Showing posts with label الحلال..والحلال. Show all posts
Showing posts with label الحلال..والحلال. Show all posts

Monday, April 16, 2012

الإفتاء السياسي : سواد السبيل

أعتقد ، وربما يكون كلامي صحيحاً ، أننا تعدينا مرحلة التفرقة بين "الصح والغلط" و "الحلال والحرام".. "الصح و الغلط" الأوسع نطاقاً والأكثر نسبية (ما هو صواب اليوم قد يكون خاطئاً غداً) ، أما "الحلال والحرام" فهما بنص الحديث بينان واضحان ، وبينهما أمور متشابهات .. وهناك أمور كثيرة تدخل دائرة الصح والغلط أكثر منها الحلال والحرام .. قد لا يكون من الصواب ، أو من "اللائق" مثلاً أن ألبس حذاءً أسوداً مع بنطلون بني ، رغم أنه لا يوجد في القرآن الكريم والسنة المطهرة ما يمنع من ذلك..

لماذا أعيد ذلك الكلام الذي هو من نافلة القول ويفترض أن نعرفه جميعاً؟

أمس ، سمعنا هذه الفتوى ، والتي أطلقها عالم أزهري ، ولاقت ترحاباً كبيراً لدى أناس كثيرين (1) ، وعن نفسي أحتقر تلك الفتوى وأحتقر منطقها .. لن أنتخب أياً من المرشحين الفلول ، ولا الإسلاميين ، وهذا موقف معلن وواضح ، بنفس وضوح موقف "الدين والديناميت" منذ يومها الأول ضد الإفتاء السياسي بكافة أشكاله ، والذي لا يمنع تصفح التدوينات القديمة والجديدة من التذكير به ، من تكراره ، من باب "وذكر به"..

دعونا ، بما أن هذا العام هو عام "ليه وإزاي" في "الدين والديناميت" نوضح لماذا نعتبر الافتاء السياسي سواداً ووبالاً على الدين..

الحلال بين والحرام بين كما سبق الذكر ، وليس خاضعاً لفكرة النسبية ، الخمر ليست حراماً بشكل نسبي لكنها عندما حرمت حرمت في المطلق ، بغض النظر مثلاً عن نوعية الفاكهة أو النبات الذي تخمر، الزنا حرام حتى ولو كان بامرأة مشركة عقيم محترفة ، كما أوضح ذلك على ما أذكر الشيخ الأزهري الكبير "محمد أبو زهرة" - رحمه الله - وقتل النفس التي حرم الله حرام وجريمة شنعاء حتى ولو كانت تلك النفس كافرة ، وعندما قام الرسول صلى الله عليه وسلم لجنازة يهودي وسأله الصحابة رضوان الله عليهم أجابهم بعبارة واضحة : "أليست نفساً"؟

السياسة هي قمة النسبية وقمة التغير وقمة التلون ، اليوم يحكم فلان غداً علان ، المجموعة الفلانية أقوى اليوم وأضعف غداً ، عسكر وأعيان وأفندية وأحياناً مشايخ ، كل فئة تتصارع على السلطة تبحث عن غطاء ديني ، وتعتبر الفتوى نوعاً من أنواع التسويق السياسي ، ويساعدها على ذلك - بكل أسف - عدد كبير من الشيوخ يبيحون ويحرمون أموراً لا تدخل في دائرة الحل والتحريم ، فلان يذهب للتصويت هو حر ، فلان يمتنع عن التصويت هو حر ، فلان يذهب للتصويت في انتخابات هذا العام هو حر ، فلان يمتنع عن التصويت في الانتخابات القادمة هو أيضاً حر..

وما دام كله نسبي في نسبي ، فالفتوى إذا كانت بالأمس عن الفلول ، غداً ستكون عن حزب آخر ، كانت بالأمس بالامتناع عن التصويت لـ"س" ، غداً ستكون بالتصويت لـ"ص" لأنه فرض عين ، اليوم حزب كذا ميت فل وعشرة ، غداً نفس الحزب هو عدو الله ورسوله.. ومن العادي جداً بهذه الطريقة أن يفتي أحد الشيوخ الأفاضل لصالح حزب حتى وهو ينتهك ثوابت الدين نفسها..فهو الميقاتي الوحيد في المباراة وهو الأستاذ الذي يعرف أكثر ونحن "حمير" وما بنفهمش..

