ممثل عندما يتقمص دوراً ، ولكي تصبح مناضلاً أكثر يجب أن تدخل في معارك ، إن لم توجد تلك المعارك في الحقيقة ، افتعلها أنت.. ومن هذا النوع من دخل معارك لا معنى لها ، ولا قيمة لها ، مع النظم السياسية (التي لم ينتقدها بشكل يحترم العقل وإنما بالصراخ والعويل) ، ومع المؤسسات الدينية (التي فيها من يتفهم الفن وفيهم من لم يتفهمه) ، ومع الشارع (الذي يراه هذا النوع من الفنانين جاهل ومتخلف وكذا وكذا).. ويخرج هؤلاء من معاركهم مصحوبين باستهزاء المجتمع الذي يفترض أن يوجه له هؤلاء "أفكارهم" بدلاً من أن يكسبوه إلى صفهم..

في كل يوم يظهر ألف فيلم ، يختار له صناعه ألف اسم ، بلا مشاكل حقيقية أو مفتعلة ، لكن "خالد يوسف" مثلاً كان له رأي آخر عندما أراد افتعال مشكلة لذيذة مع الرقابة والأزهر عندما أطلق اسم "خيانة شرعية" على فيلمه "خيانة مشروعة" ، وما أن بدأ الاعتراض حتى بدأ هو في الصراخ محتجاً على الحملة العنيفة ضد حرية الفكر وحرية الرأي وحرية الفن وحرية الحرية ، رغم أن الاسم الذي اختاره هو أبعد عن فكرة الفيلم الذي شاهدته وكتبت عنه في حينه في المدونة الشقيقة "فرجة" قبل خمس سنوات ، مع تسليمي بأنه "حر" في أن يفعل ما يشاء ، لماذا افتعل هذا الحوار الفاكس؟ ليلفت النظر إلى فيلم شاهده الملايين في السينمات ثم تهكموا عليه عندما عرض في الفضائيات ، ومنهم من لم ينتظر عرض الفيلم في الفضائيات لكي يتهكم عليه وعلى صانعه!

ويمكنك أن تتساءل كيف شئت عن مستوى موهبة فنانين لا يعرفون إلا المباشرة ، والمبالغة الشديدة في المباشرة ، آل يعني بيعمل shock... في حين أن الغرض الحقيقي ليس إنارة المجتمع أو تنبيه المجتمع كما يظن ويدعي ، أبداً ، بل الغرض هو عمل شو سياسي وديني ، وخصوصاً الشو الديني ، الذي يخرج من بعده الفنان أو المخرج مقروفاً من الجمهور الذي "لم" يستطع استيعاب شطحاته وحبشتكاناته ، رغم أنه كان الممكن - لو كان موهوباً والعياذ بالله - أن يكسبه إلى صفه إن قام بما يريده بشكل "فني" و غير مباشر يعتمد على كل تقنيات الفن ، بما أنه لم ينبهه أحد إلى الفرق بين القصة بطابعها الفني والأدبي و"الحدوتة" التي نحكيها لبعضنا البعض على القهوة ، وبين الشعر والكلام العادي ، وبالتالي كام مشهد من إياهم بلا ضرورة ولا هدف ولا لزوم ولا داعي ، يتفرغ بعدها للصراخ والعويل و("ظلموني .. جرحوني...الخ" مع الاعتذار لـ"حكيم") ، ولنا في "إيناس الدغيدي" ما يملأ مجلداً ويخرج في إطار رؤيته بشكل موضوعي عن نطاق هذه المدونة..

والمستفيد الوحيد معروف طبعاً : الإسلاميون..

1-حصلوا على فرصة من ذهب ليثبتوا فيها أنهم حماة حمى القيم في المجتمعات كلها ، هم لا يفعلون شيئاً أكثر مما يردده الجمهور المحافظ وكاتب العمود المحافظ ، بل إن واقعة تبعد بعض الشيء عن منطق هذه التدوينة هي مطالبة حزب "النور" بمنع عرض "مدرسة المشاغبين" كان لها علاقة بتراكمات كبيرة من كتابات كتبة الأعمدة في الصحف القومية المناهضة للمسرحية والتي تعتبرها كذا وكذا وكذا ، والشيء نفسه مع "تهامي ووديع" رغم مرور ثلاث سنوات على عرض دعاياتهم على فترات ، وسيكتسب الموضوع قبوله عندما يدخل "بتوع ربنا" على الخط في مواجهة أي عمل فني..

2-استثمر هؤلاء جيداً جداً في صورة موجودة في الوسط الفني تربط ما بين الاشتغال في الفن والانحلال ، مع تسليمي أيضاً بأن في كل وسط يوجد الصالح والطالح ، ومعها استطاعوا اكتساب أرض فيما يتعلق بالفنون ، ومعظمهم ينظر للفن في ذاته بكل اشمئزاز واحتقار إن لم يكن يحرمه تماماً ، والناس معهم ، ليس فقط لأن الإسلاميين يتحدثون بلغة الدين (حتى لو حوَّروا تلك اللغة بما يناسب مصالحهم في أحيان كثيرة جداً جداً جداً) ، بل لأنهم أيضاً يخاطبون مجتمعاً له ، وهذا حقه ، سقفه فيما يتعلق بالشعرة ما بين الحرية والانحلال..

3- بالمرة ، بعد أن كسب الإسلاميون المجتمع في صفهم ، قرروا تصفية حساباتهم مع فنانين دخلوا المواجهة ضدهم ، وبصراحة ، لم تكن تلك المواجهة كلها على فكر أو اعتقاد أو تصور ، بالعكس ، كان منها جزء كبير له علاقة بالصدام بين النظام المباركي والإسلاميين ، من رفع منهم السلاح ومن لم يرفع ، بدليل أن مواقف بعض "الصنف إياه" من بعض هؤلاء تغيرت بعد سقوط "مبارك".. ولو لم يشكل الإسلاميين عنصر ضغط ، حتى ولو لم يكن بَنَّاءًا ، على النظام المباركي ، لما أصبح هؤلاء مادة للحرب الإعلامية والفنية - من جانب واحد - ضد الإسلاميين..

وخير دليل طبعاً ما حدث مع "عادل إمام" .. لم يسأل أحد نفسه : لماذا يقوم هؤلاء بحملة على أفلام "عادل إمام" رغم أنهم لا يشاهدونها بحجة أنها حرام؟ ولماذا يقومون بحملة على ممثل هو في النهاية موظف متعاقد مع منتج الفيلم ، لو لم يقم بهذا الدور ، لقام به غيره؟!

4-في أحيان كثيرة يكون التطرف رد فعل لتطرف ، من بعض كتاب السيناريو والمخرجين من تطرفوا مثلاً في مسألة ظهور الأنبياء على الشاشة ، التي يرفضها المجتمع وليس رجال الدين بالمرة جملةً وتفصيلاً ، عندما تتطرف فتستفز المعتدل المسالم ، من المؤكد أنه سيخرج لك المتطرف العدائي ، ليكسب المعتدل المسالم إلى صفه..

تلك المعارك التي يقوم بها بعض المنتسبين إلى الفن ، وأساءوا له ، هي معارك هواء ، شيء من لا شيء ، لا تبنى في الغالب على إيمان حقيقي بمبدأ حتى ولو كان قائماً على عدم وجود سقف لحرية التعبير ، بل على حب للظهور مختلط باصطناع دور الضحية واستدرار التعاطف ، مع قليل من الغباء الذي يزيد من سعار التطرف في حياتنا ، سواء أكان سياسياً أو ذا طابع ديني.. قيل لي في بداية حياتي العملية "أخذ الحق صنعة".. وهم لا يجيدون ما يعتبروها صنعتهم!

وعلى كلٍ، سيأتي الكلام بإذن الله لاحقاً على معركة هواء أخرى.. مثيرة للسخرية أكثر من أي شيء آخر!

Wednesday, July 4, 2012

الفن "الإسلامي" أم ما يطلبه "الإسلاميون"؟

نبدأ من "هشام النجار" أحد كتبة موقعي "المصريون" و "الجماعة الإسلامية" ، حقيقةً كان المقال الذي قرأته "لُقْطَة" بمعنى الكلمة ، بالتأكيد كنت تحتاج لأن تسمع كيف يرى المتحدثون الرسميون - أو من أعلنوا أنفسهم كذلك من جانب واحد - باسم الدين الفنون بكافة أنواعها ، أن تسمع منهم قبل أن تسمع عنهم ، تعرض الكلام على العقل وتزنه بهدوء وموضوعية..

يحاول "هشام" الرد على اتهامات موجهة للإسلاميين ، وليست للإسلام ، فيما يخص الموقف ضد حرية الفنون بكافة أشكالها ، صحيح أنه يبدأ مقاله بالدفاع عن التصور الإسلامي للفن ، وأنه قد حرر الفنان من ابتزاز السلطة ورجال الدين :

تعرض الفن على مدار التاريخ للابتزاز والتقييد من سلطتين ، الأولى سلطة الدين ، فاستخدمه الهندوس والإغريق والبابليون والأفارقة والعرب قبل الإسلام فى خدمة عقائدهم ، وفرضوا على الفنان نمطا وحيدا من الإبداع بتجسيد آلهتهم المعبودة فى تماثيل منحوتة . ووجهت المسيحية الفن لخدمة العقيدة وتحقيق أغراض الكنيسة ، ليس فى العصور الوسطى فحسب ، بل فى عصر النهضة أيضا ؛ حيث حدد القساوسة والرهبان للفنانين الكبار إطار إبداعهم ، وهذا واضح تماما فى أعمال مايكل أنجلو وليوناردو دافنشى وغيرهما .

....

كذلك تعرض الفن والفنان للابتزاز والتقييد من سلطة ثانية غير سلطة الدين ، وهى سلطة الدولة ، وأوضح مثال على ذلك هوليوود وكيف استخدمت أمريكا صناعة السينما فى بسط نفوذها وهيمنتها ونشر قيمها فى الخارج للدرجة التى اعتبر معها جورج بوش الأب السينما الأمريكية أحد أهم الأسلحة التى انتصرت بها الولايات المتحدة الأمريكية فى الحرب الباردة...

....

ويبقى المثال الأوضح والأقرب لنا هو السينما المصرية والفن المصرى على وجه العموم ، فى بلد لا أرى فى تسميتها هوليوود الشرق إلا فى جانب تقليد السينما الأمريكية فى استخدامها لخدمة أغراض الدولة وتطويع المجتمع وإخضاعه ، وسوق الجمهور للرضا والإيمان برؤى السلطة وسياساتها . فمن جانب استخدمت السلطة الحاكمة الفن والفنانين فى الترويج لنهجها فى علاقاتها وسياستها الخارجية ، وقد غلبت على الدراما المصرية طوال العقود الماضية روح الانهزامية أمام النموذج الغربى ، وتشبعت ثقافتنا بالرجل الغربى والأمريكى الخارق القادر على فعل المعجزات ، حتى صار هو منتهى طموح كثير من الشباب الذين تهافتوا على النزوح غربا ، ولو كلف ذلك أحدهم حياته فى عرض البحر فى رحلة هجرة غير شرعية

ويعرض في هدوء لما يتصوره الإسلام .. ضعوا تحت الجملة السابقة ألف خط ، للفنون :

وبمجئ الإسلام فى القرن السابع الميلادى تحرر الفن من سلطة الدين ، عندما توجه للفنان بصيغة النهى الاختيارى ( لا تفعل ) ، بعد أن كان مقيدا لقرون برغبات وأوامر وإملاءات رجال الدين . وإذا أجرينا مقارنة سريعة لوجدنا فارقا هائلا بين سلطة دينية تجعل الفنان خادما لأوامرها ومسخرا لأغراضها حيث لا اختيار له إلا أن يفعل ما أُمر به ، وبين دين يمنح الفنان مجالا واسعا للحرية والاختيار ؛ لأن صيغة الأمر ( افعل ) لا تتيح للفنان اختيارا آخر يتعدى رؤية السلطة ، أما أسلوب ( لا تفعل ) الذى اتبعه الإسلام ، فالفنان معه حر وله كامل الاختيار فى القيام بالبدائل الأخرى ، بعد التقيد بما ورد من نهى فى جزئيات بعينها تتعلق باستخدام الفن كمطية لتحقيق أهداف تنحرف به عن رسالته ودوره فى الحياة . كذلك تعرض الفن والفنان للابتزاز والتقييد من سلطة ثانية غير سلطة الدين ، وهى سلطة الدولة ، وأوضح مثال على ذلك هوليوود وكيف استخدمت أمريكا صناعة السينما فى بسط نفوذها وهيمنتها ونشر قيمها فى الخارج للدرجة التى اعتبر معها جورج بوش الأب السينما الأمريكية أحد أهم الأسلحة التى انتصرت بها الولايات المتحدة الأمريكية فى الحرب الباردة ،

إلى الآن نسمع كلاماً عاقلاً وموضوعياً ، يزيل شبهة أن الإسلام يقف ضد حرية الفنان بشكل عام إلا فيما يختص ما هو حرام وغير مقبول دينياً .. ولكن عند تلك النقطة تشعر أن الكاتب بدأ يضمن هذا الدفاع الموضوعي دفاعاً عن الإسلاميين بما هو ليس فيهم بالمرة..

ففي ظل الصراع على الزعامة الدينية وظهور القيادات المذهبية وجماعات الإسلام السياسي أصبح كل أولئك يتكلمون باسم الدين ، ويحددون بشكل قطعي (ما لا يجب فعله) لا النصوص الموجودة في القرآن الكريم والسنة المطهرة.. كما يحدث مع الموسيقى مثلاً ، التي يعتبرها شيوخ التيار السلفي حراماً صرفاً على إطلاقها ، حتى كفاصل موسيقي في القنوات كما يحدث في كل مكان في العالم بما فيه دول إسلامية، ويتحايلون عليها بالصوت الموسيقي البشري في تناقض غريب ..

ويجيد الإسلاميون عموماً فن "الكلفتة" بالذات فيما يتعلق بتلك النقطة (1)، فما أن يطرح عليهم المرء تساؤلاً في هذا الخصوص حتى يقولون له "انت عايز ترجعنا لسينما القبل والأحضان والملابس الخليعة والمشاهد ...الخ".. كما لو كان أي اعتراض أو محاولة لفهم ما لا يقبله الإسلاميون ، ويقولون من وجهة نظرهم التي لا تحتمل أي نقاش أن الدين يرفضه يعني سينما القبل والأحضان والابتذال و..و.. محدش جاب سيرة الهباب دة نهائي .. (2).. أتحدث عن عموميات بعيدة عن تلك النقطة بعد سيبيريا عن تشيلي..

