Showing posts with label سؤالات. Show all posts
Showing posts with label سؤالات. Show all posts

Thursday, July 26, 2012

المرض .. والعقاب .. ونظرية "أحسن"

مقدمة:أنا واحد من الناس الذين أخذوا ، ويأخذون ، "شبورة" إعلانات التبرعات للمستشفيات بحساسية شديدة ، قناعتي الفكرية وأنا حر فيها ، قد ينظر البعض لتلك الإعلانات على محمل حسن النية ومساعدة المرضى في البحث عن فرصة علاج آدمي ولائق ، وأنا أعتبرها جزءاً من نظرة كراهية غير عادية متغلغلة في ذهنيتنا عن المرضى كلهم بشكل عام ، من مظاهرها إهانتهم في هذا الإعلان أو ذاك..

وعندما تأتي السيرة أتذكر "جلين هودل" ، وهو مدرب كرة قدم إنجليزي شغل لبعض الوقت منصب المدير الفني للمنتخب الإنجليزي ، وكان يعتنق بعض المعتقدات البوذية ، ومن ضمنها أن "المعاقين يدفعون ثمن أخطاء ما قبل الوجود" ، هذا التصريح الذي عد إهانة لذوي الاحتياجات الخاصة وكان سبباً في الإطاحة به من منصبه..

الهودليزم أصبح جزءاً لا يتجزأ فيما يبدو من ثقافة مجتمعنا المتدين السَّمح السِمِح ، والشماتة في المرض لدينا فعل لذيذ ، غير أننا زدنا عليه اعتبار فكرة أن المرض هو عقاب من الله عز وجل يلحقه بأي مخلوق نتيجة سوء سيره وسلوكه..

"فلان الفلاني" أصيب بالسرطان - مثلاً - كنتيجة طبيعية لـ"المشي البطال" الذي ظل عليه طوال حياته من سجائر ومخدرات وخمور ، وحتى لو اتضح أن هذا الشخص مستقيم ولا علاقة له بالسجائر ولا الخمور ولا المخدرات ، يمكن النبش عن أي سبب آخر يستحق من أجله هذا الشخص تلك العقوبة.. "دة أكيد كان بيعمل كذا وكذا".. "دة كان قليل الأدب" .. "دة كان ..." ، "دة كان".. وحتى لو ثبت أن السرطان لديه وراثي ، يبقى باب النبش والنخربة واسعاً..

أما "علان العلاني" المصاب بالإيدز فقد أصيب به كنتيجة طبيعية لسلوكه غير السوي وممارساته المش عارف إيه ، حتى لو اتضح أنه تلقى الفيروس من شخص مصاب عن طريق نقل دم (في مستشفى لا يملك القائمون عليها ولا العاملون بها الحد الأدنى من الدم).. وأول ما يسمع حين تأتي سيرة "ترتان الترتاني" المصاب بالسكري هو "ما هو من طفاسته".. فس على ذلك الأمراض العضوية كلها بشكل عام والمزمن منها والقاتل بشكل خاص..

والمرضى النفسيون طبعاً أشد هؤلاء إثماً وجريمة .. وهؤلاء من وجهة نظر البعض "أعداء الله" وش .. "لو كان ربنا هاديه ، ما كانش عمل كدة فيه".. "فلان الفلاني بيكلم نفسه.. أحسن.. ماهو من عمايله السودة"..

ولن تحتاج للدخول على النت لمتابعة خبر عن وفاة أي شخص مشهور لتجد أمثلة على ذلك المنطق ، فكلما مشيت في الشارع ستتعثر حتماً في مثال أو اثنين..

وبعيداً عن الشماتة في المرض ونظرية "أحسن" ، التي صارت جزءاً من روتين الرخامة في كل أشهر السنة ، ما الذي يدريني ، ويدريك ، أن إصابة س أو ص من الناس بمرض معين هو عقاب إلهي؟ ما أعرفه هو أن الله عز وجل "لا يسئل عما يفعل وهم يسئلون" (الأنبياء : 23) ، له مطلق الحرية في أن يرزق هذا ويمنع عن ذاك ، أن يهدي فلاناً ويضل علاناً .. وهو غني عنا جميعاً .. والمرض مثله مثل الرزق ، يوزعه الله عز وجل على الجميع عاصياً ومطيعاً ومؤمناً وكافراً ، لحكمة يعلمها .. هذا أولاً..

ثانياً.. ألا تستحق النظرة التي يلقاها المرض والمرضى من شعب "متدين" مراجعة جذرية وشاملة؟ هل أصبحنا مثل الشخص "الرخم" الذي سقط في بالوعة فكان أول ما قاله "أحسن"؟ هل أصبحنا كارهين لأنفسنا إلى هذا الحد؟

Wednesday, May 30, 2012

العدالة الاجتماعية : احتكار اليسار ، وطناش الإسلاميين

قبل الكلام: لنتفق من البداية على أن ما يعاني منه التيار الديني فكرياً يعاني منه آخرون في هذا المجتمع يدعون دائماً أنهم أكثر اعتدالاً واستنارة.. وأن ما تسمعه من بعض المتشددين دينياً ستسمعه بالتأكيد من آخرين ولو بشكل مختلف أكثر "تزويقاً".. لكن هذه المدونة تبقى "محاولة للفهم لا أكثر" ، والبحث عن تفسير لأشياء كثيرة تحدث حولنا سواء من التيار الديني أو من غيره..

ولنتفق أيضاً أنه لكل طرف في المعادلة السياسية في مصر على الأقل "مُحتَكَراتُه" ، التيارات الدينية تحتكر الحديث باسم الدين ، اليسار والناصريون يحتكرون الحديث باسم الفقراء ، حركات كـ "6 أبريل" وغيرها تحتكر الحديث باسم الثورة ، وكان قبل هؤلاء الحزبوطني يحتكر الحديث باسم الوطن بالوطن بمن فيه.. وعن نفسي أجد صعوبة في فهم تلك الاحتكارات ، بما أن عقلي المحدود ، مقارنةً طبعاً بالمتشنجين من أنصار كل فريق أو مرشح رئاسي فشل كان أو استمر ، يجد "صعوبات" في تصديق أن يحتكر شخص ما شيئاً "لا" يملكه!

أستغرب - ولعل المشكلة فيّ - أن يحتكر اليسار مثلاً الحديث عن العدالة الاجتماعية ، والتي تعد ، أو هكذا يفترض ، أحد أهم مطالب الثورة ، أياً كانت معاني ذلك المصطلح وهي كثيرة ، حتى لو سلمنا أن اليسار لطالما اعتمد على مخاطبة الطبقات العاملة "البروليتاريا" والمهمشة والتي تحصل على نصيب من الدخل لا يتناسب مع مشاركتها في صناعته ، وأن اليسار يبدو "أكثر اهتماماً" بتلك الطبقات من قوى المال - سياسياً كان أو لم يكن - أو الطبقات المنتفعة بشكل مباشر من قوى المال أو حتى الطبقات الوسطى ، فإنه كما أنه ليس من حق الأغنياء احتكار الثروة ، ليس من حق اليسار أو غيره احتكار صناع الثروة ، وأن خطاباً يدغدغ العواطف قد لا يكون كافياً لتحقيق مصالح الطبقات الفقيرة والضعيفة والمهمشة ، مثله في ذلك مثل الخطاب النخبوي العلوائي أو الرأسمالي المتعالي..

بمعنى أوضح ، حين نتحدث عن "عدالة اجتماعية" لا نتحدث عن إجابة صحيحة ، بل عن حل أمثل على الكل أن يقدم تصوراته له وأن يهتم به ، خصوصاً من يهمهم أن يصلوا إلى السلطة ويطبقوا "تصوراتهم" علينا..

الغائب الحاضر في مسألة العدالة الاجتماعية هم الإسلاميون .. صدق أو لا تصدق..

الإسلاميون لا ينتمون لمجموعة اجتماعية أو طبقية بعينها ، حتى ونحن نتحدث عن "الإسلاميين الجدد" ، بحيث يمكن تصنيفهم كطبقة عاملة أو طبقة مثقفة أو طبقة رأسمالية مالكة للثروة أو ... أو... أو... ولأنهم يتحدثون بالدين وباسم الدين ، الشيء المشترك بيننا جميعاً ، بمثله ومثالياته ، التي تستوعب كل المجتمع ، بمن فيهم غير المسلمين ، فمن الطبيعي أن يكون هناك مجال حتى لتداول المصطلح وتقديم "حلول ممكنة" له..

لكن ما يفاجئك أمران : الأول أن تلك الفكرة لا تشغل أي أولوية ، أو لا تشغل أولوية كبيرة لدى هؤلاء ، كل الكلام موجه عن الحكم وتطبيق الشريعة وتطبيق الحدود فقط ، أما تقديم حلول للمشاكل الاقتصادية والاجتماعية فلا يشغلهم كثيراً ، والثاني أن كل الكلام نصوص ، وليس تفسيراً لنصوص ، أو محاولةً لتطبيق ما يمكن تطبيقه منها.. رغم أن "ابن تيمية" رحمه الله اشترط في تطبيق الحدود أمران أحدهما "إمكانية تطبيقها عملياً" والثاني "حساب المكاسب والخسائر الناتجة عن تطبيقها بحذافيرها"..

لكل مجتمع ظروفه ، مستواه التعليمي والثقافي ، حالته الاقتصادية ، وبالتال يختلف فهم كل مجتمع للدين ، وتفسيرهم لنصوصه ، وبالتالي ما يريد أن يعرفه المجتمع ليس ما ينبغي أن يكون ، أي ما في القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة ، قدر ما في كيفية تحقيقه على أرض الواقع في ظل الظروف الحالية التي نعيشها جميعاً..

مرة أخرى .. لماذا لا يهتم الإسلاميون كثيراً بالعدالة الاجتماعية؟ ولماذا يكتفون فقط بتسميع الآيات الكريمة والأحاديث النبوية دون تقديم حلول عملية قابلة للتحقيق؟ ولماذا يسعون لحكم مجتمع لا يهتمون به بشكل جاد؟

هل لديكم إجابة؟

Thursday, May 3, 2012

زاويتان : المادة الثانية من الدستور

أسعد الله أوقاتكم..

بحد تعبير زميل وأخ كبير في أحد المنتديات ، وقت أن كانت حياتي على الإنترنت قاصرة عليها قبل أن أدخل عالم التدوين قبل ست سنوات ، أصبحنا أساتذة في علم "اللوع" واللف والدوران ، ولا نؤمن حتى في أبسط تعاملاتنا بأن الخط المستقيم هو أقصر مسافة بين نقطتين.. ولا نتوقف عن ذلك اللوع مهما كلف ، حتى لو كانت التكلفة دماً وإصابات واحتقاناً سيحتاج لأعمار لكي يزول ، مهما احترفنا استعمال الكلام "المزوق" وعلب المهدئات ولغة "التسنيج"..

منذ 11 فبراير 2011 والكل يدور حول نفسه كالنحلة ، لا يتوقف ، ولا يعتقد أنه قد أصابه أي صداع ، عدوا معي الأشياء التي حدثت منذ ذلك التاريخ ، من "محمد محمود" إلى "مجلس الوزراء" ونهايةً بأحداث العباسية ، استقطاب بين الإسلام السياسي والمال السياسي أكثر ما هو استقطاب بين إسلاميين وليبراليين ، كل طرف يتمادى في التذاكي على الآخر وإخفاء الكروت .. أحداث "محمد محمود" دارت حول الدستور ، بعيداً عما يقال عن المجلس الرئاسي المدني الذي لم يتفق عليه أحد في الميدان ولا على ممثليه ، وأحداث "العباسية" دارت حول شخص الرئيس القادم ، أكثر منها حول لجنة ومادة وبتاع ..

مدنية أم دينية؟ إسلامية أم عالمانية؟ رئاسية أم برلمانية؟ دستور أم انتخابات؟ لف ودوران يذكرنا بمعضلة البيضة والدجاجة..

على المستوى الشخصي تساءلت كمواطن من عامة الناس عما يريد هؤلاء وعما يتفق عليه وعن أشياء أخرى ، فلم أتلقَ أي إجابة ، ويبدو أن هذا الطناش هو ما سيجنيه كل شخص يحاول أن يعرف آخر الفيلم الذي نعيشه.. ولا تفهم ، ولا أفهم ، ما إذا كان ذلك الطناش فعلاً طناش اللف والدوران ، أم طناش استعلاء واستنكار لأن يسأل أي شخص هكذا أسئلة..

قلنا نجيب من الآخر..

