Friday, December 1, 2006

أحد الحصانين

قيل أن "مسطولاً" وسكراناً اشتريا حصانين ، ولأنهما رأيا أن الحصانين متشابهان بشكل يصعب تمييز كل منهما عن الآخر ، فأخذا يبحثان عن طريقة تجعل كل منهما يتعرف على حصانه بسهولة .. فاقترح المسطول قص ذيل "أحد الحصانين" ليبقى بلا ذيل بينما يحتفظ الآخر بذيله ، واستيقظا اليوم التالي ووجدا الحصانين بلا ذيل .. فمضى المسطول في نفس النظرية مقترحاً قطع أذن "أحد الحصانين" .. ثم رجلي "أحد الحصانين" .. ثم الرجلين الآخرين "لأحد الحصانين" ، وفي كل مرة يتكرر العطب في الحصانين معاً دون أن يجد الثنائي تفسيراً منطقياً لما يحدث ..وقبل أن يقترح المسطول قتل "أحد الحصانين" أفاق السكران ليخبره أن أحد الحصانين أبيض والآخر أسود!

اسمحوا لي أن أقرأ ما حدث مؤخراً بشكل هادئ ومختلف تماماً عما تم تناوله من قبل زملاء أفاضل عدة ..

لن أتناول هنا الآراء المختلفة في الحجاب ، سواء منها ما يقول بفرضيته ، أو حتى ما يقول أنه بدعة وضلالة .. ما وراء السطور أراه أكثر أهمية ، والتصاقاً بالدين وما نفعله به!

رغم أنني من دعاة ترشيد استهلاك نظرية التآمر ، فإنني أرى أن ما حدث كان مناورة مقصودة ، وتمثيلية من أولها لآخرها من بطولة الحزب الوطني البيروقراطي ، وشربها الإخوان كما شربت كل القوى السياسية مقلب المادة السادسة والسبعين .. تمثيلية تم حبكها "من فوق" -لأن "اللي تحت" لا يتمتعون بالحد الأدنى من الذكاء والخبث السياسي لعمل سيناريو يفوق حتى سيناريوهات وحيد حامد ..

ليس الغرض من تلك التمثيلية صرف الأنظار عن التعديلات الدستورية ، فهي تافهة وغير ذات قيمة وغير ذات تأثير على حياة المواطن المصري العادي محروق الدم - على الأقل مما يظهر لنا من خلال التسريبات الصحفية .. ولكن لتوصيل رسالة ما إلى المواطنين خارج قبة البرلمان : نحن قادرون على المزايدة الدينية أكثر من الإخوان الذين لا يملكون إلا إثارة قضايا شديدة الشكلية داخل البرلمان ..وأن هذا هو ما سيحدث عندما يصل الإخوان إلى السلطة يوماً ما .. مجرد تركيز على الفيديو كليب والحجاب والنقاب .. وأننا - البيروقراط لا سمح الله - نمثل البديل الآمن المحافظ على الهوية الدينية والقومية لمصر ..

ربما كنت أرى لوقت قريب أن فاروق حسني لم يقصد حرفاً مما قاله هذه المرة ، رغم تصريحه الكوميدي الشهير بأن الإسلام به أربعة أركان فقط ، لكن بالتمعن في السيناريو المرسوم بدقة نجد أن الكلام متعمد ومقصود الإلقاء به "على الترابيزة" في هذا التوقيت بالتحديد..

هاجت الدنيا وماجت ، هاج البرلمان وهاج مع الوزير أو عليه ، وبالتأكيد فإن الأصوات الهادئة التي ترى أن الوزير حر فيما يقول ولكن يجب أن يتخير ألفاظه بوصفه من واجهات النظام لم نسمع لها حساً وسط الضجيج ، فتلك المعارك التي يتم خوضها بتلك الطريقة تعتمد منطق "معايا ولا مع التانيين" .. أي أنك طالما لست معنا فأنت مع الإخوان.. وهنا بدأ الحديث عن حرية الرأي ، وعن عدم فرض الوصاية على العقول باسم الدين ، حديثان حقان يراد بهما الباطل ، فموقف البيروقراط ممن يختلف معهم فكرياً معروف ، وموقف البيروقراط من أكذوبة الزعامة الدينية في الإسلام معروف ومفضوح وأكثر خزياً حتى من أكثر جماعات الإسلام السياسي تطرفاً!