يحول الإسلاميون بأفعالهم (لا تفعل) إلى (افعل) مقنعة ، تخيل مثلاً أنك واقف مع شخص ما أمام فاترينة محل أحذية ، بها خمسة أحذية على مقاسك تماماً ، نفس الموديل ، ولكن بخمسة ألوان مختلفة ، لينصحك هذا الشخص ، وله عليك دلال ، مثلاً ، بألا تختار الحذاء الأبيض ، ولا البيج ، ولا الزرعي ، بحجة أنها لا تناسبك ، وبذلك لن يكون أمامك منطقياً سوى الحذائين الباقيين ، البني والأسود!

وبالتالي ، تنحرف الأمور عما قاله في نهاية المقال مدافعاً عن التصور الإسلامي ، الذي هو ليس تصور كثير من الإسلاميين :....

أما الإسلام فقد أعطى الحرية للفنان ليكون قادرا على تطوير المجتمع وتبصير الحاكم بعيوبه وبث الأمل والثقة وعلاج الأمراض المجتمعية واستشراف المستقبل وإثراء الحياة العقلية والوجدانية ، والارتقاء بالمشاعر والأحاسيس وتوطيد العلاقات الإنسانية ، وليساهم فى بناء النهضة وليحافظ على ترابط الأسرة والمجتمع .

إلى الدعاية المباشرة وغير المباشرة للنهج ، سواء كان سلفياً ، أو صوفياً ، أو شيعياً ، بالأسلوب الوعظي المباشر أو حتى غير المباشر .. نفس ما كان يأخذه الكاتب على ديانات ما قبل الإسلام!

وبالتالي سيسأل البعض ، ولهم حق :إذا كان الفن في ظل قاعدة (لا تفعل) الذي لا يطبقها الإسلاميون بما يرضي الله البعيد عن كل مظاهر الإسفاف والاعوجاج والترويج للرذيلة وغيرها يتماشى مع ما جاء به الإسلام من قيم وأخلاقيات ، فلماذا مصطلح "الفن الإسلامي" إذن ، بما أنه لا إسلامي في العادة إلا بنص؟ (ولتصححوني في هذه إن أخطأت)؟ هل هناك سينما إسلامية وأخرى غير إسلامية؟ أو دراما تليفزيونية إسلامية وغيرها لا إسلامية؟ هل حدد الإسلام فعلاً تلك المقاييس أم أنها من بنات أفكار اجتهادات وتصورات الإسلاميين بشكل عام؟ ومن أعطى الإسلاميين الفرصة لفرض رقابتهم على الفن فيما يبتعد تماماً عما هو معلوم حرمته في القرآن الكريم والسنة؟

لدي تصور عن إجابة السؤال الأخير قد يكون صادماً بعض الشيء : بعض الفنانين أنفسهم!
(1)...وحنروح لبعيد ليه؟ هناك مقال آخر لنفس الكاتب يلعب فيه نفس اللعبة بشكل غير مباشر.. حتى وإن بدا ذلك عرضاً لأهم ما هو مرفوض دينياً في السينما على سبيل المثال ويمكن -في رأيي - التحايل عليه فعلاً ، وهو ما سأعرض له بإذن الله في وقت لاحق بعيداً عن مزايدة الكاتب..
(2) والغرض من تلك اللعبة واضح ، أن يشغلك بالدفاع المستمر عن نفسك في مواجهة هذا السيل المنهمر من الاتهامات فتنسى قضيتك الأصلية أو تتوه هي وسط زحام الجدل..

Monday, July 2, 2012

هل الفن عالماني؟

ترسخ لدينا هذا الإحساس بما أن أغلب العاملين في المجال الفني في بلد كبلدنا على سبيل المثال عالمانيون ، يتباينون فيما بينهم في مفهوم العالمانية بالنسبة لهم ما بين عالمانية تكتفي بفصل الدين عن العملية السياسية ، أو بعالمانية شاملة تفصل الدين عن الحياة (="الكمالية" نسبة إلى "أتاتورك")..وربما يكون فيهم من يصنف كمحافظين كأغلبية الشعب المصري مسلميه ومسيحييه ، وفضلاً عن هؤلاء يوجد ليبراليون (برضه بدرجات متفاوتة) ، ويساريون وناصريون يتبنون تصورات أكثر "تحرراً" من تلك التي يتبناها أغلب المحافظين في مصر ...أي أنه يمكننا أن نتحدث عن تواجد ضخم وطاغي ومستبد- بصراحة - لليسار في الساحة الفنية المصرية ، يليه بعض الناصريين ، ودخل على الخط بعض الليبراليين (المؤمنين أيضاً برأسمالية السوق والقادمين من وسط اجتماعي ارتبط بالثقافة الغربية) الذين ظهروا في أعقاب الحراك السياسي (2005-2011 واستمر بعد الثورة) ، أما الإسلاميين فحاشى وكلا ، اختاروا الابتعاد بالكامل عن العملية الفنية بمحض إرادتهم ، وتفرغوا لإدانتها ومواجهتها ومحاربتها وهم في نفس الوقت أشد النادمين على عزلتهم عنها بما أنها أفقدتهم سلاحاً دعائياً قوياً أحسن الآخرون استغلاله..

إذا استبعدنا الإسلاميين ، يجمع هؤلاء - أو لنقل الأغلبية الحسابية منهم - قاسم مشترك مهم ، ألا وهو أن لديهم سقفاً أعلى من الحريات ، ليس فقط من ذلك الموجود لدى "المتشدد" أو "المتطرف" بل حتى لدى الشخص المحافظ العادي ، ويرون أنه يجب أن تتوافر للفن حرية مطلقة دون أن يعوقه أي (مما يعتبرونه) تابو بما فيه السلطة ، الثقافة العامة ، العادات والتقاليد ، وبالتأكيد الدين.. كما يرون أن أي عمل فني لا يجب أن يتم تقييمه بمعايير "غير فنية" ، أو يتم الحكم أخلاقياً (ودينياً بالتأكيد) على قصته وتنفيذه وشخصياته فيما يبقى كل ذلك "خيالاً صرفاً".. ولا يحق - ما زال الكلام لهم - لأي جهة كانت ، بما فيها "الجهات الدينية" أن تصدر أحكاماً من أي نوع على أي عمل فني كان..

أضف بالتالي تأثر الفن لديهم بالنموذج الغربي ، والنموذج الثقافي الغربي تبنى العالمانية لأسباب تتعلق بالقرون الوسطى والتمرد على سيادة رجال الدين وتدخلهم في كل كل شيء ، وبالفعل نجح في بناء دول منفصلة في بنائها السياسي عن العامل الديني (وإن كانت قد فشلت باقتدار في فصله بالكلية عن السياسة)..

كل ذلك ساعد على تسويق الصورة العالمانية للفن ، وهي صورة يميزها شيء واحد فقط وهي أنها مجافية تماماً للحقيقة والمنطق!

يقول التاريخ أن كل أشكال الفنون من دراما وموسيقى في بداياتها ارتبطت بشكل أو بآخر بالدين ، سواء ديانات العالم القديم (كما حدث مع الإغريق والرومان حيث جاءت في صورتها البدائية محاكاةً لأنشطة بشرية منها الطقوس الدينية) أو الديانات السماوية السابقة على الإسلام (دراما العصور الوسطى في أوروبا والموسيقى الكنسية)..

اختلفت القصة تماماً بالنسبة للإسلام ، الذي ، كما سيتقدم ، لم يربط بين الفن والطقوس الدينية بشكل عام ، ولم يفرض فيه العلماء والأئمة لقرون طويلة تصوراً دينياً واضحاً يلزم فيه المشتغلين بالفن والأدب باتباعه وإلا ، أو بمعنى أصح وكما سنرى في تدوينة قادمة بإذن الله : الفن في التصور الإسلامي مبني على (لا تفعل) وليس (افعل) ، أي أنك حر في أن تفعل ما تشاء ولكن بعيداً عن مناطق بعينها .. بما أنه - كما يرى "محمد علي قطب" - يعكس "نظرة الإنسان المسلم للحياة" .. كما قال معرفاً "الفن الإسلامي" : "هو الفن الذي يرسم صورة الوجود من زاوية التصور الإسلامي لهذا الوجود . وهو التعبير الجميل عن الكون والحياة والإنسان من خلال تصور الإسلام للكون والحياة والإنسان ".. وأعطت للفنان مساحة من الحرية يتحرك فيها بعيداً عن أي توجيه ، فقط لا يقرب المناطق الحمراء .. لم نسمع عن محاذير كثيرة فرضها العلماء على ما وصلنا من زخارف وصلتنا عن طريق الكتب أو شاهدناها في المباني على سبيل المثال (1)..

مع الوقت ، وفي غياب الإلزام ، أقله قبل توحش الصراع على الزعامة الدينية ، تأثر الفن بالدين ، ليس كمحدد لمسار الفن حتى لو بتحديد ما لا يجب (2)(3)، ولكن كمكون ثقافي شديد الأهمية في حياتنا ، وبالأخص في بلد كمصر وبطبيعتها ، وظهر ذلك حتى مع ظهور الفنون الجماهيرية التي تعلمناها من اتصالنا الثقافي مع الغرب كالمسرح والسينما والدراما التليفزيونية.. وكوسيلة لتوصيل رسالة ما إلى عموم الجمهور..

ثم تطور الأمر إلى عملية تجارية وإتجارية ، سواء هنا أو في الخارج ، حيث أنه رغم العالمانية التي تهيمن على الثقافة الغربية بشكل عام ، لم يغب الدين مثلاً عن السينما أكثر الفنون جماهيرية تقريباً ، لكسب الجماهير ، أو لتوصيل رسالة من نوع ما للجمهور داخل البلد وخارجها ، استغلت "هوليوود" رواية "لويس والاس" "قصة السيد المسيح" (1880) لتقدم فيلم "بن هور" (1959).. قبلها بثلاث سنوات قدمت "الوصايا العشر" للمرة الثانية في فيلم أخرجه "سيسيل دي ميل" (4).. مع الوقت ، ومع استفحال النفوذ الصهيوني في "هوليوود" بدأ الترويج لأفكار الصهيونية عن طريق إشارات دينية في أفلام غير تاريخية ، ومنها أفلام حركة ودراما حققت نجاحاً كبيراً في جميع أنحاء العالم ، ونشاهدها بكل تناحة دون أن نفكر في كثير مما تحوي من إشارات ، من أشهرها "أرمجدون" (1998) (وقليل من التوضيح يوصل الفكرة أكثر) ، "Star Gate" (1994).. (وهو لعب مبتذل على الدعاية الصهيونية أيضاً).. وكل تلك الأفلام حققت إيرادات كبيرة داخل الولايات المتحدة وخارجها..

ولا تخل أفلام أخرى من آثار دينية ، حتى ما كان منها بعيداً عن أفلام الدعاية الصهيونية وأرض الميعاد وشعب الله المختار ، أفلام مصاصي الدماء على سبيل المثال ، الذين يقتلون - دائماً- بـ"الصليب".. (5)..بل إن بعض الأفلام والمسلسلات تعتمد على إفيهات كوميدية "دينية" ، بل في بعض الأحيان تبني على قصص دينية أفلاماً ومسلسلات ، كما في مسلسل "الله والشيطان وبوب" الذي أثار غضباً عنيفاً في الولايات المتحدة الأمريكية من الكل ، مسلمين ، ومسيحيين ، ويهود!

تأثر الفنون الجماهيرية لدينا بالدين كان كبيراً أيضاً ، كان غير مباشر في الموسيقى والغناء حيث أن كثيراً من الرعيل الأول من الملحنين والمطربين المصريين كانت لهم علاقة بالأزهر وحمل بعضهم لقب "شيخ" كـ"الشيخ سلامة حجازي" و "الشيخ أبو العلا محمد" و"الشيخ سيد درويش" و"الشيخ زكريا أحمد" ومن بعدهم بفترة طويلة "الشيخ إمام عيسى" - رفيق كفاح "أحمد فؤاد نجم" ، وتأثروا جميعاً هم وغيرهم بترتيل القرآن الكريم وبالابتهالات والتواشيح الدينية .. التي كانت رافداً مهماً في تطور الموسيقى في مصر..

ولم تبتعد السينما كثيراً عن التأثير الديني .. كان الفيلم "الديني" الصرف فرصة لتقديم أعمال سينمائية تاريخية ، كتلك التي استوحيت من مؤلفات "أحمد أمين" كـ"فجر الإسلام" الذي أخرجه "صلاح أبو سيف" (1971) والذي احتوى قيمة فكرية وفنية أيضاً ، شأنه كشأن ما أنتجه لاحقاً السوري الراحل الكبير "مصطفى العقاد" في فيلم "الرسالة" ، كما تناولت أفلام أخرى حياة أشخاص ارتبطت حياتهم بالرسول صلى الله عليه وسلم ، كـ "بلال مؤذن الرسول" الذي أخرجه "أحمد الطوخي" (1953) ، ثم "الشيماء" الذي أخرجه "حسام الدين مصطفى" (1972).. هذا لا يمنع أن أفلاماً دينية "غير مباشرة" تناولت قيماً دينية سبقت ربما معظم الأفلام الدينية التاريخية عندنا زمناً ، وتعددت دوافعها ما بين توصيل قيم إيجابية للمجتمع ، وما بين الحس التجاري وكسب السوق المتدين ، بل أضاف إليها النقاد "الناصريون" بعداً سياسياً رابطين بين بعض تلك الأفلام في السبعينيات وبين تقرب "السادات" من الإسلاميين ، لكن ذلك لم يفسر ظهور أفلام ذات أسماء ذات أصل ديني مثل "إن ربك لبالمرصاد" في الثمانينيات ، التي شهدت أيضاً فيلماً هاماً جداً هو "العار" (1985) ..

