التطئيف والتطفيف : على خطى "جي-تي-إيه"!

Friday, July 3

أي مبادرة جادة مثل "مصارحة ومصالحة" ستجد نفسها أمام حائط سد ما دام تطئيف كل شيء منتشراً.. والحقيقة أن التطئيف يشبه من بعيد أنفلونزا الخنازير ، ما إن تظهر الحالة الأولى حتى تستمر العدوى ، وستظل تستمر ما دامت مناعة وطن بأكمله ضعيفة..

فكرت كثيراً قبل الكتابة عن قصة قرية "دير أبو حنس" .. ليس فقط بسبب ما قد يثيره الموضوع من توتر ، بل لأن كاتب هذه السطور يريد توصيل صورة مختلفة ووجهة نظر مغايرة لما سار إليه كثيرون من الناشطين والصحفيين.. مجرد وجه آخر للحقيقة .. الوجه الثقيل الظل بالتحديد..


قرأت القصة من أكثر من مصدر منها "الوفد"،و"اليوم السابع" ، وهالني في الموضوع شيئان .. الأول هو اللجوء المستمر والمزمن لـ"الحل الديني" .. وقد حذرت منه في وقت سابق وفي التدوينة قبل الماضية بالتحديد ، وما زلت عند تحذيري مما ذكرت في التدوينة المذكورة ومن تكراره بغض النظر عن ديانة من يقومون بذلك ، والثاني وهو الأكثر خطورة ما قرأته في مقالات منها مقال "محمد أبو الغار" في "المصري اليوم".. والذي لا يعكس فقط المنطق الغريب الذي حرك ما حدث هناك ، قدر ما يعكس تفكير النخبة التي صنعها المال السياسي في صراعها مع النظام بالإسهام في تدمير البلد بأكمله.. وهم الذين صدعونا طويلاً بأن مصر ليست حزباً ولا نظاماً فقط!

يقول الرجل لا فوض فوه بعبارات "شديدة الذكاء" :

هذه القرية الصغيرة بها دير قديم وتاريخى وسكانها بضعة آلاف من الأقباط، فجأة قرر مسؤول صغير أنه لا يصح أن تكون القرية معظم سكانها أقباط فقرر أن يضم إليها قرى مجاورة لتصبح الأغلبية مسلمة، ثم تم تغيير اسم القرية إلى وادى النعناع وهو الأمر الذى ينم عن غباء شديد وضعف فى الروح الوطنية التى تمزج المسلمين والأقباط..

بسيطة .. هناك من أشعل الأمور هناك فيأتي الكاتب في وجود الصحيفة التي تنشر مقاله لتوافقه مع خطها الفكري -المستقيم طحن- ليسكب جركناً من "أنظف" أنواع البنزين..

ويتواكب هذا الهراء مع ما قاله متطرفون بأن الغرض هو "محو الهوية القبطية للقرية"..

أهلاً!

في بلد عرف التعايش بين الأديان منذ قديم الأزل أصبحنا نتكلم الآن عن منطقتي ومنطقتك .. مناطق للمسلمين ومناطق للأقباط .. وقريباً سيستمر الفرز إلى منطقة للمستصوفين ومنطقة للحسانيين ومنطقة للشيعة .. والشيء مثله بالنسبة للمسيحيين .. كما لو كنا في الجزء الثاني من اللعبة الشهيرة "جي-تي-إيه" حيث تقسم المدينة إلى ثلاث مناطق نفوذ للعصابات المكسيكية واليابانية والأمريكية ، ويا ويله ويا سواد ليله من ينتقل من هذا المكان إلى الآخر.. وجوني زوو ما يعرفش أبوه!*

ثم نتكلم بعد ذلك عن التعايش والمصارحة والمصالحة والوحدة الوطنية!

أي وحدة وطنية تلك التي تغلق فيها كل مجموعة تعتنق ديناً أو مذهباً على نفسها بهذا الشكل؟ كيف تتعايش مع جارك وأنت تغلق كل الأبواب و"تسكر"-مع الاعتذار للشوام- كل الشبابيك والمنافذ؟ أليس الوطن الذي يلوك الجميع به لسانه هو مجموعنا جميعاً؟ وأي تسامح يتحدث عنه الكاتب الفاضل ويعظنا فيه الذي يتحدث بهذا التشنج عن توزيع السكان في قرى أو حتى مدينة؟

هذه الانعزالية موجودة ، وقاومها مثقفون مصريون مسلمون ومسيحيون على السواء ، لكنها تصطدم بواقع يكتسي ببصمات الجميع .. تذكروا أن أحداث الاحتقان الطائفي عموماً تحدث في الأماكن الأكثر فقراً ، فما بالكم بالصعيد غير السعيد ، الذي هو عن عين الحكومة والمنقذ الكرتوني "المال السياسي" ووسائل الإعلام ورجال الأعمال جد بعيد ، وحيث يتواجد الفقر وانخفاض مستوى التعليم في أي مكان يسهل على أي تطرف أياً كان اتجاهه وأياً كان دينه أن "يلعب".. يقمقم الناس في أماكنهم ، ثم يولد لديهم الرعب من كل من حولهم ويشعرهم بالاضطهاد ، ثم يصور لهم نفسه وكأنه مبعوث العناية الإلهية لإنقاذهم بحيثيته الدينية ونفوذه وقدرته على استخدام الصوت العالي ، رافعاً الشعار المقزز الذي رفعته سينما ما بعد الحراك "ومن النهاردة مفيش حكومة.. أنا الحكومة" (للحصول على المعنى الأدق ضع كلمة "دولة" بدلاً من "حكومة") ،و-بالمرة- ليضمن وجود غاضبين تحت سيطرته ويعتنقون فكره ، تمهيداً لتحريكهم من أجل الوصول إلى هدفه المنشود.. هكذا كان السيناريو إبان انتشار التطرف الديني في منتصف الثمانينات وحقبة الجماعات ، وها هو ذا يتكرر مع أشخاص آخرين في مكان آخر.. ولا أحد طبعاً يتعظ .. وفي مقدمتهم المحسوبون على المثقفين كمالة عدد..