حتماً سنصل إلى النقطة الخلافية ، حتماً سنصل إلى قطعة الورق التي أريقت من أجلها تلك الدماء الزكية في كل جانب ، حتماً سنصل إلى الدستور بنقاطه الخلافية التي لا يريد أطراف الاستقطاب مناقشتها بوضوح وفي العلن وبشجاعة بعيداً عن التذاكي واللف والدوران الذي صار مع الوقت أمراً مثيراً للغضب أكثر منه للشفقة..اختار العبد لله الوصول لأبعد نقطة ، أو ما يعتقده كذلك ، من الخلاف داخل الدستور نفسه .. المادة الثانية من الدستور ما بين نعم ولا.. وبالله عليكم ، لا أريد أن أسمع كلاماً من عينة "ما كل القوى الوطنية اتفقت على المادة التانية" ، "المادة التانية فوق دستورية والكل عايزها".. هناك من يريد إلغاء المادة ، وهناك من يريد تطبيقها لأقصى مدى .. ومن دفن الرءوس في الرمال وخداع الذات واشتغالها إنكار ذلك.. فقط ما نراه هو تذاكي و"شغل قمار".. لا أكثر ولا أقل .. وفي النهاية سيصل الجميع إلى تلك النقطة بعد أن تكون قد أزهقت أرواح أكثر ، وحدثت مهازل أكبر ، وفقد كل الناس أي "نِفس" لحوار بلا شجار..

وبما أنه لا أحد يريد أن يجيب عن تساؤلاتي ، كمواطن من عامة الشعب ، قررت تكرار تجربة قمت بها في الثاني والعشرين من يوليو الماضي ، بل سأمضي خطوة أبعد ، بأن أكتب في تدوينتين منفصلتين ما يريده كل فريق ووجهة نظره بكل وضوح ، من يرفض المادة الثانية من الدستور شكلاً وموضوعاً ، ومن يتمسك بها لآخر مدى ، وحرصت على أن أكون أكثر تشدداً على الطرفين ما استطعت سبيلاً إلى ذلك..تاركاً الأمر لكم والكرة في ملعبكم ، ربما ترون فريقاً على حق ، وربما ترون أن الاثنين على حق ، وربما ترون أن كليهما جانب الحق.. ولي مع الرأيين نقاط اتفاق ونقاط اختلاف..

واستعنا على الشقا بالله
* طبقاً لنظام الترتيب في "بلوجر" عملت التدوينات التلاتة معكوسة في الترتيب ، أجدد واحدة في التلاتة الآخر "المؤيدين"، بعديها اللي فوقيها "الرافضين" بعديها دي "المقدمة".. حكم القوي..
تحديث 4/5: بعض التعديلات في التدوينتين المبينتين بأسفل..

رافضو المادة الثانية : لماذا نبقي عليها؟

يفترض أننا حين نتكلم عن دولة مدنية ، أن تكون المرجعية فيها هي الشيء المشترك الوحيد الذي يجمع أبنائه أجمعين ، ألا وهي المواطنة ، انتماؤهم لهذا البلد أياً كان تباينهم في المستوى الثقافي والاجتماعي والاقتصادي وفي الدين الذي يعتنقوه.. وبالتالي لا يستقيم ، ونحن نتحدث عن المواطنة ، أن نغلب فئة على فئة ، أو دين على دين .. سبب كافٍ لجعل المادة الثانية من الدستور بأي صيغة كانت بلا محل من الإعراب..

قد يقابل هذا الكلام باستياء شديد للغاية ، سيقول البعض أن المادة الثانية تحدد هوية الدولة ، وأن الدولة إسلامية بما أن أغلبية أهلها مسلمين ، الدولة بهذا المعنى إسلامية فعلاً والمسلمون أغلبية ، هل نحتاج لمادة في الدستور تذكرنا بحقيقة كهذه؟.. مصر لمن لم يعِ بعد مصرية ، خليط ما بين هويات وثقافات متعددة صنعت النسيج المصري ، أكبر من أن نختزل هويتها في مرحلة بعينها أو دين بعينه..

سيقول البعض أن المسلمين أغلبية في مصر -وهذا صحيح – ومن الطبيعي أن يحترم حق الأغلبية في أن تفرض شريعتها كأساس للتشريع ، لكن هل سيكون المسلمون في أي بلد سعداء وهم أقلية وتفرض عليهم قوانين مستقاة من دين أصحاب الأغلبية؟ لماذا لا نضع أنفسنا محل الغير وفي مكانهم علماً بأنه في بلدان أخرى يعد المسلمون أقلية مقارنةً بأصحاب ديانات أخرى ، سواء في أوروبا أو أفريقيا أو غيرها؟

وسيقول البعض بأن القائلين بمدنية الدولة يرفضون أن يحكم الإسلام ، ويمكن الرد عليه بحقيقة واحدة ، باستثناء بعض الثوابت ، لا يوجد لدينا إسلام واحد في العالم الإسلامي ، أي إسلام إذن يريد هؤلاء أن يحكم مصر : الإسلام السلفي أم الإسلام الصوفي أم الإسلام الحركي أم الإسلام الجهادي أم الإسلام الأزهري أم الإسلام الشيعي أم الإسلام الطالباني أم.. أم.. أم...؟ - هذا طبعاً ناهيك عن تمسك كل أصحاب فهمهم بأنه الفهم الوحيد الحصري للدين..

حتى لو حكمنا الإسلام الأزهري المعتدل الوسطي ، وقصدناه في المادة الثانية من الدستور ، ألم يقل عثمان بن عفان رضي الله عنه : إن الله لينزع بالسلطان ما لا ينزع بالقرآن؟الدين كما نراه ينظم العلاقة بين العبد وربه ، والعبد والعبد ، في إطار أخلاقي ، مبني على الوازع الداخلي ممثلاً في الخوف من الله عز وجل ، والطمع في مغفرته ورحمته ، لكن الجانب الأخلاقي وحده لا يكفي في تنظيم السلوك بين المواطن والمواطن حتى ولو كانا مؤمنين بنفس الدين ، بمعنى أصح : بطريقة أو بأخرى سنحتاج إلى القانون ، وسنحتاج إلى قانون مبني على الشيء المشترك الوحيد بين أبناء الوطن الواحد وهو المواطنة ، وعلى أساس قانون مدني عالماني يمكن تفادي مشاكل وتضادات يمكن أن تحدث نتيجة مسائل خلافية بين الأديان داخل أي دولة.. أكثر بكثير من الاستناد إلى الشريعة ، أي شريعة لأي دين ، في أن تكون أساساً لسن القوانين.. خصوصاً في مجتمعات تقوم بتديين كل شيء ، وتدخل تحت مظلة الدين أشياءً ليست من الدين.. بل هي من مستجدات الدنيا التي لم يرد فيها نص أصلاً..

وحتى ولو كان الدستور موضوعاً على أساس الشريعة الإسلامية دون غيرها ، كما يطالب بذلك سلفيون ، هل يمنع ذلك فساد التطبيق بما أن من يطبقه بشر؟ الداعية السلفي "عبد المنعم الشحات" يجيب بـ"لا"..

سيتكلم البعض عن الحدود وعن كونها جزءاً من الدين ، وأنها يجب أن تكون جزءاً من القانون ، كيف سيتم تطبيق الحدود الآن؟ وعلى من؟ هل لدينا في الدولة جهاز إثباتي قضائي قوي يمكن للقاضي بمجمله أن يعرف أن سيناً من الناس سرق قبل أن تقطع يده ، هذا لو كنا سنطبق الحدود بحذافيرها؟

سيتحدث البعض عن “مقاصد الشريعة الإسلامية” في صيغة مقترحة للمادة ، مقاصد الشريعة الإسلامية هي العدل والحرية والكفاية والأمن على النفس والمال والعرض لأي شخص يعيش في ديار الإسلام ، أو في غيرها ، هذه مقاصد تتماشى مع قواعد الأخلاق ، ولا يمكن لأي قانون عادل أن يتجاهلها ، فلماذا إذن وضعها تحت لافتة دينية؟

وسيصر البعض على أن المادة الثانية صمام أمان للوحدة الوطنية ، رغم أن هذا الكلام ثبت خطؤه بالدليل العملي وبالتجارب التي أثبتت أن التعصب يزيد في كل يوم عن اليوم السابق عليه ، ولم تمنع "الكشح" ولا "القديسين" ولا غيرها، ويبدو أن ذلك البعض لا يزال يعيش في ذكريات الماضي حين كان المسلمون فاتحين لديار غير إسلامية ، وكان أهل تلك الديار "أهل ذمة" ، وكانت الجزية تفرض عليهم ، وكانت كل الدول الإسلامية مجمعة في خلافة يحكمها الخليفة في "بغداد" أو "دمشق" أو أياً كان ، أما الآن فأنجب مسلمو هذه الدول أبناء وصارت لهم عائلات ، وأنجب أصحاب الديانات الأخرى أبناءً وصارت لهم عائلات ، ولم يعرف هؤلاء وأولئك بلداً لهم إلا هذا البلد.. وبينهم عيش مشترك ، ألا يصبح هذا العيش المشترك مهدداً إذا ما تم فرض شريعة على الكل؟

وسيذكرنا البعض بوثيقة الأزهر ، وتمسك الأخير بالمادة الثانية بأي صياغة كانت ، والوثيقة نراها سياسية أكثر منها أي شيء آخر ، فبعض المحسوبين على التيار الليبرالي يرى في أن يضع الأزهر اسمه على وثيقة وضعها مثقفون مقدمة لأن يكون الأزهر الذي لا يزال يحظى باحترام لدى كثيرين من المصريين صدادة في مواجهة تيارات الإسلام السياسي والإسلام السلفي ، وما دامت التيارات المتطرفة تلعب سياسة باسم الدين فما المانع أن يلعب الأزهر هو الآخر دوراً سياسياً ما دام محتفظاً بمرجعيته المستنيرة ، وهو أمر يصطدم وثوابت الليبرالية التي تبعد المؤسسات الدينية عن السياسة شكلاً وموضوعاً..

إسلامية الدولة لا تحتاج إلى نص دستوري ، والتعايش المشترك بين الأديان لا يكفله حكم دين بعينه ، ومعنى الدولة الحالي يختلف كثيراً عن دولة الخلافة التي يسعى البعض لتحقيقها على حساب بني وطنه وبني دينه أحياناً..

ومؤيدو بقائها : لماذا نلغيها إذن؟

من المفترض حين نتحدث عن تشريعات وقوانين أنها صنعت لهذا المجتمع دون غيره ، أي أنها منه وإليه.. والمجتمع المصري مسلموه ومسيحيوه متدين بطبيعته .. أي أنه لا يمكن حذف الدين من تكوينه الثقافي ومن سلوكياته مع النفس والغير ، فلدى المصري العادي ، أيا كان مستوى تدينه ، وأياً كان دينه بالتأكيد ، ثقافة الحلال والحرام ، والخوف من الله وتقواه ، يتمسك بالعامل الديني في تنظيم كثير من شئونه الدنيوية وأحواله الشخصية من زواج وطلاق ومواريث وخلافه ، كيف إذن نفرض على المصريين دستوراً لا يضع في أساساته مكوناً بهذه الأهمية في حياتهم؟

لمن يرى أن أغلبية السكان كافية للحديث عن هوية الدولة دون أن ينص عليها في العقد الأساسي الذي يجمع أفراد هذه الدولة ألا وهو الدستور ، الإسلام هو جزء من لا يتجزأ من الثقافة في مصر ، شاء هؤلاء أم أبوا ، ويلعب فيها دوراً هاماً للغاية بل هو الأهم على الإطلاق ، شأنه في ذلك شأن اللغة العربية التي ما كانت لتنتشر لولا القرآن الكريم ، والتي كتب بها كل الموروث الثقافي الذي تكون منذ الفتح الإسلامي وإلى مدى لا يعلمه إلا الله.. وصنعت بها مصر تأثيرها في محيطيها القاري والإقليمي.. ويتخاطب بها الناس فيما بينهم داخل البلد مهما كانت ديانتهم.. النص على أن يكون للدولة دين رسمي ، ولغة رسمية ، ليس بغرض الفرض ، وإنما بغرض التوصيف.. لك أن تتخيل جهاز كمبيوتر بلا "أوبشن" يمكنك من معرفة مكونات الجهاز وماركاتها وإمكانياتها ، أو أي جهاز تشتريه دون أي معلومة عن بلد منشئه ، أو أي منتج غذائي بلا تاريخ إنتاج وتاريخ صلاحية وبلا أي شيء عن الشركة المنتجة له بالتأكيد.. إن تخيلت أشياءً كهذه وصدقت في وجودها تستطيع أن تتحدث عن بلد بلا مواصفات..