ويضحكك أكثر المنطق المعوج الذي يستخدم لتمرير تلك النوعيات من الفتاوى ، ففي السابق كان بعض هؤلاء يفتون بأن الذهاب للتصويت في الانتخابات شهادة وأن من يكتمها آثم قلبه ، ماذا إذا كان لا يتوافر لدي أي معلومات واضحة وكاملة عن كل المترشحين لمنصب عام ما؟ في تلك الحالة إذن لا آتي بالشهادة على وجهها ، لأنني في هذه الحالة سأكون "شاهد ما شافش حاجة".. كيف يشهد شخص على شيء أو على شخص لا يعرفه؟

وحرمة وحل المواد في القوانين فهذه نكتة النكت ، طبعاً لم نسمع صوتاً لأي عمامة أزهرية مع احترامي للجميع عندما لم يتم تفعيل قانون البلطجة في وجه من يهددون حياة وأعراض الناس بالسلاح ، علماً بأن حماية النفس والعرض والمال من المقاصد العليا للشريعة.. ولا في وجه الاحتكار وخصوصاً وقت أن ساد وصار من مظاهر الفساد وسبباً في الكساد ..

السياسة هي قمة النسبية وقمة التغير وقمة التلون كما سبق الذكر ، فلماذا يجعل رجل الدين من نفسه سياسياً ومشاركاً في لعبة السياسة التي يعلم هو ، كما نعلم جميعاً ، أنها لا أخلاقية؟.. فالساسة عادةً - بمن فيهم من ينصحنا رجال الدين بالتصويت لهم - يعدون الناخبين بوعود يعلمون (= أي "الساسة")أنهم لن يستطيعون تحقيقها ، ويتحالفون مع الحزب الفلاني ثم يلتفون عليه بعد انقضاء المصلحة ، ثم يجبرون بعد الوصول للسلطة على تعيين أعضاء الحزب العلاني في مناصب ما لاحتياجهم لأصوات أنصاره وخدمات قياداته.. إذن القاعدة واضحة ولا تحتاج لحل أو تحريم : حقق هؤلاء أياً كانوا مصالحي المشروعة كمواطن أهلاً وسهلاً ، استعبط هؤلاء فلا صوت لهم عندي ، بعيداً عن دائرة الحلال والحرام.. أو فتوى الشيخ الفلاني أو العلاني..

الحمد لله الذي لا يحمد على مكروه سواه ، المؤسسات الدينية تصر على اللعب في السياسة بسلاح الفتوى ، فتوى للملك "فاروق المعظم حفظه الله" ، وفتوى "لضباط حركة الجيش المباركة" ، وفتوى "لثورة التصحيح" ، وفتوى "للاستقرار" ، وفتوى "لشهداء وضحايا الثورة" ، وقريباً فتوى لـ"البرادعي" و فتوى لـ"أبو الفتوح" و فتوى لـ"أبو إسماعيل" و فتوى لـ"عمر سليمان".. ثم نتساءل عن ضعف مصداقية المؤسسات الدينية ورجال الدين.. واستباحتهم كلاعبين سياسيين واغتيالهم ، كما حدث مع مفتي السنة في لبنان الشيخ "حسن خالد" رحمه الله الذي وجد نفسه ، وهو صاحب مواقف محترمة ووطنية حقيقية في بلاده التي تعيش منذ الاستقلال على آتون طائفي ملتهب، في قلب لعبة يصبح فيها رجل الدين سياسياً تطبق عليه كل قواعد لعبة السياسة القذرة بما فيها الاغتيال ، لتغتاله جماعة "الأحباش" -الإسلامية أيضاً والتابعة لنظام "الأسد" الأب - عام 1989.. أخذ الطيب بذنوب الأشرار في لعبة شريرة بطبيعتها..

حتى لو كانت الفتوى السياسية موافقة لما أقتنع به فإني أرفضها شكلاً وموضوعاً ، المسألة ليست مسألة مزاج ، وليست "خناقة" على القهوة يعتمد فيها منطق "صاحب صاحبي صاحبي وعدو صاحبي عدوي...الخ".. وكنت أتمنى أن يرجع هؤلاء إلى قاعدة فقهية أصيلة تقول : "دفع الضرر مقدم على جلب المنفعة".. خصوصاً إذا كانت أضرار الإفتاء السياسي بهذه الضخامة.. الإفتاء السياسي يقودنا جميعاً إلى سواد السبيل ، لا إلا سوائه....
(1) صدق أو لا تصدق : هناك من رفض قانون العزل السياسي وتطبيقه على الفلول ، وأيد هذه الفتوى!

