Showing posts with label الدين لله ، والوطن لمين؟. Show all posts
Showing posts with label الدين لله ، والوطن لمين؟. Show all posts

Friday, December 14, 2012

كسر يا جدع

ربما كانت هذه التدوينة سبباً في فصلانكم مني إلى الأبد ، الحق بيوجع ، وربما بدت بعض - لنقل معظم - الحقائق ثقيلة الظل ، وليس الإنسان في حالة تسمح له بمواجهة أي شيء بهكذا ثقل ظل حتى ولو كان الحقيقة المرة..

دعوني أكتب عن لقطة صغيرة ، لأن اللقطات الكبيرة تكلمنا عليها سابقاً غير مرة ، شيعها كثيرون بـ"هههههههه" وتركوها حتى أصبحت أمراً واقعاً ، ولست نفسياً على استعداد لذكر أمثلة ، ولا يبدو فيها أن المناخ - يؤسفني أن أقول ذلك - ليس مهيئاً للتفكير بصوت عال ، الأمر الذي تعد "الدين والديناميت" محاولة بريئة لعمله..

وقبل أن أدخل إلى التفاصيل ، اسمحوا لي بأن أدلي بصدمة ، وليس مجرد رأي ، قد ترفضونه بالإجماع ، وربما لا تتحملون قراءة هذه التدوينة لنهايتها بسببه : من بين من كانوا في التحرير طوال الأيام الثمانية عشرة كان هناك عدة آلاف فقط يعرفون أهداف الثورة ويؤمنون بها ، وربما كانت عدة الآلاف تلك على غير انتمائي السياسي - الحمد لله ماليش أي انتماء سياسي ودة شيء أشرف بيه وما يقللش مني كبني آدم - وربما كانت لها تصوراتها المختلفة عن تصوراتي ، وربما لم يلعبوا ذلك الدور الضخم في المشهد الثوري ، وربما لم تتوجه إليهم كاميرات الإعلام وصحف حرامية المال السياسي الذي سرق الثورة -مزعلاكم المال السياسي؟ طب المال السياسي المال السياسي المال السياسي- ولم تتم بروزتهم أو اصطحابهم في لفة تسول سياسي على الفضائيات ، لكنهم ليسوا المعنيين بالآتي بعد..

أرفض رفضاً قاطعاً بالتأكيد وبلا مزايدة قيام الشيخ المحلاوي بتحريض الناس على التصويت بـ"نعم" في الاستفتاء الذي سيبدأ بعد ساعات ، لكن ما أرفضه أكثر هو أن يتم ضرب المسجد بالطوب ، من قبل مجموعة تمثل حقاً وصدقاً الفصائل التي تربحت سياسياً من الثورة وأصبح الحرامية يخطبون ودها لكي يركبوا الثورة على ظهورهم (والصراحة راحة ياعيني ما عندهمش أي مشاكل..ما دام إن بابليك ونوفيلينجز يبقى سو وات)، وكان هناك للاعتراض على الشيخ المحلاوي ألف بديل متحضر وعقلاني ، منه الشكوى للجهات الرسمية وإبراء الذمة ، أو النقاش معه - بأدب - داخل المسجد ، وليس على النحو الذي حدث قبل أشهر عندي في "المنصورة" والذي يتعامل فيه البعض مع إمام المسجد كمطرب يغني على "البست" ، أو في نقل النقاش بعيداً عن المسجد..

وأسأل "باقي الميدان" - بعد أن استثنينا منه من هم بعد الشر الثوار الحقيقيين المؤمنين بمبادئ الثورة الحقيقية وليس المؤمنين بالزعماء وما أكثرهم بكل أسف ، عن طبيعة علاقتهم بدار العبادة أياً كانت ، مسجداً أو كنيسة ، سؤالاً فكرياً صرفاً..

هؤلاء - المدنيون .. تذكروا - أطلقوا مظاهراتهم من مساجد ، وتجمعاتهم من مساجد ، رغم أن المساجد ليست بالمكان الصالح لممارسة الدعاية السياسية لأي فصيل كان ، وهذا رأي كاتب السطور من فترة طويلة و"لن" يغيره ، ثم قبلوا "وثيقة الأزهر" رغم أنها خرجت من جهة دينية ، ولم يطالبوا بخروج الوثيقة من جهة كـ"جامعة القاهرة" التي تعد أول جامعة للتعليم غير الديني في مصر قبل مائة عام ونيف ، والتي تعد رمزاً يجمع عليه المصريون على اختلاف أديانهم ، وعندما تمت مهاجمة بعض الكنائس على يد متطرفين أو مخربين قامت الدنيا ولم تقعد ، الآن انتهت علاقة المصلحة بين "هؤلاء" وبين المسجد كدار عبادة ، ولم يعر أحد انتباهاً للجريمة التي نشرنا عنها في تلك المدونة وقت تمت مهاجمة مسجد في المنوفية ، وكتب عنها كاتب السطور تدوينته "السقف الأخير" ، ليتحول المسجد وربما الكنيسة مع الوقت إلى هدف للعنف السياسي ، شخص داخل المسجد أخطأ خطأً كبيراً ، فما ذنب المسجد كدار عبادة؟ مش عارف.. ومش عايز أعرف..

ما حدث مجرد بداية لسلوكيات أكثر عنفاً في مجتمع أصبح أكثر عنفاً ، تخيل أن حذاءاً قد سرق كما حدث معي منذ بضعة سنوات ، وشعرت أن طاقم المسجد متغافل عن تلك السرقة بما أن لصوص المساجد معروفين عندنا وعمال المساجد يعرفونهم هم وعامة الشعب وفي أحيان يتركوهم ، تخيلوا المشهد الآن في مجتمع لا يطيق أن تقف ذبابة على أرنبة أنفه ، ح أكسر الجامع على اللي فيه ، وأكسره لوحدي ليه ، أجيب الشلة تكسر فيه معانا لحد ما تبقاش فيه نجفة سليمة .. يد الله مع الجماعة .. وإيد لوحدها ماتكسرش.. وبالمرة أعلم على الجامع أنا والشلة ونشيل معانا مبرد مية من المبردات اللي مالهاش لازمة ، ما احنا مجتمع "عبده موتة" و "إبراهيم الأبيض" وفيلم "الجزيرة".. أنا الحكومة ..أنا الحكوووومة..

هل سيكون لنا نفس للتفاخر بالتدين المصري الذي لا يجرؤ معتنقوه على مهاجمة دار عبادة ، سواء أكانت مسجداً أو كنيسة ، ونحن نشاهد في مصر ما قد يشبه بوادر عنف ديني هدفه دور العبادة ، ولسة لما الشيعة ييجوا يونسونا هنا على شوية البهائيين ونبقى دوري أبطال العنف الديني ، مع ظهور منطق "جحا أولى بكسر جامعه" ، أنا ما أكسرش كنيسة ولا معبد يهودي مثلاً ، أما الجامع فمنا وعلينا نروح نكسر فيه براحتنا ، كمن يرفضون معاكسة بنات الحواري الأخرى مكتفين بالتحرش ببنت حارتهم.. دييييني وأنا حر فيه!

المسألة تحولت إلى مصالح في مصالح ، مصلحة للمتطرفين ومصلحة أيضاً لمن يقولون أنهم معتدلون ، لأنصار الدولة الدينية (ودة وارد مع رفضي القاطع ليه) وأنصار مدنية الدولة (ودة الجديد) ، دار العبادة مصلحة للدعاية السياسية مع وضد ، شيخ يقوم بالدعاية بنعم وشيخ يقوم بالدعاية بلا ، الخطبة نعم والورق المتوزع جوة الجامع يقول لأ .. لأ وإيه.. ويجب أن تمثل التدين على مزاج أهلي وإلا فلا ، هذه هي مصلحتي مع المسجد على الأقل ، وأهو بالمرة ننقل الانحطاط خاصتنا خارج أسوار المسجد إلى داخله ، إن بابليك ومن غير فيلينجز.. يبقى سو وات؟.. سلملي على الشعب المتدين تدين سمح بفطرته .. بعد ما تكون سلمتلي على الترماي.. وسك ع البك..

كسر يا جدع بلاش كلام فارغ..

Monday, October 15, 2012

يعني إيه حزب إسلامي؟

كان المرء - "بصراحة"- تائهاً حتى أفاده السيد الفاضل "محمد يسري سلامة" بأن حزب "الدستور" حزب إسلامي ، حقيقة أنا لم أكن أعرف لأي حزب سأقوم بالصويت* في الانتخابات القادمة حتى تأكدت أن حزب "الدستور" قد حصل على الأيزو من السيد "محمد يسري سلامة" ومن بعده "عبد المنعم أبو الفتوح" والذي أصبح بمقتضاه حزب "الدستور" حزب "إسلامي إسلامي" ، على غرار "لعيب تكتيكي تكتيكي"!

لا يثير غضبي في هذه المرحلة من حياتي شيء قدر ما أسمع عن حوار بين شخصين عن شيء ما يتحدثان عنه كحقيقة كونية دون أن يهتم أي من المتحدثين أن يعرف عما يتحدثون ، بل وأشك أن أياً من المتحدثين يعرف عما يتكلم ، ولكنه مصر على التعامل معه على أنه شيء يعرفه كل الناس ، تماماً كمنطق "شفيق يا راجل" بما أنه من العار والشنار ألا نعرف من هو "شفيق عبد ربه" في مسرحية "عش المجانين" قبل ما يقرب من الثلاثة والثلاثين عاماً..

ما أعرفه أن هناك أحزاباً دينية ، وأحزاباً مدنية مبنية على مرجعية دينية.. الحزب الديني يقوده عادةً - وصححوني إن أخطأت بما أن المدونة كلها مبنية على التفكير بصوت عال- رجال دين ، أما الحزب السياسي المدني في نشأته وتكوينه الديني المرجعية فبه أطياف سياسية مدنية عدة ، مبني على التصور "الديني" - أياً كان الدين - للحياة والدولة والسلطة والحقوق والحريات ....الخ ، "الوسط" مثلاً.. وربما "الحرية والعدالة" .. وهناك أحزاب كـ"النور" تمثل حالة وسطى بين الاثنين ، تعتمد آليات مدنية كالانتخاب الداخلي ، لا غضاضة عندهم في ضم أي ممن لا يشاركهم الفكرة السلفية كما يعلنون على الأقل (ولأجل الظهور بمظهر أكثر انفتاحاً قدم الحزب مرشحات في انتخابات 2011)، ولكن هناك هيئة "شرعية" به من كبار الشيوخ السلفيين..

حزب "الدستور" بعيداً عن الفشحطة الثقافية للسيد "محمد يسري سلامة" هو مجرد حزب سياسي مدني ذو مرجعية مدنية صرفة ، مثله مثل "الوفد" و "التجمع" و "الغد" وغيرهم.. ما هو داعي أن يتحدث هو أو غيره عن أن هذا الحزب السياسي المدني "إسلامي" من عدمه؟ عن نفسي مش عارف!