الإسلام أبعد من أن يكون علاقة بين العبد وربه فحسب ، الدين عقيدة وعبادات ومعاملات ، وتحت المعاملات نستطيع أن نضع ما شئنا من خطوط ، فهي لا تشمل المعاملات بين المسلمين وبعضهم البعض بل حتى المعاملات بين المسلمين وغير المسلمين.. والمسلم يؤمن بأن كل ما في حياته من عقيدة وعبادات ومعاملات- بمفهومها سالف التوضيح- لله وحده-قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ . لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ) (الأنعام:162-163). .. ومن تلك المعاملات ما تنظمه الدولة وتشرف عليه ، الدولة تشرف على تطبيق الحدود ، ولا يشرف عليها المسلمون "منهم لنفسهم" ، وتتكفل هي بالإشراف والتحقيق والتحقق والحكم.. ولا نعرف ما هو الخطأ -بالمناسبة - في تطبيق الحدود من حيث هو ، فالعديد من الجرائم صارت تحتاج لقوانين قوية وعقوبات رادعة حمايةً للمجتمع ، وأن يتم وضع تلك العقوبات في نصوص قانونية لها حجيتها وما "يسندها" ويدعمها ، وتطبقها الدولة التي يحترمها الجميع ويحترم قوانينها ، أفضل من أن تطبق في الشارع بشكل عشوائي يفتقد في أحيان كثيرة للحد الأدنى من العدل ، ويحكمه التشفي وتسيطر عليه روح الانتقام.. الإسلام دين عالمي ، تبقى ثوابته مشتركة بين كل دياره ، ويبقى شكل التطبيق والاجتهاد محكوماً في كل بلد بما يناسبه ويتواءم مع تركيبته..

الشريعة ليست فقط الأحكام المنصوص عليها في الكتاب والسنة ، صحيح أن القواعد الأساسية والثوابت لا خلاف عليها ونُص عليها في القرآن الكريم والسنة النبوية ، وأنه "إن الحكم إلا لله" (الأنعام: 57) وأننا مجرد مطبقين ، لا خلاف في ذلك ، لكن هناك مكون آخر هو الاجتهاد والاستنباط (لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ) (النساء:83) ، وهو مكون يتمدد مع ظروف الواقع الحالي وقد يغير من شكل تطبيق حدود وأحكام وردت في القرآن والسنة وممارسات السلف الصالح ، كما اجتهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه في الزكاة دون أن يهاجمه أحد ، علماً بأنه في زمانه عاش عدد غير قليل من عمالقة الصحابة رضوان الله عليهم..

ترك الأشياء "عايمة" كما هي بلا ضابط ولا رابط قد يجعل من ممارسات مرفوضة مجتمعياً ، يرفضها الشعب المتدين وتأباها قيمه ، المستمدة في معظمها من الدين ، أموراً مشروعة طالما لا يوجد ما يمنعها في القانون ، إن احتكمنا إليه وحده كمرجعية تحدد العلاقات بين الناس في هذا البلد ، لهذا كانت المادة الثانية وما زالت صمام أمان ، حمت وستحمي المجتمع من ترك العلاقات غير المشروعة والشذوذ الجنسي والزنا والرشوة وغيرها مباحة بقوة الاستمرار وبعدم وجود نص ، حتى ولو كان الوازع موجوداً ، فالوازع وحده لا يكفي ، يجب أن يكون هناك قانون ، وقانون محكوم بنفس القوة التي تحكم الوازع ، يطبق على الجميع بلا استثناء دون تفرقة على أي أساس كان.. لذلك كان وجود المادة الثانية وما زال حتماً لا ترفاً ولا اختياراً..

ولمن يزعم أن مقاصد الشريعة قواعد الأخلاق ، نرد عليه بأن قواعد الأخلاق هي مقاصد الشريعة ، وأن الإسلام دين جاء ليتمم مكارم الأخلاق ، لماذا إذن يتم نزع الأخلاق عن الدين وعن مرجعيتها الدينية؟ إذا كان الليبراليون يرفضون أن يضم إلى الدين ما ليس فيه ، فليس من العدل أن ينزع من الدين ما هو فيه أصلاً وبني عليه..

مقاصد الشريعة إذن نقطة اتفاق لا نقطة خلاف ، نقطة اتفاق مجتمعي ، المسلم والمسيحي يتفقان على العدل والمساواة والحرية والكفاية والأمن على النفس والمال والعرض ، ومسلم المهجر الذي يعيش في أوروبا كأقلية لا يرفض أي نظام مبني على تلك الثوابت المنصوص عليها في الإسلام حتى ولو طبقها نظام عالماني صرف أو يميل لدين آخر ، نفس الشيء بالنسبة للمسيحي داخل مصر.. على أساس تلك النقطة عاش مسلمو البلد ومسيحيوه معاً وارتضوه ، لماذا نأتي اليوم لنفرض عليهم تغيير قواعد وشروط العقد ، الذي هو طبقاً لمبادئ القانون المدني ، شريعة المتعاقدين؟..

إذن ما يخشاه رافضو المادة الثانية بأي صياغة ليس هو فرض الشريعة .. بل قيم الإسلام التي يتغنون بسماحتها عندما تخرج من الجامع إلى الشارع ، ومن أرفف الكتب إلى حيز التطبيق.. بقوة الوازع أو بسلطة القانون..

Monday, April 2, 2012

يعني إيه مجموعة دينية؟

لست في موقع يؤهلني للإفتاء في الدين ، لكن ما أدركه أن الإسلام دين يبدأ بالفرد وليس بالمجموعة ، الفرد المسلم هو فرد في أسرة هو عضو فيها برابطة الدم ، فرد في قرية أو مدينة أو محافظة بحكم برابطة الميلاد ، فرد في وطن برابطة المواطنة ، وفرد في أمة برابطة الدين ..

كلها علاقات واضحة ومفهومة ، الأسرة التي أنا عضو فيها بالميلاد تختلف حتى عن الأسرة التي أؤسسها (باختياري) أنا عندما أتزوج ، تختلف عن المدرسة أو الكلية التي أجتمع فيها مع آخرين من عائلات مختلفة بشكل مؤقت لفترة الدراسة ، تختلف عن العمل الذي أجتمع فيه مع عدد من الناس من عائلات مختلفة وخلفيات مختلفة بشكل مهما طال مؤقت .. وبيني وبين أغلب الناس قواسم مشتركة لا خلاف فيها كالدين ، ما الذي يجعلني كمسلم غير عضو في "مجموعة دينية" مختلفاً عن المسلم عضو الجماعة الدينية؟.. ما هي مزايا العضوية التي تمتلكها هذه المجموعة على حساب تلك؟ وما الذي يكسبه المرء أصلاً من عضويته في مكانٍ ما من عدمه؟

ربما لأن الجماعة أو المجموعة تمتلك تصوراً "أفضل" للدين؟ أكثر اعتدالاً ، أكثر تمسكاً بالثوابت ، أكثر .. أكثر..؟ ماشي.. "وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين"(1) ، لأنه حتى لو قال عضو الجماعة الدينية ، سلفية أو صوفية أو جهادية أو شيعية أو إسلام سياسي ، أنه "معتدل ومتسامح" ، فهل يعني ذلك أني ، وأنا الغير عضو ، متطرف وإرهابي ، مثلاً؟ هل يمكن أن أكون - في هذا المثال - معتدلاً وعضواً في جماعة أو مجموعة أخرى تختلف مع الأولى وعنها؟ وما دام الاعتدال ليس توكيلاً ولا علامة تجارية فلماذا تظهر مجموعة لتقول "أنا معتدلة"؟

وبما أن البديهي في علم الإدارة والسلوك التنظيمي أن لكل "منظمة" أعرافها ، وتقاليدها ،وثقافتها ، وطريقة لتداول السلطة فيها ، ما هو المصدر الذي تستقي منه الجماعات والمجموعات أعرافها وتقاليدها وثقافتها؟، حسب علمي أن "الدليل" - إن صح التعبير- لكل فرد ، وليس لمجموعة على حسابها ، هناك كود سلوكي وأخلاقي لكل مسلم ، المسلم الفرد مفروض عليه أن يفعل ولا يفعل ، العبادات كلها بما فيها العبادات "الجمعية" التي تشارك فيها آخرين كالحج عبادات فردية ، والهدف من كل ذلك أن تكون فرداً أفضل داخل أسرتك ، دراستك ، عملك ، حياتك الشخصية وغير الشخصية ، هل هناك مفروضات وتكاليف وامتيازات لمجموعات تجعلها مختلفة عن الأخرى؟

وهل يجب أن تكون بداخل تلك المجموعات أياً كان مسماها هياكل سلطة؟ هو الواحد ما يعرفش يعبد ربنا لوحده؟ هل يجب أن أنتظر تعليمات الـ Big Brother? يقول الله عز وجل في القرآن الكريم أن الدين قد تم ، والرسالة قد تمت ، وأنه بنهاية بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم ووفاته صارت الأمور متروكة لنا أن نسير دون انتظار قيادة أو زعامة ، وعقلك في راسك تعرف خلاصك ..

نأتي لأفضلية الزعيم ، هل هو الأكثر علماً؟ أول مرة أسمع أن من هو أكثر علماً يؤم ويقود في شأن غير دنيوي ، هل هو الأقرب نسباً للرسول صلى الله عليه وسلم؟ يقول الرسول الكريم في الحديث ما معناه "ومن أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه".. هل هو صاحب الكرامة؟ الكرامة رزق يعطيه الله لمن يشاء ويرضى ، وليس الرزق بأمارة يقود فيها شخص شخصاً آخر له إرادة مختلفة وعقل مختلف ، هل هو من يرى نفسه أو يراه غيره أقرب إلى الله ، وأنه مرشد ودال على الطريق الصحيح؟ إذا لماذا نرى آخرين يحملون نفس الصفة ما دام الطريق الصحيح هو الطريق الصحيح؟

ما هي صلاحيات الزعيم؟ هل له عليّ صلاحيات دينية؟ التعاليم كلها نزلت للفرد ليطبقها الفرد على نفسه ، وكل الاختيارات متاحة أمامي مثلما هي أمامه ، صواباً وخطأ وحلالاً وحراماً ، "ولا تزر وازرة وزر أخرى" (2)، هل هي صلاحيات دنيوية؟ بما أن الـ Big Brother knows better.. يقول الرسول الكريم (ص) ما معناه "أنتم أعلم بشئون دنياكم".. أطيع في العادة رئيسي في العمل لأنه رئيسي طبقاً لنظام الشركة أو المصلحة الحكومية التي أعمل بها ، ولأنه في الأغلب أقدم وأكثر خبرة ، ويؤمن بأن صالحي الوظيفي هو صالحه الوظيفي ، فلديه دافع لأن يخاف عليّ ، و"من الممكن" أن أسترشد به كأب أو أخ أكبر في بعض شأني خارج حياة العمل إن كنت أثق في خبرته ، وهو حتماً أكبر سناً وأكثر تجربة مني ومر بكثير مما مررت به سابقاً ، لكن هل يكتسب هذا الـ Big Brother زعيم المجموعة الدينية كل الصلاحيات الدينية والدنيوية بحكم سلطة أبوية أو سلطة دينية بحيث يصبح حكماً وحاكماً على كل ما تركه لي الله عز وجل - الذي خلقني وخلقه وخلقنا وخلقكم - للاختيار وتحمل التبعات ، إن خيراً فخير وإن شراً فشر؟

حتى ولو كنت أحسبها جدلاً بحسابات المكسب والخسارة والقوة والضعف ، أجد أماناً أكبر في عضويتي في الجماعة الأكبر التي هي جماعة الدين بأكمله ، ما دام كبر حجم المجموعة مؤشراً على قوتها ، والقوة حماية ، وأجد ذلك الأمان أكبر وأكبر عندما لا تكون هناك قيادة ، أشعر داخلها بحريتي فأحبها أكثر وأكثر وأكون أكثر حرصاً عليها.. كحرصي على الأسرة وعلى العمل وعلى البلاد ..

قد يكون ما قلته صحيحاً ، وقد يكون ما قلته داخلاً في باب التخريف بل وموغلاً فيه ، كيف ترون المسالة؟ الكرة في ملعبكم..
* الآيات القرآنية بالترتيب :(1) سبأ (24) ،(2) فاطر (18)..

Saturday, March 31, 2012

بدون زعل : في دستور الأزهر ، والكنيسة

من حق من يشك أن يشك ، ومن حق من يقلق أن "يتوغوش" : المؤسستان الدينيتان الرئيستان في المجتمع ، ومعهما التجمعات الدينية المذهبية المنظمة ، تحولت فجأة من "بالروح بالدم نفديك يا زعيم" إلى كيانات ثورية ، ومن البعد حتى عن ممارسة الدور الديني إلى "الفتح على الرابع" في مسائل السياسة.. الذين شاركوا من على منابرهم هنا أو هناك على استحياء في الثورة ، وبعد تأكدهم من قرب الانتصار ، هم الآن من يريد أن يسهم في تشكيل الواقع الجديد ، من فقد مصداقيته - وأعني الأزهر - لارتباطه في السياسة أبى إلا أن يعاود البلبطة في مستنقعها..والذين كانوا لا يؤدون عملهم الأساسي قرروا تجربة أنفسهم في عمل آخر لا يتناسب مع وظيفتهم الأصلية في المجتمع..