صحة القرار أو خطئه كان يمكن مناقشتها والتدخل فيها بعيداً عن التلاعب بالدين .. لكن يبدو أنه وكما يحدث في كل مرة .. يصل الجميع بعد الهنا بعشر سنوات.. ويعلم الله وحده باقي الأشياء التي تأخرنا عليها..


ذو صلة: تحقيق أجراه صحفي "البديل" "أحمد الفخراني" .. وبه الكثير من النقاط التي تستحق الرد ، وأخرى تستحق التأمل .. دون أن ننسى التأثير "البديلي" في الصياغة!
*يعرفه جيداً جداً من لعب هذه اللعبة!

عركة أولاد خامنئي!

Saturday, June 20

شاهدت اليوم صورة لما يمكن أن يكون عليه الوضع إذا ما قفز المذهب إلى السلطة ، وإن كان يصعب تشبيه الصورة الإيرانية - بيني وبينكم - بأي صورة أخرى!
0-إيران هي إحدى ثلاث دول دينية بمعنى الكلمة في عالم اليوم ، لا يمارس فيها رجال الدين السياسة فحسب ، بل يحركون كل خيوط وعرائس اللعبة تقريباً .. هذه حقيقة يتفق فيها معي أكثر مؤيدي ومعارضي النظام الطهراني على السواء.. والفرق الوحيد بين المؤسسة الدينية المسيطرة على السلطة في إيران ، والمؤسسة العسكرية المسيطرة على السلطة في تركيا (النقيض المنطقي لإيران) ، هي أن تلك الأخيرة تترك لرئيس الحكومة بعض حرية الحركة في المسائل الداخلية والاقتصادية في حدود معينة لا يتخطاها ، وإن تخطاها فالباقي معروف ، أما الأمور أبسط بكثير في إيران التي لا يُترك فيها أي شيء عادةً لرئيس الحكومة ولا لرئيس الدولة ، أياً ما بدا لنا من كاريزما "نجاد" أو "إصلاحية" "خاتمي" و "موسوي"..

1-قبل أيام دارت انتخابات رئاسية عنيفة في إيران بين "أحمدي نجاد" المدعوم فعلياً من قبل المؤسسة الدينية المسيطرة على السلطة في إيران ، وبين "مير حسين موسوي" السياسي المخضرم والمدعوم من "آية الله الخميني" شخصياً والذي تولى رئاسة الوزراء حتى تم "إلغاء المنصب" في عام 1989.. ووسط أحداث مثيرة للجدل تقدم "نجاد" على "موسوي" الذي احتج على النتائج ونزل أتباعه إلى الشارع ووقعت مصادمات دامية وصفتها صحف في المنطقة بأنها ثورة على الثورة ، وهذا كلام فارغ..

2-فالكل هم أبناء ما يسمى بـ"الثورة الإسلامية" التي قادها "الخميني" قبل ثلاثة عقود ، أبناء نفس المدرسة التي يُعَدّ"علي خامنئي" المتحدث الرسمي باسمها ، والذي خطب -الجمعة- وسط حشد غفير بينهم "نجاد" نفسه .. وبالتالي يصعب الحديث عن أي تغيير أو ثورة على الثورة في إيران ، ولو أن شخصاً ما ترشح للرئاسة مطالباً بتغيير المفاهيم عن علاقة الدولة بالدين فسيحدث له ما حدث لـ"سرحان عبد البصير" في الأتوبيس في "شاهد ما شافش حاجة"!

3-ويستشعر من شاهد خطبة "خامنئي" التي جاءت بعد تلك الأحداث بكثير بأن من نزلوا إلى الشوارع ومن قامت الدنيا ولم تقعد عليهم أقلية قليلة جداً وسط "الجماهير الغفيرة" -مع الاعتذار لـ"جلال أمين" - التي يحركها "خامنئي"- أو من في منصبه - بعبارة حماسية فيهتفون ، أو بحديث ذو شجون عن "آية الله" فيبكون ، ووسط نفوذه الديني الكبير عليهم يمكنه أن يقنعهم بأي شيء ، بأي أي شيء مهماً كان غريب الشكل..

