Friday, December 28, 2007

بي نظير بوتو

قبل أن يتحول الأمر لتنظير مذهبي تافه (دول بيدوا المرأة حقوقها السياسية إنما دوكهمة لأ)أذكر بأنه لا علاقة بين "تمكين" المرأة وبين المناخ المذهبي ، فالمرأة تمارس السياسة في بلاد سنية مثل مصر والكويت ولا تمارسها في السعودية ، وتمارس السياسة في بلد يغلب عليه المذهب الشيعي كالباكستان وبنجلاديش ولا نجد لها أدنى دور سياسي في إيران..

وقبل أن يهلل البعض لكون الإسلام أعطى المرأة حقها قبل العالم الغربي أذكر بعبارة لإحدى الزميلات مفادها أنه يوجد في الإسلام حقوق إنسان ، لا حقوق رجل وحقوق مرأة..

وقبل أن يتحدث البعض عن رئاسة المرأة للدولة ، أذكر بأن المرأة لم تأخذ في عالمنا العربي حقوقها كاملةً حتى نتحدث عن ما قد يبدو "مطلباً ترفياً" بالنسبة لمقتضيات المرحلة كرئاسة الدولة ، وذلك لأسباب يقع بعضها على عاتق الثقافة السائدة (سواء التي تهمش أي دور للمرأة في المجتمع ، أو ثقافة انتظار واستجداء الحقوق من رءوس السلطة) ، وبعضها على عاتق بعض ممن أسأن وأساءوا لحقوق المرأة بادعاء تبنيهم وتبنيهم إياها!

هذا بمناسبة الكلام عن الشخصية التي ظهرت على قمة شريط الأحداث .. "بي نظير بوتو"..

"بي نظير بوتو" التي اغتيلت قبل ساعات هي أول امرأة تتولى منصب رئاسة الوزراء في بلد مسلم..وتستحق أن توصف بأنها "المرأة الحديدية" أكثر من رئيسة الوزراء البريطانية الشهيرة "مارجريت ثاتشر"..نموذج قل أن يتكرر في العالم الإسلامي وغير الإسلامي كمان..

بي نظير بوتو كانت ابنة بارة لمناخ فائق التناقض ، يجمع بين التشدد المذهبي والسياسي من جهة والديمقراطية الغربية من جهة أخرى ، دولة دينية وهيكل مدني*، وامتدت التناقضات لشخصيتها التي تجمع بين الدراسة الغربية والفهم المحلي جداً لعلاقة الدين بالدولة!

ولا أتفق بالمرة مع ما قاله سعد الدين إبراهيم عن وجود فروق كبيرة بين الهند والباكستان ، فكلاهما بلدان نوويان بثلاثة ألوان ، التعصب الديني ، العسكر ، وبينهما الديمقراطية.. ويبلغ التشابه مداه عندما نتذكر أن البلدين رأست وزراءهما امرأة لمرة واحدة ، واغتيلتا بنفس الطريقة!

والغريب أنه في الوقت الذي قيل فيه بأن القاعدة تبنت اغتيال "بوتو" -رغم ما قيل عن اتهامات للعسكر ولأنصار شقيقها - تظهر حقيقة أنها وآخرون في الاستخبارات العسكرية الباكستانية كانوا ممن صنعوا ظاهرة "طالبان" .. قبل أن يتحول الغرام بين العسكر وطالبان إلى انتقام!

أياً كان الأمر ، سننتظر لفترة طويلة حتى تلتزم الجماعات الدينية بقواعد النظم السياسية في بلادنا ، وسننتظر لفترة طويلة حتى تتوقف قيادات المذاهب ومنظريها من مفقرين وأقاضيميين وصحفجية عن مغازلة السياسة من أجل زعامة الدين ، وسننتظر لفترة طويلة قبل أن يظهر لدينا "نظير" لـ بي "نظير" بوتو!

ذو صلة: بي نظير بوتو .. سيرة ومسيرة من جريدة الرياض السعودية.. وكذلك من الإذاعة الهولندية..
* وهذا هو الفرق بين باكستان وإيران.. فبرغم الانتخابات والمؤسسات إلا أن هيكل الدولة هناك ليس مدنياً صرفاً ، وفي أقوال أخرى ليس مدنياً بالمرة!

Tuesday, December 25, 2007

طول عمري بخاف م العلم ، وسيرة العلم!

في إحدى المطبوعات التابعة للطرق الصوفية جاء مدير تحريرها ليتحدث عن الأضرار "العلمية" للنقاب..

لن أناقش هنا ما قاله سيادته ، لكن أذكر بموقف سابق لنفس هؤلاء إبان حوادث الجمرات ، يطالب بـ"توحيد الإشراف" على "الحرمين الشريفين" معتبرين أن الفتاوى هي "السبب" في تلك الحوادث..

الانتهازية كما يجب أن تكون!

تحميل الفتاوى وحدها مسئولية ما كان يحدث ليس فقط ضرباً من ضروب "الاستعباط" الذي نوشك أن نتنفسه ، ولكنه أيضاً ضرب من ضروب الانتهازية والتسويق المذهبي من قبل أشخاص يزعمون الزهد في كل شيء بما فيه "البابوية"..انتهازية الساسة وليست أخلاق المتدينين.. يا خسارة ع الشبيبة!

طبعاً محدش جاب سيرة العلم..لا من الطرق ولا من السعودية..

لم يتحدث أحد عن أن التصميم الخاطئ لجسر الجمرات ، وتجاهل علم إدارة الأزمات وهو علم قائم ومحترم كان عليهما عامل كبير في كوارث كبرى.. لم يتحدث أحد عن العلم لأن العلم ومستجداته أشياء تافهة ، صنعها الغزاة الفرنجة ، رغم أننا نعشق "العياقة" بالماضي العلمي للأمة وعز الأمة وجمال الأمة وحلاوة الأمة!

إلى أن استشعر البعض في إدارة الحرمين "حرج الموقف"..وقرروا الاستعانة بالعديق.. العلم يعني..وبنوا جسراً جديداً للجمرات ، وبخبرة ألمانية ، يعني برضه الفرنجة اللي بنشتمهم وبندعي عليهم..(ورغم هذا لم نلاحظ وجوداً كبيراً للعلم الحديث في مسائل أخرى .. كالأهلة مثلاً)..

العلم .. غسالة ومكواة وتليفزيون وإنترنت ، لم نسهم فيهم بأي شيء يذكر ، و"فشخرة" بعلماء مر عليهم قرون القرون ، العلم زر يضغط عليه ساسة الدين فتتم المناداة بإعماله ، ويضغطون عليه مرة أخرى فلا تسمع له لا حس ولا خبر..

دعوا الطرقيين والسلفيين المتشددين وغيرهم يمضون في غيهم ، قبل أن نفاجأ بمدافع أخرى ، أو بوحوش صنعتها تكنولوجيا الغرب ، تصفعنا .. فنفيق.. وما حدث عام 1798 كان مثالاً.. مجرد مثال .. لمن في عينه نظر!

لماذا "تباع" الخُطَب؟

أكرر: لماذا تتم تعبئة خطب الجمعة في شرائط ثم تباع هذه الشرائط؟

أطلب ممن سيثير هذا السؤال امتعاضهم -إن لم يكن غضبهم- أن يفترضوا في العبد لله حسن النية ، وأن يفترضوا أيضاً أن هذا السؤال هو سؤال طفولي بريء وساذج ممن "قد" لا يكون المنظر لديهم مألوفاً!

فمن العادي بالنسبة للشخص العادي أن لا يبتلع الموضوع برمته ، فكل علاقتي وعلاقة كثير من الناس بخطبة الجمعة أنها جزء لا يتجزأ من هذه الشعيرة ، وتعادل ركعتين من الصلاة إلى جانب ركعتي الجمعة نفسها ، فلماذا يتم تحويلها إلى شرائط وتباع هنا وهناك؟

ألم تشوه "شرطنة" خطب الجمعة شكل الخطبة بشكل عام؟..خاصةً بعد أن أصبح بعض من يقف على المنابر - بكل أسف - يتفرغ للمط والتطويل بما يتناسب مع طول الشريط ، ولا يهم أن يفهم الشخص أو يستفيد ، ادفع لك اتنين جنيه يا مؤمن وحتتحط الصورة في دماغك أحسن .. ولا مانع من إضفاء البصمة الشخصية على الخطبة تمثيلاً ، وزعيقاً ، وتشويحاً.. طالما أن البعض قد ينتهزها فرصةً لتسويق نفسه كما قد يُقال..