Sunday, July 10, 2011

ع الترابيزة

وللقصة جذور يا سادة..

كان لدينا يا كرام عدد من رجال الأعمال ، أخذوا من أموال البنوك ، ولم يعيدوها ، وهرب بعضهم إلى خارج البلاد ، وتم إلقاء القبض على بعضهم الآخر ، بشكل يذكرني بعبارة شهيرة للشاعر الكبير "عبد الرحمن الأبنودي" ما معناها أن السجن هو المكان الذي يذهب إليه المجرمون الذين فشلوا في الخروج على القانون!

واختُلِفَ في تصنيف هؤلاء ، فمنهم من يرى أنهم رجال أعمال سيئي الحظ خرجت الأمور من تحت سيطرتهم فـ"تعثروا".. ومنهم من يرى أنهم لصوص محترفون كونوا شبكات كبيرة من المرتشين والمنحرفين داخل بنوك ومؤسسات اقتصادية وجهات رقابية أسهمت في قيام هؤلاء بهبر الهبرة الكبرة مطلقين عبارة "محمد شرف" الشهيرة في مسلسل "ريا وسكينة" : يا فكيييك! والفرضية الثانية وجدت من الأدلة ما يؤيدها أكثر بكثير من الأولى..

ليظهر في مصر- وسبحان الله- توجه في سنوات "الحراك" ، التي شهدت صعوداً كبيراً لمن استفادوا وتربحوا من علاقاتهم مع بعض "آل مبارك" -سواء من بقي على ولائه للبيت "المباركي" أو من قرر دخول مجال "النضال السياسي" - ما مفاده أن "اللي فات ننساه .. ننسى كل أساه".. لنحتكم إلى لغة الترابيزة ، لغة التفاوض .. ما لا يدرك كله لا يترك كله نتفاوض .. نجدول .. نسدد .. يخرج المتعثرون من السجن ، ويعود الهاربون إلى مصر كالسوبرهيروز ، ولا "الخوميني" بعد ما يسمى بـ"الثورة الإسلامية" في "إيران"..

ومن الطبيعي ، والطبيعي جداً جداً أن يثير ذلك "التوجه" ، جدلاً واسعاً داخل المجتمع المصري خاصةً عندما تم طرحه في برامج "بتسمَّع في الشارع" كـ"القاهرة اليوم" ، وانقسم الناس فرقاً ، فرق تؤيد التصالح مع المتعثرين ، وفرق ترفض..

المؤيدون يعتبرون ذلك "نوعاً من العملانية"- من "عملي" - بمعنى أنه ما لا يدرك كله لا يترك كله ، والبلد بحاجة إلى كل مليم و..و... ، أما المعارضون فلا يعتبرون مبدأ التفاوض على سرقة مجرد خضوع للابتزاز يهين هيبة الدولة والوطن بأكمله فحسب ، يتيح لرجل الأعمال أن يجلس رجلاً على رجل رافعاً "اللي لابسه في رجله" في وجه الدولة ، بل يكرس لاحقاً لجعل السرقة عملاً مشروعاً ("اسرق يا حبيبي بس لو رجعت اللي سرقته مش أزعل منك تاني".. وبين المعارضين على طرفها الآخر وقفت فرق أخرى تتساءل "طب اشمعنى المتعثرين أبو مليارات وسايبين المتعثرين بملاليم يدخلوا السجون؟".. "ليه في الوقت دة؟" "..وأهم تلك الأسئلة على الإطلاق "وأنا أعرف منين إن كان الراجل دة متعثر ولا حرامي؟ ولو كان حرامي ح أفاوضه ولا لأ؟.. وإن فاوضني الحرامي يبقى متعثر ويحصل على المسامحة من قبل النظام السياسي والقضائي (والإعلامي) المصري؟".. وكلها أسئلة لا تمنح عادةً وقتاً للرد ولا للنقاش لأن "الزن على الودان أمر من السحر"..

وتروحي يا أيام ، وتعالي يا أيام ، وتقوم الثورة ، وتسقط أقنعة ، وتظهر أقنعة جديدة ، وتظهر النية لـ"تقنين التصالح" وسط "ترحاب" من بعض رجال الأعمال..الذين تحولوا-جميييييعاً وبمن فيهم اللصوص الحقيقيون- إلى "ضحايا لفساد النظام السابق" (انتهازية معهودة في فترات التغير السياسي وشفنا منها كتير قبل كدة) وفسرت تلك النية "القانونية" على أكثر من محمل ، ما بين "حسن النية" ومحامل أخرى كثيرة..