الأزهر - مثلاً - قدم وثيقة ، أرادها أصحابها أن تكون "استرشادية" في عمل الدستور ، ثم عاد كالعادة لينفي أنه يمارس السياسة ، على طريقة "نحن لا نفتح الرسائل" ، ليفاجئنا بعدها بأنه يقف "على مسافة واحدة" من جميع المرشحين للرئاسة ، أمر يدل على أنه كانت هناك شكوك لدى المجتمع المصري أو بعضه تجاه الأزهر في تلك المسألة ، لنفاجأ بالأزهر ينسحب من تأسيسية الدستور لا لشيء إلا "لضعف تمثيله" في اللجنة.. أي أنه لو كان ممثلاً بعدد "أكبر" من الشيوخ والعلماء لبقي فيها.. وتذكروا.. نحن لا نمارس السياسة!

أما المستشار الصحفي للكنيسة الكاثوليكية فأصدر تصريحاً لا يقل غرابة عن التصريح الأزهري ، قائلاً فيه أن "الأقباط أعضاء اللجنة يمثلون أحزابهم، ولايمثلون كنائسهم"! أي أن المسألة ليست تهميش الأقباط الذين من حقهم أن يشاركوا كأفراد ومواطنين في وضع الدستور المصري من خلال الأحزاب السياسية مثلهم مثل غيرهم من المواطنين ، بل تهميش المؤسسات الدينية المسيحية من وجهة نظر المتحدث الصحفي ، الأمر الذي يعني ، لو استخدمنا نفس المنطق ، أن المسلمين المشاركين في اللجنة يمثلون أحزابهم ولا يمثلون الأزهر!

ماشي..

1-لماذا يريد الأزهر ، والكنيسة ، والطرق (باعتبارها نموذجاً للمجموعة الدينية المذهبية المنظمة)(1) المشاركة في عمل الدستور؟ ما هو الفرق بين دستور تشارك فيه تلك الجهات ودستور لا تشارك فيه؟ هل مشاركة الأزهر هي ضمانة للمادة الثانية؟ هل مشاركة الكنائس هي ضمانة لحقوق المسيحيين في الاحتكام إلى شرائعهم في مسائل الأحوال الشخصية والمواريث؟ أليس الدستور كما يقول كل من يريد التدخل فيه لمصلحته الضيقة هو "العقد الاجتماعي بين الدولة والمواطن" بغير ذلك اسم المواطن ولا بلد المواطن ولا الاتجاه السياسي للمواطن ولا الانتماء الديني والمذهبي للمواطن؟

2-ما الذي يمكن لتلك الجهات أن تقدمه داخل الدستور بعيداً عن المسائل الدينية ، بما أنها إن شاركت فيه ستشارك في المسألة كلها "لوكشة واحدة" ، ما يخص الجوانب السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي لا تتخصص فيها في الأغلب الأرجح؟ لطالما كان في الحالة الأزهرية ما يمكن اعتباره "ترويجاً" لنوع من التدين ينعزل بعض الشيء الكثير عن الحياة وشئونها ، التي من المفترض أن يخدمها الدستور ، وبالتالي ليس للأزهر كمنظمة أي خبرة تذكر في إدارة ما هو خارج المعاهد ومستشفيات الجامعة ، لأنه بلا صلة تربطه أو تربط مؤسساته بالمجتمع المحيط (حتى على العكس من بعض الجامعات في مصر) ، أما بالنسبة للكنيسة فلا يختلف الحال كثيراً ، إذ أنه حتى عملها في المجال الخدمي قد لا يكفي وحده لتواجد خبرة كافية للمشاركة في عملية فنية كصياغة دستور.. وحتى خبرات المؤسسة الدينية المسيحية لا تزال قاصرة على دائرة شئون أتباعها فقط دون أن تضع نفسها ، وأن يضع كل المشاركون الآخرين من جهات وأفراد أنفسهم بالطبع ، مكان أي مواطن في مصر أياً كان دينه (2)، بما أن الدستور يحدد أساسيات علاقة الفرد بالدولة أكثر من خدمات من الممكن أن تؤديها الدولة.. تذكروا أنه من أكبر ما وجه للجنة صياغة الدستور من انتقادات كان ما يتعلق منها بوجود "كفاءات".. هل المؤسستين الدينيتين الحاليتين ، اللتان لا تقومان بعملهما الديني الأصلي في المجتمع كما يجب ، كفاءة للمشاركة في وضع دستور؟ أم أن مدنية الدولة لدى "البعض" "أوبشن" يتم تفعيله في حالات معينة وتعطيله عند اللزوم؟

3-ألا يمكن أن تنطبق نفس الانتقادات التي توجه للأحزاب الدينية على تلك المؤسسات ولو بنسبة كبيرة؟ "انتو بتوع دين ولا بتوع سياسة" ، "تعرفوا إيه عن المواطنين اللي عايشين في العشوائيات والأماكن الفقيرة" ، "انتو ما عندكمش خبرة الحياة العامة وثقافة الدولة" ....الخ..

4-ألم يفكر الأزهر تحديداً في أن ما اكتسبه من مصداقية على مر تاريخه اكتسبها من عمله التربوي داخل المجتمع وما قام به للحفاظ على الثقافة المصرية العربية من تيارات التغريب والدونية ، وأنه عندما قدم خدمات للنظم السابقة فقد شعبيته لحساب السلفيين الذين يصرخ منهم الآن؟ ألم تضر تفاهمات الكنيسة مع الساسة قبل وبعد الثورة بمصداقيتها ولو لدى شريحة شابة من المسيحيين؟

5- ما الذي سيضمن أن تكون تلك هي المشاركة السياسية الأخيرة للجهات الدينية؟ أليس من المحتمل أن يكون حوار الدستور مقدمة لسلسلة من العبث السياسي فيما بعد؟ كوت وحصص وتقسيمات وخلافه؟

دخول الأزهر والكنيسة والطرق ، وكذا دخول أي فئة بصفتها الدينية للعمل السياسي هو نوع من أنواع الانتحار السياسي ، فمصداقية كل هؤلاء وغيرهم أصبحت بهذه الطريقة على المحك ، ومواقفهم ستصير كما الحالة في لبنان نهباً لأي ريح سياسية تهب هنا أو نوة هناك ، وبالتالي سيزيد الشرخ بينهم وبين الناس مع مرور الوقت ، ثم يتحول ذلك "الفَصَلان" إلى عداء ، سيدفعون ثمنه غالياً أكثر مما سيدفعه المجتمع بأكمله..

الدين كله لله ، والوطن للجميع ، والتخصص لأهل التخصص ، ألا هل قد بلغت ، اللهم فاشهد..
* (1) ... لأن السلفيين في مصر على الأقل ليست لديهم جماعات منظمة لها قيادة وتنظيم إداري ، ولأن الحالة السلفية في مصر "مزاج سلفي" كما وصفه الباحث الراحل "حسام تمام"..
(2)...وعندما يصعد أي تيار متشدد داخل أي مؤسسة دينية رسمية ، أو حتى غير رسمية ، يختفي ذلك البُعْد تماماً..

Sunday, March 4, 2012

السقف الأخير

إذا كان السقف في اللغة يرمز لما هو "أقصى" فإن سُقُقَاً كثيرة قد تهاوت ، خصوصاً ما كان يتعلق منها بسقف المقبول وسقف المعقول وسقف ما يمكن تحمله ، كالعادة نفاجأ حين يحدث شيء ينبئ بانهيار في سقف ما ، من جملة سُقٌف حياتنا المنهارة ، أو الآخذة في الانهيار ، نفاجأ به كما لو كنا لا نعرفه ، ولا نصدق بإمكانية حدوثه ، وشواهده تتوالى أمام أعيننا ليل نهار ، وننظر إليها في تناحة واذبهلال ، نتصرف معها كأفراد ، ولو بعقولنا ، ولو بقلوبنا وهذا أضعف الإيمان ، بنفس الطرق التي لطالما لمنا عليها حكومات ونظم متعاقبة ، إما ببرود واعتياد "الكلام دة بيحصل في كل حتة" ، أو باستخفاف "مش معقول الكلام دة يحصل في مصر" ، أو بتهوين "مش للدرجة ، الموضوع ما وصلش لدرجة..." .. وتكون النتيجة أن تفاجأ بمصيبة ، عادةً كبيرة ، تتساءل حولها وحول ملابساتها كما لو كنت قد فوجئنا بها ، نسخن لنصل لدرجة الغليان ، ثم نبرد ، ثم نهيئ أنفسنا للاعتياد عليها..

الخبر الذي قرأته قبل ساعات لا يحوي من الجاذبية ما يقيم الدنيا ويقعدها ، ربما لخلوها مما قد يعده البعض "بعداً طائفياً" .. بمعنى أنه "لو اتنين مسلمين ولعوا في بعض مش مشكلة ، لو اتنين مسيحيين ولعوا في بعض مش مشكلة ، إنما لو واحد من هنا وواحد من هنا".. بل غرابة الحادث نفسه بشكل قد يجعله معتاداً في المستقبل ، بل ومقدمة لما هو أسوأ ، لألخص لكم الأمر أولاً ، وهو كفيل بنسف سقف مصطلح "مشكلة/ مش مشكلة" لديكم..

لأول مرة في تاريخ مصر ، وربما في ما أعرفه من تواريخ دول أخرى تصبح فيها دار للعبادة هدفاً للسطو المسلح.. تخيلوا..

نعم ، هاجمت قبل ساعات مجموعة من البلطجية مسجداً في قرية "فيشا الكبرى" بمحافظة المنوفية ، قتلوا اثنين ، أصابوا ثلاثة ، واستولوا على أموال الزكاة ، وطبعاً ، هربوا..

الجريمة ، التي لا وصف لها إلا تلك العبارة ، تمثل سابقة أولى في كل شيء ، صحيح أنه من المتوقع في ظل انتشار موجة التطرف الديني إسلامياً ومسيحياً على السواء صار من المتوقع نظرياً أن يتعرض دار عبادة ، مسيحي أو مسلم ، للهجوم من متطرفين متعصبين ، لكن الجديد أن الهجوم جاء من مجرمين جنائيين ، وشتان ، وهذه هي المفارقة المرعبة والمذهلة ، بين علاقة المتطرف المتعصب بدار العبادة في دينه ، وبين علاقة المجرم الجنائي بنفس المكان ، علماً بأنه في الغالب "ما بيركعهاش".. صحيح أنه من المتوقع أن يهاجم متطرفون دار عبادة دين آخر ، حدثت ، وتحدث ، وربما تتكرر ، لكن الجديد أن الهجوم غالباً جاء من مجرمين ينتمون لنفس الدين ، مسلمون يهاجمون مسجداً على نفس المذهب ولأسباب غير عقائدية ، من المتوقع أن يهاجم سين من الناس دار عبادة لداع ديني أو مذهبي ، لكن الجديد والصادم أن يهاجم ذلك السين داراً للعبادة بغرض السرقة!

نعم ما حدث صادم ، ليس فردياً في اعتقادي ، بل سيكون مقدمة لأشياء أسوأ ، وبمراحل ، وسيكون تمهيداً لسقوط سُقٌف أكثر وأكبر ، لكن..

لكن هل كان ذلك مفاجأة بحق؟ هل كان اعتيادنا للسرقة من المسجد تمهيداً لقبولنا سرقة المسجد نفسه؟ في البداية كانت سرقة الأحذية ، تلتها سرقة مصاحف ، تلتها سرقة ميكروفونات ، تلتها سرقة معدات ، ثم تحولت تلك السرقة من خفة اليد إلى "مرزبة" السلاح ،بالسلاح يا حبيبي بالسلاح مع الاعتذار لـ"عصام الشوالي" .. في البداية "أنا لا ممكن أسرق في رمضان" ثم "أنا ممكن أسرق أي حتة إلا الجامع بيت ربنا" ، إلى ما حدث ، وقريباً ستكون السرقة المسلحة في نهار رمضان.. استنكار في البداية ، تململ بعد ذلك ، ثم اعتياد..

كيف نرى نحن فكرة السقف؟ هل هو السقف الذي يغطيك ويحميك سواء من برد الشتاء أو من قيظ الصيف ، أم السقف الذي يحجب عنك النور والماء والهواء ويحجر على حريتك ويحول بينك وبين كل ما تعتبره "حقك" من مصالح وشهوات وملذات ، المشروع منها وغير المشروع ، القانوني وغير القانوني ، المباح اجتماعياً وغير المباح ، الحلال والحرام ، كيف نرى علاقتنا نحن بالسقف؟ من علاقة حب لهذا السقف ، إلى علاقة اعتياد وتعايش مع وجود سقف ، إلى علاقة ضجر من وجود سقف ، إلى كراهية السقف، إلى علاقة رغبة في كسر السقف، إلى اعتياد (وتبرير) كسر السقف ، إلى البحث عن سقف أعلى لكسره..

