Thursday, May 18, 2006

سياسة ؟ أستغفر الله!

الجماعات التي تحترف السياسة باسم الدين وعرفنا ديتها (بعيداً عن بقية المثل) ، ولنا تحفظاتنا عليها وآراؤنا فيها .. لكن ماذا عن أصحاب المذاهب الإسلامية بالمعنى الذي سبق شرحه، والتي تعد أقطابها ومشايخها ورؤساءها بمثابة "رجال دين" لا يصح نقدهم ويعد انتقادهم - في عرف هووليجانز تلك المذاهب - جريمة لا يمحوها إلا الدم؟

سأعرض هنا حالتين فقط ، الحالة السلفية والحالة الصوفية في مصر ، أما الحالة الطهرانية الشيعية فيحسب لها - رغم أنني ضدها على طول الخط - أنها على موقف واضح وغير منافق من ممارسة السياسة ، حتى ولو خلطتها بالدين بشكل ممجوج..

السلفيون أصحاب التوجه المتشدد كانوا على صلة فكرية بالجماعات المتطرفة التي نشطت خلال العقود الثلاثة الأخيرة في المحروسة ، ومن الفكر السلفي تفرعت اتجاهات وصلت لتكفير الحاكم والدعوة للخروج عليه وتكفير المجتمع بالمرة (وإن كان السلفيون ليسوا المكفراتية الأوحدين.. انظروا لحركة الأحباش في لبنان مثلاً)..

وهووب.. تغير الموقف الآن ، والعهدة على جريدة المصريون الإلكترونية ، صار السلفيون ينظرون للحاكم على أنه ولي الأمر الذي لا تجوز معصيته ولا الخروج عليه بأي شكل من الأشكال حتى ولو كان ظالماً..بل إنهم يؤمنون أنه من السياسة ترك السياسة!

الآخرون - الاتجاه الصوفي - يمارسون نفس اللعبة ، فهم دائماً ما يقولون أنهم لا يمارسون السياسة والعياذ بالله ، في الوقت الذي أطلقوا فيه "البيعة" للرئيس ، كما فعل المذكورون عاليه (وإن كان بعضهم لا يزال ينفي).. ولاحظوا اختيارهم لمصطلح "البيعة" أو "المبايعة" في وقت أصبح فيه المعيار بمقتضى تعديل المادة السادسة والسبعين من الدستور المصري هو الانتخاب.. ومن الواضح طبعاً أنهم يلعبون على المعنى الذي تكون على مر التاريخ الإسلامي لكلمات "البيعة" و "ولي الأمر" الذي تشكل منذ ما قبل الحقبة الأموية.. حسناً .. بمقتضى المادة السادسة والسبعين يا حلوين فإنه من حق أي مواطن مصري أن يرشح أي شخص غير ولي الأمر دون أن يعاقبه على ذلك ولي الأمر ، فضلاً عن ذلك ، ماذا لو تنحى ولي الأمر (وهو ما لم يحدث تقريباً في الوقت الذي كانت البيعة هي النظام الوحيد لاختيار ولي الأمر).. حتبايعوا مين؟

كلمة بيعة - وصححوني إن أخطأت - تحمل في معناها الموروث نوعاً من أنواع الإلزامية (حتبايع ولا مش حتبايع لا قدر الله).. أما الانتخاب فأمامك أن تصوت لـ (س) أو (ص) ، أو (ع) ، أو لا تصوت أصلاً..استخدام البيعة في زمن الانتخاب ما هو إلا محاولة من المبايعين للاستثمار السياسي وتسويق الذات ، وهذا لا يليق بمن يقولون أنهم أصحاب مذهب ديني (أو من يقولون أنهم الدين)..