ما علاقة ذلك كله بـ"الدين والديناميت"؟

اليوم ، 10 يولية 2011 ، خرج علينا فضيلة مفتي الديار المصرية ، بفتوى "غريبة" تثير عشرات علامات الاستفهام ، وستظل تثير..وستقسم الناس ما بين مؤيدين ومعارضين ، تقسيمة قد تتعلق أيضاً بوجود مؤيدين ومعارضين لفضيلة مفتي الديار..

مؤيدو الفتوى وأغلبهم من مؤيدي المفتي سينطلقون من نفس النقطة التي بدأ منها مؤيدو مشروع التصالح قبل الثورة ، وسيعتبرون الفتوى فتحاً واجتهاداً في صالح الدين والدنيا ، باعتبار أنه يحقق مصلحة للمجتمع ككل ، نظرة في مجملها "عملي" من وجهة نظرهم.. وسيقابلهم على الناحية الأخرى عدد من المعارضين للفتوى وفيهم معارضين لنفس المفتي يرون المسألة "أخلاقية".. التفاوض كما يرونه مسألة "تنازل أخلاقي" قد يمنح فعل "السرقة" مشروعية.. حتى وإن رأى فضيلة المفتي أن الأمر :


"ليس بالسرقة التي وضع الله بإيذائها حدا {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} [المائدة:38]، وليست من السرقة كذلك ما يشاع عن أن الناس سرقت أموال الشعب؛ لكن التعبير الصحيح أن نقول: إن أناسًا ما قد استولوا، أو قد اختلسوا، أو قد اغتصبوا، أو قد نهبوا، ونحو ذلك من الألفاظ المنفرة للفعل ولكن لا تأخذ في حكم الفقه الإسلامي موقف السرقة"

وهو ما يرد عليه أيضاً بفكرة أننا لو احتكمنا للتعريف القانوني للسرقة والاختلاس فقد تخرج أمور كثيرة عن دائرة التجريم..

دعوني أسأل السؤال بشكل مختلف وبلغة غير متخصصة ، هل ما قرأناه من فضيلة المفتي يشبه ما اجتهد فيه الفقهاء القدامى عن جواز دفع زكاة الفطر بالمال لمصلحة الفقير؟ أم أن هذا الموضوع لا تصالح فيه لأنه لا تصالح في حقوق العباد على العباد؟ هل أذهب مع من سرقني إلى الترابيزة؟ هل أصالح في المال ولا أصالح في الدم؟ ولا إيه بالضبط؟

تبقى نقطة: تعمدت وضع أكبر عدد ممكن من التصنيفات في هذه التدوينة بشكل مربك لاحتمالها جميع وجهات النظر ، قد تتفق مع الفتوى وقد ترفضها..

Friday, April 17, 2009

"لزوم" الدلع

لم أعتد -إلا مرة واحدة في المدونة الشقيقة "الصحافة فين التعليم أهه" - منذ بدايتي في التدوين أن أقطع سلسلة من التدوينات المجزأة.. لكن هذه المرة الأمر غريب وغير مفهوم ..

خبران أضعهما بجانب بعضهما وكل منهما أغرب من الآخر ..

الأول.. فضيلة مفتي الديار المصرية يدلي بتصريح نشرته "الدستور" و "اليوم الساقع" مفاده فيه والكلام بنص الموقعين أن الإسلام "دلع المرأة" ، وفي صياغتي "الدستور" وموقع جريدة "الدار" "دلع المرأة زيادة عن اللزوم"!

والثاني .. أن دار الإفتاء المصرية - والتي يرأسها فضيلة مفتي الديار المصرية صاحب التصريح في الفقرة السابقة - أباحت زواج المسيار -الشائع في عدد من دول الخليج.. رغم "نفي" دار الإفتاء للكلام في اليوم التالي بحسب جريدة "البشاير" الإلكترونية..

يرى المفتي أن الإسلام قد "دلَّع" المرأة بشكل زائد عن اللزوم ، دون أن يعرف لنا بطبيعة الحال هذا "اللزوم" وهل من هذا "الدلع" إباحة زواج يضرب بحقوق المرأة التي شرعها الإسلام نفسه عرض الحائط ، حتى ولو كان ذلك بشكل "اتفاقي"-باتفاق الطرفين يعني- ولا أصل له في الكتاب ولا السنة ، ولا علاقة له بالمقاصد التي شرع الله من أجلها الزواج ، السكن والمودة والرحمة.. بل إنه اختزل الزواج كله في شيء واحد فقط .. يناسب أزهى عصور السكسوقراطية التي نعيشها حالياً..