أعتذر لك بالتأكيد عن هذا الفاصل الطويل من "الدَّش" الذي كان الغرض منه توصيل فكرة واحدة فقط .. إن كان هناك من مستحيل رابع في هذه الدنيا ، فهو أن ينفصل أي شيء في حياتنا عن الدين والسياسة ، الدين كان ، وما زال ، وسيظل مرتبطاً بمناحي حياتنا بشكل أو بآخر ، ومن الفروق الهامة بين الإسلاميين والليبراليين واليساريين والاشتراكيين وحتى عامة الناس هو فهمهم لعلاقة الدين بكل شيء ، السياسة والاقتصاد والرياضة وحتى الفن.. عذراً لشدة الإطالة..
(1)..أما الموسيقى فكان وضعها مختلفاً ، فبرغم أنها لم تقابل بمقاومة "ضخمة" إلا أنها ارتبطت لفترات طويلة برغد العيش والرفاهة والاهتمام الزائد بالدنيا ، ووصلت إلى بيوت الخلفاء أنفسهم في العصرين الأموي والعباسي الأول ، على العكس من طبيعة الكثير من سكان البلاد الذين لم يكونوا قد اختلطوا - بعد - بسكان "الأمصار المفتوحة" كالمستعمرات الفارسية والرومانية السابقة ، وبالتالي اصطدمت بآراء الكثير من العلماء الذين ذهب بعضهم إلى تحريمها (رغم أن بعض الموسيقيين كـ"زرياب" كان مقرباً من بيت الخلافة) ، وارتبطت في بعض الفترات بالانحلال ، أقله ما يبين كتاب "الأغاني" لـ"أبي الفرج الأصبهاني" رغم وجود علامات استفهام كبيرة جداً على مروياته ، "الانحلال" الذي قابلته حركات زهد أكثر تشدداً..
(2) ...هذا لا يمنع أن رجال الدين والمحسوبين على تيارات دينية يحددون في بعض الحالات ما يجب ولا يجب في المسألة الدينية وبشكل مختلف ، بالضغط القضائي والحقوقي والجماهيري والإعلامي، فكما حدث من بعض المحسوبين على التيارات الدينية الإسلامية في حربهم مع "عادل إمام" وحصولهم على أحكام ضده بتهمة "ازدراء الأديان" (بسبب انتقاده لتلك التيارات كما يرون) بشكل قد يجعل صناع الأفلام في المستقبل أكثر حساسية في تناول أمور بعينها تخص تلك التيارات ، كان لبعض المحسوبين على تيارات مسيحية متطرفة دور في معركة "بحب السيما" والتي وصلت إلى القضاء ، حتى وإن خاضوها تحت ستار منظمات مجتمع مدني..من حق رجل الدين أن يكون له بالتأكيد رأي شخصي في أي فيلم ، أو أن يقيم الفيلم من وجهة نظر دينية ، لكن ألا يستغل الأمر في مزايدة فكرية أو سياسية كما سترون فيما بعد..
(3) ...والمضحك أن العديد من الفنانين الليبراليين الذين يرفضون أي تدخل "ديني" في الفن سواء بالرقابة أو بالتحديد و/أو تطبيق أي معيار ديني أو أخلاقي في نقد الأفلام (لأنهم يرون أن لـ"الإبداع" معايير تختلف عن معايير الدين) لا يضيقون ذرعاً بتكريم المركز الكاثوليكي لأفلام سينمائية وصناعها لتقديمها "قيماً أخلاقية"..ولا باعتباره الجهة الوحيدة - وصححوني إن أخطأت - التي ترشح الأفلام المصرية للتنافس على مقعد الفيلم الأجنبي في جوائز الأوسكار!
(4) ...ويقول الناقد السينمائي "أحمد رأفت بهجت" أن "الوصايا العشر" قد عرض في مصر .. ربما لديه أدلته ، لكن الفيلم لا يعرض في أي قناة عربية أو مصرية لتجسيده سيدنا موسى عليه السلام ، وهو ما يرفضه معظم علماء الإسلام ، والكثير من المثقفين ، وعامة الناس ، وأنا منهم.. وأسبابي سأحاول توضيحها فيما بعد .. الموضوع كبير كبير كبير.. :)
(5) ... وستدهش عندما تعرف أنه حتى الأفكار اللادينية والإلحادية كان لها أثر في عدة أفلام ، يتحدث البعض عن "Bruce Almighty" (2003) والذي حاول صناعه تجسيد الذات العلية - سبحانه وتعالى عما يقولون علواً كبيراً- كذلك وفي رأيي الشخصي سلسلة أفلام "Final Destination".. عن أفلام الإلحاد قد يكون لنا كلام..

Thursday, May 10, 2012

في المشروع "الإسلامي" : أزمة لحن ، لا أزمة توزيع

"لماذا لا يوجد بين الإسلاميين شاعر مثل عبد الرحمن الأبنودى أو أحمد فؤاد نجم.. لماذا لا يوجد بين الإسلاميين امرأة مثل نوال السعداوى؟"..

استغرب كيف شئت ، لكن الأمانة تقتضي أن أقول لك أن هذه التساؤلات ليست من عندياتي ، ولكنها من داعية سلفي شهير هو الشيخ "عبد السلام البسيوني".. تساؤلات من حقك وحقي أن نسألها ولو من باب العلم بالشيء.. ربما لأنها ستقودنا إلى تساؤلات أخطر ، مع خطورة تلك التساؤلات في ذاتها..

هناك في بلادنا مشاريع كثيرة ما بين الليبرالي واليساري والناصري والاشتراكي وبالتأكيد المشروع "الإسلامي" ، نسبةً إلى "الإسلاميين" أكثر منه إلى الإسلام كدين وكمنهج بناء مجتمع عن طريق الفرد .. هذا المشروع الذي تعرضنا لخدعة كبيرة جداً من الكتاب الأتاتورك وكتبة صحف المال السياسي عندما حاول هؤلاء قصره في عقولنا على جماعات الإسلام السياسي ، وهذا هراء مركز ، وإلا كيف نجحت تيارات مذهبية عدة كالشيعة في البحرين والكويت ولبنان والعراق والصوفيين والسلفيين في مصر في أن تكون جزءاً من "المشروع" وتتحدث باسمه؟ كيف نجح السلفيون في مصر تحديداً في أن يكون لهم حزب سياسي كبير في فترة زمنية قصيرة للغاية رغم أن مواقف معظم قياداتهم باستثناء مدرسة الإسكندرية كان يعتبر أن من السياسة ترك السياسة ، ليعودوا - إذ فجأة - ليقدموا أنفسهم على أنهم حملة لواء المشروع؟

لنتفق مبدئياً أن اللحن واحد ، فكرة وجود مشروع و"ثوابته" التراثية منها دولة خلافة إسلامية كبرى عابرة للدول وتطبيق للشريعة و..و... هي ثابتة بين الكل ، سواء تيارات الإسلام السياسي كالإخوان والجماعة الإسلامية أو التيارات المذهبية كالتيار الصوفي والمدارس السلفية المصرية جمعاء ، سواء من مارس منها السياسة تحت لواء أحزاب سياسية - كـ"النور" و "الأصالة" وغيرهما- أو لم يمارس (حتى الآن)..وأن اللحن "قديم" وليس وليد فترة السبعينيات التي شهدت فترة ظهور شخصيات محسوبة على "الإسلاميين" في الجامعات يتصدر معظمها العمل السياسي "الإسلامي" حالياً وبينهم مرشحون للرئاسة وأعضاء في البرلمان.. وكل الاختلافات بين هؤلاء هو في التوزيع .. لا أكثر..

المشروع إذن ليس هو الدين ، هو مجرد اجتهاد يحتمل الصواب والخطأ لأناس يرون أن مهمة الدين أن يحكم أولاً وبعدها من الممكن أن نفكر في إصلاح الدولة ثم الفرد ، عملاً بعبارة سبق نقدها وانتقادها "الناس على دين ملوكهم" ، ومع تغير الظروف وضخامة الدعاية كل في تياره تم تسكين فكرة المشروع في عقولنا على أنه جزء لا يتجزأ من الدين (1)،عن نفسي أرى أنه ليس من مهمة الدين أن يحكم ولكن أن يصلح (بكسر اللام) الأفراد ليكون لدينا مجتمع صالح ، وأصحاب "المشروع" أو نظرية المشروع رأوا في الدين وما له من أهمية في حياة الناس فرصة لحكم الناس دينياً و/أو سياسياً.. بالتالي فإن المشروع - لا الدين - يجب أن يعرض على العقل ويحاسب شأنه شأن كل المشاريع السياسية الأخرى..

الداعية "السلفي" تساءل ، هو وغيره ، عن غياب الإسلاميين عن الأدب ، أو بمعنى أصح عن عدم تقديم الإسلاميين ليس لمدرسة أدبية متكاملة بل عن غيابهم بالكامل عن الساحة الأدبية والفنية.. ومن حق غيرهما أن يسأل عما قدمه هؤلاء ليس للآداب والفنون والإعلام فقط بل للاقتصاد والعلوم في مجتمعاتهم وتحديداً في مصر.. ما هي الإسهامة الأبرز التي قدمها الإسلاميون للحياة في مصر بشكل عام؟ تقريباً ولا حاجة..

أحد مشاكل الإسلاميين عموماً ، أنهم ينظرون لمجتمعهم المحيط من أعلى لأسقل ، هم يرون أنفسهم أكثر طهراً ونقاءً وتديناً وأقرب لله من الغير ، وبالتالي يتعامل هؤلاء ، وبصراحة = كغيرهم ، مع الناس كناصحين ، مرشدين ، فاهمين ، ومبعوثين لانتشال الناس من الردغة التي يعيشون فيها إلى مستواهم هم ، وبالتالي صعب أن يعمل هؤلاء مع من يرون أنهم "دونهم" في أي مجال كان.. وأن يبتعد هؤلاء تماماً عن باقي المجتمع الذي يعيش في الضياع في الضياع من وجهة نظرهم مع الاعتذار لـ"هوبة".. وألا يشاركوا في أي أنشطة جماهيرية أو أي نشاط يهتم به الناس وألا يتواجدوا فيه بل ويعملون على التقليل من أهميته قدر المستطاع حتى ولو بسلاح الفتوى.. وقد يضيف البعض إلى هذا التفسير الموروث الصوفي المتغلغل لدينا عن التقليل بأي شكل من الأشكال من قيمة الحياة الدنيا وعدم الالتفات لها ، موروث تحول إلى واقع في وجدان أجيال كثيرة من المصريين بمن فيهم من قرروا اعتناق أيديولوجيات لا تتماشى مع الصوفية الحركية في مصر ، كالسلفية والسلفية الجهادية.. بالتالي هم يفكرون على طريقة تنسب لـ"رابعة العدوية" في التصومع والابتعاد عن الناس ، زادوا عليها أن كانت لهم تجمعاتهم وصوباتهم الزجاجية التي تميزهم عن باقي المجتمع الوحش.. صوبات لا يشترط أن تعني مكاناً أو حياً بعينه ، لكن حتى في تعاملهم مع عامة الناس الوحشين اللي مش عارفين أي حاجة..

وكعادة كل من يعرف أكثر ، قرر هؤلاء وهم يقدمون أوراق مشروعهم للناس ، أن يعملوا على أسلمة كل شيء بما فيها ما لم ينزل فيه نص ، اقتصاد إسلامي ، أدب إسلامي ، فن إسلامي ، كمقدمة للخلافة الإسلامية التي رأوا بوادرها أولاً في إيران ثم في تركيا (رغم أن النموذجين لا يعكسان أياً من قيم الإسلام بالمرة(2)).. وهذا على العكس من النسخ "الوحشة" للاقتصاد والأدب والفنون التي يعتقدون أنها سـ"تنصلح" من تلقاء نفسها دون المشاركة فيها بشكل إيجابي..

كلهم ، مع أني لا أحب عادة اللجوء للتعميم ، يرون أن الحكم يأتي أولاً وبعده كل شيء على مهله.. عندما يبدأ التمكين يبدأ كل شيء ، رغم أن التمكين يفترض أن يسبقه مشاركة وحضور ، عن اقتناع ، لا من باب "حسنة وأنا سيدك" ، وهو ما لم يفعلوه ولا نية لديهم لفعله..

إذن ما هي النتيجة؟ مشروع بعيد كل البعد عن اهتمامات الناس ، يتحدث بلغة ليست لغتهم ، ويتبنى هموماً ليست همومهم ، لا يعنى بهم كبشر ، ويستخف بأولوياتهم ، يهرب إلى الماضي وقصص المنابر تارة ، وإلى القضية الفلسطينية والمسجد الأقصى تارة ، ويدغدغ عواطفهم بعبارات معسولة عن الماضي التليد ودولة الخلافة والحاكم العادل و..و..و... أمر طبيعي لأن المشروع لم يقم على رعايته أشخاص عاديين من عامة الناس يشعرون بما يشعر به الناس على اختلاف مستوياتهم الثقافية والاجتماعية والمعيشية ، بل لأنه مشروع فوقي جاء ممن يرون أنفسهم أفضل من باقي الذباب الذي يشاركهم المعيشة في نفس البلد ويقبلون بهم فقط من باب "فشقة بيك يا رمضان"..

إذن المشروع بحالته ، بطريقة تفكير أصحابه وتنظيرهم له ، هو العجز بعينه ، ومن المحزن والمخزي أن نقرن شيئاً فاشلاً بهذا الشكل بالإسلام الذي هو أكبر من أن يكون برنامج حزب أو جماعة أو طريقة ، ومن أن يكون المقشة السحرية لـ"أردوغان" أو "نجاد" أو "طالبان" أو أقرانهم هنا أو هناك.. لهذا السبب لم أرشح أي مرشح إسلامي ، ونادم على تصويتي لـ"الوسط" في الانتخابات البرلمانية، لا فرق عندي الآن بين "الوسط" و "الحرية والعدالة" و"النور" و"الأصالة" ، ولا بين "أبو إسماعيل" و"أبو الفتوح" و "مرسي" و"العوا".. ولهذا السبب أيضاً تبتعد شرائح كبيرة من الناس عن السياسة لأن الإسلاميين ليسوا الوحيدين الذين يفكرون بتلك الطريقة ، لكل تمكينه ، و"أشياؤه" التي يريد أن يفرضها علينا.. تعددت التوزيعات ، واللحن واحد..وياريته كان عدل..
(1) كما تم ترسيخ معتقد أن للأزهر دور ما ويجب أن يعود إليه.. اللي يعرف الدور دة بوضوح يقول لي..
(2) كلا النموذجين في رأيي عنصري يحاول إعادة أمجاده القومية باسم الدين ، رغم أن كل منهما علاقته التاريخية بمحيطه الجغرافي - اللي هو احنا - أسوأ من الآخر.. سواء مذابح الصفويين أو فترة الحكم العثماني التي أضاءت "الآستانة" وأظلمت العالم الإسلامي بأكمله..
تحديث: الفقرة قبل الأخيرة وبعض التعديلات في الأخيرة..

Thursday, May 3, 2012

زاويتان : المادة الثانية من الدستور

أسعد الله أوقاتكم..