ما هو تعريفنا نحن لكلمة "سقف"؟ لفكرة الخط الأحمر في حياتنا ، سواء كان ديناً أو قانوناً أو عادات أو تقاليد أو أعرافاً أو أي شيء آخر..أم "أنا السقف" : الاحتياجات والمطالب والأطماع ، الثروة والسلطة والسلطوت ، وعلى ذلك كلما كان المرء أقوى كلما كان سقفه أكثر مناعة ، كأننا تماماً في غابة برخصة.. أعلى سقف للأسد ، والأرانب "تولع".. "الدنيا دي دنية أسود ، مش دنية أرانب" كما قيلت في "شاهد ما شافش حاجة"..

ما السُقُف أو السقوف لدينا على وجه التحديد؟ أشخاص نظام سياسي أم فكرة النظام ، أشخاص رجال تنفيذ القانون أم فكرة القانون ، أشخاص رجال الدين أم فكرة الدين ، هل تشابهت السُقُف علينا إلى درجة صرنا فيها نتعامل مع الأسرة كسلطة ، ومع القانون كسلطة ، ومع الدولة كسلطة ، وربما ، مع الله عز وجل ، كسلطة ، وما أدراك ما موروث الناس عن السلطة.. وطرق العمل والتعامل معها .. ومهما تعددت السلطة وتنوعت أشكالها فالقاعدة واحدة : كل ما يحول بيني وبين "حقي" أو ما أعتبره كذلك فهو سلطة ، سلطة تستحق التمرد عليها والعصيان بكل الطرق.. حتى ولو لم يكن سلطةً من الأساس..

إن تكسرت كل السُقُف .. فما هو السقف الذي يبقى؟ وإن تم تخطي كل الخطوط الحمراء ، ما هو آخر خط أحمر تحرص على بقائه؟ هل هو "حقك" بالمعنى الفضفاض للكلمة ، والذي تخط حدوده وتحدد معالمه بما يوائم مصلحتك ، "الفلوس دي حقي وح أخدها ولو بالسرقة ، الست دي حقي وح آخدها ولو بالغصب ....الخ".. هذا المعنى الذي ربانا عليه إعلام الحراك السياسي قبل الثورة ، ورسخته بلطجة رأس المال وعربدة ممارسة السياسة التي تختلط أحياناً بالدين وبأشياء أخرى ..من العادي -جداً- أن يتظاهر المرتشي جنباً إلى جنب مع صاحب الحق من أجل طلب فئوي تستغرب أن يطالب به المرتشي ، وأن يعتبر البعض الامتياز حقاً والمكرمة حقاً والحرام أحياناً حقاً..عادي واعتيادي

هل أسهم المناخ العام في كل ما سبق؟ إعلام لا يعرف إلا مصلحته ، يعمل لحساب رجال أعمال وساسة لا يعرفون ، هم الآخرون ، إلا مصلحتهم، ورجال دين تفرغوا لممارسة السياسة وأحياناً للصفقات السياسية والترويج للمرشح العلاني وتقديم خدمات للحزب إياه أو الحركة إياها ، التصوير في الميدان والتسجيل في الفضائية ، والترويج للرئيس الخليفة المنتظر سواء أكان ليبرالي الخلفية أو إسلامي الخلفية، فكل ما يحدث من ترهات لا يشغلهم في شيء رغم أنه يحدث أمام عينيهم وأعينننا ، ولا نأخذ منهم إلا مسكنات "لما ييجي الرئيس كل حاجة حتتصلح" ، "لما حيقيم الرئيس العدل ولا حاجة من دي حتحصل".. (حتى العدل أصبح تعريفه هو الآخر فضفاضاً ونسبياً للغاية).. ولا ننسى الناشطين إياهم الذين كانوا رواداً في أحيان كثيرة في التخلص من أمور لطالما اعتبروها ثوابتاً وسُقُوفاً وخطوطاً حمراء ، يحدثونك عن دولة مدنية ويتحالفون مع رجال دين ومؤسسات دينية ، يتحدثون حسب الطلب عن الانفلات الأمني ، يصعرون خدهم لمن يختلف معهم في رأي أو على مرشح ، ويتعاطفون مع بلطجي وقاطع طريق ، ويضعون تعاريفهم الخاصة لكل شيء ، حسب الطلب -مثلهم مثل الساسة ، ومثل شريحة من رجال الدين-للدولة ، وربما للدين..والأسوأ منهم فريق اعتبر الثورة ctrl+c و ctrl+v .. أشخاص لا قيم ، تمكين لا واقع..

استغربوا كيف شئتم ما قلته واستهجنوه واستسخفوه ، قد أرى في ذلك شيئاً إيجابياً ، على الأقل هناك ما نستهجنه بما أننا مؤخراً اعتدنا على كل شيء ، صداقة مع القبح وحميمية مع "الأباحة" وتعاون مع الفساد وعشرة عمر مع أشياء أخرى كثيرة ، اعتبروا ما قلته تسميعاً لأشياء كتبت عنها سابقاً ، تململوا كيف شئتم ، لكن سيكون عليكم ، وعليّ بالتأكيد كواحد من عامة الناس ، وعلينا جميعاً أن نبحث أولاً عن سقف لم يتم كسره بعد ، ثم عما سنفعله إذا سقط السقف أو أسقطناه ، علماً بأن السقف إذا ما سقط فوق دماغ أحد فقد يقتله..

حد عايز يتقتل؟.. حد له شوق في حاجة ، كما قيلت على لسان "محمود عبد العزيز" في الفيلم الدموي "إبراهيم الأبيض"؟
* الصورة من الموقع وهي صورة "أرشيفية" وليست لما حدث في المنوفية ، لذا لزم التنويه..

Thursday, June 30, 2011

سؤال تونسي

لنفرض أنه قد حدث هنا ما حدث في تونس ..خرج علينا شخص أو عدة أشخاص يقولون لنا -وش- أنهم "ملحدون" أو لا دينيون أو أياً كان..

هم أعلنوا عن توجههم علناً نهاراً جهاراً ، وليسوا ممن يتعاملون بطريقة التقية ، ممن يقولون شيئاً ويقصدون آخر ، ويقسمون على أغلظ الأيمان أنهم "ليسوا ضد الدين" وأنهم "لا يطالبون بفصل الدين عن الحياة" و"لا يؤمنون بأنه لا دين في الأخلاق ولا أخلاق في الدين" ..

كيف سيكون التعامل مع هؤلاء الآن إن حدث ذلك في اليوم التالي هنا في مصر؟ هل سيكون بنفس الأسلوب العنيف الذي نتعامل به نحن مع بعضنا البعض عندما نختلف في قضايا شديدة التفاهة؟ دة احنا في التافهة بنقطع بعض.. أمال في حاجة زي دي حنعمل إيه؟

أم أن الحوار والاحتواء والنقاش والإقناع سيكون الحل؟ من باب "وجادلهم بالتي هي أحسن" (النحل :125)..خاصةً أن الحوار مع شخص "واضح" سيكون أسهل بكثير من ذلك مع شخص "أفلمنجي"؟ هل سيكون الحوار هو الحل مع "الملحد وش"..حتى ولو لم يقتنع؟

من سيفعل ذلك؟ هل "الأولتراس"؟ أم "العلماء"؟ أي علماء؟ علماء المؤسسة الدينية "الرسمية" ، أم علماء المؤسسات غير الرسمية؟ أم من يسمون أنفسهم بـ"المفكرين الإسلاميين"؟ مع تشككي الشديد في وعي الأخيرين ، وعدم قدرتهم على قيادة معركة فكرية ناضجة كالتي خاضها "محمد فريد وجدي" ضد "إسماعيل أدهم" صاحب كتاب "لماذا أنا ملحد"؟

هل نحن ناضجون كمجتمع أصلاً ، نخباً وعواماً ، للدخول في حوار ، أي حوار ، حتى ولو كان في مجال كرة القدم؟

بنسبة كبيرة سيرفض الملحد دعوتك إليه لإقناعه بالحق الذي تؤمن ونؤمن به ، كما أنك سترفض دعوته لاعتناق ما يؤمن به.. هل من الممكن أن تنتهي الأمور عند ذلك الحد؟

هل سيصطدم ذلك بالدولة الإسلامية التي يحاول البعض الترويج لها دون أن يوضح لعموم المسلمين كيف ولماذا؟ رغم أن تاريخ الدول الإسلامية شهد تواجد عدد كبير من الأقليات الدينية الأخرى إلى جانب المسلمين ، بمن فيهم "الملاحدة وش"..

الكرة في ملعبكم.. السؤال يبقى أول الطريق للمعرفة..
ذو صلة: كلام في الموضوع من مدونة "كاليميرو" التونسية..

Monday, February 28, 2011

الحسانيون والمستصوفون ولعبة السياسة ونحن أيضاً

أشعر أن البعض استغرب مما كتبته على مدار أربع سنوات وبعض السنة فيما يخص المذاهب والمتمذهبين .. وربما تساءل "لماذا لم يكتب هذا الشخص يوماً عن جماعات الإسلام السياسي؟".. وكان جوابي هو أن تلك الجماعات محدودة التأثير مهما قويت ، وليست بقوة التيارات المذهبية الأوسع انتشاراً والأقرب للناس في أماكن تواجدهم وأعمالهم وقلوبهم وعقولهم أيضاً..وهي بالتالي التي تستطيع صياغة الكثير من مواقف الناس مع أو ضد ..

أدعو من استغرب إلى أن يرجع بالذاكرة قليلاً لأيام الثورة ، وما حدث فيها ، وكيف كانت مواقف شيوخ وعلماء وفتاواهم أثناء وبعد الثورة.. فتاوى سلفية نسبت في منشور قرأته في السبت الثاني للثورة للشيخ "مصطفى بن العدوي" تحرم وتجرم المظاهرات وتعتبر من ماتوا فيها ليسوا بالشهداء .. وصدقها البعض ..وسمعت نقاشاً عنها بالصدفة في مقهى النت الذي أجلس فيه قبل أيام ، وفضل المستصوفون الفرجة وترقب الموقف ، بعض أنصار أحد التنظيمين السلفيين الكبيرين كان في "مصطفى محمود" .. والآخرون التزموا الصمت..

ثم حدث ما حدث قبل أسبوعين..

عادت الفضائيات السلفية للعمل .. وتحدث الشيخ "محمد حسان" عن القناة، وعن الخسارة الفادحة التي تسبب فيها إغلاق القناة وغيرها التي "أرشدت الشباب ووضعتهم على الطريق الصحيح" طبقاً لخطابه المطول يوم الثاني عشر من الشهر على القناة ، وأنها كانت من الممكن أن تكون منبراً لتهدئة الثائرين وإرشادهم ،وعندما أغلقت "اضطر" للذهاب إلى قنوات فيها "مخالفات شرعية" - يقصد قناة "العربية"- ليوجه رسالته للشباب أثناء المظاهرات في الثلاثاء الأول المليوني ..

عقد السلفيون الحسانيون وغير الحسانيين مؤتمرات حاشدة هنا وهناك .. منها مؤتمرين أو ثلاث بالمنصورة ..وهناك نية لحزب سياسي يمثل السلفيين بحسب مواقع إخبارية ، وكما استشف البعض من تصريح للشيخ "محمد حسان" أيضاً قبل أسبوع ..

المستصوفون من جهتهم احتفلوا بسقوط الرئيس "السابق" بوليمة فتة ، وبمشروع "حزب" سياسي.. بما أن زمن الزهد وشعار "لا تصوف في السياسة ولا سياسة في التصوف" لحق بزمن الـ($#$#$# $#$#$) الذي انتهى .. بحسب "اللمبي"..

إذا كان كدة .. مااااااشي..

