Showing posts with label رمضان 1431 هـ. Show all posts
Showing posts with label رمضان 1431 هـ. Show all posts

Tuesday, November 9, 2010

حاشية على كلام فارغ -جزء ثالث وأخير

14-لنتفق أنه كما تتنازع الأحزاب السياسية على كعكة السلطة ، وتتفنن في التنافس بكل الوسائل للفوز بأصوات الناخبين -هذا لو كنا بعد الشر في نظام ديمقراطي تعددي شفاف - بتقديم ما يمكن وصفه بـ"حلول عملية" لمشاكلهم الملحة ، تتنافس المذاهب على زعامة الدين واحتكار تمثيله دون غيرها بنفس الطريقة.. وفي مجتمع هذه هي نظرته للزواج ، المقصورة على الجنس وحفظ النوع ، فقط ، رغم محاولة الأديان كلها والإسلام بشكل خاص وصريح للرقي بها إلى ما هو أسمى وأعلى .. كان من الطبيعي أن تقفز مسائل الزواج والطلاق ، ومشاكل كارتفاع معدلات الطلاق والتأخير في سن الزواج المسمى هنا في بلادنا بـ"العنوسة" إلى ترتيب متقدم في قائمة أولويات تلك التيارات.. حتى على حساب مسائل خطيرة ومرعبة منها "الفقر" مثلاً..

15-يقول هؤلاء أن ارتفاع معدلات الطلاق و"العنوسة" سببه الرئيسي "الابتعاد عن منهج الله" .. صحيح .. ولكن لم يوضح لنا هؤلاء كيف .. هل في المظهر أم في المخبر.. في الاختيار .. في التربية .. في.. في .. ، فمنهج الله أوسع من مجرد مظهر أو تصور للدين ، الذي هو عقيدة وعبادات ومعاملات ، كما نعرف جميعاً.. ومشكلتنا أن من يقولون من خلال خطبهم وشرائطهم ومطبوعاتهم وفضائياتهم لا يعلموننا المنهج كله كما ينبغي .من المهم فعلاً أن نعرف موطن الخطأ أقله كي نتفادى كل تلك السلبيات ونسير أمور حياتنا بشكل إيجابي وسليم، هل وضح هؤلاء ، طالما افترضنا أنهم وضحوا سلبيات ، التصور الإيجابي لعلاقة زوجية ، بشكل قابل للفهم في زمننا الحالي ، فما جاء في الكتاب والسنة أسس عامة ومبادئ يحققها الإنسان في إطار مفردات ومتغيرات زمنه ، والاختلافات الضخمة بين المجتمعات في عهد السلف الصالح وبينها اليوم لا تخفى على أحد ، إلا على البعض الذي يشق على الناس فيحملهم ما لا يطيقون فيعنتهم..

15-ولأن الشيء بالشيء يذكر ، هل "العنوسة" مشكلة "دينية" رغم أن الزواج نصفه قدري كما أن نصفه اختيار.. بما أنه من أساسيات الإيمان هو الإيمان بالقضاء والقدر..وأن نفساً لن تموت حتى تستوفي رزقها وأجلها؟.. وبما أن كاتب هذه السطور من عامة الناس ويهمه أن يعرف ويفهم فإنني أسأل - سؤال استفهام وليس سؤال استنكار- هل في كتاب الله وسنة نبيه المصطفى (ص) ما يفيد بأن تأخر سن الزواج في ذاته مشكلة أو عقاب إلهي ينزله الله عز وجل فيمن يعصاه؟

17-وبما أننا نتحدث عن مسألة مبدأ ومعرفة صواب من خطأ .. هل درَّسَ لنا الإعلام الديني ، ولنكن صرحاء ، فقه الزواج سواء في الخطب والدروس "التي هي أساس قوي لتبصرة عامة الناس مثلي ومثلكم بأمور الدين" ، أو في الفضائيات التي بدأ البعض يتصورها بديلاً للمسجد ، فقه الزواج ، كاملاً غير منقوص، أقله لكي نعلم ، لأن من يعلم ليس كمن لا يعلم ، الذي يكون نهباَ لمن يقول أنه يعلم..