4-نحُّوا جانباً فكرة تحيزه الشديد لـ"أحمدي نجاد" ، أغرب فقرات الخطاب كانت عن رفض "خامنئي" لفكرة الاستماع لصوت الشارع أو التحاور مع بعض أطيافه قائلاً "إن البعض يتوهم أن الاحتجاجات الشعبية ستكون قوة ضغط على النظام وهذا تمهيد للدكتاتورية".. وهذا الكلام جميل إذا ما قيل في أي دولة في العالم غير إيران ، التي قامت فيها أشهر ثورة شارع في النصف الثاني من القرن العشرين ، ولولاها لما وقف في هذا المكان يخطب في تلك الآلاف المؤلفة من البشر..
5-ثورة إيران إذن ثورة شارع وليست ثورة شعبية ، في الثورات الشعبية يدفع الناس بشخص ما أو مجموعة ما إلى السلطة (كما حدث في مصر سنة 1805 بشكل غير مباشر) ، ثم يصر الشعب (أو ممثلوه في حالة "محمد علي") على مراقبة أداء من أوصلوه إلى السلطة (وهو ما رفضه طبعاً "محمد علي") ، أما في ثورات الشارع التي يهلل لها البعض عندنا فالأمر يختلف ، مجموعة معينة تقود الجماهير وتحركها إلى أي اتجاه تشاء ، دون سؤال أو مسائلة أو رقابة.. حتى لو انقلبت تلك المجموعة على المبادئ التي لطالما تغنت بها ، بل وحتى لو قالت للشارع أنك كنت ضحية مقلب للكاميرا الخفية.. ولن يغضب الشارع الذي اختارهم ليس بمحض إرادته بين بدائل مختلفة ، ولكن اختارهم لسببين ، السبب الديني المذهبي الذي من الممكن أن يختار من أجله أشخاص آخرين البديل الصوفي أو السلفي في بلاد أخرى ، والسبب الثاني ببساطة هو أن ديكتاتورية الشلة ، أو أي نوع من الديكتاتورية ، تؤمن نوعاً من النظام الصارم الذي يشكل لدى شرائح مهمشة وفقيرة وبسيطة في نصيبها من التعليم نوعاً من أنواع الأمان.. ولو على طريقة البنج الموضعي (الذي جربته في مسائل الأسنان وفشل فشلاً ساحقاً)..

6-وبالتالي فإن وجود أي شكل من أشكال الانتخابات في هذه الدولة مضيعة للوقت ، كأنك تتحدث عن كرتين في الملعب في مباراة لكرة القدم القائمة على تنافس فريقين على كرة واحدة فقط .. من تدعمه المؤسسة هو الفائز ، ولا يستطيع أي مرشح من خارج الدائرة التي تحظى بـ"قبول" -وليس بالضرورة "رضا" -المؤسسة الدينية السياسية اللعب في الحديقة السياسية أو المطالبة بمنصب عن طريق الانتخابات.. كل المرشحين في الأول والأخير هم أبناء "الخوميني" ومن بعده "خامنئي" ، ومع الاعتذار لـ"حسن نصر الله" : خلي القوس مفتوح..

بعض معارضي النموذج الإيراني مذهبياً وفكرياً يتمنون في قرارة أنفسهم - كما أشعر عن نفسي - بأن يكونوا مكان "خامنئي" وبأن تهتف لهم الجموع بنفس الشراسة وأن يتفاعلون معهم لدرجة الإجهاش بالبكاء ، نعم يتمنى هؤلاء ذلك سواء أكانوا من دولا أو دوكهمة ، بل وحتى من يقولون أنهم من أنصار الدولة المدنية ، حد يلاقي دلع وما يتدلعش؟..إذا كان "الخميني" نفسه عمل على مدى أربعة عشر عاماً لتوصيل "زعامته" الدينية للإيرانيين حتى صارت تجري في العروق مجرى الدم ، فربما من كان يستهويه "النموذج" على استعداد لأن يصبر نفس صبره حتى يحقق نفس النتيجة ولو ذهبنا وذهبت بلادنا في ستين ألف داهية..
مؤيدو النموذج الإيراني في مصر -منهم يساريون وأتاتورك وناصريون..متستغربوش- حكايتهم حكاية ، وروايتهم رواية -مع الاعتذار لـ"منير" ، فهم الذين يجعجعون برفض أي نظام سياسي على أساس ديني أو مذهبي ، بينما يؤيدون نظاماً على الطريقة الإيرانية ، وليس لديهم مانع من مشاركة رجال الدين في السياسة بمن فيهم السلفيين الحسانيين أو المستصوفين ، كما صدعونا بضرورة خروج الناس إلى الشوارع للمطالبة بالحرية ، وإذا هم صامتون تجاه ما يحدث للمتظاهرين المطالبين بأن يرأسهم شخص آخر لا يقل "صقورية" عن "أحمدي نجاد"..

قد تحتمل رؤيتي الخطأ قبل الصواب ، لكن ما يحدث في إيران كما أراه ليس دليل ديمقراطية ، وليس دليل حراك سياسي (يعني فشنك هناك زي ما هو فشنك هنا).. إنه مجرد "عركة" بالتعبير السكندري ، بما أن "مصارين البطن بتتعارك".. في نفس شدة عراك آخرين على القيام بدور "خامنئي" على طريقتهم الخاصة وبالمسميات التي يرضونها ، والله عز وجل أعلى وأعلم..

ذو صلة: تقرير عن خطاب خامنئي من "الجزيرة" ، وأبرز عباراته من "العربية".. ورد "موسوي" عليه.. وكيف رأى الكاتب "عمار علي حسن" الصورة نقلاً عن "العربية" عن "الاتحاد" الإماراتية..كما كتب زميلنا "أحمد شقير" في الموضوع..
* مهدى إلى العزيزين "د.أسامة القفاش" و "محمد عادل" صاحب مقال رائع كتبه قبل أشهر عن "مدافع آية الله" كتاب "حسنين هيكل" كما رآه..

Posted by قلم جاف at 1:46 PM 8 comments  

"قداسة" الاجتهاد؟

Thursday, June 11

فضلت العودة بعد غياب طويل بمجرد خاطرة آمل أن أنجح في توصيل وجهة نظري فيها..

لن أتكلم هنا عن المشروع المقترح بقانون نقل الأعضاء في حد ذاته ، ولن أتكلم عمن يطالبوننا بالتبعية الفقهية الكاملة والتامة والغير مشروطة لأن الدخول في حوارات مع هؤلاء وفي هؤلاء أمر رافع للضغط ، وهو آخر ما أريده بعد فترة ارتفع فيها ضغطي على المستوى الشخصي بما يكفي .. فقط أتطرق لنقطة أثيرت في نقاش حول هذا الصنف : "لماذا لا نأخذ برأي أي عالم أو أي دولة اجتهدت في مسألة ما؟ طالما الدولة الفلانية قالت Yes وهي أكثر تشدداً منا لماذا نقول No?"..