بما أن الجميع قد غير من مواقفه إذ فجأة تجاه السياسة ، تحت أي شعار كان ، هل هؤلاء مستعدون لممارسة السياسة ، بفرض أن هناك من يقبل في المجتمع أن يمارس رجال المذاهب السياسة تحت أي ظرف كان ، وبأي كيفية كانت؟ هل هؤلاء مستعدون للتنازل عن فكرة "الخلافة" التي يتكلمون عنها ما بين الفينة والأخرى ، بالتصريح تارة ، وبالتلميح تارة؟ ما الذي لدى تيارات لم تصحح علاقتها بالدنيا -بعد- لتقدمه في البرلمان بمجلسيه والمحليات ، بما أن تلك هي الأماكن التي يُسمَح فيها عادة بممارسة السياسة في أي دولة متحضرة؟ ما هو البديل الذي يقدمه هؤلاء للناس؟ ما هي رسالتهم للمختلفين معهم مذهبياً ودينياً كي يصوتوا من أجلهم في الانتخابات؟ ماذا سيقول هؤلاء للناس عندما تسألهم- وهذا حقهم- "كنتم فين في عهد مبارك؟" ، "ليه ما اتكلمتوش عن الفساد إلا لما الأمور ما جتش في صالحكم، لما اتقلفت قنوات السلفيين ، ولا لما الحزبوطني ما اتحيزش لناس بعينهم في خلافة شيخ مشايخ الطرق؟".. "فين الكلام اللي اتكلمتوه عن المعاملات؟" "إيه اللي غير علاقتكم بالسياسة؟.. هل هو إصلاح الدنيا بالدين ، طب كان دة فين؟".. "تقدروا تهاجموا فساد المال السياسي؟" .. "تقدروا تصححوا مساركم لو السلطة أو المال أفسدكم؟".."فين دوركم التربوي؟ فين كلامكم عن فهم السلف وأخلاقيات السلف؟ فين كلامكم عن الزهد وتربية النفس يا مستصوفين"؟

لا أعلم عن نفسي إن كانت هناك إجابة عن تلك الأسئلة ، بعضها أو كلها ، أو إن كانت هناك رغبة منهم للإجابة عن بعض أو كل تلك الأسئلة.. لكن غياب إجابات صريحة وواضحة سيجعل المجتمع كله يطالب بأن يعود هؤلاء إلى مكانهم ، وإلى الابتعاد عن لعبة السياسة التي ستضيف إلى أخطائهم الكارثية كوارث جديدة.. وفي تجارب التمذهب السياسي في الخليج وفي لبنان ما يكفي من دروس وعظات.. دمتم بخير..

Thursday, July 1, 2010

زغزغة دينية

بالتأكيد سيثير هذا الخبر جدلاً كبيراً كما أثاره وقت نشره قبل ساعات من كتابة هذه السطور.. فقط سأقف عند هذه الفقرة تحديداً:

وأشار إلى التعديلات الأخيرة التي أفسحت المجال للنساء لدخول البرلمان، بعد تخصيص 60 مقعدًا لهن "كوتة" اعتبارًا من البرلمان القادم ولفصلين تشريعيين, وقال إن مجلس الشعب حريص جدا على المشاركة السياسية للمرأة أسوة بالصحابيات ونساء آل البيت!

1-فكرة إضفاء أساس ديني على كوتة المرأة أمر مثير للضحك ، بل لعله أكثر إضحاكاً من أفلام كاملة هدفها المعلن الإضحاك مثل "عسل اسود" و"لا تراجع ولا استسلام".. وهذا يعطيني- على الأقل - انطباعاً بأنني أمام عقلية تديِّن كل شيء ، وتسعى على إضفاء تبريرات دينية على كل شيء تفعله.. إذا كان هو قد برر "الكوتة" بالاقتداء بنساء آل البيت والصحابة رضوان الله عليهن ، فماذا سيبرر به إلغاء الكوتة أو التراجع عنها إن قرر؟ تذكروا أن السياسة في بلدنا بالذات مثل كرة القدم.. لا منطق لها ..وتستطيع أن تتوقع فيها أي شيء..

2-هناك تحليلات "شريرة" تتحدث عن أن إعطاء "كوتة" بشكل عام ، سواء للمرأة أو لأي شريحة كانت ، قد تكون باباً خلفياً لتديين الحياة السياسية في مصر ، بفرض أن "الحزبوطني" تحالف ذات صباح مع السلفيين الحسانيين مثلاً ، أو مع الطرق الصوفية مثلاً لضرب الإخوان المسلمين ، ستتضمن الصفقة بالتأكيد "فتح الباب" أمام مرشحين ومرشحات يمثلون انتماءاتهم المذهبية لا أنفسهم كمستقلين ولا كأعضاء حزب ينتظمون تحت لوائه ويلتزمون بسياساته ، وبهذه الطريقة سنتحول إلى عراق آخر أو لبنان آخر..

3-على من يزايد الرجل؟ وفي أي مكان؟ تاريخياً تعد مصر من أوائل الدول التي أعطت حق التصويت والترشيح للمرأة في المجالس النيابية المختلفة ، وحتى في ظل وجود تيارات تعارض علناً مشاركة المرأة في الحياة العامة بالمرة (وليس في السياسة فحسب) ، سواء التيار السلفي بشكليه التقليدي والحساني ، أو ربما داخل تيارات دينية مذهبية أخرى (هذه المشكلة لا توجد بنفس الدرجة لدى جماعات الإسلام السياسي.. صدق أو لا تصدق) ، تبقى المعارضة العامة لدخول المرأة معترك الحياة السياسية ضعيفة ، فأغلب الدول التي ترتبط بها التيارات المذهبية فكرياً بدأت تتيح المشاركة السياسية للمرأة ، سواء في دول الخليج العربي النفطية الغنية ، أو في إيران ، مما يفقد أي معارض أو معترض أي حجة منطقية.. خاصة مع تزايد نفوذ حزب "احنا نعمل زي ما السعودية وإيران بتعمل"*..

4-أنا ضد الكوتة ، وأي كوتة ، نحن نتحدث عن دولة ارتضت الشكل المدني أساساً لها منذ فترة طويلة ، والشكل المدني يتضمن مشاركة المواطنين في الحياة السياسية تصويتاً وترشيحاً بغض النظر عن الاعتبارات الدينية ، في وجود أحزاب سياسية (يفترض أنها) محترمة ، بعيداً عن الأحزاب الدينية ، أو عن نقل الانتماء الديني والمذهبي للبرلمان أو الترشح على أساسه أو تمثيله على حساب بقية أبناء دائرته التي من الممكن -جداً- أن يكون منهم من على غير دينه وليس فقط على غير مذهبه..وهي نقطة ربما أفرد لها تدوينة مستقلة بإذن الله..إذن المسئولية تقع على عاتق الأحزاب ، الأكثر تنظيماً، الأوضح خطاً ، والأقدر على جمع أعضائها تحت مظلة "أكثر أماناً" .. والمشكلة أن تلك الأحزاب بشكلها الحالي هي التي تتعامل مع المرأة ككائن بشري من الدرجة الثانية ، بل إن من أعضائها ومن صحفييها من يطالبون بعلو الصوت بتعيين المرأة قاضية وهم يرفضون أن ترأسهم في أحزابهم وصحفهم امرأة!

ولا أعتقد أن فكرة أن الكوتة ستكون مؤقتة أو انتقالية يمكن أن تنطلي على "بوحة" طالما أن المصالح السياسية التي صنعتها قائمة وطالما أن المناخ على ما هو عليه إن لم يكن يتحرك إلى الأسوأ..إذن فلا نخدع أنفسنا أكثر بتديين مشكلة عزلة المرأة عن الحياة السياسية وبتديين حلها..

وعليه فإنه من الحلبسة الصرفة أن يستغل أي شخص أو حزب أو ما يقوم في محله الدين لحث الناس على المشاركة في الحياة السياسية ، في وقت لا يستغل فيه أي مخلوق الدين لجعل الناس يلتزمون بما جاء فيه من مكارم الأخلاق ، من يستغل الدين اليوم لحثي على التصويت سيستغله غداً لحثي على الامتناع عنه..

وعن نفسي كمسلم أذهب لشيخ أو لعالم لأستفتيه في أمر يخص ديني ، فرائضه وسننه وسلوكياته وأحكامه وتشريعاته ، لكنني لن أذهب إليه ليفتيني بالمشاركة في الانتخابات من عدمها ، لأنه يعلم بالتأكيد أنها شأن سياسي متغير لا تحتاج فيه إلا أن تستفتِ قلبك وإن أفتوك كما علمنا رسولنا الكريم.. خالص مودتي..
*طبعاً الحزب دة بيتمسك بالمبدأ المذكور في أي حاجة إلا فيما يتعلق بقانون التأمين الصحي اللي بتتحول فيه السعودية وإيران إلى الدانمارك والنرويج.. حاجة تقرف..

Tuesday, September 1, 2009

السادة المفطرون

قلتها في مكان آخر : تخيلوا أي مسخرة وسترونها تحدث حولكم في اليوم التالي..

في الأسبوع الأول من الشهر الكريم فوجئت بلافتة في طريقي للعمل تتحدث عن عقوبة المجاهرين بالإفطار في رمضان ، بصراحة استغربت اللافتة عن نفسي ، قلت في عقل بالي أنه مجرد نقل من بامفليت سعودي بحكم علاقة السلفيين التقليديين (وليسوا الحسانيين) بالمدرسة السلفية السعودية خاصةً وأنهم قد نقلوا في أوقات سابقة تنويهات دعائية صممت للمجتمع السعودي عن مكافحة التدخين* ، وضاعف من استغرابي حقيقة أننا في مصر لا نعرف ظاهرة المجاهرة بالإفطار في رمضان ، ليس فقط بسبب ارتفاع درجة الالتزام التعبدي في الشهر الكريم صلاةً وقرآناً وصياماً بطبيعة الحال ، ولا لطبيعة مجتمعنا نفسه الميالة إلى المحافظة ، أو لعلاقة المصريين عموماً بالعبادات ، ولكن أيضاً بسبب قوة تأثير تيارات مذهبية تولي اهتماماً كبيراً بالعبادات فرائضها ونوافلها (وإن كان هذا الاهتمام قد جاء كثيراً على حساب المعاملات رغم خطورتها التي نعرفها من الكتاب والسنة)..

ولكن هذا الاستغراب تحول إلى ذهول عندما نشرت الشروق قبل أيام خبراً عن حملة قامت بها محافظة أسوان لضبط "المجاهرين بالإفطار"..وأن الحملة ضبطت مائة وخمسة وخمسين في عين العدو من هؤلاء .. أي أن الرقم ليس صغيراً!

أعرف ما أتوقع سماعه عن أن هؤلاء أحرار في أن يفطروا وأنه لا يجب أن تتم ملاحقة هؤلاء فقط لمجرد أنهم يفطرون في نهار رمضان .....الخ.. لكن معلهش.. لدي بعض الأسئلة التي قد تغضب هؤلاء..

في التسلسل المنطقي عادةً ما نتحدث عن دافع الفعل قبل التحدث عن حرية الفاعل في فعل الفعل.. وما أعرفه أن من يجاهر بشيء يجاهر به عن اقتناع وعن موقف ..

لماذا إذن اتخذ هؤلاء الأشخاص هذا الموقف-إن لم تكن المسألة لها علاقة بالإدمان كما قيل؟ لماذا قرر هؤلاء ذلك في الوقت الذي يعيش فيه هؤلاء في مجتمعنا الذي يعرف أن ارتكاب الخطأ في السر يبقى خطأ ، أما ارتكابه نهاراً جهاراً فهو خطأ وبجاحة و"بجاسة عين"؟ .. حتى وإن رأى المفطر نهاراً جهاراً في رمضان أنه حر فيما يفعل ، لماذا يفعل ذلك أمامنا، إذا كان أصحاب الديانات الأخرى التي لا يصومون معنا رمضان لا يفطرون "في وشنا" بهذه الطريقة؟ ما هي الرسالة التي يريد السادة المفطرون توصيلها لنا؟

هل المسألة لها علاقة بفكر قد يعتنقه هؤلا على شاكلة قصة "كريم عامر"؟ وإن كانت كذلك.. أليس من الغريب جداً أن نتحدث عن تلك الأفكار في وسط هادئ بطبعه كأسوان، وبعيد عن الصخب الفكري والثقافي والإعلامي وحتى المذهبي التي تعيشه العاصمة؟ هل انتقل هذا السلوك لنا من مجتمعات أخرى تعيش نفس القصة؟ وهل -بما أننا هنا نفكر بصوت عال ونطرح كل الأسئلة المتاحة- لذلك علاقة بالخطاب الديني السائد رغم ما يوليه من اهتمام شديد بالعبادات؟

لغز جديد يضاف إلى قائمة ألغاز رمضانات كل عام.. أنتظر إجاباتكم..دمتم بألف خير وأعتذر عن التأخير..
* مع تسليمي بخطورة التدخين -وأنا غير مدخن بالمناسبة - لا يشغل التدخين في اهتمامات المدرسة السلفية المصرية ، ولا في المجتمع المصري نفسه ، نفس الاهتمام الذي يشغله في بلاد أخرى ، كما أنه حتى في الدعاية لكل مقام مقال ولكل وسط لغة وطريقة توصيل إذا ما أردت توصيل فكرة أو دعاية أو حتى دعابة ..

Saturday, January 10, 2009

أول القصيدة

لا يهم استقلال المؤسسة الدينية "الرسمية" في مصر نفراً كثيراً من "الموصقَّافين" ، ولا يهتم هذا النفر بأي دور يلعبه الأزهر ، أو تلعبه دار الإفتاء في مواجهة التمذهب المتطرف.. ولهذا فقد ظهرت حالة من اللامبالاة في مواجهة تصريح أقل ما يقال عنه أنه "غريب" لفضيلة مفتي الديار المصرية..