تفسيري الوحيد والغبي بالتأكيد لتصريح السيد "محمد يسري سلامة" هو أنه صفة وليس وصفاً ، كواحد ممن وصفهم "هو" وليس أي شخص آخر بـ"المتطرفين" ومن منن حزبه علينا أنه وضعهم في صدارة المتحدثين باسمه -والكلام له على "تويتر"- في واحد من أغرب تصريحاته وأكثرها إثارة للضحك وليس الجدل .. وما قاله - واعذروني في هذه بما أني لست من المتمكنين إلى هذه الدرجة من أصوليات البلاغة- "صفة استحسان" ، بما أننا في مجتمع متدين محافظ أغلبية سكانه مسلمين ، فحزب إسلامي لديه تعني "حزب حلو"..

على أي أساس أقول أن هذا الحزب ، إن سلمت بكلام السيد "محمد يسري سلامة" "إسلامي حلو"؟ برضه مش عارف..

تلمح في تويتاته الحديث عن الشريعة ، علماً بأنني لم أسمع عن حزب رفض المادة الثانية في الدستور علانية -ولا يستطيع أي حزب أن يرفضها علناً- ولا أعرف أي تعريف يقصده سيادته للشريعة ، الحقوق أم الحدود أم المعاملات ، علماً بأنه كان عضواً في حزب "النور" السلفي ومتحدثاً باسمه ،وتبنى التصور الذي تبناه "النور" للشريعة ، وانتقد في تويتة لاحقة بعض أعضاء الدستور ممن لهم مواقف معلنة وواضحة ضد تطبيق الشريعة ، ولم يقل لنا أنه تخلى عن تصوره "السلفي" للشريعة ، وبالتالي أنه كان على خطأ ، وبالمرة يوضح لنا التصور الصحيح للشريعة من وجهة نظره..

سؤال آخر بجملة الأسئلة : هل الحزب الإسلامي ، أو الحاصل على الأيزو الإسلامي من وجهة نظر "يسري سلامة" و/أو "عبد المنعم أبو الفتوح" مع حفظ الألقاب حزب ينادي بتطبيق الشريعة بكامل أحكامها فيم يخص المبادئ العامة والنظام الجنائي وأحكام المجتمع وعلاقاته من زواج وطلاق ومواريث وفقه التجارة و....و....و... كحزمة واحدة مع مرونة في التطبيق لا تخل بثوابت الشريعة ، أم أنه "لا يخالف الشريعة" من منطق ومنطلق "أنا ما بعملش الصح بس ما بعملش حاجة غلط" ، وبذلك فإن كل الأحزاب إسلامية تقريباً!

أكبر سقطة أن يدعي الحزب أنه حزب مدني ، وأنه "حزب الكل" بطريقة يفهم منها أن الحزب "بتاع كله" ، سلفي تلاقيه ، صوفي تلاقيه ، شيعي تلاقيه ، ماركسي تلاقيه ، صيني تلاقيه ، حزب "الدستور" لكل الأذواق ، وحزب "التجمع" "بتاع الشعب" -وهو كذلك بمنطق مسرحية "العيال كبرت".. وبيني وبينكم ، عندما يدعي الحزب السياسي المدني أنه حزب "إسلامي حلو" ، ماذا ترك للجماعات "الإسلامية الحلوة" إذن ، خاصةً عندما نرى قادة الحزب المدني الكميل ينتقدون تلك الجماعات على أساس أنها تحتكر الحديث باسم الدين وتسوق نفسها باسمه؟ معرفتكش أنا كدة!

أما عن قصة استعانة الأحزاب "المدنية" بمتحدثين "دينيين" يتبنون التصور "الديني" لكل شيء ، فتلك قصة أخرى ربما أكتب عنها بإذن الله في وقت لاحق..
* أيوة قاصد أكتبها كدة..

Saturday, October 6, 2012

في الآتي بعد : التطرف الأطفالي

أتوقع أن ينظر لي البعض عقب قرائته لتلك السطور نظرة "توفيق عكاشة" المحلقة وهو فاغر فاه ، لا بأس ، لكن ليعلم الجميع أننا نتحدث عن أمر واقع موجود على الأرض غصباً عن أعيننا أجمعين..

جريدة السيد "إبراهيم عيسى" طالعتنا مؤخراً بخبر عن طفلين متهمين بازدراء الأديان تبولا على ورقة فيها آيات قرآنية ، ولأن الإعلام لدينا يحترف تشتيت الناس عن ما هو أهم وأخطر ، فقد ركز فقط على عقاب الطفلين دون أن يجعل الناس تفكر ولو للحظة فيما فعلا الآن وما يمكن أن يفعلاه في المستقبل هما وغيرهما ، والذي أجزم بالتأكيد أن له علاقة بما أسميه "التطرف الأطفالي"..

والتطرف الأطفالي مثله مثل التشرد الأطفالي الذي نَظَّر له اللمبي ، وجزء كبير من التطرف والطائفية التي نعرفهما كان في البداية تطرفاً أطفالياً ، مر به أناس كثيرون حتى من يدعون أنهم متسامحون ولذاذ ويتبنون الدولة المدنية ووحدة عنصري الأمة ومسلم ومسيحي إيد واحدة ، ومن هؤلاء مثقفون وساسة ورجال أعمال وإعلاميون ، وأتحدى من يقول لي عكس ذلك..

من يرتكب الجرائم الطائفية الطابع ، ومن هم على شاكلة "أبو إسلام" و "موريس صادق" لم يظهروا على تلك الحالة في يوم وليلة ، كل هؤلاء وغيرهم أو بعضهم كان في طفولته ثم في شبابه ثم في نضجه متطرفاً يفكر بشكل طائفي ، ولكن السلوك المتطرف نوعان ، نوع يظهر تلقائياً ، ونوع يكمن ويحتاج فقط إلى فرصة كي يظهر ، وكلهما ارتوى بماء واحد في تربة واحدة..

فناهيك عن بيئة الأب والأم ، التي تتراوح اعتدالاً وتطرفاً محافظةً وانحلالاً بالمستوى الثقافي والاقتصادي والاجتماعي و...و... و... توجد عشرات المؤسسات التي تربي أطفال هذه الأيام ولم تكن متواجدة بالقدر الكافي وقت أن كان كاتب السطور ومن هم "مِن دوره" في سنهم ، لدينا المؤسسات الدينية بكافة أشكالها ، ولدينا الإعلام بكافة أشكاله وبرامجه وصحفه وما ينتقل هنا وهناك من أخبار وشائعات وحبشتكانات ، والكلام موجه لمن "لا" يعتقدون أن أطفال هذه الأيام لا يتابعون من التليفزيون إلا "سبونج بوب"!

سلوكنا كله ، بلغة الكمبيوتر والرياضيات الحديثة ، "مجرد" دالة ، في طابور طويل من المتغيرات ، المنزل ، المدرسة ، المسجد أو الكنيسة ، الشارع ، النادي إن وجد ، أدخل أي متغيرات وستحصل على نتيجة في النهاية.. وانت بقى ومتغيراتك..

ما أتمناه أن نعي، وأن يحترم إعلامنا بالمرة نفسه لمرة من نفسه ويعي التصرفات نفسها قبل ردود الأفعال ، وأن نفكر فيما يمكن أن تؤول عليه الأمور بالنسبة للمتطرفين الصغار إذا ما بقيت نفس المتغيرات على تطرفها .. إنك لا تجني من الشوك ورداً.. وصلت؟

Thursday, May 3, 2012

زاويتان : المادة الثانية من الدستور

أسعد الله أوقاتكم..

بحد تعبير زميل وأخ كبير في أحد المنتديات ، وقت أن كانت حياتي على الإنترنت قاصرة عليها قبل أن أدخل عالم التدوين قبل ست سنوات ، أصبحنا أساتذة في علم "اللوع" واللف والدوران ، ولا نؤمن حتى في أبسط تعاملاتنا بأن الخط المستقيم هو أقصر مسافة بين نقطتين.. ولا نتوقف عن ذلك اللوع مهما كلف ، حتى لو كانت التكلفة دماً وإصابات واحتقاناً سيحتاج لأعمار لكي يزول ، مهما احترفنا استعمال الكلام "المزوق" وعلب المهدئات ولغة "التسنيج"..

منذ 11 فبراير 2011 والكل يدور حول نفسه كالنحلة ، لا يتوقف ، ولا يعتقد أنه قد أصابه أي صداع ، عدوا معي الأشياء التي حدثت منذ ذلك التاريخ ، من "محمد محمود" إلى "مجلس الوزراء" ونهايةً بأحداث العباسية ، استقطاب بين الإسلام السياسي والمال السياسي أكثر ما هو استقطاب بين إسلاميين وليبراليين ، كل طرف يتمادى في التذاكي على الآخر وإخفاء الكروت .. أحداث "محمد محمود" دارت حول الدستور ، بعيداً عما يقال عن المجلس الرئاسي المدني الذي لم يتفق عليه أحد في الميدان ولا على ممثليه ، وأحداث "العباسية" دارت حول شخص الرئيس القادم ، أكثر منها حول لجنة ومادة وبتاع ..

مدنية أم دينية؟ إسلامية أم عالمانية؟ رئاسية أم برلمانية؟ دستور أم انتخابات؟ لف ودوران يذكرنا بمعضلة البيضة والدجاجة..

على المستوى الشخصي تساءلت كمواطن من عامة الناس عما يريد هؤلاء وعما يتفق عليه وعن أشياء أخرى ، فلم أتلقَ أي إجابة ، ويبدو أن هذا الطناش هو ما سيجنيه كل شخص يحاول أن يعرف آخر الفيلم الذي نعيشه.. ولا تفهم ، ولا أفهم ، ما إذا كان ذلك الطناش فعلاً طناش اللف والدوران ، أم طناش استعلاء واستنكار لأن يسأل أي شخص هكذا أسئلة..

قلنا نجيب من الآخر..

حتماً سنصل إلى النقطة الخلافية ، حتماً سنصل إلى قطعة الورق التي أريقت من أجلها تلك الدماء الزكية في كل جانب ، حتماً سنصل إلى الدستور بنقاطه الخلافية التي لا يريد أطراف الاستقطاب مناقشتها بوضوح وفي العلن وبشجاعة بعيداً عن التذاكي واللف والدوران الذي صار مع الوقت أمراً مثيراً للغضب أكثر منه للشفقة..اختار العبد لله الوصول لأبعد نقطة ، أو ما يعتقده كذلك ، من الخلاف داخل الدستور نفسه .. المادة الثانية من الدستور ما بين نعم ولا.. وبالله عليكم ، لا أريد أن أسمع كلاماً من عينة "ما كل القوى الوطنية اتفقت على المادة التانية" ، "المادة التانية فوق دستورية والكل عايزها".. هناك من يريد إلغاء المادة ، وهناك من يريد تطبيقها لأقصى مدى .. ومن دفن الرءوس في الرمال وخداع الذات واشتغالها إنكار ذلك.. فقط ما نراه هو تذاكي و"شغل قمار".. لا أكثر ولا أقل .. وفي النهاية سيصل الجميع إلى تلك النقطة بعد أن تكون قد أزهقت أرواح أكثر ، وحدثت مهازل أكبر ، وفقد كل الناس أي "نِفس" لحوار بلا شجار..