سؤال طبيعي بما أن الاجتهاد - الحقيقي - سيء السمعة في بلادنا ، خاصةً في وجود من جعلوا الاجتهاد باجتهاداتهم سيء السمعة.. وفي غياب قامات تتخطى حد "المحدث" إلى حد "الفقيه المجتهد".. مثل الشيخ " محمد الغزالي" رحمه الله..وبالتالي يبدو ما يثار حول الاجتهاد في مجالسنا العامة وعلى صفحات الجرائد ومواقع الإنترنت أشبه بنقاش عن كيفية ضخ الفحم الحجري في ماكينة تعمل بالبنزين!

الاجتهاد مصدر من مصادر التشريع له ترتيبه ، يأتي في مستجد لا نص فيه ، ولكنه قد يمس جانباً فقهياً فيه نص سواء في الأحكام (ما يثار عن علاقة فوائد البنوك بالربا مثلاً ، ولن أناقشه هنا) أو مقاصد التشريع العامة سواء العدالة أو سلامة النفس والمال والعرض ..

وطالما نتحدث عن أمر مستجد تفرضه حاجة (وليس لمجرد العبث الفكري) ، أي أمر لم يكن له وجود في فترة سابقة وسيأتي وقت لن يكون له فيه وجود ، فالاجتهاد في المتغير متغير ، من مكان لمكان ومن زمان لزمان ، طبقاً لاختلاف الزمان والمكان ، ما يترتب عليه نفع أو ضر في بلد قد لا يترتب عليه نفس الشيء في بلد آخر.. لكل مجتمع ظروفه وخريطة المصلحة العامة فيه التي تختلف عن أي مجتمع آخر.. وطبقاً لطبيعة المستجد .. فالمخدرات التي اجتهد العلماء في تحريمها حرمت على أساس أن "كل مسكر حرام" .. وأن المخدرات مواد لها تأثير مسكر ، ولو لم يكن في المخدرات التي لم تظهر بشكلها المتعارف عليه وقت نزول الوحي الخاصية الخواص المسكرة المخدرة المدمرة للصحة بكل حزمة المفاسد المترتبة عليه لما حرمت.. وبالتالي - فرض جدل - سيبقى الاجتهاد بحرمة المخدرات قائماً ما دامت المخدرات على ما هي عليه..

ليس للاجتهاد قداسة ، فقد تم الدين بنص القرآن الكريم ("اليوم أتممت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا" المائدة : 3)- وهي من أواخر ما أنزل من القرآن الكريم- وعليه انتهت مرحلة "التشريع" وبدأت مرحلة "الاجتهاد" في مواجهة المستجدات ، أضف إلى ذلك أن الاجتهاد مجرد رأي ، قد "يصيب" و قد "يخطئ" بنص الحديث ، أي أنه نسبي يحتمل الصحة والخطأ من شخص لشخص ومن بلد لبلد ومن زمن لآخر..

وعليه ، من الممكن أن يجتهد الشيوخ السعوديون - مثلاً - في أمر ما يرونه صائباً بفتوى معينة فيما يخص ظروف المجتمع السعودي ، فاجتهاد هؤلاء قد يحتمل -أصلاً- الصحة والخطأ ، وقد يكون له محله هناك ولكن ليس له محل هنا في مصر .. فالدين واحد (الخمر حرام في أي مكان) ولكن الدنيا مختلفة.. وعليه فقبل الأخذ بأي اجتهاد يأتي أولاً وبشكل حتمي عرضه أولاً على ظروف البلد وخريطة المصلحة العامة فيه (لا ننسَ أن درء الضرر مقدم على جلب المنفعة - مبدأ فقهي إسلامي) .. وليس "شغل الكوبي والبيست" الذي نسمعه هذه الأيام..

ألتمس وبشدة العذر لمن يرى بإلزامية الاجتهاد بشكل عام ، فنحن تربينا جميعاً على مفاهيم عن "وحدة الأمة" ما أنزل الله بها من سلطان ، تختزل وحدة المسلمين في وحدة الهلال ووحدة الفتوى فقط ، وعليه يبدو الاجتهاد الذي تحول إلى فتوى كقرار وزاري يجب تنفيذه حتماً في جميع المصالح التابعة للوزارة ، وهذا ليس صحيحاً على الإطلاق ، والأنكى أنه وصل في زماننا الخلط بين الديني الصرف والدنيوي الصرف والديني الدنيوي إلى أسوأ مستوياته ، وعليه فلنشرب فوضى اجتهادات وفتاوى من هنا لـ"بكرة الصمح" ، وأصبح لدينا بعض المتحدثين في الدين والدعاة وشيوخ الفضائيات وحتى من يزعمون أنهم مفكرون إسلاميون -من عينة صاحبنا "المفكر الإسلامي" إياه المتواضع على طريقة "سعد الدالي" - بدورهم يرون أن الاجتهاد مثل قرارات حكام كرة القدم ، لا نقض ولا استئناف ، وهذا أيضاً ليس صحيحاً على الإطلاق..

نعيب زماننا ، والعيب فيه ، وفينا ، وفي المجتهدين معاً..والله أعلى وأعلم..