ثم إلى أين تذهب حصيلة بيع الشرائط؟ أنا فعلاً لا أعرف ولا أريد أن أكون سيء الظن.. هل إلى الشباب الذين وفر لهم "بعض الناس" فرص عمل ببيع هذه الخطب على أبواب ما يقرب من ثلاثة أرباع مساجد مصر؟ هل إلى الشركات التي تتولى طباعة هذه الخطب أولاً بأول؟

عاش المسلمون أربعة عشر قرناً من الزمان كانوا خلالها يحفظون الخطب في أدمغتهم وعقولهم وقلوبهم بدلاً من السي دي والشريط ، ما الذي استجد حتى يصبح بمقتضاه الشريط ضرورة حياة ، وحتى تصبح مناقشة بيع الخطب من عدمه كمناقشة 1+1=2؟

أسأل هنا لمجرد الفهم ، لا أكثر.. ربما تجيبونني..

Tuesday, December 11, 2007

هوة بالعافية؟

للعام الثالث على التوالي يتكرر هذا الفصل "البايخ" و "المخجل"..

يُعلَن اليوم الفلاني غرةً لذي الحجة ، ثم بعد قليل نكتشف جميعاً أنه اليوم الثاني من نفس الشهر.. لأن شخصاً "ما" رأى الهلال في الوقت الذي عجزت كل الأجهزة وكل الأقمار الصناعية عن رؤيته في الوقت المحدد!

وطبعاً لابد أن تُعدَّل كل الأمور في الدول العربية والإسلامية الأخرى للاحتفال بعيد الأضحى المبارك في موعده الجديد ..

وطبعاً يهش ويهلل البعض منا لهذا الهراء.. معتقدين ، أو صور لهم بعض الناس ، أنه رمز "لوحدة المسلمين"..

يا سلام!..

ما هي فائدة أن نتوحد على هلال شهر سواء أكان رمضان أو ذي الحجة؟ خاصةً إذا كان "مضروباً" ومشكوكاً في صحته ولا يأخذ بالأحوط ضارباً عرض الحائط بقاعدة أصيلة في الفقه الإسلامي ، أو إذا كان قد ثبت بحسابات فلكية "على أعلى مستوى" قد يكون مشكوكاً في دقتها ، أو بنظريات غريبة كالتي تتبع في "بلدان عربية بعينها"؟

إذا كنا نعتبر وحدة رؤية الهلال مقياساً لوحدة "الأمة" .. لماذا لم نفكر في توحيد الأساس الذي يُرى عليه الهلال ثم تأتي النتيجة بعد ذلك؟ وإذا كان هناك من يلطم ويعدد على "الحدود المصطنعة" التي صنعها الاستعمار والمش عارف إيه ، فإن هناك شيء اسمه الجغرافيا ، صنعه الله عز وجل ، الذي هو بكل خلق عليم ، ويمكن بمقتضاه (=الجغرافيا) أن تختلف رؤية الهلال في بلد كـ"قطر" عنها في "المغرب" عنها في "إندونيسيا"..

وما دام حلبسة بحلبسة ، لماذا لم يقترح علينا بعض ممن يرى في وحدة الأهلة مقياساً لوحدة العالم الإسلامي أن نوحد مواقيت الصلاة خصوصاً في شهر رمضان داخل العالم الإسلامي؟ ولتذهب في ستين داهية فروق التوقيت بين دبي والرياض والقاهرة وتونس والدار البيضاء وكراتشي!

وحدة المسلمين ليست بوحدة الأهلة ولا المطالع ..تكفي نظرة دقيقة لأحوال مليار مسلم في ست قارات.. كل عام وأنتم بخير قبل أن نفاجأ بأن وقفة عرفات ستكون يوم الأربعاء القادم!

Sunday, December 9, 2007

المكان الخطأ

ماذا يكون شعورك إذا أفقت ووجدت أكثر تخيلاتك شراً وقد تحول إلى واقع؟

كتبت قبل ستة أشهر وأسبوع الجزء الأول من هذا المقال .. ولم أكن لأتخيل أن ما كتبه العبد لله في الفقرة العاشرة منه قد تحقق ..وبكل أسف..

نعم.. نشر "العربية نت" أن هناك "دعاةً" يدخلون على المواقع "إياها" لتقديم الموعظة للشباب المدمن على البورنوجرافيا!

في إحدى الردود قال أحد زوار العربية نت أن الشباب المحتاجين إلى الهداية لن يذهبون إلى المواقع الدينية بل تراهم كثيراً في المواقع إياها.. قد يبدو هذا الكلام صحيحاً ولكنه غير مقنع بالنسبة لي..فلا يوجد ثمَّة فرق يذكر بين هذا التصرف وبين إرسال رسائل قصيرة دينية تدعو إلى ذكر الله والصلاة والسلام على رسول الله في وقت تتمايل فيه موديل في فيديو كليب!

أمام قليلين قد يتأثرون بما يقال ، هناك من سيتعامل مع الموضوع بسخرية شديدة منه ومن ما يدعو إليه ، وقد ينال ذلك من مصداقيته لدى جمهوره لأنه قد بدأ عمله بكذبة ، لا يهم إن كانت بيضاء سادة أو بيضاء بخطين حمر ، لكنها بالنسبة للشخص العادي مجرد كذبة.. وقد يتساءل زائر تلك المواقع في براءة : إيه اللي جاب الراجل دة هنا؟ تساؤل من حق سائله ومن حقنا أيضاً معه..

إذا كان الدعاة والوعاظ سيتوزعون - بمقتضى هذا الأسلوب العجيب- على الخمَّارات وبيوت الدعارة الحقيقي منها والسايبري ، فمن سنرى في المساجد؟ وهل سنجد شخصاً نسأله ونستفتيه في أمر يتعلق بديننا ، أو يعظنا فيه ويخبرنا فيه ما جهلنا؟.. أم أننا سنكتفي بإحالة بيوت الله إلى المعاش أو استخدامها استخدام آخر على طريقة "سلطان" بعد تخريبه لسيارة "رمضان السكري" في "العيال كبرت"؟ خاصةً وأن مدير البرامج بالقناة الدينية الشهيرة يقول أن الفضائيات صارت "مثل" المنابر في المساجد!

لقد ناديت إذ أسمعت حياً .. والباقي معروف..دمتم بألف خير..

Tuesday, December 4, 2007

حتى الحج؟

أن تباع تأشيرات الحج من قبل أعضاء المجلس (غير) الموقر في السوق السوداء ، فهذه مصيبة سوداء ، لكن أن توزع تأشيرات الحج على أعضاء المجلس (غير) الموقر نهاراً جهاراً فهذه ليست بدورها مصيبة بيضاء!

لنعقلها قليلاً .. لماذا توزع تأشيرات الحج على نواب مجلس الشعب أصلاً؟ ما هي الصفة التنفيذية لهؤلاء إن استسغنا أن التأشيرات توزع على التنفيذيين؟ وهل انضمت إلى قائمة "الخدمات" التي تعرض في البازار السياسي المصري؟ هل توزع تلك التأشيرات لكي ننتخب عضو مجلس الشعب الفلاني (وكلما كان حزبوطني كان أحسن علشان حيشبرق علينا في الحوار دة)، أم لكي "يتفشخر" بها هذا العضو قبيل الانتخابات التالية .. تماماً كما "يتفشخر" بتعيين "أبناء دائرته" في الخارجية كما فعل "ناس"؟

هل هي نفس اللعبة المبتذلة القديمة الجديدة التي تلعب في مصر منذ أيام الاسكندر الأكبر الذي ذهب خصيصاً لكي يتقرب لكهنة آمون..وتطورت طبعاً ببناء المساجد والتكايا والزوايا والصرف على الأضرحة والقبور وحضور الاحتفالات الدينية وتقريب بعض "المرجعيات" والشيوخ، فقط لكي ننسى الأخطاء والخطايا والجرائم؟

أم أن العيب فينا بصفتنا نحن الذين شجعنا كل هؤلاء على مر أجيالنا وعصورنا؟ هل هو ضعفنا الزائد أمام كل ما هو ديني؟ أم هي "الحوجة" التي جعلت تأشيرة الحج وتأشيرة الوزير على الوظيفة أعز من الذهب وأغلى من الماس ، وتستأهل تدخل البيه ابن الدايرة؟

هذا عن التأشيرات "الشرعية" طبقاً للأعراف السياسية المهلبية في بلاد العجائب ، فماذا عن تأشيرات السوق السوداء؟ هل يصح الحج بتأشيرة تم شراؤها في السوق السوداء؟

والسؤال الأهم : لماذا لم يُدِن أحد -سواء من المنظرين للتمذهب أو من "الربراريين" دخول الحج في هذه اللعبة السخيفة؟ ولماذا يصر البعض على التفسير السياسي لهذا الركن الركين من أركان الدين بأن يقول أنه مؤتمر ورمز لوحدة الأمة؟ ولماذا أصبح الحج فرصة للتسويق الفكري والانتهازية والشماتة الوقحة بين قيادات ومنظري المذاهب كما حدث بعد حادث الجمرات؟

Monday, December 3, 2007

Same Same

same same..