لم يطالب أحد السلفيين بالقتال ضد الحاكم ، ولم يطالبهم أحد في المقابل بالتطبيل له ، في رأيي على الأقل كلا الأمرين خطأ ، ومن العيب على الصوفيين ممثلي الإسلام المعتدل كما يزعمون أن يحاولوا خداعنا بقولهم أنهم لا يفعلون الشيء وهم يفعلوه.. وبرأيي أن كلا الاتجاهين كشف نفسه تماماً ، فما يفعلون ، وكثير مما يفعلون ، يندرج في نهاية الأمر تحت بند عبارة عائلة ريا وسكينة "ما لناش في الخبص".. وعليه إن أراد هؤلاء لعب دور حقيقي في مجتمعاتهم أن يراجعوا أفكارهم ، ويركزوا على بناء "الفرد" (بما أن بناء الفرد المسلم الملتزم بدينه هو أحد ما يزعمون وغيرهم أنه أولويتهم).. وإذا كانت السياسة هي فن حماية المصالح .. فإن من مصلحتنا أن يبتعدوا عن المعترك السياسي ، بمعنى أدق : من السياسة "لنا" تركـ(هم) السياسة!..

لمزيد من التفاصيل:
-راجع عدد "الدستور" القاهرية 17/5/2006
-
أخطار توظيف الدين في عملية التغيير السياسي/ وحيد عبد المجيد -الحياة اللندنية

تصحيح واستدراك واجب:
مقولة "رأيي خطأ يحتمل الصواب ورأيك صواب يحتمل الخطأ" تنسب للإمام الشافعي وليس للإمام أبي حنيفة ، وأشكر الأنونوميوس الذي صحح لي تلك المعلومة المغلوطة ، وإن كنت أختلف معه في شيء ، حين قال أن "الكل يعرف ذلك".. في حين أن الكل لا يعرف ذلك..فإسناد هذا القول للإمام أبي حنيفة يعد في مصاف "الخطأ الشائع".. ومصادر أخطائنا الشائعة كثيرة خاصة في زمن صارت فيه الغالبية العظمى منا بعيدة تماماً عن الكتب والمراجع ، الأمر الذي يجعلنا نسلم ذقوننا -الحليقة وغير الحليقة- للخطباء غير المؤهلين ولمشايخ الفضائيات وضقاترة الأزهر وغيرهم..وعن دول ودوكهمة الكلام جاي بإذن الله .. ما تستعجلش!

4 comments:

saso said...

ما الجماعات الدينية كانت في حالها طول التمانينات سياسة الحكومة هي اللي حولتهم لتسييس الفكر الديني وفهمتهم سكة المناقشات والزن علي دماغ المراهقين بيوتوبيا اسلامية.
الجيل التاني بقي جيل التسعينات مافهمش غير ان السياسة يعني مسدس " اقتل اي ظابط تشوفة" ولتاني مرة سياسة الحكومة قوتهم بدل ماتهدهم علمتهم خدعة جديدة غطي نفسك ببطانية حزبية
الجيل التالت طلع طفرة جينية مالهاش علاقة بالاصل..بيتحمل ظروف بيئية مصرية خاصة جدا.والحل واحد من اتنين يا نعلن البيعة ونشتري خاطر النظام يا نعلن الحرب لما نقوي ونقدر المرحلة الاولي خلصت عندنا ف مصر والمرحلة التانية شغالة في لبنان زي منتا شايف

mgm said...

طيب انا عايز أفهم...أنت بتعرض صورة ولا عايز توصل لهدف...يعني انت بتقول تعالوا شوفوا الصوفية بقوا يتكلموا في السياسة ..ولا عايز تمنعهم من أنهم يتكلموا في السياسة أصلا..يا ريت توضحلي وجهة نظرك

قلم جاف said...

في فرق بين اللي بيتكلم في السياسة واللي عايز يمارس السياسة ..

كل واحد حر يتكلم في السياسة في مدونة أو على النت أو على القهوة أو..أو..

لكن ممارسة السياسة شيء آخر..

السياسة ما فيهاش أخلاق .. السياسة ليها قواعد قد تصطدم مع قواعد الأخلاق ، وفيها تحالفات وفيها ألاعيب ..

للسياسة أبواب للممارسة ، أحزاب سياسية مشروعة مش جماعات محظورة .. وبرامج سياسية واضحة وتصورات لمستقبل البلد وحاضرها و..و..