Posted by قلم جاف at 7:26 AM 1 comments  

أنفلونزا الخنازير :التطئيف والتطفيف

Friday, May 8

0-اسمحوا لي بأن أدلي بوجهة نظر أخرى مغايرة تماماً لما كتب فيه زملاء وأصدقاء فيما يخص موضوع أنفلونزا الخنازير .. فمع احترامي لكل ما كتب إلا أن هناك جوانب أراها الأخطر يتم إغفالها وتخطيها عن عمد.. وجاء الوقت لنتحدث عنها وفي صميمها وبصراحة شديدة..وكلها تدور حول نقطة واحدة .. كيف تستخدم مجموعات المصالح الدين في مواجهاتها مع السلطة والمجتمع المدني..

1-من "هنا" نبدأ..

أعرف أن "عرب تايمز" ليست مصدراً ذا ثقة عالية لدى الكثيرين ، وأن هناك الكثيرين منا وأنا منهم لهم تحفظات على لغة التقرير ، ولكن هذا يضعنا أمام الحقيقة التي يتعمد البعض إغفالها.. وهي أننا عندما نتحدث عن جامعي القمامة فإننا نتحدث عن مجموعة ضغط ، شأنها في ذلك شأن أي نقابة مهنية لأعضائها مصالح وتدافع عنهم ، تصادف أن يكون من ضمن هذه المجموعة ، أو من ذوي النفوذ القوي داخل المجموعة مسيحيون ، كما تصادف أن يكون بين كبار رجال الأعمال المصريين حجماً وتأثيراً مسيحيون ، وهذا شيء جيد في ذاته لأنه يعكس رغبة حقيقية من المسيحيين المصريين في المشاركة في الحياة العامة في مجتمعهم ، ولأنه يعكس أن المناخ في مصر لا تزال به مساحة للنجاح لأي شخص يعمل أياً كان المعتقد أو الديانة التي يؤمن به(ـا).. ولكن ما أرفضه أن يقوم أي شخص ، أو أي شلة ، أو أي مجموعة ، أياً كان دينه أو دينها ، بأن يتحرك داخل المجتمع ويحقق مكاسب عن طريق الدين أو المذهب أو الطائفة..

وما حدث هو وصف حرفي له..

2-أول جزء في اللعبة هي أن تضع علامة يساوي كبيرة بين مصالح التكتل الذي تسيطر عليه والدين ، فهم اعتبروا ، أو أوعزوا لمقربين لهم في الخارج أن ذبح الخنازير هو بمثابة "عدوان على المسيحيين في مصر" .. رغم أنهم يشكلون نسبة ضئيلة منهم ..وبنفس المنطق يعتبر الحسانيون مثلاً أي دورية لشرطة المصنفات على محل لبيع شرائطهم "مؤامرة على الإسلام".. والغريب جداً أنهم -رجال تحالف القمامة- هم من وقفوا بقوة ضد كل محاولات وزراء البيئة السابقين وفي مقدمتهم "منى مكرم عبيد"- المنحدرة من واحدة من أشهر الأسر المسيحية ذات التاريخ الوطني- لإعادة تدوير القمامة بشكل علمي..

فرجال التحالف يتمسكون بصيغة All-or-Nothing في مواجهتهم مع النظام.. الأرض والموقع والقمامة والخنازير معاً دون تنازل عن أي منها، وأي حل وسط مثل نقل المزارع إلى خارج الكتلة السكنية سيقابل بالرفض ، أو يقبل اليوم ثم يرفض عند الدخول في الجد ،وهي الموضة السائدة في التفاوض مع الحكومة حالياً..

ولأننا في زمن "رامي الاعتصامي" فإن أي مجموعة لا ترى سوى مصالحها فقط ، بغض النظر عن مصالح "الأغيار"- باقي المجتمع - كما الحال بالنسبة لسائقي اللواري عندما أضربوا (يتحرق اللي بيموت ع الطريق) ، والصيادلة في إضرابهم الأول* (يتحرق اللي عايز دوا) .. وهو ما ينطبق حرفياً على حالة جامعي القمامة المتمسكين بمزارع الخنازير بمواقعها وبشروطهم .. أياً كان الضرر الصحي المتوقع -بل شبه المؤكد- من تلك المزارع على العاملين فيها وساكني المناطق المحيطة.. منطق أناني لا يتسم مع التسامح الذي تنادي به الأديان .. لكن ما الحاجة لكل لاعب بالدين سوى أن يأخذ من الدين الجانب الذي يريد؟ الجانب العاطفي الذي يؤجج المشاعر ويشعل الإضرابات ويوقد نيران الفتنة والكراهية..

3-وللإمعان في جعل المسألة دينية أكثر ، يجب إلقاء الكرة في ملعب أتباع الدين الآخر، فبدأت المطالبات بجعل خطب الجمعة عشر دقائق (كان هناك كتاب دوري لوزارة الأوقاف أوصى بذلك منذ سنوات.. ما الفرق؟) ..وأداء صلاة الجمعة في العراء (فين العراء دة؟) ..أو تأجيل الحج والعمرة باعتبار أنها قد تكون فرصة لانتقال العدوى بأنفلونزا الخنازير (متناسين أنه لو استفحل الأمر فسيتم إغلاق كل حدود المحافظات وليس البلاد ولو قبل موسم الحج.. بل قد يصل الأمر إلى حظر التجول)..

4-أثار استغرابي أن يكون المسئول عن تجمع جامعي القمامة رجل دين من حيث المبدأ.. صحيح أن جمع القمامة عمل شريف ..لكن يبقى الاتحاد أو التجمع كما سبق التبيان جماعة ضغط يفترض من رئيسها العمل على حماية مصالحها .. ولأننا في عالم لا تسكنه الملائكة فمن الوارد جداً على المستوى النظري أن يحمي رئيس التجمع مصالح أعضائه مستخدماً سلطته الدينية ،كما يستغل العديدون مثلاً من حملة الرتب العسكرية - ولو كانوا على التقاعد - صفتهم في أعمالهم المدنية في الحكم المحلي والأندية والاتحادات الرياضية..