هذه العبارة التصقت كثيراً بشعوب شبه القارة الهندية ومن حولها خاصةً من يعمل منهم في دول الخليج النفطية .. وقصتها -والعهدة على أحد أساتذتي في الجامعة- أنه عندما يطلب أحدهم طعاماً في مطعم متواضع فيقول أحدهم صنفاً ما .. ولكي يقول أي منهم أنه يريد نفس الصنف يكتفي بقول عبارة same same..

خطر هذا التعبير على بالي عندما أردت الكتابة في هذه التدوينة..

لك أن تتخيل أن السلفية المتطرفة على سبيل المثال قد توصل الناس لنفس التأثير الذي يريده بعض العالمانيين والداعون لإقصاء الدين تماماً عن الحياة.. فهذا الخط المذهبي يمعن بشدة في التركيز على العبادات بكافة أشكالها ويتجاهل المعاملات رغم أهميتها في الإسلام ، ويمعن في عزل الناس عن حياتهم الدنيا بالكامل ، وهو يشبه كثيراً ما يريده خصومهم التاريخيون -الصوفيون- بعزل الدين عن الدنيا ، وهو ما يريده خصوم الجميع من متطرفي العالمانية المؤمنين بأنه لا دين في الحياة ولا حياة في الدين!

لك أن تتخيل أيضاً أن السلفية والصوفية قد يوصلان الناس لنفس التأثير الناتج عن التبرك بالأشياء ، ففي الوقت الذي ابتدع فيه الصوفيون وآخرون التبرك بالأضرحة والقبور ، ويبرر ذلك منافقوهم في الصحف "الموس- تا -قلة" بأنها مسألة "رمزية" ، نجد قناة ما تقيم مزاداً للتبرك بمقتنيات الشيوخ .. نفس الفعل ولو من بعيد..

قد يقول القائل بأن هناك مزادات مشابهة على مقتنيات فنانين ولاعبي كرة .. وأقول بأنه رغم أن مثل تلك المزادات تنطوي على "هوس" بتلك الشخصيات قد يتخطى حدود المقبول عقلاً .. فإن تلك الشخصيات ليست شيوخاً ولا علماء دين .. وقد يثير اتباع مثل هذا التقليد السخيف معهم أيا كانت دوافعه الخيرية حساسية أشد لدى عامة الناس الذين أنا واحد منهم .. (ولا حاجة للتذكير بأن هناك ألف طريقة لعمل الخير ومساعدة الفقراء والمحتاجين غير هذه التقليعة)..

من المذهل أن يتباين هؤلاء فيما بينهم ، ويتطرفون في انتماءاتهم ، ويهاجمون بعضهم البعض إلى أقصى مدى ، ويدعي كل منهم أنه الاعتدال وغيره التطرف ، أنه الحقيقة وغيره الأوهام .. بينما كل هؤلاء يبدون كسلسلة من المطاعم تتنافس في تقديم نفس صنف الطعام الذي يصيبك بتلبك معوي في نهاية الأمر.. وإن كان من المهم القول بأنه عندما تتلبك معدتك فإنك لن تسأل كثيراً عن مكونات الطعام التي فعلت بمعدتك تلك الفعلة ، طالما أنه من نفس الصنف الذي تقدمه كل المطاعم التي تتنافس على انتمائك ، وولائك ، وتعاطفك ، و"مصاريك" ، ومصارينك ، ومصيرك أيضاً..

Tuesday, November 20, 2007

مراجعات

1-هناك شعور لدى كاتب هذه السطور أن المراجعات التي قامت بها قيادات في التنظيمات المتطرفة المسلحة خرجت تحت ضغط الواقع أكثر منها قناعات فكرية صرفة..وكان شكل هذه المراجعات ليتغير -تماماً- لو لم يكن "الأمر الواقع" قائماً.. بمعنى..

بمعنى أن هذه الجماعات - مصحوبة بدعم "خارجي" أحياناً-قد دخلت "في وقت ما" في صراع مسلح مع النظام .. دار على جولات أشهرها وأصعبها في ثمانينيات القرن الماضي -السنوات الأولى للحقبة المباركية في السياسة الداخلية المصرية .. وانتهى بالتأكيد لصالح السلطة ، وصار معظم قادة هذه الجماعات في السجون .. بل ويمكن القول بأن قوى هذه الجماعات قد استنفذت تماماً خلال فترة الصراع سالفة البيان..كما أن أي محاولات للعودة إلى الشارع ستصطدم بظروف داخلية وخارجية ليست أبداً في صالحها..فهذه الجماعات خسرت كل الأرضية التي حصلت عليها في الثمانينيات (أوج ممارستها للعنف) لحساب جماعات الإسلام السياسي (الإخوان) ولحساب التيار السلفي..

2-ومع هذا الشعور أشعر أيضاً بأن تلك المراجعات تنطوي على بعض "الجرأة"..وهذا يثير بعض الأسئلة "الوحشة" -بما إن البعض مل من استخدامي لتعبير "الأسئلة الشريرة"!

هؤلاء الناس الذين دخلوا مع الدولة في صدام مسلح وقتلوا الأبرياء وخربوا الممتلكات امتلكوا من الجرأة لمراجعة أفكارهم حتى ولو تمت المراجعات تحت ضغط أو كانت انسحاباً تكتيكياً أو "حركة تموين".. فماذا عن المصنفين كـ"معتدلين"؟

هل هناك جرأة - مثلاً- لدى قيادات التيار الشيعي في مراجعة مفهوم "ولاية الفقيه"؟ أو لدى الصوفيين في مراجعة "الطرقية"؟ ألم يحرك ما قاله مفتي "الجهاد" بخصوص كتب السلف بعض المياه الراكدة لدى السلفيين الأصوليين ، أو لدى السلفيين "الحسانيين" -نسبةً إلى الشيخ محمد حسان ورفاقه؟

تلك الأفكار بالنسبة لهؤلاء من "المعتدلين" لها في مذاهبهم نفس منزلة "الجهاد" لدى تنظيم "الجهاد" ومن على شاكلته.. وقد تهدد تعايشهم مع المجتمع المحيط بهم وقد تسبب لهم عزلة وحصاراً..تماماً كعزلة "الجهاد" التي شعر بها الآن..

المراجعات إذن ضرورة حياة وبقاء بالنسبة للعديد من الشلل الدينية.. وليس للمراجعة من بديل سوى الصدام مع المجتمع أو مع الأنظمة.. صدام حدوثه في توقعي المتواضع "مسألة وقت"..

Monday, November 19, 2007

حكاية مهندس الصوت مع "صورة الإسلام"!

مهو لازم يطلعوا فيه القطط الفطسانه عشان يشوهوا بيه صوره الاسلام هوا ده النظام المفضوح بتاعهم اليومين دول

الكلام قيل في سياق التعليق على مقال نشره "بص و طل" عن "المنشد الديني" وليد أبو زياد..هذا المنشد الذي اكتسب حصانة خاصة للغاية لا لشيء إلا لقربه من تيار مذهبي معين وقناة معينة.. لا أكثر..

يتناول التقرير الذي نشره الموقع سالف الذكر نبذة مختصرة عن حياة "وليد أبو زياد".. وعن تقليعته الغريبة والمستنكرة بوضع مؤثرات صوتية على آيات القرآن الكريم.. والعهدة على التقرير..أما ما أغفله التقرير بالمناسبة فهو أنه صاحب "الرؤية الفنية" لـ"همسات" و "قبسات" قناة الناس والتي تتضمن مؤثراتها الصوتية و"أحلى صدى صوت" بشكل يجعلك تشاهد فيلم رعب لا تستمع لوعظ ديني!