18-لاحظت ، وقد تحتمل ملاحظتي الخطأ ، أن كل التركيز فيما يوجه من خطاب ديني في مسألة الزواج ..الجانب الأول هو المسألة الاقتصادية ، والتي تعامل بتسطيح لافت للنظر.. أمر -عن نفسي- قبل ذهابي للعمل على لافتة ملصقة على محل في مدينتي عليها عنوان لذيذ آخر الشارع "هيا بنا نزوج الشباب".. والأمر لا يعدو مجرد حملة تبرعات من أهل الخير لتسهيل متطلبات الزواج بالنسبة للأسر الصغيرة "تحصيناً لأبنائها من الحرام".. ماشي .. حلو قوي..ألم يكن من الأفضل بالمرة أن تساعدوا هؤلاء بوظائف تساعدهم على إعالة بنات الناس ، بما أنه من القوامة بنص القرآن الكريم النفقة ، بدلاً من أن يجدوا أنفسهم مثقلين فجأة بأعباء مادية ضخمة تلقي بهم في قارعة الطريق في وجه الفقر اللعين -الذي استعاذ منه الرسول (ص) نفسه في دعاء شهير جداً نردده كثيراً- وفي هذه الحالة نكون قد أنقذنا "الشباب" من حرام لنوقع بهم في يد حرام آخر!

ويستمر التسطيح في الحديث عما يخص المهور أيضاً.. كما لو كانت المسألة اقتصادية صرفة ، بينما لم يمعن أولئك النظر في حقيقة أن هناك حالات انفصال تحدث ،وبالجملة ، بين عائلات متكافئة جداً في المستوى المادي ، بل وفي أوساط غنية اقتصادياً ، ولا تئن من الفقر الضنك الذي يعيش ما يقرب من نصف سكان البلد - طبقاً لإحصائيات- تحت خطه..

أما الجانب الثاني وهو جانب العلاقة الجنسية ، والتي يتكلم فيها كل من يمثل أي تيار في مصر ، مذهبي ديني ، عالماني ، يساري ، ماركسي ، ليبرالي ، حزبوطني ، تيارات دينية سياسية ..الخ.. وفقاً لتفاسيره.. ونسمع فيها ما يقتل من الضحك من شدة الغيظ .. فالمتمذهبون يتحدثون عادةً عن "العفة" وعن ما يحدثه "المجتمع الفاسد" من صور "إلهاب الغرائز" في الوقت الذي يصعب فيه اقتصادياً على الشاب أن "يعف نظره" ، وتحتل مفردات "غض البصر" و"الاحتشام" وغيرها أولويات في خطابهم.. وفي المقابل يرى المتطرفون على الجانب الآخر ، مثل السيد "حامد" أن مجتمعنا يعيش حالة من "الكبت" وأن الدين نفسه ، لا فهمنا له ، هو السبب الرئيسي لنصه على ترتيبات يرون هم أنها تعرقل "إشباع الغريزة الجنسية" في الوقت التي نراها كعامة ناس ترتيبات تضمن العلنية والعدالة والاستقرار و"السكن" - راجعوا الآية - وهي من أسس قيام مجتمع سليم وصحيح وسوي..

19-الدين نفسه يطرح الزواج بشكل سام، لا مسطح ولا حيواني ، لا اقتصادي نفعي مادي بحت ولا غرائزي ، مسألة قائمة على اختيار حقيقي ، ووعي وإحساس بالمسئولية ، وتقوى الله في الغير بعيداً عن الأنانية التي شابت سلوكنا كله في فترة ما بعد الحراك لتصل إلى التدين نفسه .. العيب ليس في الدين ، بل فينا إن علقنا العيب عليه .. كان الأمر ليختلف تماماً إذا ما تغير المجتمع نفسه ،عاداته وتقاليده ، بشكل يعلم الشباب أنفسهم حسن الاختيار ، وفهم الغير ، والإحساس بالمسئولية ، حينئذ لن نسمع عن احتقار ودونية ينظر بها مجتمع ما إلى امرأة طلقت (خرج بيوت) أو لم تنجب (أرض بور) أو ترمل عنها زوجها (بومة) أو تأخر بها السن قبل أن تتزوج (عانس).. أو إلى رجل لأسباب مشابهة..