إن نجح تجمع جامعي القمامة في مسعاهم فسيتحول الموضوع إلى موضة،وسيصبح النافذون من ذوي الصلة بالتنظيمات السلفية أو الصوفية مطلوبين للعمل داخل النقابات والاتحادات العمالية ، كسباً للدين كورقة للتفاوض.. ولإحداث أعلى كمية ممكنة من الضجيج عندما يتطلب "الأمر" ذلك.. وبذلك فسيكون عندنا "بش" و "تس".. إتجار بالدين لتسويق السياسات يقابله إتجار بالدين لمقاومتها.. شفتوا بقينا شعب متدين إزاي؟ :(

هنا أثمن وبشدة الموقف الرسمي للكنيسة المصرية الذي أغلق الباب في وجه هذه اللعبة ، التي إن نجحت فسنكون على أعتاب مونديال للاتجار الديني ، في ظل استغلال الدين- أكرر :أي دين - لحماية مصالح ضيقة بالتطئيف والتطفيف..
*وقد عدلوا عن ذلك بعد الإضراب الأول حيث حددوا- بعد أن لمسوا غضب الشارع - صيدليات معينة تفتح أثناء الإضراب ، وكذلك فعل الأطباء عندما قرروا جعل إضرابهم قاصراً على العيادات الخاصة..

"لزوم" الدلع

Friday, April 17

لم أعتد -إلا مرة واحدة في المدونة الشقيقة "الصحافة فين التعليم أهه" - منذ بدايتي في التدوين أن أقطع سلسلة من التدوينات المجزأة.. لكن هذه المرة الأمر غريب وغير مفهوم ..

خبران أضعهما بجانب بعضهما وكل منهما أغرب من الآخر ..

الأول.. فضيلة مفتي الديار المصرية يدلي بتصريح نشرته "الدستور" و "اليوم الساقع" مفاده فيه والكلام بنص الموقعين أن الإسلام "دلع المرأة" ، وفي صياغتي "الدستور" وموقع جريدة "الدار" "دلع المرأة زيادة عن اللزوم"!

والثاني .. أن دار الإفتاء المصرية - والتي يرأسها فضيلة مفتي الديار المصرية صاحب التصريح في الفقرة السابقة - أباحت زواج المسيار -الشائع في عدد من دول الخليج.. رغم "نفي" دار الإفتاء للكلام في اليوم التالي بحسب جريدة "البشاير" الإلكترونية..

يرى المفتي أن الإسلام قد "دلَّع" المرأة بشكل زائد عن اللزوم ، دون أن يعرف لنا بطبيعة الحال هذا "اللزوم" وهل من هذا "الدلع" إباحة زواج يضرب بحقوق المرأة التي شرعها الإسلام نفسه عرض الحائط ، حتى ولو كان ذلك بشكل "اتفاقي"-باتفاق الطرفين يعني- ولا أصل له في الكتاب ولا السنة ، ولا علاقة له بالمقاصد التي شرع الله من أجلها الزواج ، السكن والمودة والرحمة.. بل إنه اختزل الزواج كله في شيء واحد فقط .. يناسب أزهى عصور السكسوقراطية التي نعيشها حالياً..

عن نفسي أميل جداً لما قاله الدكتور إبراهيم فاضل الديو في المسألة : "وإذا قيل بأن زواج المسيار عقد استكمل أركانه وشروطه فلماذا يحرم؟ فإنه يجاب على ذلك بأن نكاح المحلل والمحلل له قد استكمل العقد فيه أركانه وشروطه أيضاً، إلا أن الفقهاء أفتوا بحرمته سدا للذرائع، وسد الذريعة أصل من أصول الشريعة قال به كثير من الفقهاء"..

ومع احترامي لفكرة أن لـ"ولي الأمر" فكرة حظر الشيء المباح منعاً للمفسدة .. فإن استخدام تلك الفكرة في الفتوى المشار إليها هو أمر "مضحك" و "غريب" و "يستعصي على الفهم".. "هو صح دينياً بس ولي الأمر منعه لأن فيه مفسدة"؟

الإسلام لم "يدلع" المرأة أكثر من اللازم ، والإسلام لا "يدلع" أحداً أو فئة .. هو فقط يعطيها حقوقها كما يعطي لكل فئة حقوقها، ولو تواجدت شبهة مجاملة لحساب فئة ما فإنها ستأتي حتماً على حساب الأخرى وهو ما يتصادم مع واحد من أهم مقاصده ..وكان على فضيلة المفتي العالم الجليل أن يكون أكثر "حذراً" و "دقة" في استخدام مصطلحاته خاصةً في ظل وجود ميديا تتصيد أي خطأ أو زلة لسان.. فلا مكانته العلمية ولا منصبه يسمحان بنوعية معينة من زلات اللسان ستمطر آثارها السيئة فوق رءوس الكل كليلة..

في المسألة البهائية - جزء أول

Thursday, April 16

0-السطور القادمة قد تكون صادمة ، لكنها تبقى مجرد محاولة أكثر لفهم قصة "الأقليات الدينية والمذهبية" في بلادنا .. مجرد محاولة قد تخرج منها برد فعل عنيف تجاه شخصي المتواضع ، وقد تخرج منها ببعض الأسئلة المشروعة..

1-أولاً.. يبقى ما حدث في "الشورانية" مرفوضاً بكل المقاييس ، ولا طائل من المزايدة على رفض شيء هو بالأصل مرفوض ، ويبقى البهائيون أقلية بالمقياس العددي والتأثيري داخل المجتمع المصري (مجموع تعدادهم على مستوى العالم ستة ملايين ، مجموع تعداد المسلمين في القاهرة أكثر من ستة ملايين).. وأرفض التفسيرات "الذكية" التي ستخرج طبعاً لتقول أنني أبرر ما حدث للبهائيين بكونهم أقلية..