بحد تعبير زميل وأخ كبير في أحد المنتديات ، وقت أن كانت حياتي على الإنترنت قاصرة عليها قبل أن أدخل عالم التدوين قبل ست سنوات ، أصبحنا أساتذة في علم "اللوع" واللف والدوران ، ولا نؤمن حتى في أبسط تعاملاتنا بأن الخط المستقيم هو أقصر مسافة بين نقطتين.. ولا نتوقف عن ذلك اللوع مهما كلف ، حتى لو كانت التكلفة دماً وإصابات واحتقاناً سيحتاج لأعمار لكي يزول ، مهما احترفنا استعمال الكلام "المزوق" وعلب المهدئات ولغة "التسنيج"..

منذ 11 فبراير 2011 والكل يدور حول نفسه كالنحلة ، لا يتوقف ، ولا يعتقد أنه قد أصابه أي صداع ، عدوا معي الأشياء التي حدثت منذ ذلك التاريخ ، من "محمد محمود" إلى "مجلس الوزراء" ونهايةً بأحداث العباسية ، استقطاب بين الإسلام السياسي والمال السياسي أكثر ما هو استقطاب بين إسلاميين وليبراليين ، كل طرف يتمادى في التذاكي على الآخر وإخفاء الكروت .. أحداث "محمد محمود" دارت حول الدستور ، بعيداً عما يقال عن المجلس الرئاسي المدني الذي لم يتفق عليه أحد في الميدان ولا على ممثليه ، وأحداث "العباسية" دارت حول شخص الرئيس القادم ، أكثر منها حول لجنة ومادة وبتاع ..

مدنية أم دينية؟ إسلامية أم عالمانية؟ رئاسية أم برلمانية؟ دستور أم انتخابات؟ لف ودوران يذكرنا بمعضلة البيضة والدجاجة..

على المستوى الشخصي تساءلت كمواطن من عامة الناس عما يريد هؤلاء وعما يتفق عليه وعن أشياء أخرى ، فلم أتلقَ أي إجابة ، ويبدو أن هذا الطناش هو ما سيجنيه كل شخص يحاول أن يعرف آخر الفيلم الذي نعيشه.. ولا تفهم ، ولا أفهم ، ما إذا كان ذلك الطناش فعلاً طناش اللف والدوران ، أم طناش استعلاء واستنكار لأن يسأل أي شخص هكذا أسئلة..

قلنا نجيب من الآخر..

حتماً سنصل إلى النقطة الخلافية ، حتماً سنصل إلى قطعة الورق التي أريقت من أجلها تلك الدماء الزكية في كل جانب ، حتماً سنصل إلى الدستور بنقاطه الخلافية التي لا يريد أطراف الاستقطاب مناقشتها بوضوح وفي العلن وبشجاعة بعيداً عن التذاكي واللف والدوران الذي صار مع الوقت أمراً مثيراً للغضب أكثر منه للشفقة..اختار العبد لله الوصول لأبعد نقطة ، أو ما يعتقده كذلك ، من الخلاف داخل الدستور نفسه .. المادة الثانية من الدستور ما بين نعم ولا.. وبالله عليكم ، لا أريد أن أسمع كلاماً من عينة "ما كل القوى الوطنية اتفقت على المادة التانية" ، "المادة التانية فوق دستورية والكل عايزها".. هناك من يريد إلغاء المادة ، وهناك من يريد تطبيقها لأقصى مدى .. ومن دفن الرءوس في الرمال وخداع الذات واشتغالها إنكار ذلك.. فقط ما نراه هو تذاكي و"شغل قمار".. لا أكثر ولا أقل .. وفي النهاية سيصل الجميع إلى تلك النقطة بعد أن تكون قد أزهقت أرواح أكثر ، وحدثت مهازل أكبر ، وفقد كل الناس أي "نِفس" لحوار بلا شجار..

وبما أنه لا أحد يريد أن يجيب عن تساؤلاتي ، كمواطن من عامة الشعب ، قررت تكرار تجربة قمت بها في الثاني والعشرين من يوليو الماضي ، بل سأمضي خطوة أبعد ، بأن أكتب في تدوينتين منفصلتين ما يريده كل فريق ووجهة نظره بكل وضوح ، من يرفض المادة الثانية من الدستور شكلاً وموضوعاً ، ومن يتمسك بها لآخر مدى ، وحرصت على أن أكون أكثر تشدداً على الطرفين ما استطعت سبيلاً إلى ذلك..تاركاً الأمر لكم والكرة في ملعبكم ، ربما ترون فريقاً على حق ، وربما ترون أن الاثنين على حق ، وربما ترون أن كليهما جانب الحق.. ولي مع الرأيين نقاط اتفاق ونقاط اختلاف..

واستعنا على الشقا بالله
* طبقاً لنظام الترتيب في "بلوجر" عملت التدوينات التلاتة معكوسة في الترتيب ، أجدد واحدة في التلاتة الآخر "المؤيدين"، بعديها اللي فوقيها "الرافضين" بعديها دي "المقدمة".. حكم القوي..
تحديث 4/5: بعض التعديلات في التدوينتين المبينتين بأسفل..

رافضو المادة الثانية : لماذا نبقي عليها؟

يفترض أننا حين نتكلم عن دولة مدنية ، أن تكون المرجعية فيها هي الشيء المشترك الوحيد الذي يجمع أبنائه أجمعين ، ألا وهي المواطنة ، انتماؤهم لهذا البلد أياً كان تباينهم في المستوى الثقافي والاجتماعي والاقتصادي وفي الدين الذي يعتنقوه.. وبالتالي لا يستقيم ، ونحن نتحدث عن المواطنة ، أن نغلب فئة على فئة ، أو دين على دين .. سبب كافٍ لجعل المادة الثانية من الدستور بأي صيغة كانت بلا محل من الإعراب..

قد يقابل هذا الكلام باستياء شديد للغاية ، سيقول البعض أن المادة الثانية تحدد هوية الدولة ، وأن الدولة إسلامية بما أن أغلبية أهلها مسلمين ، الدولة بهذا المعنى إسلامية فعلاً والمسلمون أغلبية ، هل نحتاج لمادة في الدستور تذكرنا بحقيقة كهذه؟.. مصر لمن لم يعِ بعد مصرية ، خليط ما بين هويات وثقافات متعددة صنعت النسيج المصري ، أكبر من أن نختزل هويتها في مرحلة بعينها أو دين بعينه..

سيقول البعض أن المسلمين أغلبية في مصر -وهذا صحيح – ومن الطبيعي أن يحترم حق الأغلبية في أن تفرض شريعتها كأساس للتشريع ، لكن هل سيكون المسلمون في أي بلد سعداء وهم أقلية وتفرض عليهم قوانين مستقاة من دين أصحاب الأغلبية؟ لماذا لا نضع أنفسنا محل الغير وفي مكانهم علماً بأنه في بلدان أخرى يعد المسلمون أقلية مقارنةً بأصحاب ديانات أخرى ، سواء في أوروبا أو أفريقيا أو غيرها؟

وسيقول البعض بأن القائلين بمدنية الدولة يرفضون أن يحكم الإسلام ، ويمكن الرد عليه بحقيقة واحدة ، باستثناء بعض الثوابت ، لا يوجد لدينا إسلام واحد في العالم الإسلامي ، أي إسلام إذن يريد هؤلاء أن يحكم مصر : الإسلام السلفي أم الإسلام الصوفي أم الإسلام الحركي أم الإسلام الجهادي أم الإسلام الأزهري أم الإسلام الشيعي أم الإسلام الطالباني أم.. أم.. أم...؟ - هذا طبعاً ناهيك عن تمسك كل أصحاب فهمهم بأنه الفهم الوحيد الحصري للدين..

حتى لو حكمنا الإسلام الأزهري المعتدل الوسطي ، وقصدناه في المادة الثانية من الدستور ، ألم يقل عثمان بن عفان رضي الله عنه : إن الله لينزع بالسلطان ما لا ينزع بالقرآن؟الدين كما نراه ينظم العلاقة بين العبد وربه ، والعبد والعبد ، في إطار أخلاقي ، مبني على الوازع الداخلي ممثلاً في الخوف من الله عز وجل ، والطمع في مغفرته ورحمته ، لكن الجانب الأخلاقي وحده لا يكفي في تنظيم السلوك بين المواطن والمواطن حتى ولو كانا مؤمنين بنفس الدين ، بمعنى أصح : بطريقة أو بأخرى سنحتاج إلى القانون ، وسنحتاج إلى قانون مبني على الشيء المشترك الوحيد بين أبناء الوطن الواحد وهو المواطنة ، وعلى أساس قانون مدني عالماني يمكن تفادي مشاكل وتضادات يمكن أن تحدث نتيجة مسائل خلافية بين الأديان داخل أي دولة.. أكثر بكثير من الاستناد إلى الشريعة ، أي شريعة لأي دين ، في أن تكون أساساً لسن القوانين.. خصوصاً في مجتمعات تقوم بتديين كل شيء ، وتدخل تحت مظلة الدين أشياءً ليست من الدين.. بل هي من مستجدات الدنيا التي لم يرد فيها نص أصلاً..

وحتى ولو كان الدستور موضوعاً على أساس الشريعة الإسلامية دون غيرها ، كما يطالب بذلك سلفيون ، هل يمنع ذلك فساد التطبيق بما أن من يطبقه بشر؟ الداعية السلفي "عبد المنعم الشحات" يجيب بـ"لا"..

سيتكلم البعض عن الحدود وعن كونها جزءاً من الدين ، وأنها يجب أن تكون جزءاً من القانون ، كيف سيتم تطبيق الحدود الآن؟ وعلى من؟ هل لدينا في الدولة جهاز إثباتي قضائي قوي يمكن للقاضي بمجمله أن يعرف أن سيناً من الناس سرق قبل أن تقطع يده ، هذا لو كنا سنطبق الحدود بحذافيرها؟

سيتحدث البعض عن “مقاصد الشريعة الإسلامية” في صيغة مقترحة للمادة ، مقاصد الشريعة الإسلامية هي العدل والحرية والكفاية والأمن على النفس والمال والعرض لأي شخص يعيش في ديار الإسلام ، أو في غيرها ، هذه مقاصد تتماشى مع قواعد الأخلاق ، ولا يمكن لأي قانون عادل أن يتجاهلها ، فلماذا إذن وضعها تحت لافتة دينية؟

وسيصر البعض على أن المادة الثانية صمام أمان للوحدة الوطنية ، رغم أن هذا الكلام ثبت خطؤه بالدليل العملي وبالتجارب التي أثبتت أن التعصب يزيد في كل يوم عن اليوم السابق عليه ، ولم تمنع "الكشح" ولا "القديسين" ولا غيرها، ويبدو أن ذلك البعض لا يزال يعيش في ذكريات الماضي حين كان المسلمون فاتحين لديار غير إسلامية ، وكان أهل تلك الديار "أهل ذمة" ، وكانت الجزية تفرض عليهم ، وكانت كل الدول الإسلامية مجمعة في خلافة يحكمها الخليفة في "بغداد" أو "دمشق" أو أياً كان ، أما الآن فأنجب مسلمو هذه الدول أبناء وصارت لهم عائلات ، وأنجب أصحاب الديانات الأخرى أبناءً وصارت لهم عائلات ، ولم يعرف هؤلاء وأولئك بلداً لهم إلا هذا البلد.. وبينهم عيش مشترك ، ألا يصبح هذا العيش المشترك مهدداً إذا ما تم فرض شريعة على الكل؟

وسيذكرنا البعض بوثيقة الأزهر ، وتمسك الأخير بالمادة الثانية بأي صياغة كانت ، والوثيقة نراها سياسية أكثر منها أي شيء آخر ، فبعض المحسوبين على التيار الليبرالي يرى في أن يضع الأزهر اسمه على وثيقة وضعها مثقفون مقدمة لأن يكون الأزهر الذي لا يزال يحظى باحترام لدى كثيرين من المصريين صدادة في مواجهة تيارات الإسلام السياسي والإسلام السلفي ، وما دامت التيارات المتطرفة تلعب سياسة باسم الدين فما المانع أن يلعب الأزهر هو الآخر دوراً سياسياً ما دام محتفظاً بمرجعيته المستنيرة ، وهو أمر يصطدم وثوابت الليبرالية التي تبعد المؤسسات الدينية عن السياسة شكلاً وموضوعاً..

إسلامية الدولة لا تحتاج إلى نص دستوري ، والتعايش المشترك بين الأديان لا يكفله حكم دين بعينه ، ومعنى الدولة الحالي يختلف كثيراً عن دولة الخلافة التي يسعى البعض لتحقيقها على حساب بني وطنه وبني دينه أحياناً..

ومؤيدو بقائها : لماذا نلغيها إذن؟

من المفترض حين نتحدث عن تشريعات وقوانين أنها صنعت لهذا المجتمع دون غيره ، أي أنها منه وإليه.. والمجتمع المصري مسلموه ومسيحيوه متدين بطبيعته .. أي أنه لا يمكن حذف الدين من تكوينه الثقافي ومن سلوكياته مع النفس والغير ، فلدى المصري العادي ، أيا كان مستوى تدينه ، وأياً كان دينه بالتأكيد ، ثقافة الحلال والحرام ، والخوف من الله وتقواه ، يتمسك بالعامل الديني في تنظيم كثير من شئونه الدنيوية وأحواله الشخصية من زواج وطلاق ومواريث وخلافه ، كيف إذن نفرض على المصريين دستوراً لا يضع في أساساته مكوناً بهذه الأهمية في حياتهم؟

لمن يرى أن أغلبية السكان كافية للحديث عن هوية الدولة دون أن ينص عليها في العقد الأساسي الذي يجمع أفراد هذه الدولة ألا وهو الدستور ، الإسلام هو جزء من لا يتجزأ من الثقافة في مصر ، شاء هؤلاء أم أبوا ، ويلعب فيها دوراً هاماً للغاية بل هو الأهم على الإطلاق ، شأنه في ذلك شأن اللغة العربية التي ما كانت لتنتشر لولا القرآن الكريم ، والتي كتب بها كل الموروث الثقافي الذي تكون منذ الفتح الإسلامي وإلى مدى لا يعلمه إلا الله.. وصنعت بها مصر تأثيرها في محيطيها القاري والإقليمي.. ويتخاطب بها الناس فيما بينهم داخل البلد مهما كانت ديانتهم.. النص على أن يكون للدولة دين رسمي ، ولغة رسمية ، ليس بغرض الفرض ، وإنما بغرض التوصيف.. لك أن تتخيل جهاز كمبيوتر بلا "أوبشن" يمكنك من معرفة مكونات الجهاز وماركاتها وإمكانياتها ، أو أي جهاز تشتريه دون أي معلومة عن بلد منشئه ، أو أي منتج غذائي بلا تاريخ إنتاج وتاريخ صلاحية وبلا أي شيء عن الشركة المنتجة له بالتأكيد.. إن تخيلت أشياءً كهذه وصدقت في وجودها تستطيع أن تتحدث عن بلد بلا مواصفات..

