Sunday, September 10, 2006

مِيَّة مِسا!

متى تتحول التفاهة إلى وقاحة؟ عندما يلبسها التافه ثوباً لا تحتمله ولا تطيقه..

فتوى الأستاذ صفوت حجازي لم تكن الأسوأ ، ولن تكون الأسوأ ، وطالما أن التوافه هي ملعب الفتوى والاجتهاد ، فانتظروا أي شيء.. ، وأعني الكلمتين الأخيرتين تماماً..

بالأمس القريب فاجأنا "المفكر الإسلامي" جمال البنا بفتوى عجيبة ، غريبة ، لا تختلف كثيراً عن إحدى الفتاوى المنسوبة للمرجع الشيعي محمد حسين فضل الله .. وسأحكي لكم في إيجاز عن الأولى.. وسأترك الثانية لموضع متقدم من هذا المقال..

أفتى المفكر الإسلامي لا فض فوه بأن التدخين لا يبطل الصيام ، الأمر الذي قد يفتح الباب ولو على سبيل السخرية بإباحة تدخين السجائر "الملغومة" - فهمتم طبعاً ما أقصد - في نهار رمضان!

وسيادته يرى أن ذلك "اجتهاد" فيما لم يرد فيه تحريم بنص الكتاب والسنة ، وهو يرى أن السجائر "دخان لا يمكن الاحتراز منه" ، وأن رأيه أو فتواه تلك "حكم بني علي اجتهاد بشري في استخلاص الحكم دون وجود نص صريح، بل وجود نصوص صريحة تخالف الاتجاه الذي ذهب إليه الحكم. ولا يقال هنا: إن التدخين ضار بالصحة، وإن من الخير الإقلاع عنه أصلاً فنحن هنا نتحدث عن حلال وحرام أنزله الله، والإسلام لم يطلب من الناس أن يبلغوا الغاية، أو أن يتقوا الله حق تقاته، وإنما رضي منهم أن يبذلوا الوسع وأن يأتوا منه ما استطاعوا، وقد دلهم علي طريقة التعامل مع الضعف البشري بأن يقدموا ما يمكنهم لتعويض ما لا يمكنهم"!

اقرأوا الرابط في العربية نت والذي نقلت عنه مواقع أخرى .. الرجل ضايقه فيما يبدو أن الفقهاء - عدوه اللدود - قد استقروا على مدى قرون على أن التدخين يبطل الصيام .. ولم يلتفت أصلاً لمضار التدخين الصحية ولا لمخاطره..

الرجل نفسه أطلق بما يفعل دون أن يدري "رصاصة الرحمة" على الاجتهاد ، لا حرام إلا ما ورد في القرآن والسنة ، أما ما بعد ذلك فلا محل له من الإعراب ، ولذلك ربما قد نرى فتوى أو افتكاسة تبيح تجارة العقاقير المخدرة وربما تجارة المخدرات - استناداً ربما لقول الله عز وجل "وأحل الله البيع وحرم الربا"- ولم نرَ سيادته يطبق نفس المنطق على أمور دنيوية صرفة لا ترتبط بعبادة وحشر الفتوجية أنوفهم فيها!

يذهلني حقاً المجتهد الذي يتفنن في إحياء الآراء القديمة ولا يكترث بالعلم الحديث، وإلا لما قال سيادته أن دخان السيجارة هو مجرد هواء .. يذهلني أكثر رفضه للدخول في مساجلة مع العلماء رغم قوله في أول المقال أن هذا سيثير جدلاً ، وأنه من المنطقي إذا ما أثير الجدل أن تتوجه وسائل الإعلام إليه وتسأله عن رأيه المثير للجدل ويتحول الأمر كله إلى مناظرة.. ويذهلني لدرجة الفقع المجتهد الذي يقول أنه ييسر على الناس ولا يلقي أي بال لصالح الناس ، إن كان يريد أن يقدم رأياً استشارياً وليس فتوى ملزمة!

واللذيذ في الموضوع ، لمن يتأمله أكثر ، أن الخلاف فقط لأن الرأي القديم الذي قرر سيادته إعادة توزيعه (على غرار إعادة التوزيع في الموسيقى) جاء على خلاف رأي قديم موروث.. ليس لأنه لا ضرر ولا ضرار..