عن نفسي أميل جداً لما قاله الدكتور إبراهيم فاضل الديو في المسألة : "وإذا قيل بأن زواج المسيار عقد استكمل أركانه وشروطه فلماذا يحرم؟ فإنه يجاب على ذلك بأن نكاح المحلل والمحلل له قد استكمل العقد فيه أركانه وشروطه أيضاً، إلا أن الفقهاء أفتوا بحرمته سدا للذرائع، وسد الذريعة أصل من أصول الشريعة قال به كثير من الفقهاء"..

ومع احترامي لفكرة أن لـ"ولي الأمر" فكرة حظر الشيء المباح منعاً للمفسدة .. فإن استخدام تلك الفكرة في الفتوى المشار إليها هو أمر "مضحك" و "غريب" و "يستعصي على الفهم".. "هو صح دينياً بس ولي الأمر منعه لأن فيه مفسدة"؟

الإسلام لم "يدلع" المرأة أكثر من اللازم ، والإسلام لا "يدلع" أحداً أو فئة .. هو فقط يعطيها حقوقها كما يعطي لكل فئة حقوقها، ولو تواجدت شبهة مجاملة لحساب فئة ما فإنها ستأتي حتماً على حساب الأخرى وهو ما يتصادم مع واحد من أهم مقاصده ..وكان على فضيلة المفتي العالم الجليل أن يكون أكثر "حذراً" و "دقة" في استخدام مصطلحاته خاصةً في ظل وجود ميديا تتصيد أي خطأ أو زلة لسان.. فلا مكانته العلمية ولا منصبه يسمحان بنوعية معينة من زلات اللسان ستمطر آثارها السيئة فوق رءوس الكل كليلة..

Monday, October 13, 2008

أزهى عصور السكسوقراطية!

لمن يصرخون على "التحرش الجنسي" .. أقول له "ما غريب إلا الشوشو"!

فالمفردات والشتائم والألفاظ ذات الإيحاءات الجنسية منتشرة للغاية بين شرائح متعددة من الشعب .. وفي انتشار مستمر .. ويتعلمها "النشء الصاعد" بطريقة أو بأخرى في مراحل سنية مبكرة إما للتماشي مع المجموع وتفادي العزلة والنظرة "الدونية" لمن لا يعرف "لغة" أو حتى كسلاح دفاعي .. ولم تعد المسألة قاصرة فقط على الشبان فقط .. هناك فتيات يعرفن "اللغة" لنفس الأسباب التي يعرف الذكور من أجلها نفس المصطلحات ..ورغم أنني لم أعش فترات سابقة من التاريخ الاجتماعي المصري إلا أنني أشعر أن مجتمعاتنا لم تكن "مهذبة" لغوياً بالشكل الجميل المنمق الذي كنا نراه في أفلام الخمسينات والستينات ، وكانت "اللغة" مستخدمة فيه هي الأخرى بشكل رائج في مجتمعات أكثر انغلاقاً!

و"اللغة" تزحف بشكل أو بآخر حتى على الفن .. والجنس نفسه أصبح بالمناسبة معياراً من الباب للطاق لـ"الجرأة" في الأعمال الفنية والأدبية .. ومعياراً لجذب شرائح من الجماهير لأعمال فنية وأدبية بعينها (الفيلم دة قصة ولا مناظر).. وهناك من يقول - وهو قول له منطقه ووجاهته- أن الدراما رسبت عن غير قصد إلحاحاً على مفهوم الحب التقليدي بمعنى أن الشخص يجب أن يدخل في قصة حب لكي يتزوج.. (مش الواحد عايز برضه يحب ويتحب؟ -معنى كلام قاله لي أحد السادة المتحرشين).. وحتى في أكثر الشرائح محافظة نجد الإفيهات والإيحاءات الجنسية من أكثر المواضيع مناقشةً..

وهناك علامة يساوي كبيرة موضوعة بين الزواج والجنس .. ويلعب الجنس دوراً كبيراً في الإلحاح المجتمعي والمذهبي الديني (وليس الديني) على الزواج بصفته -فقط كما يزعمون- وسيلة لتقويم الشهوة الجنسية (وسيبكم بقى من المودة والرحمة والنسب والصهر المذكورين في القرآن الكريم)..وهو إلحاح عنيف وظالم على من هم في سن الزواج يضغط عليهم بقسوة ويجبر منهم من يجبر على الدخول في اختيارات خاطئة يدفع أو تدفع ثمنها فيما بعد .. وقد يدفع البعض الآخر لسلوك طرق ملتوية يحقق بها ما يريد.. وفي كل الحالات يظلم نفسه ومن حوله..