الإسلام أبعد من أن يكون علاقة بين العبد وربه فحسب ، الدين عقيدة وعبادات ومعاملات ، وتحت المعاملات نستطيع أن نضع ما شئنا من خطوط ، فهي لا تشمل المعاملات بين المسلمين وبعضهم البعض بل حتى المعاملات بين المسلمين وغير المسلمين.. والمسلم يؤمن بأن كل ما في حياته من عقيدة وعبادات ومعاملات- بمفهومها سالف التوضيح- لله وحده-قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ . لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ) (الأنعام:162-163). .. ومن تلك المعاملات ما تنظمه الدولة وتشرف عليه ، الدولة تشرف على تطبيق الحدود ، ولا يشرف عليها المسلمون "منهم لنفسهم" ، وتتكفل هي بالإشراف والتحقيق والتحقق والحكم.. ولا نعرف ما هو الخطأ -بالمناسبة - في تطبيق الحدود من حيث هو ، فالعديد من الجرائم صارت تحتاج لقوانين قوية وعقوبات رادعة حمايةً للمجتمع ، وأن يتم وضع تلك العقوبات في نصوص قانونية لها حجيتها وما "يسندها" ويدعمها ، وتطبقها الدولة التي يحترمها الجميع ويحترم قوانينها ، أفضل من أن تطبق في الشارع بشكل عشوائي يفتقد في أحيان كثيرة للحد الأدنى من العدل ، ويحكمه التشفي وتسيطر عليه روح الانتقام.. الإسلام دين عالمي ، تبقى ثوابته مشتركة بين كل دياره ، ويبقى شكل التطبيق والاجتهاد محكوماً في كل بلد بما يناسبه ويتواءم مع تركيبته..

الشريعة ليست فقط الأحكام المنصوص عليها في الكتاب والسنة ، صحيح أن القواعد الأساسية والثوابت لا خلاف عليها ونُص عليها في القرآن الكريم والسنة النبوية ، وأنه "إن الحكم إلا لله" (الأنعام: 57) وأننا مجرد مطبقين ، لا خلاف في ذلك ، لكن هناك مكون آخر هو الاجتهاد والاستنباط (لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ) (النساء:83) ، وهو مكون يتمدد مع ظروف الواقع الحالي وقد يغير من شكل تطبيق حدود وأحكام وردت في القرآن والسنة وممارسات السلف الصالح ، كما اجتهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه في الزكاة دون أن يهاجمه أحد ، علماً بأنه في زمانه عاش عدد غير قليل من عمالقة الصحابة رضوان الله عليهم..

ترك الأشياء "عايمة" كما هي بلا ضابط ولا رابط قد يجعل من ممارسات مرفوضة مجتمعياً ، يرفضها الشعب المتدين وتأباها قيمه ، المستمدة في معظمها من الدين ، أموراً مشروعة طالما لا يوجد ما يمنعها في القانون ، إن احتكمنا إليه وحده كمرجعية تحدد العلاقات بين الناس في هذا البلد ، لهذا كانت المادة الثانية وما زالت صمام أمان ، حمت وستحمي المجتمع من ترك العلاقات غير المشروعة والشذوذ الجنسي والزنا والرشوة وغيرها مباحة بقوة الاستمرار وبعدم وجود نص ، حتى ولو كان الوازع موجوداً ، فالوازع وحده لا يكفي ، يجب أن يكون هناك قانون ، وقانون محكوم بنفس القوة التي تحكم الوازع ، يطبق على الجميع بلا استثناء دون تفرقة على أي أساس كان.. لذلك كان وجود المادة الثانية وما زال حتماً لا ترفاً ولا اختياراً..

ولمن يزعم أن مقاصد الشريعة قواعد الأخلاق ، نرد عليه بأن قواعد الأخلاق هي مقاصد الشريعة ، وأن الإسلام دين جاء ليتمم مكارم الأخلاق ، لماذا إذن يتم نزع الأخلاق عن الدين وعن مرجعيتها الدينية؟ إذا كان الليبراليون يرفضون أن يضم إلى الدين ما ليس فيه ، فليس من العدل أن ينزع من الدين ما هو فيه أصلاً وبني عليه..

مقاصد الشريعة إذن نقطة اتفاق لا نقطة خلاف ، نقطة اتفاق مجتمعي ، المسلم والمسيحي يتفقان على العدل والمساواة والحرية والكفاية والأمن على النفس والمال والعرض ، ومسلم المهجر الذي يعيش في أوروبا كأقلية لا يرفض أي نظام مبني على تلك الثوابت المنصوص عليها في الإسلام حتى ولو طبقها نظام عالماني صرف أو يميل لدين آخر ، نفس الشيء بالنسبة للمسيحي داخل مصر.. على أساس تلك النقطة عاش مسلمو البلد ومسيحيوه معاً وارتضوه ، لماذا نأتي اليوم لنفرض عليهم تغيير قواعد وشروط العقد ، الذي هو طبقاً لمبادئ القانون المدني ، شريعة المتعاقدين؟..

إذن ما يخشاه رافضو المادة الثانية بأي صياغة ليس هو فرض الشريعة .. بل قيم الإسلام التي يتغنون بسماحتها عندما تخرج من الجامع إلى الشارع ، ومن أرفف الكتب إلى حيز التطبيق.. بقوة الوازع أو بسلطة القانون..

Tuesday, April 17, 2012

بتاع ربنا

أيهما أصح : "الناس على دين ملوكهم" ، أم "أينما تكونوا يولى عليكم"؟

سؤال قفز إلى الواجهة ، وفكرت في الكلام فيه باستفاضة قبل أشهر مضت ، ما ذكرني به هو نية العديدين من الناس التصويت لمرشح "إسلامي" على أساس أنه "بتاع ربنا" ، وطالما أنه "بتاع ربنا" فسيحقق العدل والرخاء والتنمية مثل الخلفاء الراشدين.. فرضية أحترم حق أصحابها في الإيمان بها ، وأرفضها جملةً وتقصيلاً..

1-من هو "بتاع ربنا": إذا كنت ، أو هكذا يفترض بي أن أنتخب المرشح "بتاع ربنا" ، فمن هو الشخص الذي يستحق أن نطلق عليه هذا الاسم؟ هل هو الشخص المتمسك بـ"الهدي الظاهر" كما يسميه بعض الفقهاء؟ هل هو الشخص الذي يقول "قال الله وقال الرسول" باستمرار؟ هل هو المتنسك الزاهد الذي يذكرنا بالزهاد الذين لا تخل خطبة جمعة في أي مكان في العالم من أخبارهم؟ هل هو الذي يخالط الناس ويخالطوه؟ هل هو الشخص السمح في معاملاته وبيعه وشرائه وخلافه؟ هل هو الشخص الذي يفعل ذلك في العلن والسر أم في العلن فقط ويصبح "من برة هلا هلا ومن جوة يعلم الله"؟ (حتى وإن كان لنا الظاهر)..

2-هل كل "بتوع ربنا" يصلحون لممارسة السياسة والحكم: من المعروف أن الحاكم القادم سيصل إلى السلطة بعملية سياسية ، مهما بدت في شكل التوكيلات أقرب إلى البيعة التي كانت تقدم للخلفاء ، والسياسة بطبيعتها لعبة قذرة ولا أخلاق فيها ، كيف سينجح في تلك اللعبة شخص "بتاع ربنا"؟ لكي تفوز في الانتخابات يجب عليك أن تفوز بأكبر قدر ممكن من الأصوات الانتخابية ، ولكي تفوز بأكبر كمية من الأصوات الانتخابية يجب عليك أن تقدم رشاوى انتخابية "مثل الحد الأدنى والأقصى للأجور لضمان سكوت كتلة الموظفين ، أسلوب مباركي قديم ومبتذل" ، وتطمينات "عدم تطبيق نظام ضريبي تصاعدي من أجل إرضاء بابا المستثمر الأجنبي" ، ووعود لـ"س" و "ص" بتولية أناس منهم لمناصب حتى ولو كانوا أهل ثقة وليسوا أهل قدرة وإجادة وكفاءة.. هل من يلعب تلك الألاعيب هو شخص يمكن وصفه بأنه "بتاع ربنا"؟

أضف إلى ذلك أنصار مدرسة التدين السلبي ، المنكفئين على الذات الذين لا يفارقون خلواتهم ولا صوامعهم ، هل سينجح هؤلاء في مسائل الحكم المشروعة أخلاقياً؟ في الأمور التي تتعلق بإدارة موارد دولة؟ (1).. هل ينجح المتدين ، الطيب ، المتفاعل ، في أحيان كثيرة في مهام كتلك؟ خاصةً وأن كثيراً من الطيبين يسهل خداعهم والضحك عليهم إن لم يكن إفسادهم.. وبما أن الكثيرين يتشدقون بقول الله تعالى في سورة القصص على لسان ابنة سيدنا شعيب عليه السلام "إن خير من استأجرت القوي الأمين" ، ألا يلفت نظرهم أن القوة جاءت قبل الأمانة ، وأن القوة من الممكن أن تكون موجودة لدى إنسان "كويس" - مش حرامي ولا أفاق ولا نصاب - أكثر ما هي لدى إنسان "متدين"؟.. ولماذا لم يحكم الدولة الإسلامية أشخاص من الأكثر تديناً وعلماً بالدين ، من أمثال "عبد الله بن عمر بن الخطاب" (وقد عاش حتى زمن "الحجاج بن يوسف الثقفي" وهو من أواخر من توفوا من الصحابة) و "عبد الله بن العباس بن عبد المطلب" (والذي وصفه الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام بأنه "ترجمان القرآن") ، وهذا الأخير اعتزل الأمر كله؟

3-هل يشترط أن تكون "إسلامياً" لكي تكون "بتاع ربنا": من المعروف لأي شخص أن "الإسلام" ظهر قبل "الإسلاميين" بقرون طويلة.. فهل كل من عاشوا قبل ظهور الإسلاميين ، من متمسلفين ومستصوفين وأزاهرة وشيعة وحزبيين وحركيين "بتوع سوسو"؟ هل الإسلام صار توكيلاً حصرياً لدى الإسلاميين دون غيرهم ، وصار معنى أن يكون شخصاً ما "إسلامياً" أنه "بتاع ربنا" ، حتى ولو قام بتوسيخ نفسه بكل أدران السياسة وقذاراتها؟ حتى ولو كان يلعب بالبيضة ، والثورة ، والحجر؟

أي إنسان ، سواء أكان "بتاع ربنا" بأي معنى كان أم لا ، هو ابن لمجتمعه ، لثقافته السائدة ونسيج قيمه ، إن خيراً فخير وإن شراً فشر ، وبعض "الأذكياء" و "غير أصحاب الهوى"(2).. ومن ثوابت الطبيعة أن الجاموسة - مثلاً - لا تلد أرنباً ، إلا إذا اعتقد الحمار شيئاً غير ذلك.. بالتالي لو كان المجتمع واعياً متديناً فسيختار شخصاً واعياً متديناً ، أما لو كانت ثقافة المصلحة هي المسيطرة فلن يختار الناس إلا من يحقق لهم مصالحهم ، وسيثورون ضده لو لم يحققها حتى ولو على سبيل العدل والعدالة..

وواهم - أيما وهم - من يعتقد أن الحاكم "سوبر مان" يمكنه إصلاح أي شعب يحكمه ، يستطيع الحاكم القوي بالعصا والجزرة أن يجعل شعباً "يمشي على العجين ما يلخبطهوش" بتطبيق القانون ، لكن هل ذلك كاف لصنع أشخاص فضلاء ، أم لتكوين أجيال كاملة مطيعة للنظام والقانون في المجتمع ، أو تعرف كيف تخرق القانون دون أن يكشفها النظام؟

المجتمع الفاضل يصنع من أسفل إلى أعلى ، من القاع إلى القمة ، من المحكوم إلى الحاكم ، وليس العكس ، عندما يكون المجتمع فاسداً فلن يقدم إلا حاكماً فاسداً ولو كان نصيب الفرد من الدخل فيه خمسين ألف دولار في الشهر ، ولو لم يكن فاسداً لأفسدوه هم وأعنتوه هم ، حتى ولو كان "بتاع ربنا".. ولمن لا يصدق ولا يقتنع أترك له سؤالاً واحداً يفكر فيه بهدوء وتجرد :ما الذي يمكن أن يفعله حاكم "بتاع ربنا" مع شعب "بتاع كله"؟
...(1)هذا إن كنا نستوعب أن الحكم بعد مرور عقد وعامين من الألفية الثالثة أن الحكم صار إدارة موارد في أساسه.. اللي فاهم غير كدة دة موضوع تاني خالص" ، وإن كنا نستوعب - أيضاً - أن وجود حاكم عادل بمقاييس الخلفاء الراشدين مستحيل ، وأن الله لا يكلف نفساً إلا وسعها ، وأن كثيراً من مقتضيات عصر الخلافة لم تعد من وسع البشر الآن ، وأن المتاح هو أن الحاكم الجيد يطبق نظاماً عادلاً تحت رقابة شعبية ومؤسسية..
(2) ومع رفضي الشديد للكثير من تصرفات وخطاب "6 أبريل" ، إلا أن الأمانة تقتضي القول بأن اللينك المذكور لمقال موجود في منتدى تابع لـ"حزب التحرير" المتطرف.. وهو حزب محظور في العديد من الدول العربية ولا علاقة له بالمرة بثورة الخامس والعشرين من يناير ..

Monday, April 2, 2012

يعني إيه مجموعة دينية؟

لست في موقع يؤهلني للإفتاء في الدين ، لكن ما أدركه أن الإسلام دين يبدأ بالفرد وليس بالمجموعة ، الفرد المسلم هو فرد في أسرة هو عضو فيها برابطة الدم ، فرد في قرية أو مدينة أو محافظة بحكم برابطة الميلاد ، فرد في وطن برابطة المواطنة ، وفرد في أمة برابطة الدين ..