لا بأس .. النقاش والدحض بالحجة والمنطق هو الحل كما استنبطت من كلام الكبيسي ، وما لم يقله العالم العراقي الجليل هو أن النقاش هو الحل فقط لكي يقف هؤلاء المفتكسون عند حدودهم ، ولأن ليس كل من لا يصفق لهم هو متشدد وجاهل ومنغلق الذهن ، وأن أي فقيه أو من يسمي نفسه بالمفكر الإسلامي ليس له قداسة وأنه أحياناً لا يعي كثيراً مما يقول.. وكما على "المفكر الإسلامي"- وهو لقب لا معنى له ولا رائحة كما أراه - أن يريدنا تقبل وجهة نظره .. عليه أن يتقبل وجهة نظرنا نحن ..

في إحدى التعليقات في نفس الموقع قرأت أنه تنسب فتوى للمرجع الشيعي السيد محمد حسين فضل الله أن التدخين لا يفطر الصائم رغم كونه - في فتوى سابقة لنفس المرجع - حرام!.. أي أن شيئاً محرماً بنص فتوى المرجع نفسه - وليس أحداً غيره - طوال الاثني عشر شهراً يعتبر مباحاً في شهر من الشهور .. مش ممكن!

بالمناسبة لم أسمع من دكتور أزهري أنه وصف "المفكر الإسلامي" جمال البنا - بكالوريوس تجارة مثل كاتب هذه السطور - أنه غير متخصص.. ويبدو أن أكاديميي الأزهر هم الآخرون يوزعون شهادات التخصص وغير التخصص عبر وسائل الإعلام على من لا يستخفون دمهم على الفضائيات!

الآن فقط .. أدركت معنى عبارة "عالم مليان دخان" في أغنية قديمة لحسن الأسمر.. إحياء القديم الملغوم وتعبئته في سجائر ..

إحقاقاً للحق .. المفكر الإسلامي الكبير ذيل مقاله في المصري اليوم والذي وردت فيه تلك الافتكاسة بتاريخ السادس من الشهر الحالي بأنه .. لا يدخن!

مع احترامي لحقك في إبداء رأيك من حيث هو ، وعدم احترامي لرأيك نفسه ، أقول لك يا سيادة المفكر.. مية مسا!
*في نفس الموقع : اقرأوا عن دراسة تؤكد أن التدخين مفيد أحياناً ، ودراسة أخرى تقول أن التدخين السلبي .. قاتل!

9 comments:

tota said...

قلم جاف
الاول ممكن اسأل هو حدد مش بيدخن سجاير فاضية ولا سجاير ملغمة
اصل الفتوى الغريبة العجيبة المريبة صادرة من دماغ عالية جدا تحت تاثير سيجارة ملغمة بس بنوع ردىء جدا وصلت صاحبها الى هذه الافتكاسة اللى استحالة تضبط دماغ اى حد حتى مدخنى السجائر نفسهم
لا ادرى الى ماذا سوف يؤدى بنا هذا الفكر المهترئ المتناقض
المشكلة فى ان فى عقول ونفوس مريضة سوف تستجيب لهذه الفتاوى

نظرا لانى لم استمع للحديث من فضلك اعتمد فى صحة فتواه على ماذا ؟ على ان الدخان يستنشق ويدخل للرئة لا للمعدة والنيكوتين يمتص من الرئة الى الدم ولان وجوده فى الدم ليس بغرض التغذية مثل حقن الفيتامين اذا هو حلال ؟
تحياتى

ادم المصري said...

هههههههه
غريب فعلا
كنت اعتقد ان سبب هذه الفتوي هو حدوث بلبلة وتشتيت للراي العام
وابعاده عن التفكير في فضائح النظام كما هو الحال كل فترة

اعتقدت ان احدا لن يعيرها اهتماما

ولكنها باتت تحصد ما كانت ترنو اليه

عربي عبيط said...

السلام عليكم ورحمة الله
تحية عالية للناس المتكيفة

احسست برغبة عارمة في التعليق وانا الآن لا أجد الكلمات..إنها الصدمة من هذه الوقاحة السافرة في الفثوى -واهل المغرب يعرفون معنى هذه الكلمة- المذكورة..من زواج المتعة غلى الحجاب وحصلت كمان التدخين في رمضان..أنا رايي إن الدكتور جمال البنا -وانا كنت بحترمه- أدمن يكون ضيف ثقيل على الفضائيات وكل شوية بيعمل هليلة بثوى جديدة عشان يعمل ضجة إعلامية..انا آسف للكلام ده وعلى الله أكون غلطان.
الله يكفينا شر فثوى آخر زمن.

مختار العزيزي said...

أنا من أول ما قرأت مقالته في المصري اليوم الأسبوع الماضي حسيت ان نفسي اتقطع قبل اخرها. يا بتاع فتاوي السجاير ما متفتون

محمد الجرايحى said...

