
هناك وقائع صغيرة تحمل دلالات خطيرة ، وهناك وقائع خطيرة تحمل دلالات مخيفة..لذا أنا أدعوكم في أول أيام الشهر الفضيل لقراءة هذه التدوينة بهدوء أعصاب لتستشعر مدى خطورة موضوعها..
نشرت جريدة المصري اليوم أن عدداً من الجماعات السلفية قررت الصيام أمس السبت ، وكذا بعض وليس كل أفراد جماعة الإخوان المسلمين.. على الرغم من أن مفتي البلاد قال أن رمضان يبدأ اليوم الأحد..
ويقولون بحسب الخبر الذي أترك له رابطاً هنا منعاً للإطالة بأن "جمهور العلماء" قد أفتى بالصيام مع أي بلد إسلامي يشارك الدولة جزءاً من الليل ، وأن «إن لكل بلد ولكل قطر رؤية هلال» هو رأي فردي لا يمثل إلا رأي صاحبه!
أول ملاحظة .. هناك فيما يبدو حالة عنيفة من عدم الثقة بالمؤسسة الدينية الرسمية المصرية حتى في مسألة كمسألة الصيام.. تلك الحالة تسبب فيها نفوذ تلك الجماعات داخل الشارع..وتسببت فيها بالمقابل سلسلة طويلة من الأخطاء والتصرفات الغريبة التي لم تفقِد أنصار الجماعات فقط ، بل وحتى غير المنتمين لأي شلة دينية والعالمانيين ، أي ثقة من أي نوع في تلك المؤسسة.. المخترقة جداً من بعض الشلل الدينية الأخرى!
ثاني ملاحظة .. أنه لم يثر أي نقاش بين كل الاتجاهات الدينية على تلك المسألة الفقهية يبرر أخذ هذا الموقف الغريب الشكل وغير المفهوم وغير المبرر!
ثالث ملاحظة .. هؤلاء أنفسهم هم من يرى - مثل خصومهم التاريخيين الصوفيين- أن ولي الأمر هو "أمير المؤمنين" ولا يجب الخروج عليه.. والمتعارف عليه أن قرار إعلان بدء الشهر الكريم هو حق أصيل لولي الأمر منذ أول رمضان في تاريخ الإسلام في العام الثاني الهجري.. انتظر هؤلاء ألفاً وربعمائة وخمسة وعشرين سنةً - فقط- لـ"يعيدوا النظر" في تلك القاعدة!
رابع ظاهرة وهي المخيفة جداً برأيي.. أَ إلى هذا المدى وصل التعصب الشللي الديني؟ أَ إلى هذا الحد دخلت البيروقراطية في الدين بهذا الشكل الفج والكريه؟
ففي أي شلة دينية أياً كان نوعها واتجاهها لا يصوم الأتباع إلا بإذن رأس الشلة ، ولا يترشحون في الانتخابات إلا بعد الرجوع لرأس الشلة ، رغم أن تلك الشلل ليست حزباً سياسياً وكلها تتباهى بأن من السياسة ترك السياسة .. وطبعاً لا تصويت في تلك الانتخابات إلا في الاتجاه الذي يراه رأس الشلة .. ثم ينتقد هؤلاء - في تناحة وبلادة مذهلتين- الكنيسة الكاثوليكية في العصور المظلمة متهمين إياها بالتسلط على حياة الناس ، ثم يتحسر بعضهم في تناحة وبلادة لا تقل إذهالاً على أن المسلمين ليس لهم زعيم ديني يوحد كلمتهم ويسيرون حسب كلمته!
وبما أنني وأنكم من غير المشجعين لتلك الفرق المشاركة في الدوري الديني المزعوم .. فمن الذي سننتظر صفارته كما انتظرها من قبل لصوص عصابة قصة علي بابا والأربعين حرامي؟
ولا حول ولا قوة إلا بالله .. وربنا يهدي الجميع ويعدي الشهر على خير..