صدمنا فضيلة المفتي بتصريح فاجأ الكثيرين - وفاجأني بشكل شخصي- عن أن دار الإفتاء ستستقل مادياً وإدارياً عن وزارة العدل .. وهذه أول مرة أعرف ويعرف فيها قسم كبير من الشعب المصري أن دار الإفتاء "كانت" تتبع وزارة العدل رغم أن مفتي الديار يعينه رئيس الجمهورية مباشرةً طبقاً للدستور والقانون .. وليست الصدمة في هذه المعلومة التي لم يخبرنا أحد بها من قبل .. ولكنها ببساطة تكمن في استمرار "تبعية دار الإفتاء لوزارة العدل من الناحية السياسية"!

الجملة الموضوعة بين القوسين لغز كبير يستعصي على الفهم بالنسبة لعقلي المتواضع.. ماذا يعني أن تكون دار الإفتاء مستقلة مالياً وإدارياً وفي نفس الوقت تابعة سياسياً؟ وهذا يفتح الباب على مصراعيه لسؤال سيسئل في يوم أو آخر بطريقة أو بأخرى ، بتجرد وموضوعية وبعيداً عن هراء الشلل المذهبية وجماعات الإسلام السياسي في هذا الشأن : هل الإفتاء في مصر "سياسي"؟ وهل من المنكر والمستَنكَر أن يكون الإفتاء "سياسياً" بشكل عام، أم أن تسييس الإفتاء في اتجاهٍ "ما" عار وشنار وتسييسه في الاتجاه الآخر "زي العسل على قلبي هواك"؟ أسئلة أتركها لكم ملقياً بالكرة في ملعبكم ، أعجب ذلك جوقة "كارهي التساؤل" أم لم يعجبهم..

فقط ما لاحظته أن فضيلة مفتي الديار ضرب عصفورين بحجر واحد ، عصفور "التشكيك" في استقلال دار الإفتاء بالقول أن دار الإفتاء مستقلة مالياً وإدارياً، وعصفور الاستقلال نفسه بالقول أن دار الإفتاء تتبع وزارة العدل سياسيا!

وكما ضرب هذا التصريح عصفورين بحـجر واحد ، فنفس الحجر ضرب آخر أمل في التفاؤل بهذا العام ، الذي أتوقعه على يد كبار الشخصيات المتمذهبة في مصر عاماً حافلاً بالتسلية والمرح والكوميديا ناصعة السواد.. وكم ذا بمصر من مضحكات .. ولكنه ضحك حتى الموت..

Friday, June 20, 2008

عن الثانوية العامة ..

أعلم أنه من غير المألوف أن أعود بعد عشرين يوماً من التوقف بتدوينة عن الثانوية العامة ، أو الغامة كما يحلو لي كتابتها ، هنا في "الدين والديناميت" ، وليس في المدونة الشقيقة "الصحافة فين التعليم أهه".. ولكن كانت لي ملاحظة .. أو أكثر..

كان قريب لي معجباً جداً بخطبة جمعة في مسجد في مدينة ساحلية كانت أيضاً إبان امتحان الشهادة إياها.. الخطبة تربط تماماً بين "امتحان الثانوية العامة" و"امتحان يوم القيامة".. عن نفسي رأيت يومها تلك الخطبة ساذجة "آخر حاجة".. وكنت أفضل أن يتكلم الخطيب عن قيمة العلم ولماذا نتعلم وكيف يكون العلم نافعاً خاصةً وأن هناك دعاءاً شهيراً يُستَعَاذ فيه من علم لا ينفع..

كان ذلك في العام الماضي..

اليوم تناول الخطيب في المسجد القريب من منزلي موضوع الغش والبيع وفضائح الثانوية العامة ولكن من بعيد ، في معرض تفسير الخطيب لحديث الرسول الكريم والذي فيه ما معناه "من كانت الدنيا همه ....الخ"..

وربما كانت تلك هي أول مرة أسمع فيها بأذني هاتين شيئاً عن الثانوية العامة بهذا الشكل ، ربما قاله خطباء آخرون بصيغة أخرى ..

هناك سؤال أعتقد أن عامة الناس سألوه ،ولهم كل الحق: أين كنتم أيها الخطباء والواعظون وقت أن كان كل ذلك -الذي رأيناه بأعيننا واعترف به الوزير نفسه وسكتت عليه الصحافة طويلاً- يحدث؟ لماذا لم نسمع في أي قناة دينية كلاماً عن الغش-في الامتحان وفي غيره؟

كثر الخطباء ، كثرت القنوات ، ويحدث ما يحدث .. كثر الخطباء وكثرت القنوات ولكن لا أحد يهتم..هم يعيشون في عالم غير العالم الذي نعيش فيه ولهم أولويات تختلف كل الاختلاف عن أولويات آحاد الناس..عندما لا تحدث ممارسات على هذا المستوى من الغش أي ذكر لدى من يعظون في الدين - رغم حرمة هذه الممارسات شرعاً- من الطبيعي أن تصبح أمراً عادياً لدى الناس "ما يجراهاش حاجة" قبل أن يبررها الناس لأنفسهم تحت ضغط الحاجة -على أيامي كان الغش اسمه "تعاون"- وعليه لا يشعر الشخص عندما يفعل أمراً يراه "معتاداً" أنه يرتكب جريمة..

احتجنا للخطباء والمتحدثين في المساجد والفضائيات التي أصبحت تدعي لنفسها بعض خصائص المساجد لكي يذكروننا أن الغش حرام إن كان من الناس من نسي ومن اعتاد ، لكنهم لم يكونوا "في الموعد" - مع الاعتذار للمعلقين الرياضيين من دول شمال أفريقيا..كان من الطبيعي أن يسأل الناس ويتساءلون بل وأن يغضبوا أيضاً، قبل أن ننتظر جميعاً أن تكشف الصحف عن فضائح أخرى صنعتها سلوكيات أخرى معلوم حرمتها ولكن "أهل العلم" -والذين يتعصب من يتعصب لهم- سكتوا عنها.. هذا الصمت قد لا يقل خطورة عن تلك الأفعال على المدى القريب والبعيد ..فقط أترك لكم التخيل والتفكير.. دمتم في أمن الله..

Sunday, May 11, 2008

كمل كلامك

سيظهر -بالتأكيد- من يدافعون بشراسة عن دولة "حزب الله" في لبنان، ومن يصفون من يعارضوهم بضيق الأفق والتأثر بالشعارات الرنانة ، وسيظهر -بالتأكيد- من يدافعون بدورهم عن "حماس" رغم ما فعلته في الأراضي المحتلة ، ويتهمون من يختلف معهم بأنه الذي والذين.. والشيء نفسه مع النظام الإيراني والذي يراه مؤيدوه وريث "دولة الخلافة"، ولديهم هم الآخرون "لستة" من الاتهامات يكيلونها أيضاً لمن يشكك في مايرون..كل يتمسك بشدة بنموذجه كما لو كان حقيقة حسابية يستحق من تسول له نفسه الأمارة بالسوء مناقشتها قضاء الأجازة الصيفية في مستشفى الأمراض العقلية..

لا بأس..

أطلب ممن يؤيدون "حزب الله" ، ومن يؤيدون "حماس" ، وحركات الإسلام السياسي، وأنصار اليسار ، والمال السياسي ،وحتى من يطالبون بتطبيق النظم الليبرالية الغربية تطبيقاً حرفياً ، أطلب منهم طلباً واحداً ، لا أظنه صعباً ولا ترفياً..

أطلب من كل هؤلاء أن "يكمل كلامه" .. أن يسير بعقله مع النموذج لـ"الآخر".. ويخبرنا كيف ستصير الأمور إذا ما أصبح نموذجه في سدة الحكم.. على أن يفعل ذلك بتجرد ، بعيداً عن تأثير الدعايات التي تم حشو عقله بها مثلما يتم - في نظر كل هؤلاء- الأمر نفسه مع "الآخرين"..

من حق كل واحد منهم أن يحضِّر لي قائمة مطولة بالأسئلة التي سيسألها لي منكراً ومستنكراً، عن العزة والكرامة والهوية والأمة ...الخ، على أن يحضِّر كل منهم أيضاً أجوبة عن عدة أسئلة "وحشة"- بلاش شريرة المرة دي- قد يسألها لهم رجل الشارع العادي الذي يعرف بالكاد أسماء الشلل والمذاهب والجماعات والحركات..أطرحها هنا أيضاً بشكل متجرد وحيادي.. وأنا عن نفسي أقبل بأي إجابة يمكن لعقلي أن يقبلها في حدود الواقع وليس النظريات وكلام الكتب الذي ثملت شعوبنا منه..

من تلك الأسئلة: كيف سيتعامل كل تيار مفضل لدى هؤلاء الناس بعد الوصول للسلطة مع المختلفين والمخالفين؟ هل سيعيد "توزيع الثروة" أم "توزيع الفقر"؟ هل سيكون القرار الوطني في عهده مستقلاً أم تابعاً للقرار في دول أخرى حتى ولو كانت تنتمي لنفس العقيدة أو المذهب؟ كيف سيتعامل مع ملفات الفساد خاصة وأن احتمالات "إساءة استغلال السلطة" تبقى واردة نظرياً في أي نخبة تصل إلى السلطة على مستوى العالم؟ وهل يملك شجاعة الاعتراف والتراجع والتي دائماً ما كان ينعيها - مع أمور أخرى- على النخب الحاكمة الحالية؟

جميع الخطابات تقريباً تتسم باللون العاطفي، وهناك كُثُر يتعمدون ذلك للتغطية على ضعف المنطق ، وخوفاً من القدرة على التخيل والتحليل ، والتي قد تغير آراء الناس العاديين فيها وفي الواقفين وراءها - وهو أمر محتمل نظرياً..

مرة أخرى أدعو السادة المتحمسين إلى امتلاك شجاعة "كمل كلامك"- لعلنا نتبعهم إن كانوا ألحن حجة وأقوى منطقاً وأكثر واقعية-ودون أن تؤدي العاطفية الزائدة وتسميع الشعارات بالبعض منهم -على الأقل- إلى مرحلة "لماذا تنسى حين تلقاني نصف الكلام"!

Monday, April 28, 2008

أصوات السلفيين الانتخابية: قراءة أخرى

يحلو للبعض استعمال لغة البيانات الخطابية و"الجعجعة" في كتابة مقالات أو تدوينات ، وعند أي رد نجد "فرقة الشتامين" في ممارسة حرفتها التي لا تجيد إلاها، ويحلو للبعض الآخر رغم الاختلاف الشديد مع وعلى أفكاره أن يقدم لنا أشياءً تستحق المناقشة والحوار الهادئ واستعمال الحجة والمنطق.. تندرج تحت هذا البند تدوينة أراها هامة وتستحق النقاش..رغم مرور ما يزيد عن العام على نشرها..

أتفق اتفاقاً تاماً مع أول أربع فقرات من التدوينة سالفة الذكر، الاختلاف مع المبدأ لا يجب أن يحمل على الاختلاف على الواقع.. وعلى حق هؤلاء في المشاركة في الحياة السياسية ما إن توافرت لديهم بطاقة انتخابية..وإلى هنا ينتهي ما يخص "الاتفاق التام" مع تلك السطور..

نأتي لنقاط الخلاف..

لنعود لعلاقة السلفيين بالسياسة عموماً، هناك من يرى أنه من السياسة ترك السياسة إما اتباعاً للمدرسة السلفية السعودية (التي تقضي بأن الانتخابات تخالف مبدأً إسلامياً* وبأنها تضفي شرعية على نظم غير شرعية) ، وإما خوفاً على "مكتسبات السلفيين" الذين مُنِحوا حرية حركة لم ينعموا بها من قبل على سبيل الخطابة وفتح القنوات، وهناك أيضاً من يرى على الجانب الآخر أن المشاركة السياسية- بتفسير أدق لكلام صاحب التدوينة المشار إليها- "شر لابد منه"..

وعلى فرض أن الرأي الثاني قد فرض نفسه، تظهر عدة أسئلة تحتاج لنقاش هادئ:

1-على ذكر عبارة "شتت الصوت السلفي دهراً" الموجودة في التدوينة المذكورة، إلى أين سيذهب الصوت السلفي؟ هل سيذهب إلى ولي الأمر (باعتبار وجهة النظر التي لها قوتها داخل الوسط السلفي بأن ولي الأمر هو "أمير المؤمنين" ولا يجوز الخروج عليه ولا التصويت ضده) أم سيذهب إلى قوى أخرى؟ وهل ستقبل "القيادات السلفية" أن ينقسم الصوت السلفي على عدة مرشحين؟

2-أو بعبارة أخرى: هل سيُترَك الشخص أو سَتُتْرَك الشخصة التي ستصوت في الانتخابات لإرادته أو إرادتها بالتصويت للمرشح الذي يراه/تراه أصلح، أم سيصبح التصويت على الطريقة الصوفية بالأمر المباشر؟ هل سيظهر دعاة يقومون بالدعاية لمرشح بعينه في الانتخابات سواء في مجلس الشعب أو في المحليات أو في انتخابات الرئاسة؟ وبالتالي..