كلها علاقات واضحة ومفهومة ، الأسرة التي أنا عضو فيها بالميلاد تختلف حتى عن الأسرة التي أؤسسها (باختياري) أنا عندما أتزوج ، تختلف عن المدرسة أو الكلية التي أجتمع فيها مع آخرين من عائلات مختلفة بشكل مؤقت لفترة الدراسة ، تختلف عن العمل الذي أجتمع فيه مع عدد من الناس من عائلات مختلفة وخلفيات مختلفة بشكل مهما طال مؤقت .. وبيني وبين أغلب الناس قواسم مشتركة لا خلاف فيها كالدين ، ما الذي يجعلني كمسلم غير عضو في "مجموعة دينية" مختلفاً عن المسلم عضو الجماعة الدينية؟.. ما هي مزايا العضوية التي تمتلكها هذه المجموعة على حساب تلك؟ وما الذي يكسبه المرء أصلاً من عضويته في مكانٍ ما من عدمه؟

ربما لأن الجماعة أو المجموعة تمتلك تصوراً "أفضل" للدين؟ أكثر اعتدالاً ، أكثر تمسكاً بالثوابت ، أكثر .. أكثر..؟ ماشي.. "وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين"(1) ، لأنه حتى لو قال عضو الجماعة الدينية ، سلفية أو صوفية أو جهادية أو شيعية أو إسلام سياسي ، أنه "معتدل ومتسامح" ، فهل يعني ذلك أني ، وأنا الغير عضو ، متطرف وإرهابي ، مثلاً؟ هل يمكن أن أكون - في هذا المثال - معتدلاً وعضواً في جماعة أو مجموعة أخرى تختلف مع الأولى وعنها؟ وما دام الاعتدال ليس توكيلاً ولا علامة تجارية فلماذا تظهر مجموعة لتقول "أنا معتدلة"؟

وبما أن البديهي في علم الإدارة والسلوك التنظيمي أن لكل "منظمة" أعرافها ، وتقاليدها ،وثقافتها ، وطريقة لتداول السلطة فيها ، ما هو المصدر الذي تستقي منه الجماعات والمجموعات أعرافها وتقاليدها وثقافتها؟، حسب علمي أن "الدليل" - إن صح التعبير- لكل فرد ، وليس لمجموعة على حسابها ، هناك كود سلوكي وأخلاقي لكل مسلم ، المسلم الفرد مفروض عليه أن يفعل ولا يفعل ، العبادات كلها بما فيها العبادات "الجمعية" التي تشارك فيها آخرين كالحج عبادات فردية ، والهدف من كل ذلك أن تكون فرداً أفضل داخل أسرتك ، دراستك ، عملك ، حياتك الشخصية وغير الشخصية ، هل هناك مفروضات وتكاليف وامتيازات لمجموعات تجعلها مختلفة عن الأخرى؟

وهل يجب أن تكون بداخل تلك المجموعات أياً كان مسماها هياكل سلطة؟ هو الواحد ما يعرفش يعبد ربنا لوحده؟ هل يجب أن أنتظر تعليمات الـ Big Brother? يقول الله عز وجل في القرآن الكريم أن الدين قد تم ، والرسالة قد تمت ، وأنه بنهاية بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم ووفاته صارت الأمور متروكة لنا أن نسير دون انتظار قيادة أو زعامة ، وعقلك في راسك تعرف خلاصك ..

نأتي لأفضلية الزعيم ، هل هو الأكثر علماً؟ أول مرة أسمع أن من هو أكثر علماً يؤم ويقود في شأن غير دنيوي ، هل هو الأقرب نسباً للرسول صلى الله عليه وسلم؟ يقول الرسول الكريم في الحديث ما معناه "ومن أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه".. هل هو صاحب الكرامة؟ الكرامة رزق يعطيه الله لمن يشاء ويرضى ، وليس الرزق بأمارة يقود فيها شخص شخصاً آخر له إرادة مختلفة وعقل مختلف ، هل هو من يرى نفسه أو يراه غيره أقرب إلى الله ، وأنه مرشد ودال على الطريق الصحيح؟ إذا لماذا نرى آخرين يحملون نفس الصفة ما دام الطريق الصحيح هو الطريق الصحيح؟

ما هي صلاحيات الزعيم؟ هل له عليّ صلاحيات دينية؟ التعاليم كلها نزلت للفرد ليطبقها الفرد على نفسه ، وكل الاختيارات متاحة أمامي مثلما هي أمامه ، صواباً وخطأ وحلالاً وحراماً ، "ولا تزر وازرة وزر أخرى" (2)، هل هي صلاحيات دنيوية؟ بما أن الـ Big Brother knows better.. يقول الرسول الكريم (ص) ما معناه "أنتم أعلم بشئون دنياكم".. أطيع في العادة رئيسي في العمل لأنه رئيسي طبقاً لنظام الشركة أو المصلحة الحكومية التي أعمل بها ، ولأنه في الأغلب أقدم وأكثر خبرة ، ويؤمن بأن صالحي الوظيفي هو صالحه الوظيفي ، فلديه دافع لأن يخاف عليّ ، و"من الممكن" أن أسترشد به كأب أو أخ أكبر في بعض شأني خارج حياة العمل إن كنت أثق في خبرته ، وهو حتماً أكبر سناً وأكثر تجربة مني ومر بكثير مما مررت به سابقاً ، لكن هل يكتسب هذا الـ Big Brother زعيم المجموعة الدينية كل الصلاحيات الدينية والدنيوية بحكم سلطة أبوية أو سلطة دينية بحيث يصبح حكماً وحاكماً على كل ما تركه لي الله عز وجل - الذي خلقني وخلقه وخلقنا وخلقكم - للاختيار وتحمل التبعات ، إن خيراً فخير وإن شراً فشر؟

حتى ولو كنت أحسبها جدلاً بحسابات المكسب والخسارة والقوة والضعف ، أجد أماناً أكبر في عضويتي في الجماعة الأكبر التي هي جماعة الدين بأكمله ، ما دام كبر حجم المجموعة مؤشراً على قوتها ، والقوة حماية ، وأجد ذلك الأمان أكبر وأكبر عندما لا تكون هناك قيادة ، أشعر داخلها بحريتي فأحبها أكثر وأكثر وأكون أكثر حرصاً عليها.. كحرصي على الأسرة وعلى العمل وعلى البلاد ..

قد يكون ما قلته صحيحاً ، وقد يكون ما قلته داخلاً في باب التخريف بل وموغلاً فيه ، كيف ترون المسالة؟ الكرة في ملعبكم..
* الآيات القرآنية بالترتيب :(1) سبأ (24) ،(2) فاطر (18)..

Saturday, March 31, 2012

بدون زعل : في دستور الأزهر ، والكنيسة

من حق من يشك أن يشك ، ومن حق من يقلق أن "يتوغوش" : المؤسستان الدينيتان الرئيستان في المجتمع ، ومعهما التجمعات الدينية المذهبية المنظمة ، تحولت فجأة من "بالروح بالدم نفديك يا زعيم" إلى كيانات ثورية ، ومن البعد حتى عن ممارسة الدور الديني إلى "الفتح على الرابع" في مسائل السياسة.. الذين شاركوا من على منابرهم هنا أو هناك على استحياء في الثورة ، وبعد تأكدهم من قرب الانتصار ، هم الآن من يريد أن يسهم في تشكيل الواقع الجديد ، من فقد مصداقيته - وأعني الأزهر - لارتباطه في السياسة أبى إلا أن يعاود البلبطة في مستنقعها..والذين كانوا لا يؤدون عملهم الأساسي قرروا تجربة أنفسهم في عمل آخر لا يتناسب مع وظيفتهم الأصلية في المجتمع..

الأزهر - مثلاً - قدم وثيقة ، أرادها أصحابها أن تكون "استرشادية" في عمل الدستور ، ثم عاد كالعادة لينفي أنه يمارس السياسة ، على طريقة "نحن لا نفتح الرسائل" ، ليفاجئنا بعدها بأنه يقف "على مسافة واحدة" من جميع المرشحين للرئاسة ، أمر يدل على أنه كانت هناك شكوك لدى المجتمع المصري أو بعضه تجاه الأزهر في تلك المسألة ، لنفاجأ بالأزهر ينسحب من تأسيسية الدستور لا لشيء إلا "لضعف تمثيله" في اللجنة.. أي أنه لو كان ممثلاً بعدد "أكبر" من الشيوخ والعلماء لبقي فيها.. وتذكروا.. نحن لا نمارس السياسة!

أما المستشار الصحفي للكنيسة الكاثوليكية فأصدر تصريحاً لا يقل غرابة عن التصريح الأزهري ، قائلاً فيه أن "الأقباط أعضاء اللجنة يمثلون أحزابهم، ولايمثلون كنائسهم"! أي أن المسألة ليست تهميش الأقباط الذين من حقهم أن يشاركوا كأفراد ومواطنين في وضع الدستور المصري من خلال الأحزاب السياسية مثلهم مثل غيرهم من المواطنين ، بل تهميش المؤسسات الدينية المسيحية من وجهة نظر المتحدث الصحفي ، الأمر الذي يعني ، لو استخدمنا نفس المنطق ، أن المسلمين المشاركين في اللجنة يمثلون أحزابهم ولا يمثلون الأزهر!

ماشي..

1-لماذا يريد الأزهر ، والكنيسة ، والطرق (باعتبارها نموذجاً للمجموعة الدينية المذهبية المنظمة)(1) المشاركة في عمل الدستور؟ ما هو الفرق بين دستور تشارك فيه تلك الجهات ودستور لا تشارك فيه؟ هل مشاركة الأزهر هي ضمانة للمادة الثانية؟ هل مشاركة الكنائس هي ضمانة لحقوق المسيحيين في الاحتكام إلى شرائعهم في مسائل الأحوال الشخصية والمواريث؟ أليس الدستور كما يقول كل من يريد التدخل فيه لمصلحته الضيقة هو "العقد الاجتماعي بين الدولة والمواطن" بغير ذلك اسم المواطن ولا بلد المواطن ولا الاتجاه السياسي للمواطن ولا الانتماء الديني والمذهبي للمواطن؟

2-ما الذي يمكن لتلك الجهات أن تقدمه داخل الدستور بعيداً عن المسائل الدينية ، بما أنها إن شاركت فيه ستشارك في المسألة كلها "لوكشة واحدة" ، ما يخص الجوانب السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي لا تتخصص فيها في الأغلب الأرجح؟ لطالما كان في الحالة الأزهرية ما يمكن اعتباره "ترويجاً" لنوع من التدين ينعزل بعض الشيء الكثير عن الحياة وشئونها ، التي من المفترض أن يخدمها الدستور ، وبالتالي ليس للأزهر كمنظمة أي خبرة تذكر في إدارة ما هو خارج المعاهد ومستشفيات الجامعة ، لأنه بلا صلة تربطه أو تربط مؤسساته بالمجتمع المحيط (حتى على العكس من بعض الجامعات في مصر) ، أما بالنسبة للكنيسة فلا يختلف الحال كثيراً ، إذ أنه حتى عملها في المجال الخدمي قد لا يكفي وحده لتواجد خبرة كافية للمشاركة في عملية فنية كصياغة دستور.. وحتى خبرات المؤسسة الدينية المسيحية لا تزال قاصرة على دائرة شئون أتباعها فقط دون أن تضع نفسها ، وأن يضع كل المشاركون الآخرين من جهات وأفراد أنفسهم بالطبع ، مكان أي مواطن في مصر أياً كان دينه (2)، بما أن الدستور يحدد أساسيات علاقة الفرد بالدولة أكثر من خدمات من الممكن أن تؤديها الدولة.. تذكروا أنه من أكبر ما وجه للجنة صياغة الدستور من انتقادات كان ما يتعلق منها بوجود "كفاءات".. هل المؤسستين الدينيتين الحاليتين ، اللتان لا تقومان بعملهما الديني الأصلي في المجتمع كما يجب ، كفاءة للمشاركة في وضع دستور؟ أم أن مدنية الدولة لدى "البعض" "أوبشن" يتم تفعيله في حالات معينة وتعطيله عند اللزوم؟

3-ألا يمكن أن تنطبق نفس الانتقادات التي توجه للأحزاب الدينية على تلك المؤسسات ولو بنسبة كبيرة؟ "انتو بتوع دين ولا بتوع سياسة" ، "تعرفوا إيه عن المواطنين اللي عايشين في العشوائيات والأماكن الفقيرة" ، "انتو ما عندكمش خبرة الحياة العامة وثقافة الدولة" ....الخ..

4-ألم يفكر الأزهر تحديداً في أن ما اكتسبه من مصداقية على مر تاريخه اكتسبها من عمله التربوي داخل المجتمع وما قام به للحفاظ على الثقافة المصرية العربية من تيارات التغريب والدونية ، وأنه عندما قدم خدمات للنظم السابقة فقد شعبيته لحساب السلفيين الذين يصرخ منهم الآن؟ ألم تضر تفاهمات الكنيسة مع الساسة قبل وبعد الثورة بمصداقيتها ولو لدى شريحة شابة من المسيحيين؟

5- ما الذي سيضمن أن تكون تلك هي المشاركة السياسية الأخيرة للجهات الدينية؟ أليس من المحتمل أن يكون حوار الدستور مقدمة لسلسلة من العبث السياسي فيما بعد؟ كوت وحصص وتقسيمات وخلافه؟

دخول الأزهر والكنيسة والطرق ، وكذا دخول أي فئة بصفتها الدينية للعمل السياسي هو نوع من أنواع الانتحار السياسي ، فمصداقية كل هؤلاء وغيرهم أصبحت بهذه الطريقة على المحك ، ومواقفهم ستصير كما الحالة في لبنان نهباً لأي ريح سياسية تهب هنا أو نوة هناك ، وبالتالي سيزيد الشرخ بينهم وبين الناس مع مرور الوقت ، ثم يتحول ذلك "الفَصَلان" إلى عداء ، سيدفعون ثمنه غالياً أكثر مما سيدفعه المجتمع بأكمله..

الدين كله لله ، والوطن للجميع ، والتخصص لأهل التخصص ، ألا هل قد بلغت ، اللهم فاشهد..
* (1) ... لأن السلفيين في مصر على الأقل ليست لديهم جماعات منظمة لها قيادة وتنظيم إداري ، ولأن الحالة السلفية في مصر "مزاج سلفي" كما وصفه الباحث الراحل "حسام تمام"..
(2)...وعندما يصعد أي تيار متشدد داخل أي مؤسسة دينية رسمية ، أو حتى غير رسمية ، يختفي ذلك البُعْد تماماً..

Thursday, March 29, 2012

السؤال الثالث : حد عايز دولة مدنية؟

بدون غضب ، وبدون انفعال ، وبدون تسرع..