والجنس مستخدم في الدعاية المذهبية بشكل مبتذل.. فما الحالة الهباب التي تعيشها "الأمة" والتي من مظاهرها ارتفاع معدلات الطلاق والانفصال (طبقاً لإحصائيات المراكز البحثية البوليسية*) إلا نتيجة طبيعية لتعسير الزواج وغلاء المهور (ولا مانع من الاستشهاد بأحاديث مفرغة من سياقها) تدفع الناس دفعاً إلى الزنا والزواج العرفي (عليه انقسام فقهي كبير حتى داخل المدرسة السلفية) ولعدم "غض البصر" (ولا خلاف على الإطلاق فيه ونحن مأمورون به بنص القرآن الكريم.. لكن هل النظر إلى الحرام وحده هو الحرام الوحيد؟) .. وكل من يجرؤ على انتقاد هذا الإلحاح.. ومعه من يقول بفطرته البسيطة أن "الجواز قسمة ونصيب" ولا داعي لهذا الإلحاح الفج عليه ينتظره التفسير الغبي والجاهل لقول الله تعالى "إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا..." (سورة النور: 19).. لماذا لم نسمع من يمطرون الناس بهذه التفاسير يحاضروننا في "الفاحشة" و"الفحشاء" و"الفحش" وهي مفاهيم تنطبق على أشياء كثيرة في حياتنا؟ إن صدقت مساعيهم في ذلك ربما تتغير الأمور للأفضل كما أسهموا في تغيير أمور أقل أهمية لدى الناس..

انتشار التحرش أمر طبيعي جداً إذا كان هذا هو الواقع.. هناك من يقول أن التحرش ليس سببه مظهر الفتاة وملابسها (وهو قول له ما يؤيده وما يعارضه لدى البعض) فأضيف أنه أيضاً ولو المهور بملاليم والشقق مرمية والشغل في كل حتة (على رأي الشاعر الذي لا أحبه "أيمن بهجت قمر") فسيستمر التحرش وسيستمر الانحراف وستستمر الأمور على ما هي عليه..

إلى أن نعترف بأصل الداء.. وألا نجده يقابل باستسلام مجتمعي وسلبية من قبل كثيرين ممن يعظوننا في الدين.. ساعتها ستتغير الصورة للأفضل بإذن الله..
* ولا داعي لدفعي للإفراط في ذكر رأيي الشخصي في تلك المراكز كي لا أجد نفسي -غصب عني- وقد سقطت في فخ استخدام اللغة! :)

Friday, October 10, 2008

تطهير ..أم غسيل؟

في مجتمعاتنا نقسم أموراً كثيرةً على اثنين .. مع علمنا بأنها لا تقبل القسمة إلا على الواحد الصحيح.. منها "الشرف" و"الحلال والحرام".. من هنا جاءت فكرة هذا التصنيف والذي كان لكاتب هذه السطور مقال سابق فيه قبل أسابيع..

الحلال بين .. والحرام بين .. صحيح أن هناك العديد من مصادر الأموال اختلفنا ونختلف وسنختلف على مدى حلها أو حرمتها إلا أنه من المدهش أن مفاهيم الحلال والحرام تتعطل -أحياناً- في أمور معروف ومحسوم موقفها من الحل والحرمة.. وقد يوضع لها - عن قصد أو غير قصد- معايير جديدة تماماً تستسيغ وتبرر الحرام معلوم الحرمة ما دام فيه "المصلحة".. والكلمة الأخيرة شديدة المطاطية!

ومسائل الأموال بالذات تنطبق عليها الفقرة السابقة .. والمسألة أبعد بكثير مما يحدث مع كل "شرف فتح الباب"..

مثلاً.. لدينا بالتأكيد مشاريع من المعروف أنها بنيت بأموال المخدرات ،والتزييف ، والرشاوي ، ويقال "السيكو سيكو" .. ومن ضمن تلك المشاريع مشاريع خدمية ، ومستشفيات ، وعيادات ، ومساجد.. ولأن الأمر يثير "لخبطة" أخلاقية .. ولأن ديننا يدعو إلى مكارم الأخلاق.. فكان من الطبيعي أن يسأل الناس عن الموقف من التعامل مع تلك المؤسسات أو مع تلك النوعية من المال إذا ما وجهت إلى "المنفعة" العامة..