20-العيب في التطبيق وليس في النظرية .. وتعييب النظرية نفسها حجة البليد .. حقيقة نعرفها .. لكن كما قال "نجيب محفوظ" : لكن آفة حارتنا النسيان..

Wednesday, September 15, 2010

حاشية على كلام فارغ - جزء ثاني

10-بعيداً عن نفاق الناشطات والناشطين سالفي الذكر ، ظهرت الحاجة للحنين إلى الجذور الريفية في ظل ما تعرضت له الحياة الاجتماعية في مصر كلها من تغيرات في أعقاب الثورة ثم النكسة ثم الانفتاح ثم الهجرة إلى دول النفط ونهاية بحرب الخليج الثانية 1991..تغيرات انعكست كثيراً على شكل الأسرة في مصر أفرزت ظواهر منها التفكك الأسري ، ارتفاع حالات الانفصال ، ظهور ظاهرة المرأة المعيلة سواء أكانت زوجة غاب عنها زوجها بفعل السفر أو الانفصال أو الفتاة التي تعيل أشقائها ، لما رأته شرائح كبيرة في مصر من استقرار نسبي في الحياة الريفية مقارنة بحياة مجتمعات المدن .. تلك الحاجة لم تظهر فقط لدى أجيال الآباء بل انتقلت إلى جيل الشباب المصري نفسه..و بالأخص من سكان المدن الكبرى في الأقاليم وسكان القاهرة ، جيل على حصول كثير من أفراده على قسط كبير من التعليم بدأ يعيش أزمة اجتماعية كبيرة بين قيم الريف الذي جاء آباؤهم منه ، والمدينة التي عاشوا وتربوا وتعلموا فيها.. تخبط عاشه آباؤهم من قبل ووصفه علماء الاجتماع بـ"التحضر الزائف".. فكرة العيش في مكان بثقافة مكان آخر..

انعكس هذا التغير على سلوك الآباء والأبناء ، الآباء الذين يزوِّجون ، والأبناء الذين يتزوجون.. وبالتالي في الضغط على الفتيات والشباب على حد سواء للزواج في أصغر سن ممكن ، كما كان يحدث على عهد الآباء والأجداد ، والتعامل مع غير المتزوجة ، وغير المتزوج على أنه كائن غير مكتمل الصلاحية*.. لينتقل هذا المنطق الغريب حتى إلى المثقفين من المجتمع .. وهنا تكمن الخطورة..

جملة اعتراضية: لم أقصد بالتأكيد الهجوم على الريف الذي ننحدر منه بطريقة أو بأخرى .. فقط أقول أن الوضع الذي كان سائداً في الريف في ذلك الوقت عكس واقعاً اقتصادياً واجتماعياً كان سائداً حتى منتصف القرن الماضي .. وتغير بالكامل .. وبالتالي من الخطأ فرضه على أهل الريف أو المدينة الآن تحت أي مسمى..

11-ما جعل من التأخر في سن الزواج "عنوسة" وبالتالي "أزمة" وبالتالي "مصيبة" صنفان من الناس..الأول مجموعة من الصحفيين الذين كانوا يلعقون أعتاب عدد كبير من المسئولين الفشلة والفاسدين في الثمانينيات والتسعينيات قبل أن يحطوا كالجراد على فضائيات النفط من عينة "إيه آر طين" ليقدموا تقارير وبرامج ينشرون فيها الغسيل "النظيف" للمجتمع المصري من أجل سليوة لذيذة لأبناء الطبقة المخملية في دول الخليج.. وبقوا على حالهم تلك حتى بعد أن تحول هؤلاء إلى المعارضة التي وجدوا معها سبوبة حلوة ولقمة طرية..