لنعترف أن أغلب أغلب أغلب أغلب من صوت للإسلاميين ، مع كل ما قلته عنهم (ولا زلت عند قناعاتي) وما لم أقله ، صوت عن اقتناع وتعاطف للإخوان والسلفيين .. ولهؤلاء كما نعرف لهم تصورهم للتمكين ، ولا يرضون بغير الحكم والسيطرة على الدولة بديلاً..

ولنعترف أن أغلب أغلب أغلب أغلب ممثلي المجموعات الدينية والمذهبية الأخرى من صوفيين وغيرهم قرروا الوقوف ضد الإسلاميين "السياسيين" والسلفيين ودعمهم للمال السياسي ممثلاً فيما يسمى بـ"الكتلة المصرية" ، ليس حباً في الليبرالية ، ولا التنوع الفكري ، ولا هذا الهجص ، وإنما إيماناً أيضاً بنفس نظرية التمكين ، بشكل مختلف بعض الشيء عن التصور السلفي له ، بمعنى الاكتفاء بالسيطرة على الأزهر والمؤسسات الدينية الأخرى وتوحيد الناس تحت القيادة السياسية- الدينية لشيوخ الطرق ، وطمعاً في شكل دولة يشاركون فيها كمنتمين للخط المذهبي ، خذوا بعين الاعتبار كمية أفكار "الخلافة" الموجودة في الموروث الفكري للصوفية الطرقية في مصر ، مضافاً إليها أوهام عن كون الشخصية المصرية - من وجهة نظرهم وما يُشَبَّه لهم - صوفية طرقية ، هراءات يسهل على أي شخص يمشي في أي شارع في مصر تفنيدها عندما يجد أغلبية كبيرة من الناس ، حتى لو كانت أغلبية حسابية Arithmetic Majority، مثل كاتب هذه السطور ، مسلمون سنة مستقلون.. وضع تحت كلمة مستقل ما شئت من خطوط يراها الكفيف في عز الظهر....

ولنعترف أن المؤسستين الدينيتين في مصر ، أزهر أو كنيسة ، قررا الدخول في اللعبة السياسية ، لا حباً في الليبرالية والديمقراطية والاعتدال وكل هذه السخافات ، ولكن من أجل المزيد من النفوذ ، الأزهر مثلاً بدأ يفكر مثل داخلية "زكي بدر" التي اعتبرت مكافحة الإرهاب في الثمانينيات مسوغاً لنيل مزيد من الامتيازات والعطايا ، الأمر الذي أدى لاحقاً لفساد كبير في الجهاز الشرطي عرفه الناس عن قرب في موقعة الشعب-الألفي بعدها بسنوات ، كل ما طرأ على المعادلة هو عملية تعويض ، الأزهر بدلاً من الداخلية ، ومكافحة التطرف بدلاً من مكافحة الإرهاب ، والامتيازات هي أن يكون للأزهر "بصمة" على ما هو أبعد حتى من التشريع ..

حتى أغلب أغلب أغلب الناشطين الليبراليين المسيحيين لم يتحدوا ضد الإسلاميين السياسييين حباً في ليبرالية الدولة أو في مواجهة مخاوف على مستقبل المسيحيين في مصر على خلفية صعود الإسلام السياسي ، بل من أجل مزيد من التديين ، والمزيد من السلطات السياسية لرجال الدين على المجتمع المسيحي في مصر..

لكل هذه الفئات جمهور ، وجمهور كبير ، مضافاً إليهم نسبة يمكن اعتبارها مؤثرة من غير المسيسين والممذهبين نشأوا على معتقدات معينة عن "دولة الخلافة" و "الدولة الدينية" و "لا إسلام بلا أزهر" أو ما يقابلها على الجانب المسيحي ، ومن شديدي التأثر برجال الدين (الذين أصبح لبعضهم مصالح) ، وإعلام رجال الأعمال (1) ، وبعض المستنشطين الذين لهم مصالح فكرية ما مع سيادة تيارات دينية على حساب أخرى لزوم المصلحة الفكرية (وغير الفكرية) ، احسبوها بالورقة والقلم ستجدوا أن ما يقرب من 90% من تعداد الشعب يريد أن يمتد التأثير الديني لأبعد مما هو ديني صرف واجتماعي وسلوكي إلى السياسة والاقتصاد..

قد يكون لذلك ما يبرره ، البعض يرى في تبعيته لأي مجموعة ، ولو كانت مذهبية أو دينية ، قوة وحمايةً له ، وفي زعيمها وقائدها فتوةً وحامياً للحمى ومخلصاً ، يرى أفضل من الجميع ، ديناً واقتصاداً واجتماعاً وسياسة ، والخير كل الخير في اتباعه والشر كل الشر في عدم اجتناب نواهيه ، ثقافة موجودة في المجتمع مثلها مثل ثقافة الصوبة الزجاجية ، وكلتاهما رسختها أفكار الزعامة الدينية ، وليس من العقل تجاهلهما أو الاعتقاد بأنه يمكن التخلص منهما في يوم وليلة ، بما أن هدف الثورة ، أو يفترض أنه كذلك ، هو بناء دولة وليس مزرعة خيار، أضف لذلك حقيقة كون نسبة كبيرة منا من "المحافظين" ، والمحافظ في مرتبة وسطى بين المتشدد والمنحل ، وحتى المتحرر في المجتمع بداخله محافظ ، جزء من سلوك المحافظ في مصر وغيرها تمسكه بقيم دينية واجتماعية ، ويؤمن أبناء الشريحة المحافظة الكبيرة في طول البلاد وعرضها (ومنهم كاتب هذه السطور) بأن في الدين حلولاً لمشاكل كثيرة في هذا المجتمع ، لكن يبقى الخلاف حتى داخل هذه الشريحة المحافظة عن ماهية تلك الحلول ، هل هي -كلها- موجودة صراحةً في القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة ، أم في تفاسير وأفهام قديمة للقرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة (كما يرى المحافظون الميالون للسلفية) ، أم في تفاسير جديدة للقرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة (كما يرى بعض الإسلاميين)، أم في ترك القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة لمساحة من الاجتهاد لا يمس بثوابت الدين (كما يرى بعض الليبراليين وليس كلهم)، أم الإجابة هي (أ ، ب ، ج) معاً (كما أرى ومعي كُثُر)..

توزعت تلك الشريحة المحافظة الكبيرة التي تشكل أغلب قوام المجتمع المصري ، مسلمه ومسيحيه على السواء، بفعل ما تقرأه في الكتب أو تشاهده في الميديا أو تسمعه من رجال الدين ، بدرجات متفاوتة ، وعليه توزعت أفكارها على أطراف المسطرة ما بين تحفظ واعتدال وتشدد وانحلال ، نعم تبقى في أغلبها متحيزة للطروح التي ذكرتها في الفقرات الأربع الأولى ، لكن منها نسبة تؤمن بأن الدين لا يجب أن يتم استبعاده بالكامل من الحياة ، وتؤمن أيضاً بأنه (=الدين) ترك مساحات لما هو دنيوي فيما لم ينزل به نص ، وللتعايش مع الآخر أياً كان دينه ، وللمشاركة في البناء الدنيوي للمجتمع بصفة المواطنة ، وبالحرية في اختيار ما يؤمن به المواطن سياسياً والتصويت له ودعمه دون انتظار لأمر من أحد افعل ولا تفعل ، تحترم رجل الدين شيخاً كان أو قسيساً لكنها لا تلزم نفسها به عندما يخرج الأمر إلى حيز السياسة.. تلك النسبة سالفة الذكر قد تكون كبيرة كعدد لكنها قد تكون أيضاً قليلة التأثير مقارنةً بالأغلبية..

أحترم بالتأكيد قرارات الأغلبية ، لكن المشكلة في القرارات نفسها ، فهي تشبه المتنافسين على الكرة داخل ملعب كرة القدم ، مع الفرق أنه في حالتنا هذه اللاعبون كثر والفرق كثيرة ، لن تنفع معها الكرة المزدوجة التي رسمها "بهجت عثمان" يوماً لكي يرتاح الفريقان من التنافس ، بل ينفع معها الاتفاق على كلمة سواء ، وقبلها عرض المطالب بشكل واضح ، ودون ممارسة لسياسة إخفاء الكروت التي صار الكثير يمارسونها ، خصوصاً ممن يحاول إقناعنا بأنه يريد دولة مدنية..

والله أعلى وأعلم..
(1) التجار دائماً دالة في السوق ، من رجال الأعمال من هم محافظون ومنهم أيضاً ، مثلهم مثل الفئات المذكورة في الفقرات الخمس الأولى من التدوينة ، منافقو ليبرالية بداخلهم أفكار الشريحة المتشددة ، بل والمتشددة جداً ، من القسم المحافظ داخل المجتمع ..ربما أتناول تلك الفكرة باستفاضة أكثر في وقت لاحق بإذن الله..

Sunday, March 25, 2012

الآتي بعد : البابا القادم ، بعين محايدة

أولاً أقدم خالص التعازي لكل المواطنين المسيحيين شركاءنا في الوطن في وفاة البابا شنودة الثالث ، والذي حظي على مدى سنوات بتقدير واحترام كبيرين من فئات كبيرة من الناس داخل مصر وخارجها ، مهما اتفقنا أو اختلفنا مع آرائه ومواقفه .. الشيء المؤكد أنه برحيل البابا تنتهي مرحلة وتبدأ أخرى ، تستحق من الجميع ، مسلمين ومسيحيين ، التأمل بعمق والتفكير بهدوء ، هذه التدوينة هي محاولة مني ، لرؤية المسألة بعين محايدة ، وكما سبق الذكر ، لن أدخل -كمدون مسلم- في تفاصيل دينية بحتة ، وإنما سأسلك نفس النهج الذي بدأته قبل تسعة أشهر في تدوينة "قلق عام".. تذكروا شعار المدونة : محاولة للفهم لا أكثر ، قبل أن نخسر أكثر..

1-سيأتي البابا القادم ، أياً كان ، وأياً كانت خلفيته ، في ظروف تختلف كلياً وجزئياً عن الظروف التي أتى فيها البابا الراحل ، واقع سياسي جديد يتشكل ، وصعود للتيارات الدينية بما يشكله من قلق لدى المسيحيين المصريين ، ومحاولة تيار المال السياسي اختراق المؤسستين الدينيتين الرئيستين في مصر ، وبالتأكيد الدخول في عملية الدستور بتحدياتها ، الآن ، لم يعد هناك مجال للعزلة التي ضربت على المسيحيين ، أو لنظرية الصوبة الزجاجية التي أثبتت أنها تضر من يحتمي بها أكثر ما تنفعه ، وتخنقه أكثر مما تعطيه من حصانة.. لكن هل ستساعد المؤسسة الدينية المسيحية المسيحيين على الخروج من الصوبة والمشاركة جنباً إلى جنب كمواطنين في بناء وطن بمقاييس جديدة؟ وبأي كيفية؟ للتذكير : أفراد أي مجتمع في أي مكان يعتنق أفراده أي دين ليسوا على شاكلة واحدة ، منهم المتدين ومنهم غير المتدين ، منهم المعتدل والمتطرف ، المتزمت والمحافظ والمتحرر ..

2-سيرث البابا القادم انتقادات وجهت للكنيسة المصرية وموقفها من الثورة بشكل عام ، انتقادات تعاظمت بالتأكيد بعد توابع الثورة ، سواء الحوادث الطائفية أو أحداث "ماسبيرو" أو التحالف مع قوى المال السياسي ، فضلاً عن موقفها من المجلس العسكري ، و .. ، و... بالتالي سيكون عليه امتصاص غضب المسيحيين المنتمين أو المتعاطفين مع "الحركات الثورية" باتخاذ ردود فعل "قوية" لا تجعل المؤسسة بمعزل عما يحدث في مصر ولا يجعلها تقف موقفاً سلبياً ، وتطمين عامة المسيحيين المتخوفين من تيارات الإسلام السياسي والتيارات المذهبية ، وهو ما قد يستتبع الدخول في العملية السياسية والدستورية ، تأييد تيارات وأحزاب بعينها ، بناء شبكات علاقات جديدة ، وهو ما قد يثير موضوع علاقة المؤسسة الدينية ، أي مؤسسة دينية ، أزهر أو كنيسة ، بالسياسة ، في دولة يفترض بها أن تكون دولة مدنية ، لا تلعب فيها المؤسسات والمجموعات الدينية دوراً سياسياً..

3-هناك ألف رأي ، وألف وجهة نظر ، وألف موقف ، هناك من رأى أن الثورة ستكون فرصة لإنهاء (ما يعتبرونه) تمييزاً ضد المسيحيين في مصر ، وهناك من انتقد الثوريين وربما الثورة لأنها تسببت في صعود الإسلاميين إلى السلطة أو اقترابهم منها ، وربما قد يهدد ذلك الدور الاجتماعي والسياسي للكنيسة (الذي يعتبرونه حمائياً) والذي كان وراءه صفقات مع النظام السابق ، ولا حل لحمايته إلا بصفقات جديدة وتربيطات وعلاقات (قد تكون بالتأكيد على حساب مدنية الدولة) ، هناك من يريد أن تكون الكنيسة هي الصدادة الدينية والسياسية للمسيحيين (وسيطالب بمزيد من التدخل الديني في الشأن الدنيوي والسياسي) ، وهناك من يريد دولة مدنية فعلاً ويقتنع أن المواطنة في ذاتها أساس يحدد علاقة المواطنين بعضهم ببعض دون تدخل من أي مؤسسة دينية كانت ، وهناك من يتستر بالدولة المدنية لتحقيق مصالح طائفية ومزيد من النفوذ (ولا مانع لديه في سبيل تحقيق ذلك من تدخل المؤسسة الدينية)، وهناك من يتمرد على كل شيء ، ويدخل الدين في حسبة تمرده على كل شيء (تماماً كأقرانهم من المسلمين).. وتضيف المجموعة الأخيرة المتسعة تحدياً أكبر للبابا القادم لاستعادتهم مرة أخرى إلى الكنيسة ، واستقطابهم بعيداً عن تيارات أخرى داخل الوسط المسيحي كي لا يشكل ذلك تهديداً للحضور الاجتماعي القوي للمؤسسة الدينية المسيحية الذي شهد تزايداً في السنوات الأخيرة..