بالنسبة لي كشخص عادي .. الفتاوى التي ترد على تلك التساؤلات تنقسم إلى ثلاثة أقسام : قسم واضح يرفض تلك الممارسات رفضاً تاماً ، وقسم "عقلاني" كما يقدم نفسه ، وقسم ثالث يُفهَم من فتاواه (ولعله فهم خاطئ) أنه يدعم كل تلك الممارسات المشبوهة السابقة ويبحث لها فقط عن غطاء فقهي..

نركن القسم الواضح على جنب..

وجهة نظر الفريق الثاني بسيطة.. هذه الأموال كسبها صاحبها من الحرام .. ويريد التكفير عما فعل.. فقرر استغلال هذه الأموال -الحرام- في أوجه النفع العام (حيعمل بيها إيه يعني.. حيحرقها ولا حيحدفها في البحر؟).. ما يميز هذا الفريق أنه يعلم تمام العلم حرمة تلك الأموال و"مبيجائرش" في الموضوع.. ويفترض "حسن النية" في أصحاب تلك المشاريع (رغم أن سوء النية قد يكون مفترضاً أيضاً.. بمعنى أن تلك المشاريع المبنية بالأموال الحرام تلك غرضها تحسين صورة صاحبها والرياء والمنظرة وما إلى ذلك)..

أما القسم الثالث فيصدق فيه قول الشاعر "يكاد المريب أن يقول خذوني" .. قد تكون نيته طيبة لكن ما يحدث منه يحرض على الشك.. ويُفهَم منه - أكرر- أنه يهدف لكسر الحاجز النفسي -المفروض وجوده- بيننا وبين تجار المخدرات والحرامية والمرتشين وبين ما يكسبون من أموال .. (ليه لأ ما تتعملش مشاريع من أموال المخدرات والرشوة؟) .. (هوة المرتشي يفرق إيه يا جماعة عن الشخص العادي).. وربما (إيه هو الحرام في تجارة المخدرات؟ مش ربنا بيقول "وأحل الله البيع"؟ مفيش نص في القرآن الكريم بيحرم تجارة المخدرات.. وحرمتها مكتسبة من تحريم وتجريم ولي الأمر ليها)..

لا أدعو للدخول في نوايا الناس .. سواء نوايا المفتين أو نوايا الحرامية أنفسهم.. ولكن ألا يفترض أن يكون الدين أساساً في خلق حالة من الرفض لتلك الجرائم والسلوكيات لا أن يكون غطاءاً لها؟ بعبارة أخرى: ألا يفترض أن تسهم كل الكمية الرهيبة من العلماء والشيوخ والمتحدثين والمحدثين وحتى من يسمون أنفسهم بـ"المفكرين الإسلاميين" (اللي طلعلولنا في البخت) في رفض استخدام "التطهير" كـ"ستار" لـ"الغسيل"؟ ألا يحرص كل هؤلاء على وأد فكرة "الحرام حرام طالما ما باستفيدش منه"* في مهدها؟
* وحكاية استخدام هذه الفكرة مع الفن هي محور تدوينة قادمة بإذن الله..

Saturday, September 27, 2008

في "شرف" فتح الباب

أمران ذكراني بثالث: الأول هو فتوى قرأتها عند زميلي العزيز "ابن عبد العزيز" في معرض تدوينته "تنقية الشريعة من الفتاوى المريعة" تخص اللحية ..والثاني هو فتوى ، أو "قول" لفضيلة المفتي (بما أن العالم الجليل يأخذ تلك المسألة بحساسية) بصحة صلاة المرتشي.. والثالث هو "شرف فتح الباب".. ومن الثالث سأدخل على الأوليين!

"شرف فتح الباب" يكاد يكون شخصية حقيقية وإن لم تشر إلى شخص بعينه.. كلنا نعيش وسط أشخاص على نفس تلك الشاكلة.. صحيح أن اختيار "محمد جلال عبد القوي" لأن يكون "شرف فتح الباب" بهذا الشكل استفز الكثيرين خاصةً من "الملتزمين" (وتعريف كلمة "ملتزم" مطاط للغاية وعايز له تدوينة لوحده) .. لكن من الصعب أن ننكر أن "فيه منه موجود" وبهذا الشكل ومنا من اصطدم بنماذج مشابهة في دراسته ، أو عمله ، أو حياته بشكل عام..