المصيبة عندنا أنه عندما تؤيد شخصاً أو تتعصب له فإنك تنسى تماماً ما يفعل ولا تحاول أن تعرضه على عقلك.. بل ونحاول أن نبحث له عن مبررات بأي طريقة.. فنرى زميلنا العزيز مصطفى فتحي-وله مني كل تقدير- يقول على سبيل المثال:

أعرف المنشد وليد أبو زياد بصفة شخصية، هو شخص ملتزم ومحترم والجميع يشهد له بالتدين، وليد أراد أن يقدم القرآن الكريم بشكل جديد ومختلف ليجذب أكبر عدد من الشباب فقرر أن يجمع بين عمله كمنشد ينشد أناشيد دينية وكقارئ حسن الصوت للقرآن الكريم، لكنه لم يتوقع أبداً ما سيحدث له من مجرد انه استخدم "عقله" و"فكر" وقرر أن "يحاول" أن يقدم "فكرة" مختلفة..

حتى لو سلمنا أنه قد اجتهد فمن الوارد أن المجتهد يخطئ ، إن كان ما يفعله هو اجتهاد أصلاً، وليس تقليعة من التقاليع والافتكاسات التي خرجت بها مدرسته المذهبية علينا من موسيقى إسلامية ، وإنشاد إسلامي ، ورنات إسلامية.. وخلافه!

وللأسف نحن لا نحسن "استخدام عقولنا" إلا بهذه الطريقة وفي هذه المناطق.. ونجد في وسائل إعلامنا من يتحمس تحمساً منقطع النظير لهذه التقاليع ويعتبرها "استخداماً للعقل" و "التكنولوجيا الحديثة" .. وطبعاً "كل" من يعترض فهو متشدد رجعي متخلف عقلياً طبقاً لمعايير الميديا ومن يكتب فيها.. تذكروا ما كتبه العبد لله في "الخطيب الديجيتال" مع بداية "الدين والديناميت" أواسط العام الماضي..

المسخرة أنه - ويمكن استنتاج ذلك من بعض التعليقات على تقرير "بص و طل" -نفر كثير من مشجعي المدرسة المذهبية إياها يؤيد أبا زياد بلا هوادة .. علماً بأن تلك المدرسة تعتبر الموسيقى والغناء "حراماً" و "الموسيقى الإسلامية" أو "الغناء الملتزم" "حلالاً".. ويثنون على محترفي غناء القرآن الكريم من أمثال الشيخ مشاري بن راشد وشركاه .. الغناء العادي حرام وغناء القرآن حلال..شيء مذهل!

المشكلة ليست في شخص "أبي زياد" .. بل فيما يفعله ويفعله آخرون سواء في بروموهات الناس-وغيرها- أو مع القرآن الكريم متحامين في اتجاه يزداد نفوذه يوماً بعد يوم.. ومع ازدياد نفوذه وقوته في الشارع تتولد قابلية تلقائية لكل تصرف يخرج من أي منتمٍ له ولو كان من المنتمين الترانزيت.. ويصبح أي انتقاد يوجه للتصرف ،وللقائم بالتصرف ، هو محاولة لتشويه "صورة الإسلام".. الذي هو أكبر من مجرد منشد أو مهندس صوت.. ومنا جميعاً..

Thursday, November 15, 2007

فزورة جمال البنا

بعيداً عن تحفظاتي الواضحة والمعلنة والثابتة على ما يسمى بلقب "مفكر إسلامي".. رأيت في كلام "جمال البنا" شيئاً يستحق النقاش.. لكونه يشبه "الفزورة" إلى حد كبير..

كتب في جريدة المصري اليوم عدد أمس الأربعاء 14/11/2007:

الشريعة أعظم مما يتصورون، لأنها تتناول علاقة الحاكم بالمحكومين، الرجل بالمرأة، الغني بالفقير، وفي هذه كلها فإنها تندد بالظلم والأثرة وتدعو إلي العدالة والمساواة، وتستهدف إعلاء كرامة الإنسان وأن تكون العزة للمؤمنين،

كلام جميل وكلام معقول ما أقدرش أقول حاجة عنه لحد دلوقت.. لكن لنكمل قراءة ما بعد ذلك:

وكيف تكون لهم وهم جهلاء ضعفاء، مستذلون للأغنياء والأقوياء والحكومات، هنا يظهر دور الشريعة، وأنها هي التي تقوم بالثورة الاجتماعية ـ السياسية ـ الاقتصادية لتحقيق العدالة وكفالة الكرامة

أجد صعوبة في فهم الفقرة السابقة كلها .. في ظل السطر الذي كتبه في فقرة سابقة من المقال:

لا أتردد في القول إن الشريعة اليوم هي العدل والتنمية، وبقدر ما يتحقق العدل سياسيا والعدل اقتصاديا، وبقدر ما تتحقق التنمية التي ترفع مستوي المعيشة، وتكفل لنا الاستقلال الاقتصادي ـ نحقق الشريعة.

وقد يقال أين خصيصة الإسلام التي تميز عدالته وتنمويته؟فأقول إنه ليس من المهم أن يكون هناك خصيصة، لأن الإسلام يريد العدل، وحيثما يكن العدل تكن الشريعة بتعبير ابن القيم، وأينما تكن الكفاية الاقتصادية تكن الشريعة، ومع هذا فإن الإسلام يضفي لمسة أخلاقية ومعنوية تميز العدالة والتنمية الإسلامية.

أذكر بأن العدل سياسياً واقتصادياً كليهما أولويتان لا تختلفان باختلاف الزمان والمكان.. هذا أولاً..

بما أن "جمال البنا" تحدث عن "العدل والتنمية الإسلاميتين".. ويندرج تحت بند العدل وفقاً لما قال سابقاً "العدل السياسي".. هل هناك عدل سياسي إسلامي وعدل سياسي غير إسلامي؟ العدل هو العدل يا سادة..

ثانياً .. هل يجب أن تتلفع كل الإصلاحات السياسية والاقتصادية المنوط بها تحقيق العدل سياسياً واقتصادياً تحت لافتة "الحكم بالشريعة" ، أم أن تحقيق هذا المقصد الهام يمكن أن يتم بدون شعارات وبدون القول بأن "الشريعة" هي محرك الانتفاضات السياسية والاقتصادية؟

قد يبدو كلامي سلسلة من الهرتلة أو التفكير غير المنظم.. لكن كل هذه تساؤلات حول مبادئ عامة طرحها في مقاله أتفق معه فيها ، بغض النظر عن أفكاره وتناقضاتها "فهو الذي يقول أن الدولة في الإسلام مدنية في حين أن الإسلام لم يفترض نموذجاً للدولة من أصله"..ربما لديكم إجابات عن أسئلتي هذه..

ذو صلة: هذا هو رابط مقال جمال البنا في المصري اليوم عدد الأربعاء الرابع عشر من نوفمبر 2007.. أرجو فقط النقاش في الفقرة الخامسة منه لأنها هي التي تهمنا في هذه التدوينة.. وأرشح للقراءة ما كتبه صديقي ابن عبد العزيز منذ أكثر من عام ونصف العام..

Sunday, November 11, 2007

متورطون في فوضى الفتاوى

1-بما أننا طائعون خانعون لسلطان الميديا ، والموضة في ميديا هذه الأيام هو اللون "الفحلوقي التهييجي" .. كان من الطبيعي أن تُحدِث حالة من الهياج على بعض الفتاوى وتحليلها تحليلاً سياسياً دون أدنى احتكام للعقل .. رغم أن تلك الأقلام تصدعنا ليلاً ونهاراً بضرورة تجديد الخطاب الديني وعرض النقل على العقل..الخ!

من أمثلة هذا الهياج ما قيل عن فتوى حرق قش الأرز .. ويمكنكم أن تلمسوا هذا في التعليقات على التقرير سالف الذكر في "إسلام أون لاين دوت نت"..وهي في معظمها تعليقات "رافعة للضغط"..

الأمر يبدو كلعبة "شد الحبل".. علماء المؤسسة الرسمية يريدون شد الشارع لاتجاههم ويريدون فتاوى مسيسة على مزاجهم، والشارع ينتقد هؤلاء العلماء وينتقد - فيما يبدو- تسييس الفتاوى بينما هو يريد فتوى مسيسة طبقاً لقناعاته هو ولقناعات الاتجاهات السياسية أو المذهبية التي يتعاطف معها..بالبلدي .. تتكلم لي في قش الأرز ح أتكلملك في المحاكمات العسكرية.. وسيب وأنا أسيب.. يا حبيبي وأنا سيب..