والصنف الثاني هم مجموعة من موظفي مراكز البحوث الحكومية ، تعليم عالي وثقافة "مش عالية" ، وتمسك بنظرة شديدة التخلف للمجتمع ككل وللمرأة بشكل خاص .. يطلقون نتائج "أبحاث" - الله أعلم اتعملت إزاي .. وأعلم باللي في ضميري- على وسائل الإعلام فيضخمها السادة الصحفيون ، فيتحول كل من تأخر في سن الزواج ، شاب أو فتاة ، إلى كائن معاق ومريض وأجرب ..

12-من النقاط الإحدى عشر سالفة الذكر يتضح أن الدين بريء من تلك المشكلة.. ومنظور الإسلام للزواج لا يحتاج إلى أبحاث مطولة أو إلى فذلكة.. لكن ما أدخل الدين للمسألة مجموعتان أخرتان من الناس.. الأولى هم صنف "مسلي ولذيذ" من المفكرين والصحفيين يعتبرون أن الدين هو سبب كل المشاكل في الحياة.. قد يغلف بعضهم عباراته تحت لائحة "تجديد الخطاب الديني" وربما "المطالبة بثورة جنسية" كما قال السيد "حامد" نفسه.. والمجموعة الثانية هم بالتأكيد الذين عادوا للظهور بعد غزو العراق في العالم الإسلامي كله.. رجال المذاهب..

13-لن تحتاج لمتابعة كثبة - من "عن كثب"- للفضائيات الدينية ، أو لمطبوعات السلفيين من أمثال مجلة "التوحيد" ، أو مثيلاتها لدى الصوفيين "الإسلام وطن" أو مجلتهم الرسمية "التصوف الإسلامي" ، أو حتى لبعض إعلام جماعات الإسلام السياسي -وإن لم يكن لإعلامهم تأثير في المجال الاجتماعي بالمرة- لتكتشف أن تسعين بالمائة على الأقل من اهتمامات الخطاب الإعلامي لهم ينحصر أولاً في "العنوسة" وتأخير سن الزواج ، وفي ارتفاع حالات الطلاق.. والذي يتفق هؤلاء ، على اختلافاتهم الحادة فيما بينهم ، على أنه جاء بسبب غياب المجتمع عن "منهج الله".. كلام جميل في ظاهره.. لكن ما يقولونه ، بمزيد من التحليل ، والرد عليه ، هو محور الجزء الثالث الذي قد يكون الأخير ..

بالمناسبة.. سأنشر هذه التدوينة ، والجزء الثالث تحت باب "رمضان 1431" لتحضيري إياهما أثناء الشهر ، ثم استكمالي لكتابتهما بعد رمضان.. كان لدي الكثير لكتابته أثناء رمضان ، ولكن قدر الله وما شاء فعل..

Thursday, August 26, 2010

حاشية على كلام فارغ- جزء أول

في رأسي عدة مواضيع كنت أود الكتابة عنها على مدى شهر رمضان الحالي .. لكن ما كتبه "حامد عبد الصمد" في "الساقع" ، والمستوى السيء الذي ظهر به مسلسل "عايزة أتجوز" مع كل احترامي لكاتبته.. وملاحظاتي الشخصية في المجتمع المحيط بكافة دوائره عجلت بكتابة هذه التدوينة ، وربما التي تليها بما أن الموضوع كبير حبتين..

1-أستغرب أولاً من العديد من الكتاب الذين لا يلاحظون مجتمعهم المحيط ، الذي يدعون أنهم يكتبون منه وإليه ، عندما قرأت "حامد عبد الصمد" شعرت أن مقاله سيتغير بالكامل لو أمعن الملاحظة في مجتمعاتنا تحديداً ، دون كتابة سلسلة الكوبي والبيست التي تم هرسها في عشرين ألف مقال سابق..