وبما أنه لا أحد يريد أن يجيب عن تساؤلاتي ، كمواطن من عامة الشعب ، قررت تكرار تجربة قمت بها في الثاني والعشرين من يوليو الماضي ، بل سأمضي خطوة أبعد ، بأن أكتب في تدوينتين منفصلتين ما يريده كل فريق ووجهة نظره بكل وضوح ، من يرفض المادة الثانية من الدستور شكلاً وموضوعاً ، ومن يتمسك بها لآخر مدى ، وحرصت على أن أكون أكثر تشدداً على الطرفين ما استطعت سبيلاً إلى ذلك..تاركاً الأمر لكم والكرة في ملعبكم ، ربما ترون فريقاً على حق ، وربما ترون أن الاثنين على حق ، وربما ترون أن كليهما جانب الحق.. ولي مع الرأيين نقاط اتفاق ونقاط اختلاف..

واستعنا على الشقا بالله
* طبقاً لنظام الترتيب في "بلوجر" عملت التدوينات التلاتة معكوسة في الترتيب ، أجدد واحدة في التلاتة الآخر "المؤيدين"، بعديها اللي فوقيها "الرافضين" بعديها دي "المقدمة".. حكم القوي..
تحديث 4/5: بعض التعديلات في التدوينتين المبينتين بأسفل..

رافضو المادة الثانية : لماذا نبقي عليها؟

يفترض أننا حين نتكلم عن دولة مدنية ، أن تكون المرجعية فيها هي الشيء المشترك الوحيد الذي يجمع أبنائه أجمعين ، ألا وهي المواطنة ، انتماؤهم لهذا البلد أياً كان تباينهم في المستوى الثقافي والاجتماعي والاقتصادي وفي الدين الذي يعتنقوه.. وبالتالي لا يستقيم ، ونحن نتحدث عن المواطنة ، أن نغلب فئة على فئة ، أو دين على دين .. سبب كافٍ لجعل المادة الثانية من الدستور بأي صيغة كانت بلا محل من الإعراب..

قد يقابل هذا الكلام باستياء شديد للغاية ، سيقول البعض أن المادة الثانية تحدد هوية الدولة ، وأن الدولة إسلامية بما أن أغلبية أهلها مسلمين ، الدولة بهذا المعنى إسلامية فعلاً والمسلمون أغلبية ، هل نحتاج لمادة في الدستور تذكرنا بحقيقة كهذه؟.. مصر لمن لم يعِ بعد مصرية ، خليط ما بين هويات وثقافات متعددة صنعت النسيج المصري ، أكبر من أن نختزل هويتها في مرحلة بعينها أو دين بعينه..

سيقول البعض أن المسلمين أغلبية في مصر -وهذا صحيح – ومن الطبيعي أن يحترم حق الأغلبية في أن تفرض شريعتها كأساس للتشريع ، لكن هل سيكون المسلمون في أي بلد سعداء وهم أقلية وتفرض عليهم قوانين مستقاة من دين أصحاب الأغلبية؟ لماذا لا نضع أنفسنا محل الغير وفي مكانهم علماً بأنه في بلدان أخرى يعد المسلمون أقلية مقارنةً بأصحاب ديانات أخرى ، سواء في أوروبا أو أفريقيا أو غيرها؟

وسيقول البعض بأن القائلين بمدنية الدولة يرفضون أن يحكم الإسلام ، ويمكن الرد عليه بحقيقة واحدة ، باستثناء بعض الثوابت ، لا يوجد لدينا إسلام واحد في العالم الإسلامي ، أي إسلام إذن يريد هؤلاء أن يحكم مصر : الإسلام السلفي أم الإسلام الصوفي أم الإسلام الحركي أم الإسلام الجهادي أم الإسلام الأزهري أم الإسلام الشيعي أم الإسلام الطالباني أم.. أم.. أم...؟ - هذا طبعاً ناهيك عن تمسك كل أصحاب فهمهم بأنه الفهم الوحيد الحصري للدين..

حتى لو حكمنا الإسلام الأزهري المعتدل الوسطي ، وقصدناه في المادة الثانية من الدستور ، ألم يقل عثمان بن عفان رضي الله عنه : إن الله لينزع بالسلطان ما لا ينزع بالقرآن؟الدين كما نراه ينظم العلاقة بين العبد وربه ، والعبد والعبد ، في إطار أخلاقي ، مبني على الوازع الداخلي ممثلاً في الخوف من الله عز وجل ، والطمع في مغفرته ورحمته ، لكن الجانب الأخلاقي وحده لا يكفي في تنظيم السلوك بين المواطن والمواطن حتى ولو كانا مؤمنين بنفس الدين ، بمعنى أصح : بطريقة أو بأخرى سنحتاج إلى القانون ، وسنحتاج إلى قانون مبني على الشيء المشترك الوحيد بين أبناء الوطن الواحد وهو المواطنة ، وعلى أساس قانون مدني عالماني يمكن تفادي مشاكل وتضادات يمكن أن تحدث نتيجة مسائل خلافية بين الأديان داخل أي دولة.. أكثر بكثير من الاستناد إلى الشريعة ، أي شريعة لأي دين ، في أن تكون أساساً لسن القوانين.. خصوصاً في مجتمعات تقوم بتديين كل شيء ، وتدخل تحت مظلة الدين أشياءً ليست من الدين.. بل هي من مستجدات الدنيا التي لم يرد فيها نص أصلاً..

وحتى ولو كان الدستور موضوعاً على أساس الشريعة الإسلامية دون غيرها ، كما يطالب بذلك سلفيون ، هل يمنع ذلك فساد التطبيق بما أن من يطبقه بشر؟ الداعية السلفي "عبد المنعم الشحات" يجيب بـ"لا"..

سيتكلم البعض عن الحدود وعن كونها جزءاً من الدين ، وأنها يجب أن تكون جزءاً من القانون ، كيف سيتم تطبيق الحدود الآن؟ وعلى من؟ هل لدينا في الدولة جهاز إثباتي قضائي قوي يمكن للقاضي بمجمله أن يعرف أن سيناً من الناس سرق قبل أن تقطع يده ، هذا لو كنا سنطبق الحدود بحذافيرها؟

سيتحدث البعض عن “مقاصد الشريعة الإسلامية” في صيغة مقترحة للمادة ، مقاصد الشريعة الإسلامية هي العدل والحرية والكفاية والأمن على النفس والمال والعرض لأي شخص يعيش في ديار الإسلام ، أو في غيرها ، هذه مقاصد تتماشى مع قواعد الأخلاق ، ولا يمكن لأي قانون عادل أن يتجاهلها ، فلماذا إذن وضعها تحت لافتة دينية؟

وسيصر البعض على أن المادة الثانية صمام أمان للوحدة الوطنية ، رغم أن هذا الكلام ثبت خطؤه بالدليل العملي وبالتجارب التي أثبتت أن التعصب يزيد في كل يوم عن اليوم السابق عليه ، ولم تمنع "الكشح" ولا "القديسين" ولا غيرها، ويبدو أن ذلك البعض لا يزال يعيش في ذكريات الماضي حين كان المسلمون فاتحين لديار غير إسلامية ، وكان أهل تلك الديار "أهل ذمة" ، وكانت الجزية تفرض عليهم ، وكانت كل الدول الإسلامية مجمعة في خلافة يحكمها الخليفة في "بغداد" أو "دمشق" أو أياً كان ، أما الآن فأنجب مسلمو هذه الدول أبناء وصارت لهم عائلات ، وأنجب أصحاب الديانات الأخرى أبناءً وصارت لهم عائلات ، ولم يعرف هؤلاء وأولئك بلداً لهم إلا هذا البلد.. وبينهم عيش مشترك ، ألا يصبح هذا العيش المشترك مهدداً إذا ما تم فرض شريعة على الكل؟

وسيذكرنا البعض بوثيقة الأزهر ، وتمسك الأخير بالمادة الثانية بأي صياغة كانت ، والوثيقة نراها سياسية أكثر منها أي شيء آخر ، فبعض المحسوبين على التيار الليبرالي يرى في أن يضع الأزهر اسمه على وثيقة وضعها مثقفون مقدمة لأن يكون الأزهر الذي لا يزال يحظى باحترام لدى كثيرين من المصريين صدادة في مواجهة تيارات الإسلام السياسي والإسلام السلفي ، وما دامت التيارات المتطرفة تلعب سياسة باسم الدين فما المانع أن يلعب الأزهر هو الآخر دوراً سياسياً ما دام محتفظاً بمرجعيته المستنيرة ، وهو أمر يصطدم وثوابت الليبرالية التي تبعد المؤسسات الدينية عن السياسة شكلاً وموضوعاً..

إسلامية الدولة لا تحتاج إلى نص دستوري ، والتعايش المشترك بين الأديان لا يكفله حكم دين بعينه ، ومعنى الدولة الحالي يختلف كثيراً عن دولة الخلافة التي يسعى البعض لتحقيقها على حساب بني وطنه وبني دينه أحياناً..

ومؤيدو بقائها : لماذا نلغيها إذن؟

من المفترض حين نتحدث عن تشريعات وقوانين أنها صنعت لهذا المجتمع دون غيره ، أي أنها منه وإليه.. والمجتمع المصري مسلموه ومسيحيوه متدين بطبيعته .. أي أنه لا يمكن حذف الدين من تكوينه الثقافي ومن سلوكياته مع النفس والغير ، فلدى المصري العادي ، أيا كان مستوى تدينه ، وأياً كان دينه بالتأكيد ، ثقافة الحلال والحرام ، والخوف من الله وتقواه ، يتمسك بالعامل الديني في تنظيم كثير من شئونه الدنيوية وأحواله الشخصية من زواج وطلاق ومواريث وخلافه ، كيف إذن نفرض على المصريين دستوراً لا يضع في أساساته مكوناً بهذه الأهمية في حياتهم؟

لمن يرى أن أغلبية السكان كافية للحديث عن هوية الدولة دون أن ينص عليها في العقد الأساسي الذي يجمع أفراد هذه الدولة ألا وهو الدستور ، الإسلام هو جزء من لا يتجزأ من الثقافة في مصر ، شاء هؤلاء أم أبوا ، ويلعب فيها دوراً هاماً للغاية بل هو الأهم على الإطلاق ، شأنه في ذلك شأن اللغة العربية التي ما كانت لتنتشر لولا القرآن الكريم ، والتي كتب بها كل الموروث الثقافي الذي تكون منذ الفتح الإسلامي وإلى مدى لا يعلمه إلا الله.. وصنعت بها مصر تأثيرها في محيطيها القاري والإقليمي.. ويتخاطب بها الناس فيما بينهم داخل البلد مهما كانت ديانتهم.. النص على أن يكون للدولة دين رسمي ، ولغة رسمية ، ليس بغرض الفرض ، وإنما بغرض التوصيف.. لك أن تتخيل جهاز كمبيوتر بلا "أوبشن" يمكنك من معرفة مكونات الجهاز وماركاتها وإمكانياتها ، أو أي جهاز تشتريه دون أي معلومة عن بلد منشئه ، أو أي منتج غذائي بلا تاريخ إنتاج وتاريخ صلاحية وبلا أي شيء عن الشركة المنتجة له بالتأكيد.. إن تخيلت أشياءً كهذه وصدقت في وجودها تستطيع أن تتحدث عن بلد بلا مواصفات..