مشكلة التيار الديني "كله" .. ومابستثنيش حد ، إنه ضبابي من حيث الموقف من العمل السياسي ، معندهمش موقف واضح من الحاكم ، ومعندهمش موقف واضح من ممارسة السياسة .. وأديك شفت اللي بيقولوا مش حندخل اللعبة ومش حنتحالف مع حد بيعملوا العكس من تحت الترابيزة..حتى اللي قالوا جوة السجون حبطل القنابل وأكون إنسان جديد بدأوا يرجعوا في كلامهم!

التيار الديني كله صوفي أو سلفي أو إخوان أو مش عارف إيه بيقدموا نفسهم للمجتمع ، ليا وليك ولكل البشرية على أساس أخلاقي ، هل من الأخلاقي تدخل لعبة لا أخلاقية للسيطرة على المؤسسة الدينية و/أو على الحكم؟

فيه أبواب لممارسة السياسة ، وفيه ثوابت ارتضاها المجتمع لقبول أي حزب سياسي ، وظروف بلد زينا تخلي فكرة حزب على أساس ديني غير مقبولة ، حتى لو أخذ أتباع جماعة ما أو شلة ما كام كرسي في البرلمان وحبوا يرموا كام كرسي في الكلوب..

إلى التيار الديني كله: خليكم واضحين ، وما تقولوش حاجة وتعملوا عكسها ، وإن عجبتكم لعبة السياسة فيه ضوابط وفيه صالح عام ..أما إنك تقول حاجة وتعمل العكس .. دة غير مقبول يا سيادة التيار .. الديني!

قلم جاف said...

نيجي لساسو اللي عاجباني قوي الجملة الأولانية في مداخلتها..

اللي بيدخل لعبة ما نوعين من البشر : نوع عايز يدخلها من الأول ، ونوع مقلَّق وبيحتاج لزغللة عينيه علشان يدخل رجليه في قلب الخية..

مش كل الجماعات الدينية في الثمانينيات كانت وديعة ومستسلمة "إلا لو كنتي تقصدي بتوع التبليغ اللي بيصنفوا كجماعة مسالمة مستأنسة" .. كان فيه "الناجون من النار" .. ودول كانوا امتداد طبيعي للي ظهروا في أواخر السبعينيات ومغتالي السادات..همة عايزين سياسة بس بطرق غير سياسية .. الوصول إلى الحكم وتكوين دولة إسلامية بالقنبلة والكلاشينكوف..

مع الوقت كله ابتدى يفكر في اللعبة ، سيدي الحراك ظهر يا بشر ، بقى فيه انتخابات بيخسر فيها مرشحي الوطني ولاد البطة السودة وبيدخل فيها المال .. وبحسابات الربح والخسارة بقى استخدام السلاح موضة قديمة ، نسوق اليوتوبيا الإسلامية بتاعتنا على طريقتنا ، مفيش مانع نلم الدور مع الحكومة ، ونهيج الشارع ضدها في وقت تبقى هية فيه مزنوقة في خانة الياك..ونكسب الناس لصالحنا ..

دة ملخص صغير لدخول السلفيين اللي برة السجن للعبة.. اللي جوة السجن من اتجاهات تكفيرية وجماعات ليهم قصة تانية مراجعات ومش مراجعات..

وأنا معاكي إن التعامل الأحمق من قبل الحكومة ، سواء بالاستهتار الفكري ، أو بالتحالف أحياناً .. حيشجع مزيد من قوى التيار الديني على مزج السياسة بالدين ،وعقد صفقات من نوع "ما" مع الحكومة أو عليها..

ملحوظة ختامية : "التيار الديني كله" في التدوينة السابقة هو التيار الديني كله بكافة أطيافه .. أما الحالة الطهرانية فأذكر بما كتبت فيها :
سأعرض هنا حالتين فقط ، الحالة السلفية والحالة الصوفية في مصر ، أما الحالة الطهرانية الشيعية فيحسب لها - رغم أنني ضدها على طول الخط - أنها على موقف واضح وغير منافق من ممارسة السياسة ، حتى ولو خلطتها بالدين بشكل ممجوج..


ام جي ام : حاولت أن أعرض لحالة ، وقلت رأيي ، وأنتظر أراءكم..