2-وما يعرفه كل الناس ، عدا "حامد" وآخرين ، أن الجنس يشغل جزءاً أكبر من اللازم من تفكير شرائح كبيرة منه بمن فيهم "شعب الله المختار" من المثقفين ذوي الاتجاهات الليبرالية ، راجع في كثير منه لطبيعة التحولات التي عاشها المجتمع المصري من مجتمع زراعي إلى صناعي إلى خدمي بامتياز.. فكروا في نسبة الجنس في اللغة المستخدمة في الحديث بين كل تلك الشرائح ، من المزاح إلى السباب ، ومن الجد إلى النكات ، وفي المناقشات العامة.. وبشكل لا أراه صحياً بالمرة..

3-يستغرب - في افتراضي- السيد "حامد" مما يسميه "الكبت" النابع من "ثقافة القبيلة" و "تقديس النص" .. والواقع الذي لا يريد أن يفهمه أنه ثمة وسيلة واحدة فقط لتفريغ "الطاقة الجنسية الزائدة" هي التي يرضاها الدين ، والقانون ، والمجتمع ، بطريقة تحقق أكبر كم متاح من العدالة لجميع أطراف العلاقة.. بعيداً عن الوسائل الثورية التي يطالب بالبحث عنها والتي ظهرت في فترات سابقة في ظروف مختلفة عما نحن عليه والتي تمثل إخلالاً وظلماً بحقوق كل الأطراف ، وخاصةً المرأة التي يدعي هو وآخرين أنهم متحدثون رسميون باسمها..

والأكثر إضحاكاً أن "حامد" - وآخرين-يرون أن هذا الكبت هو السبب المباشر في سلسلة طويلة من الانحرافات الجنسية ، دون أن يكلف الرجل نفسه بالسؤال عن وجود كبت في المجتمع الأمريكي الذي يحتل ترتيباً متقدماً جداً في قائمة الدول الأكثر "تحرشاً"!

4-ولا أعتقد أن لـ"حامد" ولا لغيره الجرأة عن الحديث بأن المجتمعات تمارس ضغوطاً كبيرة على الشرائح الموجودة في سن الزواج للزواج ، ضغوط كبيرة على الرجل والمرأة معاً ، وليس على المرأة فقط كما يعتقد بعض المقيمين في الغرف المكيفة.. لأن المجتمع - بتركيبته وما أصابه من تحولات - يجعل من الزواج- وهو الوسيلة الوحيدة المتاحة في مجتمعاتنا ومجتمعات أخرى لممارسة الجنس- شهادة صلاحية للرجل أو المرأة ، كما لو كنا نتحدث عن برطمانات صلصة وليس عن آدميين..

5-ولذلك قصة.. سأحاول في حدود جهدي ومعرفتي المتواضعين تفسيرهما.. ولك مطلق الحرية في أن تتفق أو تختلف مع ذلك التصور من عدمه..

6-لنرجع مائة عام فقط إلى الخلف ، وقت أن كان أغلب المجتمع المصري زراعياً صرفاً ، وكان من المنطقي أن تكون الأسر كبيرة في عددها إلى ما قد يصل عدده من الأبناء إلى فريق كرة قدم .. وعليه كان الأصل في الأشياء أن تتزوج الفتاة ، طبقاً لأعراف المجتمع الزراعي القبلي ، في سن صغيرة ، لأنه كلما صغر سن الفتاة كلما زادت فرصتها في إنجاب أكبر عدد ممكن من الأبناء ، وخاصةً الذكور ،لكوننهم الأجدى اقتصادياً للأسرة ، حيث يعمل هؤلاء مع الأب كأجراء في "عزبة الباشا" أو كفلاحين عاديين في ملكياتهم المحدودة -هذا إن كان الإقطاعيون قد تركوا شيئاً للفلاحين يملكونه في ذلك الوقت..وبالتالي كان معيار "جودة" الفتاة في تلك الفترة هو صغر سنها ، قدرتها على الإنجاب ، وقدرتها على إنجاب الذكور!