لا شك أن حرق قش الأرز عمل أحمق .. وألمس أن هناك حوار طرشان في هذا الشأن بين الحكومة وبعض حارقي قش الأرز الذين لن يقتنعوا بأي بديل تقترحه عليهم الحكومة أو مؤسسات المجتمع المدني .. خاصةً وأن تحدي الحكومة من قبل الصغار والكبار صار عملاً "بطوليا" كما تصوره ذهنيات من يفعلونه..

عن نفسي .. أنا من رافضي إعلان الفتاوى "عمال على بطال" على محدثات بغرض تشجيع الناس على فعل شيء أو تنفيرهم من عمل شيء لكونه مدخلاً من مداخل التسييس والمصالح الشخصية والمذهبية .. وربما بدا هذا على الفتوى سالفة الذكر .. ولكن ألن يثور نفس النقاش لو أن خطيب المسجد في القرية نصح الفلاحين في خطبة الجمعة بأسلوب هادئ بعدم حرق قش الأرز لأن فيه مفسدة .. هل كان ليقتنع بكلامه أحد؟

والسؤال الشرير الذي يفرض نفسه .. هل لو كان من أفتى بتلك الفتوى من خارج المؤسسة الدينية الرسمية ، أو من شيوخ الشرائط وقنوات "عاطف عبد الرشيد" كان الأمر ليختلف؟

2-نسأل عادة سؤالاً من اثنين.. لماذا هذه الفتوى صحيحة؟ ولماذا هذه الفتوى خاطئة؟ .. وأعتقد أنه من حقي إضافة سؤال ثالث : ولماذا يسأل من سأل عن تلك الفتوى من عدمه؟

خذوا فتوى فضيلة مفتي الديار المصرية عن ضحايا الهجرة الغير شرعية والذين خلع عنهم وصف الشهادة.. الفتوى يسهل الرد عليها بالإكليشيه القانوني "قصور في التسبيب وفساد في الاستدلال" (والفساد هنا مجرد إكليشيه قانوني ولا يقصد به الإهانة حتى في سياقه).. لكن لماذا سأل مَن سأل عن كون ضحايا هذه الحوادث شهداء أم لا ، ولماذا سأل من سأل عن كون ضحايا العبارة شهداء أم لا (ولا يقلل ذلك من جسامة مأساة العبارة ولا قطار الصعيد الذي نسيناه ونسينا ضحاياه)؟ ولماذا يتبرع بعض العلماء بإعطاء فتاوى من جانبهم في هذه المواقف فيثار السؤال في مواقف مشابهة عنها؟

صحيح أن بعض السائلين هدفهم المعرفة .. لكن هناك سائلون يتمتعون بدرجة عالية من السآلة يسألون عن أشياء من عينة "هل يجوز فتح الحنفية باليد اليسرى أم اليمنى؟"!

3-إذن فعلماء المؤسسة الدينية الرسمية والذين ينتقدون فوضى الفتاوى دون فعل أي شيء للرد عليها ، بل وينافسونها بفتاوى أغرب ، وأصحاب الأسئلة الغبية ، والميديا المسيسة ومن يسيرون خلفها نياماً ، هم شركاء في فوضى الفتاوى بطريقة أو بأخرى.. ما دمت شريكاً في شيء فلا تشكو منه..

Monday, November 5, 2007

خذوا الحكمة .. و"لو" من القاعدة!

أرفض "القاعدة".. وأرفض ممارسات "القاعدة" .. و"القاعدة" التي قامت عليها "القاعدة".. لكن..

لكن لفت نظري شيء بسيط جداً لا أعرف كيف غاب عنا أو تم تغييبه..

"بتوع القاعدة" استخدموا تكنولوجيا الغرب ضده .. أيَّاً كانت الطريقة التي استخدموها - والتي أرفضها - لكنهم على الأقل قاموا بعمل شيء إيجابي ولو من وجهة نظرهم القاصرة..

أما نحن معشر "المعتدلين" .. فماذا فعلنا؟

قاطع .. قاطع .. قاطع .. شيوخ وعلماء أجلاء يفتون بأن المقاطعة "فريضة شرعية" .. وجماعات وطرق وأحزاب تتنافس فيما بينها على عمل حملات مقاطعة في المساجد والفضائيات والصحف ومؤتمرات ومنظمات وجمعيات وملصقات توزع على المصلين خارج المساجد و"تُلْطَع" على مداخل الصيدليات ..وهتافات وطنية ودينية والأمة ومش الأمة..

حل استهلاكي جداً .. يؤكد أننا استهلاكيون حتى النخاع..حل سلبي يعكس عجزنا عن أن نكون شيئاً غير حفنة من المشترين.. ولا أحد - بالله عليكم - يُسْمِعني أرقاماً وإحصائيات عن الخسائر التي منيت بها شركات لمجرد "أننا" تفضلنا بمقاطعتها..

متى فكرنا أن نكون أكثر إيجابية؟ متى فكرنا في إيجاد البديل قبل أن نقاطع؟ متى فكرنا في استخدام تلك التكنولوجيا لمصلحتنا؟ متى فكرنا أن نكون جزءاً من تلك التكنولوجيا لا متفرجين عليها؟ متى فكرنا أن نكون أرقاماً أكبر من الصفر؟

لهذا أثار غضبي بشدة ما قاله الشيخ "محمود المصري" يوم الجمعة الفائت عندما ضرب مثلاً بالقدرة على خدمة الدين بالشاب الذي يعرف الكمبيوتر ويوزع خطب المشايخ على موقعه على النت .. رغم أن خطب شيوخ "الناس" وغيرها يمكن الوصول إليها بكل الطرق خاصةً وأنها تباع - أو توجد على الأقل- فيما يزيد عن ثلاثة أرباع مساجد مصر!

كنت أتصور أنه سيطلب من أهل الاختصاص أن ينتجوا برمجيات بديلة تغنينا عن منتجات "أعداء الأمة" .. الذين صنعوا تكنولوجيا نكتفي باستهلاكها .. واخترعوا محمولاً اكتفينا باختراع رناته!

إذا كانت "القاعدة" حركة متطرفة -وهي كذلك- فلماذا لا يتعلم منها "المعتدلون" الشيء الصواب الوحيد الذي تفعله ويطبقونه بطريقة تتناسب مع "اعتدالهم" كما يطبقه المتطرفون بما يتناسب مع تطرفهم؟

Wednesday, October 31, 2007

مختار وشهروزة .. وياسر نجم والشيخ الغزالي-جزء ثان

عرفت كتاب "السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث" عن طريق الدكتور ياسر نجم.. صاحب مدونة "وسط البلد"..ويتصادف أن يكون من كتاب الصحيفة الإلكترونية لحزب "الوسط" الجديد ذي المرجعية الدينية.. أتفق معه في كثير وأختلف معه في كثير ، ومن ضمن الكثير الذي أختلف فيه معه علاقة الدين بالسياسة ، وفكرة الأحزاب ذات المرجعية الدينية في ذاتها..

عرفت الكتاب عن طريق ياسر الذي عرض للكتاب في منتدى الأهلي دوت كوم.. وأثار جدلاً واسعاً ونقاشاً حامياً سببه الأول والأخير هو المناخ الثقافي الذي نعيشه.. وليس النادي الذي نشجعه (=ياسر وكاتب هذه السطور..

ومن أهم ما "يميز" -لمن لا يزال يرى أنها ميزة- هذا المناخ هو التعصب الفائق لأسماء المشايخ والعلماء خاصةً منهم من يمثل تياراً مذهبياً.. والذي يفوق التعصب الكروي سوءاً بمرات ومرات.. صحيح أن صاحب الكتاب هو الشيخ محمد الغزالي بعلمه وخبرته الطويلة في العمل الدعوي وثقافته الواسعة والاحترام الذي يحظى به من جانب كثير من الناس.. إلا أن عدم انتمائه لـ ، واختلافه مع تيار مذهبي "بعينه" كافٍ جداً لـ"تسكير" الباب - على رأي إخواننا الشوام- في وجه الكتاب ، وعدم التفكير بعقلانية بما فيه ، طبعاً بعد إشباع مؤلفه -الذي هو بين يدي الله سبحانه وتعالى - من كل صنوف الهجوم والسباب..