ولكن..

2-ولكن دعونا لا ننسى مجموعة أخرى من الحقائق .. أولاها أن الأقليات الدينية والمذهبية عادةً ما يتم استغلالها أو توريطها في صفقات من قبل بعض الدول للضغط على بعض الأنظمة والحكومات .. كما تفعل أمريكا وإيران معنا في ملفات البهائيين والشيعة على الترتيب ، وكما تفعل أمريكا والغرب مع الصين في حالة سكان إقليم التبت (والذي لا يخلُ صراعهم مع حكومة بيجينج من بعد ديني).. وثانيها أن الأمر ينطبق أيضاً على الداخل حيث يلعب النظام والمعارضة بورقة الأقليات كل للضغط على المعسكر المضاد .. وإحراجه أمام الخارج الذي "يبتزه" بتلك الورقة.. وهو ما أرى أنه حدث حرفياً في حالة البهائيين..

فالمال السياسي في صراعه مع الحزبوطني قام باللعب بورقة البهائيين ، الذين كانت لهم مشكلة - بل مشاكل- مع النظم المصرية المتلاحقة ، ولما رأى معسكر المال السياسي نفسه متكافئاً في القوة مع الحزبوطني ، وشجعته الثقة على إحراج الحزب الحاكم قام باللعب بورقة البهائيين عن طريق الإعلام ، سواء عن طريق الصحف -"صوت الأمة" وأخواتها- أو الفضائيات "دريم".. ولم يكن السيد "وائل الإبراشي" سوى مجرد أداة- ومنذ متى كان غير ذلك- ساعدته على أداء دوره طبيعة بعض القيادات البهائية التي ظهرت.. ولكي يكون الشو محبوكاً و "حراقاً" أتيحت لتلك الشخصيات الظهور على شاشة الفضائيات وهي الأوسع انتشاراً من كافة وسائل الميديا الأخرى..

3-حقيقة ثانية.. تصرفات قادة أي مجموعة تعكس بنسبة ما اختيارات المجموعة نفسها ، ولا يوجد أكثر من الأمثلة في العالم العربي الذي يعج بأقليات دينية ومذهبية في كل دولة تقريباً.. وهذا يقودنا إلى حقيقة خامسة .. وهي أن لكل أقلية خيار من اثنين.. إما المجموعة .. وإما الاستقواء بالخارج للضغط على النظام لنيل مكاسب ما ..

خيار المجموعة هو الأصعب ، وهو الأصح .. وكان يتطلب من قيادات الأقلية البهائية وأفرادها بذل بعض الجهد .. وإن كان هذا الجهد سيكون مضاعفاً بحكم المشاكل بين "البهائية" والأديان السماوية الثلاث وهو أمر "يصعب" تخطيه -هم مؤمنون بديانتهم ونحن مؤمنون بديننا ولن يستطيع أحدنا إقناع الآخر بتغيير دينه- وبحكم سوء حظ البهائيين الذين اصطدموا بالنظام منذ العهد الناصري حين أغلقت محافلهم ، ثم شبكة البهائيين التي تم ضبطها في أواسط الثمانينات حيث ذروة توحش التطرف الديني والمذهبي في مصر ، و"ما يقال عن" علاقتهم بإسرائيل (والتي تسببت في إغلاق محافلهم منذ الستينيات وحتى الآن)..

خطأ كبير في نظري يمكن أن تقع فيه أي مجموعة أياً كان حجمها ودرجة ثقلها أن تتوقع أنها ستستفيد من أي نوع من الصفقات ، إن من يفتح لك الباب من أجل مصلحته هو أول من سيلقي بك من الشباك بعدما تقضى تلك المصلحة.. والخطأ الأكبر هو أن تعتقد أي مجموعة مهما كان حجمها أن التعايش المشترك هو مسئولية الطرف الآخر ..هذا سيوقعنا في ما يشبه "معضلة السجين" أو ما يشبه "التعازم" في الثقافة المصرية (اتفضل - لا إنت الأول - لا ميصحش - والله انت الأول - عليا الطلاق ...الخ) لدى كل طرف دور يلعبه .. وللأسف فإن الصوت العالي جداً لقيادات البهائيين وللناشطين المؤيدين لهم أنساهم أن للأقلية نفسها دور تلعبه ، أم أننا نتذكر هذا الدور فقط عندما نتحدث عن الأقليات المسلمة خارج العالم الإسلامي وننساه هنا*؟
لا قيمة لأي جهد تبذله أي جهة للتعايش المشترك مع الأخرى دون أن تتحرك تلك الأخيرة.. نستكمل في التدوينة القادمة بإذن الله..
*ولا تناقض بين ذلك وبين ما كتب المدون سابقاً في سلسلة "هاللو هولندا" أو ما سيكتبه لاحقاً..

وزادها المتعلمون جموداً

Friday, March 13

"قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون" ..بالطبع لا.. أو يفترض كذلك..

أجدادنا كانوا يربطون بين العلم و النور ، فالمتعلم يتمتع بعقل "متنور" لا هو بالمظلم ولا بالمستنور ، يفترض به أن يكون ذا اطلاع واسع ، وأفق أوسع .. كان أجدادنا يؤمنون بذلك ويحرصون على العلم في زمن كانت الأمية والجهل فيه متوحشان .. فما بالك الآن والجامعات والمدارس والمعاهد تخرج أرتالاً من المتعلمين..