3-هل سيكون للسلفيين مرشحين في الانتخابات المحلية -كخطوة أولى..وربما "قائمة" بعد ذلك؟ هل سيترشحون كأفراد أم أيضاً بالإذن المباشر على الطريقة الصوفية (مصر) والشيعية أيضاً (دول الخليج)؟..وعليه..

4-ما هي أولويات المرشحين السلفيين؟ هل ستكون أولويات الحركات المذهبية الأخرى ومصالحها الضيقة؟ أم ستتحول إلى نسخة من أولويات حركات الإسلام السياسي؟ أم أن لهم أجندات ستتناسب مع الشارع الذي يضم إلى جانب السلفيين غير السلفيين أيضاً؟

هذه أسئلة ليست لغرض النفي والإنكار الذي درسناه في التعليم الرابسوماتيكي، ولكنها بغرض المعرفة والفهم لا أكثر ولا أقل.. كما هو شعار هذه المدونة في عامها الثالث..
* وليسوا الوحيدين بالمناسبة..

Wednesday, February 27, 2008

سؤال شرير واحد..

ما شجعني على طرح هذا السؤال الشرير ببساطة شديدة هو متابعتي لعدد من التعليقات هنا وهناك وفي بعض المنتديات.. وما أثير حول فتوى ما لإحدى المجموعات المذهبية في مصر..

اسمحوا لي أن أوجه سؤالي هذا بالذات للمنتمين لأي مجموعة مذهبية ، سلفية أو صوفية أو شيعية وما يشتق منهم.. كل الاحترام لهم كأشخاص رغم خلافي العنيف للغاية على الأسس التي بنت تلك الفصائل والأحزاب وجودها عليها ووجهات نظرها الغريبة تجاه الدين والدنيا معاً..

هل لو وجه شيخ مشايخ الطرق ، أو شيخ الطريقة التي تنتمي لها (إن كنت تنتمي لطريقة) ، أو لو وجه رئيس أي من الفصيلين السلفيين المصريين (أنصار السنة والجمعية الشرعية) أو شيوخ السلفيين المصريين من أمثال الشيخين محمد حسان والحويني (إن كنت منتمياً للتيار السلفي)، أو لو وجهت قيادات شيعية مصرية (إن كنت منتمياً للتيار الشيعي) ، الدعوة لك للقبول بتوريث الحكم ، أو لمبايعة "سيمبا" -وليس حتى لانتخابه -ستقبل بتلك الدعوى أم لا؟ ولماذا؟-رغم أن توريث الحكم من عدمه-أياً كان الرأي فيه- وما على شاكلته من مسائل هي شئون دنيوية صرفة مثلها مثل اختيار اليد التي تلبس عليها الساعة!

فكروا بهدوء..وردوا بهدوء..

ذو صلة: هذه التدوينة..

Friday, February 1, 2008

إلى أنصار "الزعامة الدينية": لسنا ماعزاً

آل إيه : سر قوة إيران في التفافهم حول علمائهم ..آل إيه : سر ضعفنا في "تشرذمنا" فقط لأنه ليس لدينا إمام أو قائد أو مخلص نلتف حوله لينقذنا!

طرح يطرحه البعض ويؤمن به وهذا حقه ،ومن حقي أيضاً أن أرى أنه مثال عملي على الهراء المركز كما ينبغي أن يكون.. مع التماسي الكامل للعذر لمن يقولوه ولبعض من يروجون له..

زن الميديا يا حضرات أمر من السحر ، وهناك في الإعلام العربي من يعمل لحساب قوى إقليمية وغير إقليمية تحت غطاء عربي وشعارات دينية براقة ، وسط الزن لا تستطيع أن تفكر ،وكيف تفكر أصلاً وغرض الزن هو ألا تفكر.. أن تنساق وتنجر وتتعصب وتتحول إلى هتيف ، أو ربما إلى طوبة ، أو عصا ، أو حتى إلى قنبلة.. وسط الزن يوفر عليك البهوات مشقة التفكير ويوصلونك للخلاصات التي يريدون إيصالك إليها ..

صوت الزن أعلى ألف مرة من صوت العقل.. والصوت الأعلى هو الأكثر فعالية وفاعلية .. تذكروا المثل المصري الشهير : خدوهم بالصوت!

لتفكيك هذا الهراء لدي مجموعة من الأسئلة الشريرة أتمنى أن أجد لها إجابة مقنعة:

0-هل يجب أن نلتف أصلاً حول "زعيم"؟ في فترات طويلة ووقت أن كانت الدولة الإسلامية دولة مركزية واحدة كان الخليفة هو ولي الأمر وله السمع والطاعة في ظروف اقتضت ذلك من الناحية السياسية لكنه لم يكن "بابا" للمسلمين..وإلا بعد أن انقسم العالم الإسلامي إلى عدة "خلافات" في الشام والعراق ومصر والمغرب كان ينبغي أن يكون لكل هؤلاء "بابا"..

1-ما هي مواصفات هذا "الزعيم" أو "الإمام" الذي سوف يحولنا من قطيع من "المعيييييز" الشاردة إلى أمة متقدمة وقوية؟ تذكروا أن الكلام في الفقرة الأولى عن إمام على أساس "ديني"..وطبعاً سيجرنا الحديث عن "الماركة المذهبية" لهذا الإمام القادم ، والذي يعتقد البعض من أتباع بعض المذاهب أنه منهم!

2-وبما أننا لا نريد أن نعيش عصر "التشرد الأطفالي" ونريد أن يبقى لدينا إمام أو قائد بما أن "الموت علينا حق".. كيف يمكننا أن نختار خليفة لهذا الإمام؟ وعلى أي أساس إن شاء الله؟ هل سيختار بالانتخاب أم بالمبايعة أم بالقرعة عند تساوي فارق الأهداف واللعب النظيف؟..أم يجب علينا - علشان تكمل - أن نستحدث نظاماً يجعلنا نختار جناب الزعيم دون قلق ودون إحداث حالة من التشرذم في صفوف "الأمة"؟

3-أليس هذا الطرح برمته طرحاً بابوياً صرفاً.. في دين لا بابوية فيه أصلاً؟..أكرر وللمرة الألف .. لست هنا لكي أناقش البابوية عموماً.. الأديان مثل نظم تشغيل الكمبيوتر لكل منها تضبيطاته.. وما يعمل في بعضها لا وجود له في البعض الآخر ..أنا أطرح ذلك في الإسلام الذي لا يوجد فيه "رجال دين" ولكن "علماء"..وفي ظرف زمني "خاص" و "مختلف" ..

عن نفسي - والله أعلم- لا أرى أن المسلمين قطيع من الماعز الشاردة يحتاجون لقيادة .. الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام كان هو الزعيم الأوحد لأمة الإسلام ، انتقل إلى الرفيق الأعلى بعد أن وضعنا على أول الطريق الذي نعتمد فيه على أنفسنا دون حاجة لزعامة دينية أو لكهنوت أو لبابوية..ويفترض بنا أن نتصرف كبشر ناضجين قادرين على الفهم، يستنيرون بفهمهم للنص وروحه ، ولعلم العلماء دون تحويلهم إلى زعماء أو كهان أو باباوات ، وليس كقطعان الماعز الشاردة التي تنتظر راعياً يقودها في الصحاري..وإلا لو أردنا لأنفسنا أن نكون من الماعز.. فعلينا أن نتقبل مصير الماعز أيضاً..

Tuesday, December 25, 2007

لماذا "تباع" الخُطَب؟

أكرر: لماذا تتم تعبئة خطب الجمعة في شرائط ثم تباع هذه الشرائط؟

أطلب ممن سيثير هذا السؤال امتعاضهم -إن لم يكن غضبهم- أن يفترضوا في العبد لله حسن النية ، وأن يفترضوا أيضاً أن هذا السؤال هو سؤال طفولي بريء وساذج ممن "قد" لا يكون المنظر لديهم مألوفاً!

فمن العادي بالنسبة للشخص العادي أن لا يبتلع الموضوع برمته ، فكل علاقتي وعلاقة كثير من الناس بخطبة الجمعة أنها جزء لا يتجزأ من هذه الشعيرة ، وتعادل ركعتين من الصلاة إلى جانب ركعتي الجمعة نفسها ، فلماذا يتم تحويلها إلى شرائط وتباع هنا وهناك؟

ألم تشوه "شرطنة" خطب الجمعة شكل الخطبة بشكل عام؟..خاصةً بعد أن أصبح بعض من يقف على المنابر - بكل أسف - يتفرغ للمط والتطويل بما يتناسب مع طول الشريط ، ولا يهم أن يفهم الشخص أو يستفيد ، ادفع لك اتنين جنيه يا مؤمن وحتتحط الصورة في دماغك أحسن .. ولا مانع من إضفاء البصمة الشخصية على الخطبة تمثيلاً ، وزعيقاً ، وتشويحاً.. طالما أن البعض قد ينتهزها فرصةً لتسويق نفسه كما قد يُقال..

ثم إلى أين تذهب حصيلة بيع الشرائط؟ أنا فعلاً لا أعرف ولا أريد أن أكون سيء الظن.. هل إلى الشباب الذين وفر لهم "بعض الناس" فرص عمل ببيع هذه الخطب على أبواب ما يقرب من ثلاثة أرباع مساجد مصر؟ هل إلى الشركات التي تتولى طباعة هذه الخطب أولاً بأول؟

عاش المسلمون أربعة عشر قرناً من الزمان كانوا خلالها يحفظون الخطب في أدمغتهم وعقولهم وقلوبهم بدلاً من السي دي والشريط ، ما الذي استجد حتى يصبح بمقتضاه الشريط ضرورة حياة ، وحتى تصبح مناقشة بيع الخطب من عدمه كمناقشة 1+1=2؟

أسأل هنا لمجرد الفهم ، لا أكثر.. ربما تجيبونني..

Tuesday, December 4, 2007

حتى الحج؟

أن تباع تأشيرات الحج من قبل أعضاء المجلس (غير) الموقر في السوق السوداء ، فهذه مصيبة سوداء ، لكن أن توزع تأشيرات الحج على أعضاء المجلس (غير) الموقر نهاراً جهاراً فهذه ليست بدورها مصيبة بيضاء!

لنعقلها قليلاً .. لماذا توزع تأشيرات الحج على نواب مجلس الشعب أصلاً؟ ما هي الصفة التنفيذية لهؤلاء إن استسغنا أن التأشيرات توزع على التنفيذيين؟ وهل انضمت إلى قائمة "الخدمات" التي تعرض في البازار السياسي المصري؟ هل توزع تلك التأشيرات لكي ننتخب عضو مجلس الشعب الفلاني (وكلما كان حزبوطني كان أحسن علشان حيشبرق علينا في الحوار دة)، أم لكي "يتفشخر" بها هذا العضو قبيل الانتخابات التالية .. تماماً كما "يتفشخر" بتعيين "أبناء دائرته" في الخارجية كما فعل "ناس"؟

هل هي نفس اللعبة المبتذلة القديمة الجديدة التي تلعب في مصر منذ أيام الاسكندر الأكبر الذي ذهب خصيصاً لكي يتقرب لكهنة آمون..وتطورت طبعاً ببناء المساجد والتكايا والزوايا والصرف على الأضرحة والقبور وحضور الاحتفالات الدينية وتقريب بعض "المرجعيات" والشيوخ، فقط لكي ننسى الأخطاء والخطايا والجرائم؟

أم أن العيب فينا بصفتنا نحن الذين شجعنا كل هؤلاء على مر أجيالنا وعصورنا؟ هل هو ضعفنا الزائد أمام كل ما هو ديني؟ أم هي "الحوجة" التي جعلت تأشيرة الحج وتأشيرة الوزير على الوظيفة أعز من الذهب وأغلى من الماس ، وتستأهل تدخل البيه ابن الدايرة؟

هذا عن التأشيرات "الشرعية" طبقاً للأعراف السياسية المهلبية في بلاد العجائب ، فماذا عن تأشيرات السوق السوداء؟ هل يصح الحج بتأشيرة تم شراؤها في السوق السوداء؟

والسؤال الأهم : لماذا لم يُدِن أحد -سواء من المنظرين للتمذهب أو من "الربراريين" دخول الحج في هذه اللعبة السخيفة؟ ولماذا يصر البعض على التفسير السياسي لهذا الركن الركين من أركان الدين بأن يقول أنه مؤتمر ورمز لوحدة الأمة؟ ولماذا أصبح الحج فرصة للتسويق الفكري والانتهازية والشماتة الوقحة بين قيادات ومنظري المذاهب كما حدث بعد حادث الجمرات؟