ما أراه- والله تعالى أعلى وأعلم- أن الرجل وضع يده على الجرح وكأنه تنبأ بما يحدث الآن..علامة اليساوي الكبيرة الموضوعة بين كلمتي "محدث" وكلمة "عالم" وكأنه لا "عالم" إلا "المحدث" فقط.. بل يريد بعض الشيوخ الذين نراهم ونسمعهم على الفضائيات والكاسيت والذين يصنفهم أتباعهم كـ"محدثين" أن يقوموا أيضاً بدور الفقهاء المجتهدين ومستنبطي الأحكام في آن واحد .. وهو نفس الخطأ الفادح الذي يقع فيه من يسمون أنفسهم "مفكرين إسلاميين" الذين يريدون القيام بدور الفقيه والمحدث والعالم والخبير السياسي والاستراتيجي في آن واحد!

كان يرى أن "عمل الفقهاء متمم لعمل المحدثين، وحارس للسنة من أي خلل قد يتسلل اليها عن ذهول أو تساهل".. فالفقهاء وعلماء التفسير أسهموا في رحلة جمع وتدقيق الحديث النبوي في العصور الأولى وتنقيته من الضعيف والموضوع ..وبالتالي من الحيوي أن يعمل الكل معاً كلٌ في تخصصه..

كان يرى أن التدقيق في متون الأحاديث يتطلب فهماً عميقاً وحقيقياً للقرآن الكريم لغةً ونصاً ومعنىً وروحاً.. حتى لا نفاجأ بأقوال نسبها رواة للرسول عليه الصلاة والسلام تتضارب بقوة مع صريح نص القرآن الكريم علماً بأن الرسول لا ينطق عن الهوى ولا يمكن أن يقول بعكس ما أنزل عليه من الذكر الحكيم.. حتى لا نفاجأ بمتنطعين يقولون بالتضارب بين القرآن والسنة.. حتى لا نتخبط أكثر وأكثر كعامة غير متخصصين ونزداد "حَوَلاً" إلى الحَوَل الذي نعاني منه!

هذه كانت الخطوط العريضة للكتاب من وجهة نظري الشخصية المتواضعة وأتفق معها في كثير ، وعلى ضرورة استمرار حركة شرح الحديث الصحيح سنداً ومتناً.. والله تعالى أعلى وأعلم..

Sunday, October 21, 2007

مختار وشهروزة..والشيخ الغزالي وياسر نجم-جزء أول

أكن احتراماً كبيراً لـ"شهروزة" و "مختار العزيزي"..كأشخاص وكمدونين..وأتمنى أن يكون ما حدث مؤخراً بينهما مجرد خلاف عابر في وجهات النظر كالذي يحدث بين أي شخصين في العالم..

للتذكير.. كتبت شهروزة تدوينتين متتاليتين في شأن العديد من الأحاديث التي تراها قد دُسَّت على الرسول الكريم وترى أن الذين يهاجمون الإسلام في الغرب استندوا إليها.. ورد مختار العزيزي بدوره بتدوينتين متتاليتين في نفس الشأن.. ووجدت نفسي بين الاثنين في حيرة كبيرة مثلي مثل كل من قرأ التدوينات الأربع..

ومِنْ ثم.. فالآتي بعد هو مجرد خواطر غير منتظمة على سبيل التفكير بصوت عال..تحرياً للحقيقة قبل أن يكون فض اشتباك بين مدونين أقدرهما وأحترمهما..

1-من المؤكد أن هناك أحاديث صحيحة وأحاديث ضعيفة وأحاديث موضوعة ومدسوسة..أعلم أن التذكير بتلك الحقيقة من نافلة القول.. لكني أراه نقطة انطلاق..

2-الحكم بصحة أو عدم صحة حديث أمر شديد الصعوبة والحساسية ..ولذلك ..

3-بذلت جهود كبيرة في فترة معينة من التاريخ الإسلامي لمعرفة الصحيح من الضعيف من الموضوع.. هذه الجهود قد تحتمل الصواب والخطأ لكن تبقى تلك الجهود قائمة..وإن كان لم يبذل نفس الجهد الكبير في محاولة شرح الحديث النبوي.. وتوقف مثله تماماً مثل تفسير القرآن الكريم عند مرحلة زمنية معينة لم يتخطاها..وكان لذلك في رأيي أثر خطير ومدمر بلا أدنى مبالغة..

4-يرى الغزالي في كتابه الهام والمثير للجدل "السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث" أن القصور الأكبر في عمل رواة الحديث كان في تغافلهم عن القرآن الكريم وعرض تلك الأحاديث عليه.. ربما هذا ما تراه شهروزة أيضاً.. لكني أرى بدوري أن هذا العرض يحتاج لاحترافية في التفسير وتجرد مذهبي قد لا يتوافر لبعض "المفقرين"..

5-افترضت شهروزة أن من يشنون الهجمات في الغرب على الإسلام انطلقوا من تلك الأحاديث.. وأود هنا إضافة تعليقات على تلك الفرضية:

أ-هذا التصرف ليس وليد القرن الماضي ولا القرن السابق عليه وإنما هو ببساطة وليد الحروب الصليبية التي شهدت صراعاً سياسياً وعسكرياً بين الشرق الإسلامي وجنرالات الحملات الصليبية.. وفي سبيل ذلك طبعاً كانت النية مبيتة لدى بعض المرتبطين بالحملات ، ثم من جاء من بعدهم من مستشرقين لتشويه صورة الإسلام في عيون العالم الغربي..

ب-لكني لست مع فكرة أنهم استندوا لتلك الأحاديث - وحدها - فيما فعلوه.. فمنذ ذلك الوقت ومع وجود تلك الأحقاد المرتبطة بصراع عسكري وثقافي وكل شيء في الإسلام يتم استغلاله لضرب الإسلام.. بل إنه من المعروف تاريخياً أنه في العهود الأولى للاستشراق تمت ترجمة وتحريف القرآن الكريم ذاته في أوروبا!

6-هذه الممارسات لا يقوم بها "المستشرقون" وحدهم .. سنجد على الخط بعض المتطرفين من أتباع ديانات أخرى في مواقعهم وبرامجهم التليفزيونية تحكمهم نفس نظرية الصراع الديني والثقافي.. وكذا - عن جهل أو سذاجة أو سوء نية وتعمد- بعض وسائل الإعلام عندنا ، ومنها التي تعشق اللعب على هذا الوتر.. وهنا تكمن الخطورة..فهناك فرق كبير بين أن يكون التشويه موجهاً لآخرين..وأن يكون موجهاً لك!

7-فرضيتان وعدة أسئلة:

أ-في حالة إذا ما كانت الأحاديث التي أشارت إليها الزميلة العزيزة شهروزة مكذوبة ومدسوسة.. لماذا لم يتصدى أحد من العلماء لتنقيحها؟ من الأمور التي أستغربها على سبيل المثال أن أجد حديثاً ضعيفاً وأجد أن عالماً "ما" قد قام "بتصحيحه".. خاصةً وأن هذا العالم لا ينتمي لحقبة زمنية "بعيدة" عن حقبتنا!

ب-في حالة ما إذا كانت تلك الأحاديث صحيحة فلماذا ننساق وراء تفسيرات أطلقها آخرون في مكان آخر من الأرض؟ ولماذا لا يكون التفسير لأنفسنا أولاً قبل أن يكون لفلان أو لعلان؟

8-يستغل "البعض" لدينا وجود أحاديث مغلوطة لضرب كل كل السنة ولعدم الاعتراف بها كليةً كمصدر للتشريع والعبادات وحتى مكارم الأخلاق.. وللبعض من هذا البعض تفاسير ووجهات نظر لا ترقى إلى مصاف الهراء..

9-والأهم-هل الحديث وحده هو الذي يستحق كل هذه العناية؟ هناك كرامات وحواديت وقصص يتم تناقلها في الميديا الرسمية وغير الرسمية وفي الاحتفالات الدينية لكل مذهب على حدة تحتاج للعرض على العقل والنقل معاً .. وكلها أشياء رسخت في ذهنيتنا على أنها "من الدين" وهي ليست منه أصلاً صحَّت أم كانت على خطأ..

أدعوكم عموماً لقراءة ما كتبته شهروزة أولاً ، و ثانياً.. والجزء الأول من رد مختار العزيزي ، وبعده الجزء الثاني لتقفوا على وجهتي النظر..

وأدعو الاثنين شهروزة ومختار لقراءة السطور السابقة..وأشكرهما بالتأكيد على فتح موضوع هام للنقاش بما كتبوه.. ولست بحاجة للتذكير بأن الشتامين يمتنعون.. خاصةً وأن قدراً منها سيكون في انتظارها وانتظاره وانتظاري أيضاً!