4-في استنتاجي ، وقد يكون خاطئاً ، أن هناك صراع أجيال داخل الوسط المسيحي وحتى داخل المؤسسة نفسها بين جيلين ، الجيل الأول هو الجيل المحافظ ، المتمسك بقيم ليبرالية ولكن في إطار خطوط حمراء ومبادئ وثوابت وقيم ، مصدرها يرتبط عادةً بثقافة الطبقة الوسطى في فترة الأربعينيات والخمسينيات ، والجيل الثاني في مجمله يتحدث كثيراً عن ليبرالية ولكنه متشدد ، أفكاره لا تختلف الشيء الكثير عن أفكار المتشددين الإسلاميين أنفسهم ، ولكن طبعاً بنسخة مسيحية ، تبدو ثقافته مستوردة متأثرة بمن عاشوا في المهجر ، ولديهم دور ثقافي في ما يخص الجانب المسيحي من التوتر الطائفي ، من الآخر .. وكسب هذا الفريق الأخير أرضاً في زمن قياسي ، وصار له تواجد ، وصار صوته أعلى ونفوذه أقوى.. واستثمر أحلى استثمار في "الاحتقان الطائفي" ليقدم نفسه كفتوة ومخلص وحامٍ للحمى ، وعزز الاستثمار باستثمار جديد في الحالة الثورية.. وكل منهم يريد طريقة وسياسة معينة تتدخل بها الكنيسة في الحياة العامة فيما هو بعيد عن الشأن الديني ، وبين أولئك وهؤلاء كما قلت سابقاً بعض الليبراليين الحقيقيين (أي لا علاقة لهم بمن نراهم في الميديا) من هذا الجيل وذاك يرى أن أوضاع المسيحيين في مصر كانت أفضل دون أن تلعب الكنيسة دوراً سياسياً صارخاً ، ووقت أن كان المسيحيون أحراراً في الانضمام إلى أي حزب يريدون (من أقطاب الوفد والحركة اليسارية في مصر شخصيات مسيحية بارزة)..

انحاز البابا القادم لهذا أو لذاك ، تحرك في اتجاه السياسة بأي سرعة أو لم يتحرك ، أبدى اعتدالاً أو تشدداً ، سيكون رد الفعل على الجانب الآخر في ظل إلحاح على الزعامة الدينية (محدش بيعرف يعمل لهم حاجة علشان ليهم بابا وليهم زعيم واحنا لازم يكون لينا بابا ولينا زعيم) بنفس الشكل والمضمون والسرعة والقوة ، مع استمرار الاحتقان والتخندق ستصبح المسألة هكذا ، فعل ورد فعل ورد رد فعل ، تطرف هو سنتطرف نحن ، قام بصفقة تتخلى فيها الدولة عن دورها في أمور ما لتتركها له سنقوم نحن بنفس الشيء ، ومن يشمبر لنا نشمبر له.. ضعوا في الاعتبار أن هناك قوى سياسية تريد أن تجعل من الأزهر مؤسسة دينية لها لدى المسلمين نفس الوضع ، أو قريباً منه ، الذي تملكه الكنيسة بالنسبة للمسيحيين .. (رغم أن هذا ليس من اختصاصات الأزهر وليس من دوره ولا ينبغي أن يكون)..

ليس من السهل على أي شخص أن يقود أي مؤسسة دينية لأي دين كان ، سواء أكانت فكرة المؤسسة الدينية موجودة بداخل ذلك الدين من عدمه ، كل خطواته ستحسب عليه بالتأكيد ، أما اعتدالاً وتسامحاً وإما مزيداً من التطرف واللعب بالديناميت..

Sunday, March 4, 2012

السقف الأخير

إذا كان السقف في اللغة يرمز لما هو "أقصى" فإن سُقُقَاً كثيرة قد تهاوت ، خصوصاً ما كان يتعلق منها بسقف المقبول وسقف المعقول وسقف ما يمكن تحمله ، كالعادة نفاجأ حين يحدث شيء ينبئ بانهيار في سقف ما ، من جملة سُقٌف حياتنا المنهارة ، أو الآخذة في الانهيار ، نفاجأ به كما لو كنا لا نعرفه ، ولا نصدق بإمكانية حدوثه ، وشواهده تتوالى أمام أعيننا ليل نهار ، وننظر إليها في تناحة واذبهلال ، نتصرف معها كأفراد ، ولو بعقولنا ، ولو بقلوبنا وهذا أضعف الإيمان ، بنفس الطرق التي لطالما لمنا عليها حكومات ونظم متعاقبة ، إما ببرود واعتياد "الكلام دة بيحصل في كل حتة" ، أو باستخفاف "مش معقول الكلام دة يحصل في مصر" ، أو بتهوين "مش للدرجة ، الموضوع ما وصلش لدرجة..." .. وتكون النتيجة أن تفاجأ بمصيبة ، عادةً كبيرة ، تتساءل حولها وحول ملابساتها كما لو كنت قد فوجئنا بها ، نسخن لنصل لدرجة الغليان ، ثم نبرد ، ثم نهيئ أنفسنا للاعتياد عليها..

الخبر الذي قرأته قبل ساعات لا يحوي من الجاذبية ما يقيم الدنيا ويقعدها ، ربما لخلوها مما قد يعده البعض "بعداً طائفياً" .. بمعنى أنه "لو اتنين مسلمين ولعوا في بعض مش مشكلة ، لو اتنين مسيحيين ولعوا في بعض مش مشكلة ، إنما لو واحد من هنا وواحد من هنا".. بل غرابة الحادث نفسه بشكل قد يجعله معتاداً في المستقبل ، بل ومقدمة لما هو أسوأ ، لألخص لكم الأمر أولاً ، وهو كفيل بنسف سقف مصطلح "مشكلة/ مش مشكلة" لديكم..

لأول مرة في تاريخ مصر ، وربما في ما أعرفه من تواريخ دول أخرى تصبح فيها دار للعبادة هدفاً للسطو المسلح.. تخيلوا..

نعم ، هاجمت قبل ساعات مجموعة من البلطجية مسجداً في قرية "فيشا الكبرى" بمحافظة المنوفية ، قتلوا اثنين ، أصابوا ثلاثة ، واستولوا على أموال الزكاة ، وطبعاً ، هربوا..

الجريمة ، التي لا وصف لها إلا تلك العبارة ، تمثل سابقة أولى في كل شيء ، صحيح أنه من المتوقع في ظل انتشار موجة التطرف الديني إسلامياً ومسيحياً على السواء صار من المتوقع نظرياً أن يتعرض دار عبادة ، مسيحي أو مسلم ، للهجوم من متطرفين متعصبين ، لكن الجديد أن الهجوم جاء من مجرمين جنائيين ، وشتان ، وهذه هي المفارقة المرعبة والمذهلة ، بين علاقة المتطرف المتعصب بدار العبادة في دينه ، وبين علاقة المجرم الجنائي بنفس المكان ، علماً بأنه في الغالب "ما بيركعهاش".. صحيح أنه من المتوقع أن يهاجم متطرفون دار عبادة دين آخر ، حدثت ، وتحدث ، وربما تتكرر ، لكن الجديد أن الهجوم غالباً جاء من مجرمين ينتمون لنفس الدين ، مسلمون يهاجمون مسجداً على نفس المذهب ولأسباب غير عقائدية ، من المتوقع أن يهاجم سين من الناس دار عبادة لداع ديني أو مذهبي ، لكن الجديد والصادم أن يهاجم ذلك السين داراً للعبادة بغرض السرقة!

نعم ما حدث صادم ، ليس فردياً في اعتقادي ، بل سيكون مقدمة لأشياء أسوأ ، وبمراحل ، وسيكون تمهيداً لسقوط سُقٌف أكثر وأكبر ، لكن..

لكن هل كان ذلك مفاجأة بحق؟ هل كان اعتيادنا للسرقة من المسجد تمهيداً لقبولنا سرقة المسجد نفسه؟ في البداية كانت سرقة الأحذية ، تلتها سرقة مصاحف ، تلتها سرقة ميكروفونات ، تلتها سرقة معدات ، ثم تحولت تلك السرقة من خفة اليد إلى "مرزبة" السلاح ،بالسلاح يا حبيبي بالسلاح مع الاعتذار لـ"عصام الشوالي" .. في البداية "أنا لا ممكن أسرق في رمضان" ثم "أنا ممكن أسرق أي حتة إلا الجامع بيت ربنا" ، إلى ما حدث ، وقريباً ستكون السرقة المسلحة في نهار رمضان.. استنكار في البداية ، تململ بعد ذلك ، ثم اعتياد..

كيف نرى نحن فكرة السقف؟ هل هو السقف الذي يغطيك ويحميك سواء من برد الشتاء أو من قيظ الصيف ، أم السقف الذي يحجب عنك النور والماء والهواء ويحجر على حريتك ويحول بينك وبين كل ما تعتبره "حقك" من مصالح وشهوات وملذات ، المشروع منها وغير المشروع ، القانوني وغير القانوني ، المباح اجتماعياً وغير المباح ، الحلال والحرام ، كيف نرى علاقتنا نحن بالسقف؟ من علاقة حب لهذا السقف ، إلى علاقة اعتياد وتعايش مع وجود سقف ، إلى علاقة ضجر من وجود سقف ، إلى كراهية السقف، إلى علاقة رغبة في كسر السقف، إلى اعتياد (وتبرير) كسر السقف ، إلى البحث عن سقف أعلى لكسره..

ما هو تعريفنا نحن لكلمة "سقف"؟ لفكرة الخط الأحمر في حياتنا ، سواء كان ديناً أو قانوناً أو عادات أو تقاليد أو أعرافاً أو أي شيء آخر..أم "أنا السقف" : الاحتياجات والمطالب والأطماع ، الثروة والسلطة والسلطوت ، وعلى ذلك كلما كان المرء أقوى كلما كان سقفه أكثر مناعة ، كأننا تماماً في غابة برخصة.. أعلى سقف للأسد ، والأرانب "تولع".. "الدنيا دي دنية أسود ، مش دنية أرانب" كما قيلت في "شاهد ما شافش حاجة"..

ما السُقُف أو السقوف لدينا على وجه التحديد؟ أشخاص نظام سياسي أم فكرة النظام ، أشخاص رجال تنفيذ القانون أم فكرة القانون ، أشخاص رجال الدين أم فكرة الدين ، هل تشابهت السُقُف علينا إلى درجة صرنا فيها نتعامل مع الأسرة كسلطة ، ومع القانون كسلطة ، ومع الدولة كسلطة ، وربما ، مع الله عز وجل ، كسلطة ، وما أدراك ما موروث الناس عن السلطة.. وطرق العمل والتعامل معها .. ومهما تعددت السلطة وتنوعت أشكالها فالقاعدة واحدة : كل ما يحول بيني وبين "حقي" أو ما أعتبره كذلك فهو سلطة ، سلطة تستحق التمرد عليها والعصيان بكل الطرق.. حتى ولو لم يكن سلطةً من الأساس..

إن تكسرت كل السُقُف .. فما هو السقف الذي يبقى؟ وإن تم تخطي كل الخطوط الحمراء ، ما هو آخر خط أحمر تحرص على بقائه؟ هل هو "حقك" بالمعنى الفضفاض للكلمة ، والذي تخط حدوده وتحدد معالمه بما يوائم مصلحتك ، "الفلوس دي حقي وح أخدها ولو بالسرقة ، الست دي حقي وح آخدها ولو بالغصب ....الخ".. هذا المعنى الذي ربانا عليه إعلام الحراك السياسي قبل الثورة ، ورسخته بلطجة رأس المال وعربدة ممارسة السياسة التي تختلط أحياناً بالدين وبأشياء أخرى ..من العادي -جداً- أن يتظاهر المرتشي جنباً إلى جنب مع صاحب الحق من أجل طلب فئوي تستغرب أن يطالب به المرتشي ، وأن يعتبر البعض الامتياز حقاً والمكرمة حقاً والحرام أحياناً حقاً..عادي واعتيادي

هل أسهم المناخ العام في كل ما سبق؟ إعلام لا يعرف إلا مصلحته ، يعمل لحساب رجال أعمال وساسة لا يعرفون ، هم الآخرون ، إلا مصلحتهم، ورجال دين تفرغوا لممارسة السياسة وأحياناً للصفقات السياسية والترويج للمرشح العلاني وتقديم خدمات للحزب إياه أو الحركة إياها ، التصوير في الميدان والتسجيل في الفضائية ، والترويج للرئيس الخليفة المنتظر سواء أكان ليبرالي الخلفية أو إسلامي الخلفية، فكل ما يحدث من ترهات لا يشغلهم في شيء رغم أنه يحدث أمام عينيهم وأعينننا ، ولا نأخذ منهم إلا مسكنات "لما ييجي الرئيس كل حاجة حتتصلح" ، "لما حيقيم الرئيس العدل ولا حاجة من دي حتحصل".. (حتى العدل أصبح تعريفه هو الآخر فضفاضاً ونسبياً للغاية).. ولا ننسى الناشطين إياهم الذين كانوا رواداً في أحيان كثيرة في التخلص من أمور لطالما اعتبروها ثوابتاً وسُقُوفاً وخطوطاً حمراء ، يحدثونك عن دولة مدنية ويتحالفون مع رجال دين ومؤسسات دينية ، يتحدثون حسب الطلب عن الانفلات الأمني ، يصعرون خدهم لمن يختلف معهم في رأي أو على مرشح ، ويتعاطفون مع بلطجي وقاطع طريق ، ويضعون تعاريفهم الخاصة لكل شيء ، حسب الطلب -مثلهم مثل الساسة ، ومثل شريحة من رجال الدين-للدولة ، وربما للدين..والأسوأ منهم فريق اعتبر الثورة ctrl+c و ctrl+v .. أشخاص لا قيم ، تمكين لا واقع..

استغربوا كيف شئتم ما قلته واستهجنوه واستسخفوه ، قد أرى في ذلك شيئاً إيجابياً ، على الأقل هناك ما نستهجنه بما أننا مؤخراً اعتدنا على كل شيء ، صداقة مع القبح وحميمية مع "الأباحة" وتعاون مع الفساد وعشرة عمر مع أشياء أخرى كثيرة ، اعتبروا ما قلته تسميعاً لأشياء كتبت عنها سابقاً ، تململوا كيف شئتم ، لكن سيكون عليكم ، وعليّ بالتأكيد كواحد من عامة الناس ، وعلينا جميعاً أن نبحث أولاً عن سقف لم يتم كسره بعد ، ثم عما سنفعله إذا سقط السقف أو أسقطناه ، علماً بأن السقف إذا ما سقط فوق دماغ أحد فقد يقتله..

حد عايز يتقتل؟.. حد له شوق في حاجة ، كما قيلت على لسان "محمود عبد العزيز" في الفيلم الدموي "إبراهيم الأبيض"؟
* الصورة من الموقع وهي صورة "أرشيفية" وليست لما حدث في المنوفية ، لذا لزم التنويه..