الإسلام أبعد من أن يكون علاقة بين العبد وربه فحسب ، الدين عقيدة وعبادات ومعاملات ، وتحت المعاملات نستطيع أن نضع ما شئنا من خطوط ، فهي لا تشمل المعاملات بين المسلمين وبعضهم البعض بل حتى المعاملات بين المسلمين وغير المسلمين.. والمسلم يؤمن بأن كل ما في حياته من عقيدة وعبادات ومعاملات- بمفهومها سالف التوضيح- لله وحده-قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ . لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ) (الأنعام:162-163). .. ومن تلك المعاملات ما تنظمه الدولة وتشرف عليه ، الدولة تشرف على تطبيق الحدود ، ولا يشرف عليها المسلمون "منهم لنفسهم" ، وتتكفل هي بالإشراف والتحقيق والتحقق والحكم.. ولا نعرف ما هو الخطأ -بالمناسبة - في تطبيق الحدود من حيث هو ، فالعديد من الجرائم صارت تحتاج لقوانين قوية وعقوبات رادعة حمايةً للمجتمع ، وأن يتم وضع تلك العقوبات في نصوص قانونية لها حجيتها وما "يسندها" ويدعمها ، وتطبقها الدولة التي يحترمها الجميع ويحترم قوانينها ، أفضل من أن تطبق في الشارع بشكل عشوائي يفتقد في أحيان كثيرة للحد الأدنى من العدل ، ويحكمه التشفي وتسيطر عليه روح الانتقام.. الإسلام دين عالمي ، تبقى ثوابته مشتركة بين كل دياره ، ويبقى شكل التطبيق والاجتهاد محكوماً في كل بلد بما يناسبه ويتواءم مع تركيبته..

الشريعة ليست فقط الأحكام المنصوص عليها في الكتاب والسنة ، صحيح أن القواعد الأساسية والثوابت لا خلاف عليها ونُص عليها في القرآن الكريم والسنة النبوية ، وأنه "إن الحكم إلا لله" (الأنعام: 57) وأننا مجرد مطبقين ، لا خلاف في ذلك ، لكن هناك مكون آخر هو الاجتهاد والاستنباط (لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ) (النساء:83) ، وهو مكون يتمدد مع ظروف الواقع الحالي وقد يغير من شكل تطبيق حدود وأحكام وردت في القرآن والسنة وممارسات السلف الصالح ، كما اجتهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه في الزكاة دون أن يهاجمه أحد ، علماً بأنه في زمانه عاش عدد غير قليل من عمالقة الصحابة رضوان الله عليهم..

ترك الأشياء "عايمة" كما هي بلا ضابط ولا رابط قد يجعل من ممارسات مرفوضة مجتمعياً ، يرفضها الشعب المتدين وتأباها قيمه ، المستمدة في معظمها من الدين ، أموراً مشروعة طالما لا يوجد ما يمنعها في القانون ، إن احتكمنا إليه وحده كمرجعية تحدد العلاقات بين الناس في هذا البلد ، لهذا كانت المادة الثانية وما زالت صمام أمان ، حمت وستحمي المجتمع من ترك العلاقات غير المشروعة والشذوذ الجنسي والزنا والرشوة وغيرها مباحة بقوة الاستمرار وبعدم وجود نص ، حتى ولو كان الوازع موجوداً ، فالوازع وحده لا يكفي ، يجب أن يكون هناك قانون ، وقانون محكوم بنفس القوة التي تحكم الوازع ، يطبق على الجميع بلا استثناء دون تفرقة على أي أساس كان.. لذلك كان وجود المادة الثانية وما زال حتماً لا ترفاً ولا اختياراً..

ولمن يزعم أن مقاصد الشريعة قواعد الأخلاق ، نرد عليه بأن قواعد الأخلاق هي مقاصد الشريعة ، وأن الإسلام دين جاء ليتمم مكارم الأخلاق ، لماذا إذن يتم نزع الأخلاق عن الدين وعن مرجعيتها الدينية؟ إذا كان الليبراليون يرفضون أن يضم إلى الدين ما ليس فيه ، فليس من العدل أن ينزع من الدين ما هو فيه أصلاً وبني عليه..

مقاصد الشريعة إذن نقطة اتفاق لا نقطة خلاف ، نقطة اتفاق مجتمعي ، المسلم والمسيحي يتفقان على العدل والمساواة والحرية والكفاية والأمن على النفس والمال والعرض ، ومسلم المهجر الذي يعيش في أوروبا كأقلية لا يرفض أي نظام مبني على تلك الثوابت المنصوص عليها في الإسلام حتى ولو طبقها نظام عالماني صرف أو يميل لدين آخر ، نفس الشيء بالنسبة للمسيحي داخل مصر.. على أساس تلك النقطة عاش مسلمو البلد ومسيحيوه معاً وارتضوه ، لماذا نأتي اليوم لنفرض عليهم تغيير قواعد وشروط العقد ، الذي هو طبقاً لمبادئ القانون المدني ، شريعة المتعاقدين؟..

إذن ما يخشاه رافضو المادة الثانية بأي صياغة ليس هو فرض الشريعة .. بل قيم الإسلام التي يتغنون بسماحتها عندما تخرج من الجامع إلى الشارع ، ومن أرفف الكتب إلى حيز التطبيق.. بقوة الوازع أو بسلطة القانون..

Monday, April 16, 2012

الإفتاء السياسي : سواد السبيل

أعتقد ، وربما يكون كلامي صحيحاً ، أننا تعدينا مرحلة التفرقة بين "الصح والغلط" و "الحلال والحرام".. "الصح و الغلط" الأوسع نطاقاً والأكثر نسبية (ما هو صواب اليوم قد يكون خاطئاً غداً) ، أما "الحلال والحرام" فهما بنص الحديث بينان واضحان ، وبينهما أمور متشابهات .. وهناك أمور كثيرة تدخل دائرة الصح والغلط أكثر منها الحلال والحرام .. قد لا يكون من الصواب ، أو من "اللائق" مثلاً أن ألبس حذاءً أسوداً مع بنطلون بني ، رغم أنه لا يوجد في القرآن الكريم والسنة المطهرة ما يمنع من ذلك..

لماذا أعيد ذلك الكلام الذي هو من نافلة القول ويفترض أن نعرفه جميعاً؟

أمس ، سمعنا هذه الفتوى ، والتي أطلقها عالم أزهري ، ولاقت ترحاباً كبيراً لدى أناس كثيرين (1) ، وعن نفسي أحتقر تلك الفتوى وأحتقر منطقها .. لن أنتخب أياً من المرشحين الفلول ، ولا الإسلاميين ، وهذا موقف معلن وواضح ، بنفس وضوح موقف "الدين والديناميت" منذ يومها الأول ضد الإفتاء السياسي بكافة أشكاله ، والذي لا يمنع تصفح التدوينات القديمة والجديدة من التذكير به ، من تكراره ، من باب "وذكر به"..

دعونا ، بما أن هذا العام هو عام "ليه وإزاي" في "الدين والديناميت" نوضح لماذا نعتبر الافتاء السياسي سواداً ووبالاً على الدين..

الحلال بين والحرام بين كما سبق الذكر ، وليس خاضعاً لفكرة النسبية ، الخمر ليست حراماً بشكل نسبي لكنها عندما حرمت حرمت في المطلق ، بغض النظر مثلاً عن نوعية الفاكهة أو النبات الذي تخمر، الزنا حرام حتى ولو كان بامرأة مشركة عقيم محترفة ، كما أوضح ذلك على ما أذكر الشيخ الأزهري الكبير "محمد أبو زهرة" - رحمه الله - وقتل النفس التي حرم الله حرام وجريمة شنعاء حتى ولو كانت تلك النفس كافرة ، وعندما قام الرسول صلى الله عليه وسلم لجنازة يهودي وسأله الصحابة رضوان الله عليهم أجابهم بعبارة واضحة : "أليست نفساً"؟

السياسة هي قمة النسبية وقمة التغير وقمة التلون ، اليوم يحكم فلان غداً علان ، المجموعة الفلانية أقوى اليوم وأضعف غداً ، عسكر وأعيان وأفندية وأحياناً مشايخ ، كل فئة تتصارع على السلطة تبحث عن غطاء ديني ، وتعتبر الفتوى نوعاً من أنواع التسويق السياسي ، ويساعدها على ذلك - بكل أسف - عدد كبير من الشيوخ يبيحون ويحرمون أموراً لا تدخل في دائرة الحل والتحريم ، فلان يذهب للتصويت هو حر ، فلان يمتنع عن التصويت هو حر ، فلان يذهب للتصويت في انتخابات هذا العام هو حر ، فلان يمتنع عن التصويت في الانتخابات القادمة هو أيضاً حر..

وما دام كله نسبي في نسبي ، فالفتوى إذا كانت بالأمس عن الفلول ، غداً ستكون عن حزب آخر ، كانت بالأمس بالامتناع عن التصويت لـ"س" ، غداً ستكون بالتصويت لـ"ص" لأنه فرض عين ، اليوم حزب كذا ميت فل وعشرة ، غداً نفس الحزب هو عدو الله ورسوله.. ومن العادي جداً بهذه الطريقة أن يفتي أحد الشيوخ الأفاضل لصالح حزب حتى وهو ينتهك ثوابت الدين نفسها..فهو الميقاتي الوحيد في المباراة وهو الأستاذ الذي يعرف أكثر ونحن "حمير" وما بنفهمش..

ويضحكك أكثر المنطق المعوج الذي يستخدم لتمرير تلك النوعيات من الفتاوى ، ففي السابق كان بعض هؤلاء يفتون بأن الذهاب للتصويت في الانتخابات شهادة وأن من يكتمها آثم قلبه ، ماذا إذا كان لا يتوافر لدي أي معلومات واضحة وكاملة عن كل المترشحين لمنصب عام ما؟ في تلك الحالة إذن لا آتي بالشهادة على وجهها ، لأنني في هذه الحالة سأكون "شاهد ما شافش حاجة".. كيف يشهد شخص على شيء أو على شخص لا يعرفه؟

وحرمة وحل المواد في القوانين فهذه نكتة النكت ، طبعاً لم نسمع صوتاً لأي عمامة أزهرية مع احترامي للجميع عندما لم يتم تفعيل قانون البلطجة في وجه من يهددون حياة وأعراض الناس بالسلاح ، علماً بأن حماية النفس والعرض والمال من المقاصد العليا للشريعة.. ولا في وجه الاحتكار وخصوصاً وقت أن ساد وصار من مظاهر الفساد وسبباً في الكساد ..