وفجأة تم احتواء الموضوع واعتباره كأن لم يكن ، سواء في المعسكر الحكومي أو في الإخواني.. أنا شخصياً لا أفهم كيف تم ذلك!

أنا شخصياً لدي عدة ملاحظات على ما حدث برمته..

أولاً .. أن البيروقراط والأتاتورك على ادعائهما الكاذب والمستمر بنصرة الحريات استخدموا منطق "معانا ولا مع التانيين" المشار إليه ، بل تطرف بعضهم في التلميح في إطلاق أوصاف عامة على كل المحجبات ، ولم يتبق تقريباً إلا التأكيد على أنهن عضوات في تنظيم سري..وهذا يؤكد للعيان أن الإقصائية شيء موجود في كل الاتجاهات السياسية والفكرية في مصر على الأقل ، سواء أستندت لمرجعية دينية أم عالمانية..

ثانياً .. أن الإخوان لم يقدموا بأعضائهم الثمانية والثمانين أي جديد يتناسب مع مرجعيتهم ، فالاستجوابات في معظمها انحصرت حول نقاط شديدة الشكلية بعيدة عن ما انتخبهم الناس من أجله .. هذا يجعل الناس باعتقادي على يقين تام بأن أي اتجاه سياسي ذا مرجعية دينية لن يكون قادراً على إدارة البلاد إن تمكن من الوصول لسدة الحكم ..

ثالثاً .. وهو الأهم .. أن ما حدث كان سابقة من البيروقراط أخطر من أن يتم تجاهلها .. استخدام الإرهاب الفكري داخل قبة البرلمان .. ليس ضد فاروق حسني ولكن ضد المستقلين "فعلاً" داخل البرلمان وضد أدوات تحريك الرأي العام .. فبهذا المنطق أي وزير يملك صكاً ضمنياً لا يحاسب بدوره داخل القبة على ما يقول أو يفعل .. لأنه سيكون في تلك الحالة محسوباً على الناس التانيين.. وعليه فإن على أي نائب ، أو أي كاتب إن رأى أن تصريحات وزير ما "تفتقد للقليل من اللباقة" أو أنه "تعامل بتراخٍ مع أحكام القضاء" .. فإن نهاره أسود من فانلة حكام كرة القدم القديمة!

قد أحترم القدرات التنظيمية للإخوان الذين لا يختلف اثنان حتى من أشد مخالفيهم على أنهم "بيلعبوها صح" .. لكن مضار وصول الإخوان للبرلمان بشكلهم الحالي أكبر بكثير من منافعه .. ربما كانت التمثيلية لتختلف شكلاً وموضوعاً ووقاحة لو كان أصحاب المقاعد الثمانية والثمانين في "مقلة الشعب" من الناصريين أو القوميين .. لكنها كانت لتكون مستساغة أكثر لأن "الطرف الآخر" في هذه الحالة لا ينطلق من مرجعية دينية .. أقله لأنني كمواطن مسلم مصري أربأ عن الدين في الدخول في مزايدات سخيفة كتلك..

3 comments:

شــــمـس الديـن said...

السلام عليكم و رحمة الله و بركاتة

يعجبني من يتأمل الاحداث ولا يخوض مع الخائضين ثم يأتي بتحليل

و لكن اسمح لي بسؤال ...ماذا تعني ببيبلعوها صح ؟؟؟ يعني حضرتم مثلا كنت تريد منهم ماذا ؟؟؟ ان يسكتوا علي هذه التصريحات ... ان فعلوا ما كنت تريد ان يفعلوه فسوف يقال عنهم - اين المدعين انهم اخوانا ...لماذا لم ينطقوا حينما انتهكت فرائض و ثوابت الاسلام ...

ثم ان الاخوان ليسوا وحدهم من من ثار من هذه التصريحات ...
ان اصحاب السياسة العليا المصرية يريدوا ان يقمعوا اي تحرك حقيقي و شعبي لاختيار من يمثلونهم حقا ... حي بعد هذا السيناريو لو عملنا انتخابات ( نزيهة ) الان ستجد ان شعبية الاخوان لم تفقد بريقها و ان تراجعت نوعا ما ... بسبب الاعلام المغلوط طبعا ...