في الجزء الثاني إن أراد المولى عز وجل كلام عن زميلي الأهلاوي جداً ياسر نجم وقصته مع كتاب الغزالي الهام والمثير للجدل.. السنة بين أهل الفقه وأهل الحديث.. وهو موجود على الرابط سالف الذكر بصيغة الوورد وتحميله سريع.. اقرأوه ونلتقي بإذن الله..

Friday, October 12, 2007

المتحدث الرسمي!

هل نحن بحاجة إلى من يتحدث باسمنا ، سواء أكان في مشيخة الأزهر ، أو في مكة ، أو في قُم، أيَّاً كانت حيثيته ، كما ينادي بعض المتعصبين لكل تلك الاتجاهات من حين لآخر.. شاكين لطوب الأرض "الحالة الكرب" التي يعيشها مليار مسلم لا يوجد "متحدث رسمي" باسمهم؟

ما قاله شيخ الأزهر في خطبة الجمعة الأخيرة "سابقاً لأن الأخيرة فعلياً كانت اليوم" ، ثم في خطابه في احتفال ليلة القدر هو خير دليل يدعم ردي التقليدي والثابت على هذا السؤال بـ "لا" كبيرة..

لننحِ رأينا الشخصي في الشيخ طنطاوي كرجل دين وكشيخ للأزهر مقارنة بأسماء سبقته كالمشايخ "عبد الحليم محمود" و "محمد عبده" و "محمود شلتوت" و "جاد الحق علي جاد الحق".. لكن هل يمكننا أن نعزل أي شخص يتولى رئاسة مؤسسة دينية أو يُوَلَّى قيادة شلة أو أتباع مذهب عن أي من المتغيرات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية المحيطة به؟

لا يمكن عزل الشيخ طنطاوي عمَّا يحيط به.. بل إننا عندما نجول بأبصارنا في العالم العربي وفي إيران نجد أن هناك من رجال الدين من يتعمد التدخل والمشاركة فقط من أجل مصالح أياً كان نوعيتها ومشروعيتها ويقومون في سبيل ذلك بتسييس الدين.. ونحن ممن انبهر بتلك النماذج بدأنا نصدق في تسييس الدين نفسه ونوشك على اعتبار من ينكر ذلك خارجاً عن الملة!

وعندما يجامل رجل الدين ، أو غير رجل الدين ، مجموعة مذهبية أو شلة سياسية أو دولة أو .. أو .. أو .. توقعوا زلات كبيرة وأخطاء قاتلة ندفع كلنا ثمنها..وطالما أن رجل الدين هذا يفترض لنفسه أنه المتحدث الرسمي باسم المسلمين فإن أي خطأ فادح سيحسب على المليار كلهم بمن فيهم من لا يؤيدون أفكار المتحدث الرسمي!

عدم وجود متحدث رسمي باسم الإسلام ليس سُبَّة ولا نقطة ضعف.. بالعكس .. أراه ميزة تستحق أن نحمد الله العلي القدير عليها.. فالمتحدث الحقيقي باسم الإسلام هو رسوله المحرَّك بوحي العلي القدير وله عصمة لا تتوافر لأي من البشر العاديين..

نقطة الضعف الحقيقية هي أن يفترض البعض لمجموعاتهم وجماعاتهم ومؤسساتهم دوراً أكبر من دورهم "الحقيقي" .. والله المستعان..

وزارة الأوقاف المنبطحة!

سبحان الله..

كان ظهور صلاة التهجد وختم القرآن الكريم مرتبطاً بشكل كبير بالتيار السلفي وجماعات الإسلام السياسي في الوقت الذي كانت فيه أغلب مساجد البلاد تغلق أبوابها بعد التراويح ولا تفتحها إلا على صلاة الفجر.. ثم ارتفع عدد المساجد الأهلية وغير الأهلية التي تقيم صلاة التهجد وتختم القرآن في رمضان وتفتح الباب للاعتكاف.. ورغم أن وزارة الأوقاف قررت "حظر الاعتكاف والتهجد" طوال الشهر الكريم بحسب "المصريون".. إلا أنها ما لبثت أن نفت هذا الكلام وفي صحيفة حكومية رسمية.. بل ..أعلنت في "المصري اليوم" أن إمام المسجد الذي يختم القرآن في رمضان بجزء كامل كل يوم سينال في يده نهاية الشهر خمسمائة جنيه مكافأة!

الغريب أن وزارة الأوقاف "انبطحت" -يعني طلع الانبطاح مش عيب - للتيار الذي كان "ينافسها" على المساجد رغم تشددها في مسائل شكلية من عينة "الآذان الموحد"..والغريب أيضاً أنه ظهرت -الآن - أصوات يقال أن بعضها محسوب على التيار السلفي تنتقد إقامة صلاة التهجد على النحو المتبع حالياً ، وترى أن ركعتين في المنزل يتقبلهما الله أفضل مما يحدث!

والأغرب أن تجربة كاتب السطور تؤكد صحة الجزء الأخير من الفقرة السابقة!

فما حدث في ليلة السابع والعشرين من رمضان في هذا المسجد ، كما في غيره طبعاً ، كانت درساً يحتذى به في أصول الهرج والتهريج.. المسجد تحول إلى ساحة للكلام والأكل والشعيرة تحولت إلى نزهة خلوية.. وليخبط كل من تسول له نفسه قراءة القرآن أو الصلاة في المسجد رأسه في أقرب حائط يقع عليه نظره!

ماشي.. ما دام ذلك كذلك ، وما دامت الأوقاف تعرف ذلك.. لماذا لم تتخذ الوزارة "اللي شايلة سيفها" هذا القرار واكتفت بالانبطاح خوفاً من ردة فعل أنصار التيار السلفي وجماعات الإسلام السياسي؟ والأهم : لماذا تقول هذه الأصوات - الآن - أن صلاة الليل في البيت صارت أولى بعد أن كانت وغيرها تنظر لمن تفوته ركعتان في التهجد أو من لا يصلي التراويح في المسجد "الفلاني" نظرة "مش ولا بد"؟

Monday, October 8, 2007

للفقراء والمساكين

الفقراء والمساكين هم أول مصارف الزكاة والأولى بها كما عرفنا من القرآن الكريم..والمعروف أن زكاة الفطر لها نفس مصارف زكاة المال..

والمعروف أيضاً أن الأصل في زكاة الفطر أن تكون بمقدار صاع من "عموم قوت أهل البلد" سواء أكان حبوباً أو تموراً أو ما إلى ذلك .. غير أن الإمام أبي حنيفة جوَّزَ إخراج قيمة هذا الصاع مالاً .. ووجهة نظره في ذلك هي أن تلك الطريقة هي الأفضل لمصلحة الفقير..وهذا الرأي هو الذي يتبعه أغلبنا في مصر..

ما فعله الإمام أبو حنيفة هو نموذج يحتذى به في الاجتهاد .. عدم المساس بالأصل ومراعاة تغير الأصل في الفرع .. فالرجل أبقى على مصرف الزكاة الذي ورد فيه النص صراحةً ولكنه غيَّر الطريقة لاعتبارات تتصل باختلاف الزمان والمكان..

هناك وجهة نظر طُرِحت في مقال بجريدة الأخبار تستحق منَّا فعلاً أن نفكر فيها بشكل عام..يهمني أن أركز فيه على فقرة واحدة .. أرى أنها تصب في نفس الاتجاه الذي فكر فيه الإمام أبو حنيفة:

وسؤال آخر هل يمكن للمزكي بدل أن يقوم بتوزيع ماله علي عدد من الناس نقدا أن يقيم بهذا المال مشروعا صغيرا أو كبيرا حسب قدرته يكون مملوكا لهؤلاء يعملون فيه وينتجون من خلاله بدلا من أن ينفقوا ما يحصلون عليه في تلبية احتياجات استهلاكية عاجلة؟ إن الفقير والمسكين أحوج ما يكون الي عمل يدر عليه دخلا منتظما يحفظ عليه كرامته وماء وجهه وآدميته من صدقة موسمية سرعان ما تذهب أدراج الرياح فهل يمكن أن تكون الزكاة وسيلة الي ذلك؟

هنا الأموال في طريقها لنفس المصرف المذكور -والمؤكد- بصريح نص القرآن الكريم .. وليس إلى وجهة جديدة قد تكون مصرفاً جديداً مضافاً إلى التسعة أم لا كما في التدوينة السابقة.. ولكن سيتم تصريفها بطريقة أخرى تصب في مصلحة الفقير والمسكين..كما يراها صاحب الاجتهاد..