السياسة هي قمة النسبية وقمة التغير وقمة التلون كما سبق الذكر ، فلماذا يجعل رجل الدين من نفسه سياسياً ومشاركاً في لعبة السياسة التي يعلم هو ، كما نعلم جميعاً ، أنها لا أخلاقية؟.. فالساسة عادةً - بمن فيهم من ينصحنا رجال الدين بالتصويت لهم - يعدون الناخبين بوعود يعلمون (= أي "الساسة")أنهم لن يستطيعون تحقيقها ، ويتحالفون مع الحزب الفلاني ثم يلتفون عليه بعد انقضاء المصلحة ، ثم يجبرون بعد الوصول للسلطة على تعيين أعضاء الحزب العلاني في مناصب ما لاحتياجهم لأصوات أنصاره وخدمات قياداته.. إذن القاعدة واضحة ولا تحتاج لحل أو تحريم : حقق هؤلاء أياً كانوا مصالحي المشروعة كمواطن أهلاً وسهلاً ، استعبط هؤلاء فلا صوت لهم عندي ، بعيداً عن دائرة الحلال والحرام.. أو فتوى الشيخ الفلاني أو العلاني..

الحمد لله الذي لا يحمد على مكروه سواه ، المؤسسات الدينية تصر على اللعب في السياسة بسلاح الفتوى ، فتوى للملك "فاروق المعظم حفظه الله" ، وفتوى "لضباط حركة الجيش المباركة" ، وفتوى "لثورة التصحيح" ، وفتوى "للاستقرار" ، وفتوى "لشهداء وضحايا الثورة" ، وقريباً فتوى لـ"البرادعي" و فتوى لـ"أبو الفتوح" و فتوى لـ"أبو إسماعيل" و فتوى لـ"عمر سليمان".. ثم نتساءل عن ضعف مصداقية المؤسسات الدينية ورجال الدين.. واستباحتهم كلاعبين سياسيين واغتيالهم ، كما حدث مع مفتي السنة في لبنان الشيخ "حسن خالد" رحمه الله الذي وجد نفسه ، وهو صاحب مواقف محترمة ووطنية حقيقية في بلاده التي تعيش منذ الاستقلال على آتون طائفي ملتهب، في قلب لعبة يصبح فيها رجل الدين سياسياً تطبق عليه كل قواعد لعبة السياسة القذرة بما فيها الاغتيال ، لتغتاله جماعة "الأحباش" -الإسلامية أيضاً والتابعة لنظام "الأسد" الأب - عام 1989.. أخذ الطيب بذنوب الأشرار في لعبة شريرة بطبيعتها..

حتى لو كانت الفتوى السياسية موافقة لما أقتنع به فإني أرفضها شكلاً وموضوعاً ، المسألة ليست مسألة مزاج ، وليست "خناقة" على القهوة يعتمد فيها منطق "صاحب صاحبي صاحبي وعدو صاحبي عدوي...الخ".. وكنت أتمنى أن يرجع هؤلاء إلى قاعدة فقهية أصيلة تقول : "دفع الضرر مقدم على جلب المنفعة".. خصوصاً إذا كانت أضرار الإفتاء السياسي بهذه الضخامة.. الإفتاء السياسي يقودنا جميعاً إلى سواد السبيل ، لا إلا سوائه....
(1) صدق أو لا تصدق : هناك من رفض قانون العزل السياسي وتطبيقه على الفلول ، وأيد هذه الفتوى!

Wednesday, April 4, 2012

يا عزيزي كلنا إخوان

نكتة بطلاها "المصريين الأحرار" و -بكل أسف - الأزهر..

حزب "المصريين الأحرار" الذراع "الحزبي" للمال السياسي ، يشبهه البعض بحزب "الأحرار الدستوريين" الذي يراه بعض المؤرخين لسان حال الطبقة الرأسمالية أو طبقة "الأعيان" في مصر ، الفرق أن الحزب الجديد مراهق سياسياً ، ولا يملك تصورات حقيقية قياساً على ظروف البلاد لحل مشاكلها ، فقط تشتم رائحة التمكين - على الطريقة الليبرالية - كما تشتمها لدى أحزاب واتجاهات كثر ما بين الدينية والعالمانية ، من أجل حماية مصالح الرأسمالية الطفيلية التي ازدادت سعاراً - مالاً وسياسةً- في سنوات "المخليوع" الأخيرة (والتي من أجلها تحالفت معه ثم انقلبت عليه قبيل الثورة).. هو فقط وجد فرصة سانحة للتذاكي و "الاستصياع" على الشعب ، قد يدعي أنصاره أنه لا يمارس هكذا أمور تمارسها الأحزاب السياسية المصرية حالياً ، كلها بلا استثناء ، لكن ما سترونه لاحقاً يثبت أنه "مش وش ذلك".. بل "ذلك وش".. أما الأزهر فأترك لكم الفقرات القادمة لتكونوا في قلب الصورة..

إيه الحكاية؟

1-في برنامج "المصريين الأحرار" الذي يفترض أن يكون هو الوثيقة التي بين الحزب والجماهير ، والمنشورة علناً على شبكة الإنترنت ، والتي كان يوزعها إبان الانتخابات البرلمانية أواخر العام الماضي ، تحدث عن الأزهر و"تصوره" لـ"وضع الأزهر" :

دعم استقلال الأزهر من خلال إعادة إحياء الدور المحوري لجماعة علماء الأزهر وأن يضعوا القواعد المناسبة لهم لاختيار الإمام الأكبر بما لا يتعارض مع المبادئ الأساسية للدستور، وإدماج الأوقاف ودار الإفتاء داخل مؤسسات الأزهر للإرتقاء بدوره التاريخي كمرجعية أساسية لتعاليم الإسلام والتعليم والبحث الديني، مع التخلي عن إشرافه الحالي على التعليم المدني ليكون ضمن اختصاصات المجلس الأعلى للجامعات وليتفرغ الأزهر الشريف لتطوير الخطاب الديني وما يرتبط به من العلوم الإنسانية.

ثم:

السماح بحق مؤسسة الأزهر والكنيسة القبطية في إنشاء أو استخدام القنوات الإعلامية والصحف وغيرها من وسائل الاتصال في التواصل مع المواطنين بما لا يتعارض مع حظر التوجيه السياسي.

الموضوع واضح : الحزب لا يريد للأزهر أن يمارس أي دور سياسي من أي نوع .. وكما يقول "مصطفى شعبان" : إذا كان كدة ماشي..

لكن..

2-لكن تفاجأ بالحزب نفسه في مشروعه لتشكيل الجمعية التأسيسية للدستور الذي يحرص فيه على ضم "الأزهر" للجمعية التأسيسية للدستور ، ليس بممثل واحد ، ولا باثنين ، بل بثلاثة ، على طريقة إعلان "سوبر ريد" في الثمانينات :

- 10 أعضاء من أساتذة الجامعات - 10 أعضاء من الهيئات القضائية - 10 أعضاء من النقابات المهنية - 5 من نقابات العمال - 5 من الاتحادات النسائية - 5 من جمعيات حقوق الإنسان - 5 من الفلاحين يرشحهم اتحاداتهم - 5 من الجمعيات الأهلية - 3 من الأزهر - 3 من الكنائس المصرية - عضو واحد من القوات المسلحة وجمعيات رجال الأعمال واتحاد الصناعات واتحاد الغرف التجارية واتحاد الكتاب والاتحادات الرياضية واتحاد طلاب الجامعات والمجلس القومى لحقوق الإنسان والمجلس الأعلى للشرطة. - 10 شخصيات عامة منهم 3 من المصريين فى الخارج.!

3-المهم ، حدث ما حدث ، وقرر الأزهر "الانسحاب" من اللجنة ، ليس رفضاً لـ"الاستئثار" أو "الاحتكار" ولا لهذا "الكلام الكبير" .. بل بسبب "ضعف تمثيله" ، بدليل أن الدكتور "أحمد الطيب" شيخ الأزهر قد اشترط لعودة الأزهر للتأسيسية زيادة تمثيله في اللجنة .. بل إن عضو "مجمع البحوث الإسلامية" الدكتور "محمد رأفت عثمان" قد استنكر عدم اختيار ثلاثة علماء ضمن تأسيسية الدستور إضافةً إلى الدكتور "نصر فريد واصل" والدكتور "محمد عمارة"..

الحزب الليبرالي الذي يدعي أنه جاء لأخلقة السياسة وحماية الثورة يطالب بتركيز الأزهر في الجانب الديني ، وفي نفس الوقت يدعم مشاركته في صياغة الدستور ، ودعم من قبلها "وثيقة الأزهر" ، التي ، وهي مفاجأة إن صحت ، تعبر عن رأي من صاغوها ، وتم "إقحام الأزهر فيها إقحاماً" ، إن صح ما قاله الكاتب اليساري الكبير "صلاح عيسى".. أو - م الآخر - أقحم الأزهر نفسه فيها إقحاماً.. وكما يقول التعبير المصري الدارج "اللي ما يشوفش من الغربال..."..الخ.. بمعنى آخر : الأزهر ، كما ترى تقارير منها تقرير لـ "BBC" ، بدأ يمارس السياسة ، ويبحث عن دور سياسي رغم النفي المستمر والإنكار ، قبل الوثيقة ، وبعدها..

الإخوان نقضوا عهدهم - كما يرى كثيرون - وقرروا ترشيح "الشاطر" بعد أن كانوا قد أعلنوا أنهم لن يرشحوا أحداً منهم ، ولم تكن مبرراتهم لذلك "مقنعة" لدى شرائح أكبر (وعن نفسي أرى أن ما فعلوه قضى على مصداقيتهم في الشارع)، وفي نفس الوقت نجد حامي حمى الليبرالية يكذب على الناس ويدعي أنه لا يريد تدخل لأي جهة دينية في السياسة ويسمح بشكل ضمني - الآن - وبشكل صريح -بعدها- بتدخلات للمؤسستين الدينيتين في العملية السياسية ولكن بشكل - ههههههه- مقنن ، و"أبو الفتوح" - إخواني بالمناسبة مش من "ألتراس أهلاوي" - ترك الجماعة من أجل مصلحة هي السماح بترشحه للرئاسة (وليس لأسباب فكرية كما يزعم أنصاره) ، فيما ترك الأزهر لجنة تأسيسية الدستور احتجاجاً على ضعف تمثيله ، أي لمصلحته أيضاً..

أن يرشح الإخوان "الشاطر" بعد أن قالوا أنهم لن يرشحوا أحداً ، أمر معتاد من الإخوان "الوحشين" الذين لا يعملون سوى لمصلحتهم ، لكن هل يصنف ما يفعله "المصريين الأحرار" على أنه ورع سياسي وتقوى ثورية أم استغفال وانتهازية ونفعية؟ ولماذا سقط الأزهر بكل تاريخه في هذا المستنقع؟

ما بقتش تفرق ، وسمعني سلام "يا عزيزي كلنا إخوان"..