يعني هما عملوا فخ لو عمل الاخوان اي رد فعل هيتاخد عليهم

ثم معلش يعني ...الاخوان مش كل همهم اللبس ولا حاجة كما يشاع ...و لكن من يقدم طلبات احاطة عن العبارة ... عن كباري مشاة المترو الغير مستغلة ؟؟؟ و عن اغلب الاشياء التي ضد الحكومة انهم هم الذين استجوبوا المجلس حول عدم صلاحية مياه الشرب التى كانت حكومتنا تدعى أنها شهد مكرر

هم الذين استجوبوا المجلس حول الحمى الشوكية وأمراض اللحوم والدواجن

هم الذين أجبروا الحزب الحاكم على التحرك ووضع برنامج يكاد يراه الناس بعد أن كنا نحكم بضرب الجزم

الإخوان هم الذين استجوبوا رئيس الوزراء ووزير النقل بعد كوارث القطارات ولولا جهودهم مع المعارضة لما تم عمل موازنة لتحديث خطوط وجرارات السكك الحديدية ولما تحرك أحد

لا أظن يخفى على لبيب أن ممدوح إسماعيل صاحب عبارات الموت كان يتخفى فى حصانة الحزب الحاكم ولم يجرده منها إلا جهود المعارضة مجتمعة أما الحكومة فقد جلدت ظهور أهالى الضحايا أمام مشرحة زينهم بعد تهريب ممدوح إسماعيل

نواب القروض وناهبى مليارات البلد الهاربين ... هل تضم قائمتهم الكبيرة اسم أحد من الإخوان ؟
...من يقدم كل هذه الاستجوابات ...اليس هم نواب الاخوان ؟؟؟و لكن الحكومة تسلط الضوء علي ما تريد و تغفل ما هو ضد مصلحتها

علي كل لندع الايام القادمة تزيح الستار عن المسرحية الهزلية القادمة

و لكن اطمئن , لن يقتنع بها احد لانه لم يعد هناك جمهور لهذة الشرزمة التي تحكمنا

مع خالص تحياتي :)

abu-al-alaa' said...

مش فاهم!

ليس خطأ الإخوان أن استجواباتهم فى مجلس الشعب التى تهتم بالتفاصيل الاقتصادية و الإجتماعية لا تلقى نفس الإهتمام من وسائل الإعلام. فى الواقع الحكومة حريصة على تحجيم العرض الإعلامى لاعتراضات المعارضة (و الإخوان على رأسها). لا أظن أن الإخوان لديهم إختيارات مناسبة للرد.

لكن على كل حال ربما أمكنك أن توضح لى معنى الفقرة الأخيرة من التدوينة لأنى متحير فيه.

و الحيرة مش كويسة كما قد تعلم!

قلم جاف said...

أبو العلاء :

مرحباً بك هنا في الدين والديناميت ..هذا أولاً..

أقصد أن إصرار الإخوان على تديين كل شيء يتعلق بالسياسة هو ما يجعل البيروقراط يلجأ للمزايدة على الدين ..

المفترض بنواب حلوا محل نواب البيروقراط أن ينزلوا للشارع وأن يطرحوا قضايا الناس داخل البرلمان كأي كتلة سياسية ، لن نطلب منهم أن يفتحوا بوتيكات للخدمات مثلما يفعل البيروقراطجية ، ولكن أن يكونوا أصلاً عند حسن ظن من انتخبوهم..

أؤكد هنا أن أي حركة تستند إلى أساس ديني تجعلنا كأناس عاديين نفترض فيها قدراً من المثالية المستمدة من الدين ، والسياسة بلا أخلاقياتها شيء والدين شيء آخر..

لذا فإننا كرجال شارع لم نكسب حتى الآن من وصول الإخوان للبرلمان ، حتى مع تسليمي بأن الحال كان أسوأ عندما كان البيروقراط المماليك على قلب المجلس كلياً وجزئياً!

بالنسبة لاستفسار شمس الدين ، أعني بـ"يلعبوها صح" أي أنهم منظمين داخل البرلمان و "فاهمين سياسة" .. أي كتلة أخرى لو كانت تملك تصوراً سياسياً أقوى كانت لتسبب صداعاً حقيقياً في رأس البيروقراط وحلفائهم المستصوفين ، حتى ولو كان عدد مقاعد تلك الكتلة نصف عدد ما حصل عليه الإخوان حتى الآن..