الأخ الكريم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

كانت هذه الزيارة هى زيارتى الأولى لمدونتك الطيبة

وأسعدنى هذا التواجد لما وجدته من غيرة حميدة وطيبة على الإسلام

وأسلوب متميز فى العرض والطرح
يجذب القارئ ولايصيبه الملل
كما أنه أسلوب يثير الشجون فى النفس على ما وصله إليه الحال وجرأت البعض على الفتوى بدون علم

أخى الكريم أحييك على جهدك الطيب

أخوك
محمد

قلم جاف said...

شاكر للضيوف الجدد اللي عدوا علينا هنا ونتمنى تكرار زياراتهم والائتناس بآرائهم..

مختار وعادل وتوتة :

الأمر دة بيفكرني بافتكاسة قريت عنها وأنا صغير إن تعاطي المخدرات لا يبطل الصيام!

دة بالمناسبة ..

في العديد من مسائل الصيام ، واللي من المؤكد إننا حنتكلم فيها بحكم إن رمضان جاي بتبقى فيه حالات مرضية ، والناس بتسأل نفطر ولا لأ ، ومن الإجابات اللي بأقراها : يستشار طبيب مسلم موثوق في تدينه.. يعني برضه رايحين للعلم رايحين له..

من باب أولى إذن إنه يكلف نفسه ويسأل ناس متخصصة عن ميكانيزم التدخين ، هل فيه مركبات بتدخل للمخ ولا لأ .. كمان علشان التدخين فيه شرط العمدية عكس الحالات السابقة اللي بيستشهد هو وغيره بيها ، يعني الواحد مش حيتعمد مثلاً يبلغ غبار الطريق ولا ريحة الأكل إن كانت الريحة بتتبلع ، وحقنة الفيتامين مبتدخلش الزور بس ليها مفعول غذائي..

مش معنى دة إني على طول الخط مع الفتاوى القديمة خالص اللي صدرت في أوقات كان ليها ظروفها المختلفة عن دلوقت ، لكن طالما انت بتتكلم عن عصرنة الدين افهم مفردات العصر وبعدها اتكلم ..

نفس الشخص بالمناسبة اتكلم أيام انتخابات الرئاسة عن "حل يقدمه الفقه الإسلامي" لمسألة الأصوات المطلوبة لمرشح الرئاسة طبقاً لتعديل المادة 76 من الدستور المصري الحالي 1971!

المفتكسين والمخترعين والأدعياء أنواع .. فيه اللي ملهوش شغلة غير العبادات يجتهد فيها ، ويقول لك ليه بنصلي الظهر أربع ركعات وليه بنصوم من الفجر لحد المغرب ، وفيه اللي يفتي لك في كل كل شيء في أمور الدنيا رغم إن الرسول عليه الصلاة والسلام قال ما معناه "أنتم أعلم بشئون دنياكم" .. فميجيش حد يحط لك الدين في طريقة اختيار رئيس الجمهورية مثلاً لإن دة شأن دنيوي بيتغير بتغير الزمان وتغير المجتمع وثقافته وحاجات كتيرة ..

حكاية "السجاير" دي مش حتكون الأخيرة.. بما إن التخريف أصبح اليومين دول .."كيف"!

شــهــروزة said...

مية مسا يا باشا
معاكش سوجارة والنبى أشيخ؟؟
بس عشان الحلال والحرام والوطنية والبطيخية وكدة
انا عاوزاها تصنيع محلى مش امروكانى
وعشان الحرمانيةبرضة...خللى التلغيمة لنص الليل فى السحور
الفطار بقا خليها فريش كدة
----
هههههههه الراجل دة ضحكنى وانا ماليش نفس اضح
لسة الاراجوزات بتوع الفتاوى العبيطة دى موجودين
وبيتكاثروا ويتوغلوا
وينتشروا وينتشروا وينتشروا
زى الصراصير كدة ولا مؤاخذة
-- ---
اقعدوا بالعافية

زمان الوصل said...
This comment has been removed by a blog administrator.
زمان الوصل said...

المفارقه الغريبه هى انّك حين تواجه أحدا برفضك لفتوى البنّا يتساءل : أين النص القرآنى الذى يجعل التدخين من المفطرات !! رافضا تماما فكرة القياس على الهدف من الصوم فى حد ذاته بينما يعيب نفس هؤلاء المتنطّعين على المتشددين الاسلاميين رفضهم لفكرة القياس و الاجتهاد فى فهم روح النص و مقاصده و ليس معناه الحرفى !! ليس هناك أى فرق إذن بين مدّعى التحرّر الفكرى و غيرهم من المتشددين و كلّه بيسترزق