فقرة أخيرة : أستحلف الأزهر ، شيوخه وعلماءه ، بالله العلي العظيم ، أن يقولوا لنا وبوضوح أي شيء عن الماهية الحقيقية لدور الأزهر الذي ظل خطباؤه يروجون له على المنابر طيلة ما عشته من سنوات ، هل هو دور دعوي أم تنويري أم سياسي ، لو كان الأزهر يريد أن يمارس السياسة ليقولوا ويصارحونا بذلك ، وإلا فصورة المؤسسة الأزهرية "مش ناقصة اهتزاز" عما كانت عليه إبان "المخليوع" ، بأفعال قادتها وإرادتهم الحرة هذه المرة ، وليس بإيعاز من أحد داخل السلطة أو خارجها..

Saturday, March 31, 2012

بدون زعل : في دستور الأزهر ، والكنيسة

من حق من يشك أن يشك ، ومن حق من يقلق أن "يتوغوش" : المؤسستان الدينيتان الرئيستان في المجتمع ، ومعهما التجمعات الدينية المذهبية المنظمة ، تحولت فجأة من "بالروح بالدم نفديك يا زعيم" إلى كيانات ثورية ، ومن البعد حتى عن ممارسة الدور الديني إلى "الفتح على الرابع" في مسائل السياسة.. الذين شاركوا من على منابرهم هنا أو هناك على استحياء في الثورة ، وبعد تأكدهم من قرب الانتصار ، هم الآن من يريد أن يسهم في تشكيل الواقع الجديد ، من فقد مصداقيته - وأعني الأزهر - لارتباطه في السياسة أبى إلا أن يعاود البلبطة في مستنقعها..والذين كانوا لا يؤدون عملهم الأساسي قرروا تجربة أنفسهم في عمل آخر لا يتناسب مع وظيفتهم الأصلية في المجتمع..

الأزهر - مثلاً - قدم وثيقة ، أرادها أصحابها أن تكون "استرشادية" في عمل الدستور ، ثم عاد كالعادة لينفي أنه يمارس السياسة ، على طريقة "نحن لا نفتح الرسائل" ، ليفاجئنا بعدها بأنه يقف "على مسافة واحدة" من جميع المرشحين للرئاسة ، أمر يدل على أنه كانت هناك شكوك لدى المجتمع المصري أو بعضه تجاه الأزهر في تلك المسألة ، لنفاجأ بالأزهر ينسحب من تأسيسية الدستور لا لشيء إلا "لضعف تمثيله" في اللجنة.. أي أنه لو كان ممثلاً بعدد "أكبر" من الشيوخ والعلماء لبقي فيها.. وتذكروا.. نحن لا نمارس السياسة!

أما المستشار الصحفي للكنيسة الكاثوليكية فأصدر تصريحاً لا يقل غرابة عن التصريح الأزهري ، قائلاً فيه أن "الأقباط أعضاء اللجنة يمثلون أحزابهم، ولايمثلون كنائسهم"! أي أن المسألة ليست تهميش الأقباط الذين من حقهم أن يشاركوا كأفراد ومواطنين في وضع الدستور المصري من خلال الأحزاب السياسية مثلهم مثل غيرهم من المواطنين ، بل تهميش المؤسسات الدينية المسيحية من وجهة نظر المتحدث الصحفي ، الأمر الذي يعني ، لو استخدمنا نفس المنطق ، أن المسلمين المشاركين في اللجنة يمثلون أحزابهم ولا يمثلون الأزهر!

ماشي..

1-لماذا يريد الأزهر ، والكنيسة ، والطرق (باعتبارها نموذجاً للمجموعة الدينية المذهبية المنظمة)(1) المشاركة في عمل الدستور؟ ما هو الفرق بين دستور تشارك فيه تلك الجهات ودستور لا تشارك فيه؟ هل مشاركة الأزهر هي ضمانة للمادة الثانية؟ هل مشاركة الكنائس هي ضمانة لحقوق المسيحيين في الاحتكام إلى شرائعهم في مسائل الأحوال الشخصية والمواريث؟ أليس الدستور كما يقول كل من يريد التدخل فيه لمصلحته الضيقة هو "العقد الاجتماعي بين الدولة والمواطن" بغير ذلك اسم المواطن ولا بلد المواطن ولا الاتجاه السياسي للمواطن ولا الانتماء الديني والمذهبي للمواطن؟

2-ما الذي يمكن لتلك الجهات أن تقدمه داخل الدستور بعيداً عن المسائل الدينية ، بما أنها إن شاركت فيه ستشارك في المسألة كلها "لوكشة واحدة" ، ما يخص الجوانب السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي لا تتخصص فيها في الأغلب الأرجح؟ لطالما كان في الحالة الأزهرية ما يمكن اعتباره "ترويجاً" لنوع من التدين ينعزل بعض الشيء الكثير عن الحياة وشئونها ، التي من المفترض أن يخدمها الدستور ، وبالتالي ليس للأزهر كمنظمة أي خبرة تذكر في إدارة ما هو خارج المعاهد ومستشفيات الجامعة ، لأنه بلا صلة تربطه أو تربط مؤسساته بالمجتمع المحيط (حتى على العكس من بعض الجامعات في مصر) ، أما بالنسبة للكنيسة فلا يختلف الحال كثيراً ، إذ أنه حتى عملها في المجال الخدمي قد لا يكفي وحده لتواجد خبرة كافية للمشاركة في عملية فنية كصياغة دستور.. وحتى خبرات المؤسسة الدينية المسيحية لا تزال قاصرة على دائرة شئون أتباعها فقط دون أن تضع نفسها ، وأن يضع كل المشاركون الآخرين من جهات وأفراد أنفسهم بالطبع ، مكان أي مواطن في مصر أياً كان دينه (2)، بما أن الدستور يحدد أساسيات علاقة الفرد بالدولة أكثر من خدمات من الممكن أن تؤديها الدولة.. تذكروا أنه من أكبر ما وجه للجنة صياغة الدستور من انتقادات كان ما يتعلق منها بوجود "كفاءات".. هل المؤسستين الدينيتين الحاليتين ، اللتان لا تقومان بعملهما الديني الأصلي في المجتمع كما يجب ، كفاءة للمشاركة في وضع دستور؟ أم أن مدنية الدولة لدى "البعض" "أوبشن" يتم تفعيله في حالات معينة وتعطيله عند اللزوم؟

3-ألا يمكن أن تنطبق نفس الانتقادات التي توجه للأحزاب الدينية على تلك المؤسسات ولو بنسبة كبيرة؟ "انتو بتوع دين ولا بتوع سياسة" ، "تعرفوا إيه عن المواطنين اللي عايشين في العشوائيات والأماكن الفقيرة" ، "انتو ما عندكمش خبرة الحياة العامة وثقافة الدولة" ....الخ..

4-ألم يفكر الأزهر تحديداً في أن ما اكتسبه من مصداقية على مر تاريخه اكتسبها من عمله التربوي داخل المجتمع وما قام به للحفاظ على الثقافة المصرية العربية من تيارات التغريب والدونية ، وأنه عندما قدم خدمات للنظم السابقة فقد شعبيته لحساب السلفيين الذين يصرخ منهم الآن؟ ألم تضر تفاهمات الكنيسة مع الساسة قبل وبعد الثورة بمصداقيتها ولو لدى شريحة شابة من المسيحيين؟

5- ما الذي سيضمن أن تكون تلك هي المشاركة السياسية الأخيرة للجهات الدينية؟ أليس من المحتمل أن يكون حوار الدستور مقدمة لسلسلة من العبث السياسي فيما بعد؟ كوت وحصص وتقسيمات وخلافه؟

دخول الأزهر والكنيسة والطرق ، وكذا دخول أي فئة بصفتها الدينية للعمل السياسي هو نوع من أنواع الانتحار السياسي ، فمصداقية كل هؤلاء وغيرهم أصبحت بهذه الطريقة على المحك ، ومواقفهم ستصير كما الحالة في لبنان نهباً لأي ريح سياسية تهب هنا أو نوة هناك ، وبالتالي سيزيد الشرخ بينهم وبين الناس مع مرور الوقت ، ثم يتحول ذلك "الفَصَلان" إلى عداء ، سيدفعون ثمنه غالياً أكثر مما سيدفعه المجتمع بأكمله..

الدين كله لله ، والوطن للجميع ، والتخصص لأهل التخصص ، ألا هل قد بلغت ، اللهم فاشهد..
* (1) ... لأن السلفيين في مصر على الأقل ليست لديهم جماعات منظمة لها قيادة وتنظيم إداري ، ولأن الحالة السلفية في مصر "مزاج سلفي" كما وصفه الباحث الراحل "حسام تمام"..
(2)...وعندما يصعد أي تيار متشدد داخل أي مؤسسة دينية رسمية ، أو حتى غير رسمية ، يختفي ذلك البُعْد تماماً..

Thursday, March 29, 2012

السؤال الثالث : حد عايز دولة مدنية؟

بدون غضب ، وبدون انفعال ، وبدون تسرع..

لنعترف أن أغلب أغلب أغلب أغلب من صوت للإسلاميين ، مع كل ما قلته عنهم (ولا زلت عند قناعاتي) وما لم أقله ، صوت عن اقتناع وتعاطف للإخوان والسلفيين .. ولهؤلاء كما نعرف لهم تصورهم للتمكين ، ولا يرضون بغير الحكم والسيطرة على الدولة بديلاً..

ولنعترف أن أغلب أغلب أغلب أغلب ممثلي المجموعات الدينية والمذهبية الأخرى من صوفيين وغيرهم قرروا الوقوف ضد الإسلاميين "السياسيين" والسلفيين ودعمهم للمال السياسي ممثلاً فيما يسمى بـ"الكتلة المصرية" ، ليس حباً في الليبرالية ، ولا التنوع الفكري ، ولا هذا الهجص ، وإنما إيماناً أيضاً بنفس نظرية التمكين ، بشكل مختلف بعض الشيء عن التصور السلفي له ، بمعنى الاكتفاء بالسيطرة على الأزهر والمؤسسات الدينية الأخرى وتوحيد الناس تحت القيادة السياسية- الدينية لشيوخ الطرق ، وطمعاً في شكل دولة يشاركون فيها كمنتمين للخط المذهبي ، خذوا بعين الاعتبار كمية أفكار "الخلافة" الموجودة في الموروث الفكري للصوفية الطرقية في مصر ، مضافاً إليها أوهام عن كون الشخصية المصرية - من وجهة نظرهم وما يُشَبَّه لهم - صوفية طرقية ، هراءات يسهل على أي شخص يمشي في أي شارع في مصر تفنيدها عندما يجد أغلبية كبيرة من الناس ، حتى لو كانت أغلبية حسابية Arithmetic Majority، مثل كاتب هذه السطور ، مسلمون سنة مستقلون.. وضع تحت كلمة مستقل ما شئت من خطوط يراها الكفيف في عز الظهر....