7-التغيير الحقيقي بدأ مع بدايات القرن الماضي ، ولا أعتقد أنه جاء -فقط- بسبب "قاسم أمين" و حركة "تحرير المرأة" بقدر ما جاء بسبب تغيرين اقتصاديين هامين..الأول هو بداية دخول التصنيع إلى مصر ، كقطاع "كثيف" العمالة ، وكان التصنيع وقتئذ مقترناً بالزراعة ، وبالقطن تحديداً ، سواء في المحالج الصغيرة ، أو في المصانع الكبرى كمصنع المحلة الذي أنشأه "طلعت حرب" ، واستوعب التصنيع مع الوقت عمالة من الرجال والنساء على السواء ، أما التغير الثاني فهو بداية نشوء وتطور النظام البيروقراطي في مصر ، وظهور الوزارات -التي كان اسمها "نظارات" بادئ الأمر- والتي استقطبت - مع الوقت - عمالة من الرجال والنساء على السواء أيضاً ، وفي كلتا الحالتين لم يكن الأمر يتطلب قسطاً كبيراً من التعليم ، إذ كان من السهل على الناس وقتئذ الحصول على وظيفة "ميري" مثلاً بـ"البكالوريا" بل وبالابتدائية..

8-في ضوء ذلك ، وفي ضوء ما نادت به حركة "تحرير المرأة" ثم الناشطات النسويات في فترتي ما قبل وما بعد الثورة -والتي لم ألغ دورها ولكني قلت أنه ليس المؤثر الوحيد- بدأ المجتمع يتقبل أن يرتفع سن الزواج للفتاة سواء الحد الأدنى المذكور في القانون أو الحد الأدنى المقبول مجتمعياً ، وبدأ يتقبل أيضاً فكرة أن يكون التعليم والعمل وسيلة لتحقيق الفتاة ذاتها ، وأن تستمر في التعليم والعمل حتى بعد الزواج والإنجاب ، خاصةً وأن الاقتصاد أتاح فرص عمل جيدة جداً للشبان والفتيات في سن الزواج سواء في القطاع الحكومي -بوجاهته وسمعته عند المصريين- أو في المصانع التي كانت مؤممة في معظمها بعد قوانين "يوليو الاشتراكية" ، بل واستمر ذلك القبول إلى فترات في الحقبة المباركية..مع ازدياد أهمية العمل بالنسبة للفتاة بعد التغيرات التي شهدتها أسر مصرية كثيرة ، والتي أسفرت أيضاً عن حاجة العديد *من السيدات للعمل لإعالة أسر بأكملها..

9-الغريب أنه من الناشطات ومن المفكرات والكاتبات اللواتي نظَّرنَ لـ"تمكين المرأة" من يصرخ ويبكي على ارتفاع سن الزواج بالنسبة للفتيات ، كما لو كنَّ يدنَّ أفكارهن التي قبلتها عقول كثيرة في المجتمع عن اقتناع وليس عن طريق "الزن ع الودان" وأيدها أمر واقع فرض نفسه على البلد بأكمله..

ما علاقة ما سبق بما قاله السيد "حامد" ونظريته العجيبة عن الكبت؟ وما علاقة ما سبق كله بالدين والتدين؟ أسئلة أحاول الإجابة عنها في الجزء القادم أو الأجزاء القادمة.. إن قدر الله لي كتابة..
*..حتى داخل الريف المصري نفسه ، الذي صارت فيه المرأة عضواً فاعلاً اقتصادياً في الأسرة بعد أن كانت عضواً خاملاً (نتيجة عدم مشاركتها في الزراعة بنفس الشكل المباشر الذي يشارك به الذكور) ، وكان ذلك يستغل وقتئذ بالمناسبة في "لهف" نصيب السيدات والفتيات من الميراث بالمخالفة للشريعة..