شرف فتح الباب
"شرف" المتدين قرر تقديم أول تنازل للشيطان .. وبعد التنازل الأول - عادةً - تبدأ باقي التنازلات الأخرى.. وبغض النظر عن السبب "التلفيقي جداً" الذي جعل هذا الرجل يقدم على تصرف يناقض ورعه وتقواه فإن الشيطان أقنعه بمبرر بسيط جداً: لم تعطني الشركة الموشكة على الخصخصة مكافأة أربع وثلاثين عاماً من الخدمة .. إذن فهذا المبلغ من "حقي"..

وبما أننا شعب متدين بالفطرة -كما يقال عنا ونقول عن أنفسنا- وجد هذا "الشرف" أول الأمر من يردعه في صورة زوجته التي ترفض في "إباء" و"شمم" أن يدخل البيت مليم واحد حرام.. ويصل الأمر بها إلى طلب الطلاق منه..

في أول الأمر ، وقبل أن يُقبَض على السيد "شرف فتح الباب" كان الرجل يحاول أن يصلي جاهداً ، ولم يستطِع ، لكن أيام السجن أبقت على تمسكه بالقناعة الشيطانية تلك حتى بعد مفارقة أسوار السجن.. وفور أن تنشأ قصة حب بين "شرف" ومحامية الشركة تتغير -بمائة وثمانين درجة على الأقل- قناعة زوجته وتستحل المبلغ الحرام إذا كان الغرض منه الإنفاق على أولادها!

ما مضى من حلقات المسلسل نكأ جرحاً عميقاً.. هو مفهومنا نحن للحلال والحرام ، فلدى العديد من الناس -ومنهم "ملتزمون"- قناعات قد تنبع من داخل رغبتنا نحن في المال الحرام المغري "لو كان حلال أدينا بنشربه .. لو كان حرام أدينا بنحرقه" .. "حلال حرام أهي فلوس والسلام".. أو يتيحها لك المناخ العام والتأثير الإعلامي "اسرق الحكومة عادي همة شوية حرامية" .. "ما كل الناس بتسرق.. اشمعنى انت اللي حتعمل فيها عم الشريف"(1)..الخ..

وبما أن هذا التصرف ليس حراماً في رأيك فدع القلق واترك حياتك تسير على علاتها.. واصل صلاتك وقف وراء أئمة (ومطربي) التراويح والتهجد وابك ما استطعت ثم عد لممارسة رشاويك وسرقاتك عادي خالص.. الأمر الذي يحيلنا إلى "قول" فضيلة المفتي بصحة صلاة "المرتشي" "إجرائياً".. (طالما استوفت شروطها) وما قاله بضرورة أن يتوب هؤلاء إلى الله وأنه لا ينبغي أن نغلق أبواب الرحمة في وجوههم (لغاية دلوقت الكلام معقول) لكن فضيلته لم يخاطب من يستعمل الصلاة كـ"جُنَّة" وساتر يمارس خلفه ما يشاء(2)..

والمضحك أن هناك تصرفات خرجت من دائرة المحرمات لتحل محلها تصرفات أخرى .. هنا تأتي الفتوى التي أشار إليها "ابن عبد العزيز" في خصوص "اللحية".. وفي رابط تدوينته المشار إليها لاحظوا لهجة السيد صاحب الفتوى.. والتي يستحيل أن نسمعها تقريباً إذا ما تعلق الأمر بمواضيع أخرى نحسبها هينة وهي عند الله عظيمة..

هل أصبح مفهوم الحلال والحرام عندنا -ونحن "الشعب المتدين" -هكذا؟ هل ذهبت التفرقة بين المال الحلال والمال الحرام إلى المتحف في الوقت الذي نتزاحم فيه على الذهاب إلى صلوات التراويح والتهجد؟
(1) ويحلو للبعض الاستدلال بأثر منسوب للصحابي الجليل "عمر بن الخطاب" الذي عاقب صاحب مزرعة لأنه لم يعطِ عاملاً فيه أجره فدفعه للسرقة.. وهو المبرر الجاهز لتبرير بعض أنواع السرقات.. أثر أشك وبقوة في صحته خاصةً وأن الصحابي الجليل "عمر بن الخطاب" تعرض لحملات تشويه وسباب لم يسلم منها بعد مرور قرون على استشهاده..وبالمناسبة لم يعجبني بالمرة تبرير "محمد جلال عبد القوي" لما فعله السيد "شرف فتح الباب" ووصفه إياه بأنه من "ضحايا" الخصخصة!
(2) الحديث نفسه محل تدوينة قادمة قريبة بإذن الله..