ولنعترف أن المؤسستين الدينيتين في مصر ، أزهر أو كنيسة ، قررا الدخول في اللعبة السياسية ، لا حباً في الليبرالية والديمقراطية والاعتدال وكل هذه السخافات ، ولكن من أجل المزيد من النفوذ ، الأزهر مثلاً بدأ يفكر مثل داخلية "زكي بدر" التي اعتبرت مكافحة الإرهاب في الثمانينيات مسوغاً لنيل مزيد من الامتيازات والعطايا ، الأمر الذي أدى لاحقاً لفساد كبير في الجهاز الشرطي عرفه الناس عن قرب في موقعة الشعب-الألفي بعدها بسنوات ، كل ما طرأ على المعادلة هو عملية تعويض ، الأزهر بدلاً من الداخلية ، ومكافحة التطرف بدلاً من مكافحة الإرهاب ، والامتيازات هي أن يكون للأزهر "بصمة" على ما هو أبعد حتى من التشريع ..

حتى أغلب أغلب أغلب الناشطين الليبراليين المسيحيين لم يتحدوا ضد الإسلاميين السياسييين حباً في ليبرالية الدولة أو في مواجهة مخاوف على مستقبل المسيحيين في مصر على خلفية صعود الإسلام السياسي ، بل من أجل مزيد من التديين ، والمزيد من السلطات السياسية لرجال الدين على المجتمع المسيحي في مصر..

لكل هذه الفئات جمهور ، وجمهور كبير ، مضافاً إليهم نسبة يمكن اعتبارها مؤثرة من غير المسيسين والممذهبين نشأوا على معتقدات معينة عن "دولة الخلافة" و "الدولة الدينية" و "لا إسلام بلا أزهر" أو ما يقابلها على الجانب المسيحي ، ومن شديدي التأثر برجال الدين (الذين أصبح لبعضهم مصالح) ، وإعلام رجال الأعمال (1) ، وبعض المستنشطين الذين لهم مصالح فكرية ما مع سيادة تيارات دينية على حساب أخرى لزوم المصلحة الفكرية (وغير الفكرية) ، احسبوها بالورقة والقلم ستجدوا أن ما يقرب من 90% من تعداد الشعب يريد أن يمتد التأثير الديني لأبعد مما هو ديني صرف واجتماعي وسلوكي إلى السياسة والاقتصاد..

قد يكون لذلك ما يبرره ، البعض يرى في تبعيته لأي مجموعة ، ولو كانت مذهبية أو دينية ، قوة وحمايةً له ، وفي زعيمها وقائدها فتوةً وحامياً للحمى ومخلصاً ، يرى أفضل من الجميع ، ديناً واقتصاداً واجتماعاً وسياسة ، والخير كل الخير في اتباعه والشر كل الشر في عدم اجتناب نواهيه ، ثقافة موجودة في المجتمع مثلها مثل ثقافة الصوبة الزجاجية ، وكلتاهما رسختها أفكار الزعامة الدينية ، وليس من العقل تجاهلهما أو الاعتقاد بأنه يمكن التخلص منهما في يوم وليلة ، بما أن هدف الثورة ، أو يفترض أنه كذلك ، هو بناء دولة وليس مزرعة خيار، أضف لذلك حقيقة كون نسبة كبيرة منا من "المحافظين" ، والمحافظ في مرتبة وسطى بين المتشدد والمنحل ، وحتى المتحرر في المجتمع بداخله محافظ ، جزء من سلوك المحافظ في مصر وغيرها تمسكه بقيم دينية واجتماعية ، ويؤمن أبناء الشريحة المحافظة الكبيرة في طول البلاد وعرضها (ومنهم كاتب هذه السطور) بأن في الدين حلولاً لمشاكل كثيرة في هذا المجتمع ، لكن يبقى الخلاف حتى داخل هذه الشريحة المحافظة عن ماهية تلك الحلول ، هل هي -كلها- موجودة صراحةً في القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة ، أم في تفاسير وأفهام قديمة للقرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة (كما يرى المحافظون الميالون للسلفية) ، أم في تفاسير جديدة للقرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة (كما يرى بعض الإسلاميين)، أم في ترك القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة لمساحة من الاجتهاد لا يمس بثوابت الدين (كما يرى بعض الليبراليين وليس كلهم)، أم الإجابة هي (أ ، ب ، ج) معاً (كما أرى ومعي كُثُر)..

توزعت تلك الشريحة المحافظة الكبيرة التي تشكل أغلب قوام المجتمع المصري ، مسلمه ومسيحيه على السواء، بفعل ما تقرأه في الكتب أو تشاهده في الميديا أو تسمعه من رجال الدين ، بدرجات متفاوتة ، وعليه توزعت أفكارها على أطراف المسطرة ما بين تحفظ واعتدال وتشدد وانحلال ، نعم تبقى في أغلبها متحيزة للطروح التي ذكرتها في الفقرات الأربع الأولى ، لكن منها نسبة تؤمن بأن الدين لا يجب أن يتم استبعاده بالكامل من الحياة ، وتؤمن أيضاً بأنه (=الدين) ترك مساحات لما هو دنيوي فيما لم ينزل به نص ، وللتعايش مع الآخر أياً كان دينه ، وللمشاركة في البناء الدنيوي للمجتمع بصفة المواطنة ، وبالحرية في اختيار ما يؤمن به المواطن سياسياً والتصويت له ودعمه دون انتظار لأمر من أحد افعل ولا تفعل ، تحترم رجل الدين شيخاً كان أو قسيساً لكنها لا تلزم نفسها به عندما يخرج الأمر إلى حيز السياسة.. تلك النسبة سالفة الذكر قد تكون كبيرة كعدد لكنها قد تكون أيضاً قليلة التأثير مقارنةً بالأغلبية..

أحترم بالتأكيد قرارات الأغلبية ، لكن المشكلة في القرارات نفسها ، فهي تشبه المتنافسين على الكرة داخل ملعب كرة القدم ، مع الفرق أنه في حالتنا هذه اللاعبون كثر والفرق كثيرة ، لن تنفع معها الكرة المزدوجة التي رسمها "بهجت عثمان" يوماً لكي يرتاح الفريقان من التنافس ، بل ينفع معها الاتفاق على كلمة سواء ، وقبلها عرض المطالب بشكل واضح ، ودون ممارسة لسياسة إخفاء الكروت التي صار الكثير يمارسونها ، خصوصاً ممن يحاول إقناعنا بأنه يريد دولة مدنية..

والله أعلى وأعلم..
(1) التجار دائماً دالة في السوق ، من رجال الأعمال من هم محافظون ومنهم أيضاً ، مثلهم مثل الفئات المذكورة في الفقرات الخمس الأولى من التدوينة ، منافقو ليبرالية بداخلهم أفكار الشريحة المتشددة ، بل والمتشددة جداً ، من القسم المحافظ داخل المجتمع ..ربما أتناول تلك الفكرة باستفاضة أكثر في وقت لاحق بإذن الله..

Sunday, March 25, 2012

الآتي بعد : البابا القادم ، بعين محايدة

أولاً أقدم خالص التعازي لكل المواطنين المسيحيين شركاءنا في الوطن في وفاة البابا شنودة الثالث ، والذي حظي على مدى سنوات بتقدير واحترام كبيرين من فئات كبيرة من الناس داخل مصر وخارجها ، مهما اتفقنا أو اختلفنا مع آرائه ومواقفه .. الشيء المؤكد أنه برحيل البابا تنتهي مرحلة وتبدأ أخرى ، تستحق من الجميع ، مسلمين ومسيحيين ، التأمل بعمق والتفكير بهدوء ، هذه التدوينة هي محاولة مني ، لرؤية المسألة بعين محايدة ، وكما سبق الذكر ، لن أدخل -كمدون مسلم- في تفاصيل دينية بحتة ، وإنما سأسلك نفس النهج الذي بدأته قبل تسعة أشهر في تدوينة "قلق عام".. تذكروا شعار المدونة : محاولة للفهم لا أكثر ، قبل أن نخسر أكثر..

1-سيأتي البابا القادم ، أياً كان ، وأياً كانت خلفيته ، في ظروف تختلف كلياً وجزئياً عن الظروف التي أتى فيها البابا الراحل ، واقع سياسي جديد يتشكل ، وصعود للتيارات الدينية بما يشكله من قلق لدى المسيحيين المصريين ، ومحاولة تيار المال السياسي اختراق المؤسستين الدينيتين الرئيستين في مصر ، وبالتأكيد الدخول في عملية الدستور بتحدياتها ، الآن ، لم يعد هناك مجال للعزلة التي ضربت على المسيحيين ، أو لنظرية الصوبة الزجاجية التي أثبتت أنها تضر من يحتمي بها أكثر ما تنفعه ، وتخنقه أكثر مما تعطيه من حصانة.. لكن هل ستساعد المؤسسة الدينية المسيحية المسيحيين على الخروج من الصوبة والمشاركة جنباً إلى جنب كمواطنين في بناء وطن بمقاييس جديدة؟ وبأي كيفية؟ للتذكير : أفراد أي مجتمع في أي مكان يعتنق أفراده أي دين ليسوا على شاكلة واحدة ، منهم المتدين ومنهم غير المتدين ، منهم المعتدل والمتطرف ، المتزمت والمحافظ والمتحرر ..

2-سيرث البابا القادم انتقادات وجهت للكنيسة المصرية وموقفها من الثورة بشكل عام ، انتقادات تعاظمت بالتأكيد بعد توابع الثورة ، سواء الحوادث الطائفية أو أحداث "ماسبيرو" أو التحالف مع قوى المال السياسي ، فضلاً عن موقفها من المجلس العسكري ، و .. ، و... بالتالي سيكون عليه امتصاص غضب المسيحيين المنتمين أو المتعاطفين مع "الحركات الثورية" باتخاذ ردود فعل "قوية" لا تجعل المؤسسة بمعزل عما يحدث في مصر ولا يجعلها تقف موقفاً سلبياً ، وتطمين عامة المسيحيين المتخوفين من تيارات الإسلام السياسي والتيارات المذهبية ، وهو ما قد يستتبع الدخول في العملية السياسية والدستورية ، تأييد تيارات وأحزاب بعينها ، بناء شبكات علاقات جديدة ، وهو ما قد يثير موضوع علاقة المؤسسة الدينية ، أي مؤسسة دينية ، أزهر أو كنيسة ، بالسياسة ، في دولة يفترض بها أن تكون دولة مدنية ، لا تلعب فيها المؤسسات والمجموعات الدينية دوراً سياسياً..