أكرر : السابق هو وجهة نظر .. تستحق العرض على العقل.. وإن كنت أتفق مع صاحبها وبشدة على ضرورة أن تشرف على جمع الزكاة هيئة مستقلة تراعِ الله في صرف أموال الزكاة في مصارفها الشرعية المذكورة في الآية الكريمة.. ولنا بإذن الله في ذلك كلام..

كل عام أنتم جميعاً بألف خير..

Friday, October 5, 2007

عشوائيات الفتوى : بين مستشفى السرطان وغسل القفا

مع تقديري لحسن ونبل الدوافع وراء مستشفى سرطان الأطفال ..فإنني لست من المغرمين بالطريقة التي تتم الدعاية بها للتبرع له.. خاصة عندما يتم الزَّج بالدين في الموضوع..

مؤخراً وجدنا إلحاحاً شديداً على التبرع للمستشفى من أموال الزكاة..وكأنه لا يمكن التبرع للمستشفى إلا بأموال الزكاة..

هذا يذكرني بمثال بسيط..

من المعروف أن غسل القفا ليس من الوضوء في شيء ، هل أفهم من ذلك أن غسل القفا محرَّم في الإسلام فقط لمجرد أنه ليس من أركان الوضوء؟

لنبقَ مع من سيجيبون بـ"لا"(ويمنعني الأدب عن التعليق على من سيجيبون بـ"نعم")..

إذن غسل القفا أمر عادي جداً وغير محرَّم في ديننا الحنيف ، لكنه ليس من أركان ولا سنن الوضوء..

الشيء نفسه بالنسبة للمستشفى..

بما أن المستشفى وغيره من الأمور المحدثة فمن الطبيعي أن يثار حولها الجدل إن كانت مصرفاً من مصارف الزكاة أم لا..لنفرض جدلاً أنها ليست من مصارف الزكاة.. هل معنى ذلك أنه لا يجوز التبرع للمستشفى إلا من أموال الزكاة؟

يمكن التبرع للمستشفى في أي وقت من أوقات السنة وبأي كيفية ولا يشترط أن يكون التبرع من أموال الزكاة..

هذا الإلحاح الدعائي والإفتائي الفج نراه أيضاً في فتوى "تحريم" الانتظار في الأماكن المقدسة من الحج إلى العمرة..

شيء مستفز ..

إما أن يتم حشر الشيء حشراً بداعٍ وبدون في خانة "الفرائض" أو أن يتم الحكم عليه بـ"التحريم"..وكأنه لا وسط بين هذا وذاك..

أشعر أن هذه الفتاوى ليست إلا مجرد أمثلة على تيار عام وجديد يحتاج لعرضه على العقل من أول وجديد..

سأفترض حسن النية .. وأن تلك الفتاوى ليست "قراراً انفرادياً" (من عينة "قررت أعزمكم على العَشاء" مثلاً) وأنها جاءت بناءً على تساؤلات "حقيقية" وليست "مضروبة" أو "سد خانة"..مَن الذي يسعى وراء تلك النوعية من الفتاوى "حادة الزوايا"؟ هل هم أصحاب المصلحة المباشرة المادية أو الدعائية أو الفكرية من ورائها الذين يبحثون عن ثقتنا؟ أم نحن الذين نبحث بـ"منكاش" عن تلك النوعية من الفتاوى لأسباب تتعلق براحة الضمير أو تصادف هوىً لدينا؟

هل لديكم إجابة؟

Sunday, September 30, 2007

"لله"؟

لله.. لله يا محسنين لله..

يقولها متسول يوشك على التخبيط على ظهرك أو يشد ثيابك.. أو آخر يصرخ في مدخل منزلك أو في ساحة المسجد بعد الصلاة .. وتقرأها ضمناً في حملة تبرع لجمعية ما أو لمستشفى ما أو لمشروع ما من صورة طفل ما مكتئب حزين "تقطع القلب"..(وربما استفاد المتسولون التقليديون من الحملات في الرقي بأسلوب الشحاتة والخروج به من حيز التقليدية إلى الحداثة.. شحاتة حداثية يعني)!

كلهم يقولون "لله" بطريقة أو بأخرى..

فالشحاذون -التقليديون-يستغلون طباعنا العاطفية وحساسيتنا الدينية أولاً ، وطبيعة رمضان كشهر للإحسان والخير ، وطبيعة الصدقة (التي لا تعلم فيها شمالك ما تعطي يمينك.. بعكس الزكاة التي لها مصارفها الشرعية)، ويبدأون "عملهم" أو "لا عملهم"..يستغلون نقطة صغيرة في موروثنا الثفافي أنه كل "فقير" "شحات"..وعليه فإن باب الإحسان المفتوح هو إعطاء من يسألون الناس إلحافاً في الشوارع وفي غير الشوارع.. فعندما تعطيهم - من وجهة نظرهم- فأنت تعطي وتتصدق "لله".. ولا مانع من أن يمطرك الشحات بسيل من الدعوات -المدفوعة الأجر- إن أعجبه المبلغ (وإن لم يعجبه المبلغ فسينتظر إلى أن تختفي عن ناظريه ، ثم يمطرك بسيل من الدعوات .. في اتجاه آخر طبعاً).. ولا يختلف الأمر كثيراً بالنسبة لتسول الحملات المتلفزة!

هل التسول في مجتمعاتنا حالة توجد في أي مجتمع أم هو عندنا خصوصية وثقافة ربما؟..لماذا يُقحم الدين في التسول إقحاماً ؟ولماذا لم نرَ "مفكراً" أو "أكاديميا" أو "شيخاً" من الذين يرون أن لديهم حلاً لجميع مشكلات هذا الكون يستوقفه ذلك الإقحام الوغد في التسول بكل صوره في الشوارع وفي الحملات التليفزيونية وفي غيرها؟

أم أن الأمر لم يعد - كأشياء كثيرة- يهم أحداً؟

مجرد تساؤل شرير..

Friday, September 21, 2007

انزل..انزل!

عندما يذهب الناس إلى حفل غنائي ، فإنهم ينتظرون من المطرب ما تعودوا منه عليه.. فإن لم يقدم المعتاد واجهوه بالعناد وطالبوه بالنزول!

وللأسف .. يبدو أن صلاة التراويح بدأت تُفْهَم من البعض بنفس الطريقة!

خبر "مسخرة" نشرته المصريون نقلاً عن الخليج الإماراتية .. مفاده أن المصلين بمسجدٍ ما في منطقة عسير بالسعودية قرروا إبعاد إمام أمَّ العشاء والتراويح في المسجد بسبب "تعلثمه في الدعاء" و "لحنه في القول"..

أسباب ظاهرية طبعاً .. أمَّا السبب الحقيقي فهو أن الرجل أمَّ صلاتي العشاء والتراويح بدون قنوت..

والقنوت صار لدينا إدماناً..

فكما في مثال المطرب .. تعود الناس على الإمام يدعو دعاءَ القنوت بكل الزيادات وبشكل مُغَنىً (وتجد منهم من يمتعض من الإمام الذي لا يغني القنوت).. ويا سلام لو كان الأداء الغنائي للقنوت دراماتيكياً يستدر الدموع والنهنهات ..أنا شخصياً أسمع أن العديد من الناس يقومون بـ"التنشين" على المسجد الذي به إمام يجيد هذه التصرفات..وهناك طبعاً من "يستنهز الفرصة" ويعبئ القنوت ودعاء ختم القرآن في شرائط!

وكأننا لا سمح الله لا نتحدث عن صلاة أو عبادة!

صححوني إن أخطأت : جهرية القنوت مسألة فقهية جدلية ، هناك مذاهب فقهية تفضل الجهر بالقنوت في صلاة الفجر وليس في الوتر ،وهناك من يرى العكس.. وعليه فإن عدم الجهر بالقنوت في وتر صلاة التراويح ليس بجريمة..

يبدو أن المصلين في الخبر استفزوا الإمام إلى أن "جابوا آخره".. فكانت النتيجة الطبيعية أن دعا عليهم.. أنا شخصياً ألتمس له كل العذر.. فحتى لو "خَدهم على جنب" وحاول شرح وجهة نظره فلن يجدي ذلك معهم نفعاً..

فعلاً..ما أشبه اليوم..بالبارحة!

وشر البلية ما يضحك .. وأكثرها شراً ما يجعلك تضحك أكثر .. وأكثر .. وأكثر!