وأصبح العديد من هؤلاء المتعلمين إما متعاطفين مع ، أو منتمين إلى شلل مذهبية هنا وهناك ، إما بالوراثة وإما بالتأثر وإما عن اقتناع ، وكان يفترض بالذين تعلموا ، وحصلوا على مؤهلات عليا ، ودخل عدد منهم ما يسمى جهلاً في بلادنا بـ"كليات القمة" وتخرج فيها أن يقودوا حركة للتجديد داخل الاتجاهات الذين انتموا إليها ، ولكن العكس هو الذي حدث..

في التيار السلفي الحساني (وما زلت مصراً على تلك التسمية لتمييز التيار عن السلفية السعودية التقليدية*) أصبحت الغالبية الكاسحة من المتعلمين العاملين في "حقل الدعوة" تميل بكل الوسائل إلى دور "المحدث" بدلاً من دور "الفقيه المجتهد" الذي عرفه الإسلام منذ ظهوره ، والذي يستغل معرفته الدنيوية في الاجتهاد الديني كما عرفنا "أبو حنيفة النعمان" ، في وقت أصبح فيه الاجتهاد الحقيقي حاجة ماسة للغاية والذي لا يتطلب فقط المعرفة بالعلوم الشرعية ولكن معه أيضاً المعرفة التقنية في أمور مثل الطب والهندسة والتجارة.. أما عن غير الدعاة فمنهم من يسير مع تيار جارف يقلل من أهمية العلم الدنيوي ، بل ويعتزل بعضهم العمل الدنيوي الذي تعلم بالسنوات من أجل التأهل لممارسته ، وأصبح هناك شبه ميل بين المتعلمين أكثر للتقيد الشديد بأي فتوى تصدر من كبار شيوخ التيار ، دون الذهاب إلى الكتب ومعاينة الآراء المختلفة واختيار ما يراه صواباً..

ولا يختلف الحال في التيار الصوفي كثيراً ، صديقي "عمرو عزت" كتب في الشروق قبل أسبوع تقريباً فيما له صلة ، ففي وجود جامعيين وحملة رتب علمية تبقى مرجعية شيخ الطريقة - مثلها مثل مرجعية شيوخ السلفية **- أمراً غير قابل للنقاش ، وبالتالي يغيب الصوت الآخر هنا كما غاب هناك ، ويسود الرضاء بالأمر الواقع ، ويزداد التشدد في مواجهة أي مختلف أو أي رغبة في "التجديد"..

يرى البعض أنه من الممكن مقارنة متعلمي اليوم بمتعلمي الأمس عن طريق مقارنة طفلين أحدهما نشيط وشقي لدرجة الأذى بشكل تستحيل معه السيطرة عليه ، والآخر هادئ تماماً خامل تماماً بشكل يثير قلق والديه عليه.. متعلمو الأمس كانت لديهم رغبة متطرفة في التغيير انبهاراً ربما بنموذج ما يسمى بـ"الثورة الإسلامية" ، مما سهل على منظمات وجماعات واتجاهات متطرفة السيطرة عليهم واستغلالهم كقنابل موقوتة في مواجهاتهم مع السلطة والمجتمع ، أما متعلمو اليوم فهم ذلك الطفل الخانع الوديع المتمسك تماماً الذي يرى في "البيج براذر" الأمن الذي يفتقده وفي الماضي حلماً يسعى لتحقيقه وفي كتب الأمس ما يجب أن يكون من رأي لا ينفع معه نقض ولا استئناف..

عن نفسي كشخص عادي يحتمل تحليله كثيراً من الخطأ ، أرى أن طبيعة التعليم نفسه هي السبب في خنوع المتعلمين للأمس وتشددهم في الإيمان به وفرضه على الغير.. تعليمنا اللذيذ علم طلابه منذ نعومة أظفارهم أن المرجعية لكتاب الوزارة وحده ، ولما يريده مؤلفوه وحدهم ، وأنه لا داعي أبداً للتعبير عن رأي في نص أدبي أو عبارة في قصة أو تصرف في كتاب التاريخ أو موضوع للتعبير خشية تطور الأمر إلى "السياسة" - والعياذ بالله- وطالما أن لديك البحر اقصد البحر وخل القنوات كما يقول عنوان موقع "مفكرة الإسلام" الشهير.. لماذا تبحث في كتب أخرى ومراجع أخرى عن إجابات؟ ولماذا تسأل؟ ولماذا تفكر أصلاً؟

من المدهش أن أقرأ أنه في أزمنة الأمس الغابر كانت هناك مراجعات وانتقادات للازدواجيات بين المظهر والمخبر ورفض للسلوكيات الخاطئة داخل كل تيار ، واليوم وجيوش المتعلمين تتخرج من الجامعات كل عام يحدث العكس ، ليتفوق المتعلمون لأول مرة على الغوغاء الذين كانوا ينتقدونهم!.. عذراً للإطالة وثقل ظل الطرح..
*هناك اختلافات في مسائل فقهية وفي وجهات النظر فيما يخص أموراً منها المواقف السياسية والنظرة للنظم السياسية السائدة في المجتمعين..
**...صحيح أنه يوجد في مصر كيانان تنظيميان سلفيان كبيران هما "الجمعية الشرعية لتعاون العاملين بالكتاب والسنة" و "جمعية أنصار السنة المحمدية" إلا أن السلفية المصرية على الأرض لا يجمعها كيان تنظيمي له قوانين وعضوية وقواعد ورئيس ، بل يتقيد المؤمنون بنهجها بآراء الشيوخ والعلماء المحسوبين على التيار بنفس القوة التي يتقيد بها متبعون لتيارات أخرى لـ"قياداتها"..