3-هناك ألف رأي ، وألف وجهة نظر ، وألف موقف ، هناك من رأى أن الثورة ستكون فرصة لإنهاء (ما يعتبرونه) تمييزاً ضد المسيحيين في مصر ، وهناك من انتقد الثوريين وربما الثورة لأنها تسببت في صعود الإسلاميين إلى السلطة أو اقترابهم منها ، وربما قد يهدد ذلك الدور الاجتماعي والسياسي للكنيسة (الذي يعتبرونه حمائياً) والذي كان وراءه صفقات مع النظام السابق ، ولا حل لحمايته إلا بصفقات جديدة وتربيطات وعلاقات (قد تكون بالتأكيد على حساب مدنية الدولة) ، هناك من يريد أن تكون الكنيسة هي الصدادة الدينية والسياسية للمسيحيين (وسيطالب بمزيد من التدخل الديني في الشأن الدنيوي والسياسي) ، وهناك من يريد دولة مدنية فعلاً ويقتنع أن المواطنة في ذاتها أساس يحدد علاقة المواطنين بعضهم ببعض دون تدخل من أي مؤسسة دينية كانت ، وهناك من يتستر بالدولة المدنية لتحقيق مصالح طائفية ومزيد من النفوذ (ولا مانع لديه في سبيل تحقيق ذلك من تدخل المؤسسة الدينية)، وهناك من يتمرد على كل شيء ، ويدخل الدين في حسبة تمرده على كل شيء (تماماً كأقرانهم من المسلمين).. وتضيف المجموعة الأخيرة المتسعة تحدياً أكبر للبابا القادم لاستعادتهم مرة أخرى إلى الكنيسة ، واستقطابهم بعيداً عن تيارات أخرى داخل الوسط المسيحي كي لا يشكل ذلك تهديداً للحضور الاجتماعي القوي للمؤسسة الدينية المسيحية الذي شهد تزايداً في السنوات الأخيرة..

4-في استنتاجي ، وقد يكون خاطئاً ، أن هناك صراع أجيال داخل الوسط المسيحي وحتى داخل المؤسسة نفسها بين جيلين ، الجيل الأول هو الجيل المحافظ ، المتمسك بقيم ليبرالية ولكن في إطار خطوط حمراء ومبادئ وثوابت وقيم ، مصدرها يرتبط عادةً بثقافة الطبقة الوسطى في فترة الأربعينيات والخمسينيات ، والجيل الثاني في مجمله يتحدث كثيراً عن ليبرالية ولكنه متشدد ، أفكاره لا تختلف الشيء الكثير عن أفكار المتشددين الإسلاميين أنفسهم ، ولكن طبعاً بنسخة مسيحية ، تبدو ثقافته مستوردة متأثرة بمن عاشوا في المهجر ، ولديهم دور ثقافي في ما يخص الجانب المسيحي من التوتر الطائفي ، من الآخر .. وكسب هذا الفريق الأخير أرضاً في زمن قياسي ، وصار له تواجد ، وصار صوته أعلى ونفوذه أقوى.. واستثمر أحلى استثمار في "الاحتقان الطائفي" ليقدم نفسه كفتوة ومخلص وحامٍ للحمى ، وعزز الاستثمار باستثمار جديد في الحالة الثورية.. وكل منهم يريد طريقة وسياسة معينة تتدخل بها الكنيسة في الحياة العامة فيما هو بعيد عن الشأن الديني ، وبين أولئك وهؤلاء كما قلت سابقاً بعض الليبراليين الحقيقيين (أي لا علاقة لهم بمن نراهم في الميديا) من هذا الجيل وذاك يرى أن أوضاع المسيحيين في مصر كانت أفضل دون أن تلعب الكنيسة دوراً سياسياً صارخاً ، ووقت أن كان المسيحيون أحراراً في الانضمام إلى أي حزب يريدون (من أقطاب الوفد والحركة اليسارية في مصر شخصيات مسيحية بارزة)..

انحاز البابا القادم لهذا أو لذاك ، تحرك في اتجاه السياسة بأي سرعة أو لم يتحرك ، أبدى اعتدالاً أو تشدداً ، سيكون رد الفعل على الجانب الآخر في ظل إلحاح على الزعامة الدينية (محدش بيعرف يعمل لهم حاجة علشان ليهم بابا وليهم زعيم واحنا لازم يكون لينا بابا ولينا زعيم) بنفس الشكل والمضمون والسرعة والقوة ، مع استمرار الاحتقان والتخندق ستصبح المسألة هكذا ، فعل ورد فعل ورد رد فعل ، تطرف هو سنتطرف نحن ، قام بصفقة تتخلى فيها الدولة عن دورها في أمور ما لتتركها له سنقوم نحن بنفس الشيء ، ومن يشمبر لنا نشمبر له.. ضعوا في الاعتبار أن هناك قوى سياسية تريد أن تجعل من الأزهر مؤسسة دينية لها لدى المسلمين نفس الوضع ، أو قريباً منه ، الذي تملكه الكنيسة بالنسبة للمسيحيين .. (رغم أن هذا ليس من اختصاصات الأزهر وليس من دوره ولا ينبغي أن يكون)..

ليس من السهل على أي شخص أن يقود أي مؤسسة دينية لأي دين كان ، سواء أكانت فكرة المؤسسة الدينية موجودة بداخل ذلك الدين من عدمه ، كل خطواته ستحسب عليه بالتأكيد ، أما اعتدالاً وتسامحاً وإما مزيداً من التطرف واللعب بالديناميت..

Friday, January 27, 2012

شيخنا الجليل : لقد أخطأت

قبل الكلام.. أحلى الكلام:

قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من السماء ملكا رسولا - الإسراء (95)

وكل منا يؤخذ منه ، ويرد عليه ، إلا المصطفى صلى الله عليه وسلم ، والذي قال في الحديث ما معناه "كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته".. والعالم بمعنى الحديث راع ، ومسئول عن رعيته .. من حقك علينا النصح ، ولأن الدين النصيحة ، من حقي كمسلم متواضع أن أقول أنك أخطأت هنا وأصبت هنا..

ذهلت ، وصدمت ، من أن أراك يا شيخنا الجليل ترشح ، لا "تزكي" ، مرشحاً للرئاسة ، أياً كان ، وافق ذلك المرشح هوىً لدي أم لا ،وهذا أمر أستغربه من أي رجل دين ، كان في وزنك ، أم لا..

بمنطق الحديث ، وبمنطق العرف ، وبمنطق المجتمع ، رجل الدين أو العالم له وضع خاص ، واحترام خاص ، نُشِّئنا وتربينا على ذلك ، وضع يختلف عن وضع أي شخصية عامة سواءً أكان سياسياً أو عالماً تطبيقياً أو مفكراً أو أديباً أو رياضياً أو فناناً.. بالنسبة لكثيرين أنت مصدر لرأي الدين في كذا وكذا وكذا ، والشيء نفسه ينطبق على علماء من مدارس أخرى سواء السلفية الحسانية أو الأزهر أو غيره.. رأي علماء الدين مختلف لأن رأي الشخصية العامة رأيها لدى عامة الناس ملزم لنفسها فقط ، أنا أهلاوي متعصب ولم أرشح الحزب الذي رشحه "بركات" أو "أبو تريكة" ، وضد الحزب الذي يزكيه "فاروق الباز" مع تقديري الشديد جداً لـ"الباز" كقيمة علمية كبيرة.. أحترم الثلاثة لكني في السياسة "شايف شوفة تانية وتصور تاني خالص"..

ما قلته ، يا مولانا ، له حساسية ، أعرف أن رجلاً بخبرتك وعمرك وتجربتك أدركتها ، وستدركها عندما تجد بعد ساعات - مثلاً - الشيخ "محمد حسان" "يزكي" "حازم صلاح أبو إسماعيل" ، ومن قبلك وقبله تحدث الشيخ "محمود عبد الرازق الرضواني" عن "تزكيته" لـ"البرادعي" ، وقريباً جداً جداً ، ولا أستبعدها ، إن أجريت انتخابات الرئاسة في وقت قريب أن يكون للأزهر مرشحه الذي يزكيه للرئاسة.. ويعلن شيخه أو شيوخه ذلك على الملأ ، في الجريدة س أو الفضائية صاد .. حساسية تدرك وجودها ، فهل تدرك خطورتها؟

هل تدرك خطورة أن يقول عالم في وزنك للناس بشكل مباشر أو غير مباشر انتخبوا فلاناً أو علاناً أيان كان هذا الفلان أو ذلك العلان؟

قلت :


وقال أن رئيس مصر يجب أن يكون قوى بالعلم والخبرة وأمين يخشى من الله ويحفظ حقوق البلاد ويعرف متطلبات البلاد ورأى أن الدكتور عبد المنعم أبو الفتوح مؤهل لذلك .

تصدق بالله؟ لقد قال خطيب المسجد من جمعة أو جمعتين أنك إذا رشحت شخصاً فتحرى فيه القوة والأمانة واستفت قلبك وعقلك.. الفرق أن الرجل تركها عائمة ، لأنه يريد إرساء مبدأ وتعليم سلوك ، دوره وقام به هذه المرة بشكل سليم، تلميذك و "قد ركبتك" أدركها.. لماذا لم تدركها بعد؟ وعي وجدته عند التلميذ الصغير ، لماذا لم أجده عند أستاذه الكبير؟

أعرف أنك ترى الدين بشكل عام كمنهج متكامل للحياة ، مثل كثيرين من المسلمين ، وأن لك تصوراً في علاقة الدين بالسياسة قد أتفق معه أو أختلف ، لكني لم أنسَ لك أنك من أساتذة فقه الأولويات ، هل ترى في تزكية رجل دين ، س أو ص أو ع ، لمرشح ما حتى ولو في انتخابات اتحاد كرة القدم أولوية؟ أليست الأولوية ألا تتمزق الأمة ويتشتت البلد؟ يكفينا ما نحن فيه من ائتلافات وأحزاب وشلل وجماعات ضغط ومصالح ، أيرضيك أن تزيد الأمور سوءاً؟

عفواً شيخنا الجليل ، لقد أخطأت.. وإن كان لي من خطأ كبير هو أنني تأخرت ، واتكأت على أني في وقت سابق في شأن رفض قيام عالم الدين أو رجل الدين بدور في الدعاية السياسية قد نبهت وحذرت..

والله من وراء القصد..

Sunday, January 15, 2012

حالياً : لا يوجد مرشح إسلامي يصلح لرئاسة مصر.. أكذب؟

قبل أن تندفع ، وقبل أن تهاجم ، وقبل أن تشتم ، فكر معي جيداً واعرض كلامي على العقل ، إن أعجبك كان بها ، وإن لم يعجبك أيضاً كان بها ، لا أفرض رأياً على أحد ، وما أكتبه هو قناعتي الخاصة جداً والشخصية جداً جداً جداً..

1-لنعترف ، وهذا هو الشيء الوحيد الذي أطلب منك ، ومني ، أن نتعايش معه هو أن جميع المرشحين المطروحين للرئاسة حالياً ، بمن فيهم "البرادعي" المنسحب "تكتيكياً" عليهم في الشارع علامات استفهام كبيرة جداً ، ولا يحظى هؤلاء ، بنسب متفاوتة ، بدعم شعبي كبير ، كل حسب انتماؤه السياسي ، وخطابه ، وتياره ، بالتأكيد لكل مريديه ، الذين يشتطون في أحيان كثيرة في تقدير مزاياه (وعيوب منافسيه طبعاً) والذين يرون فيه كل الصور المثالية الملتصقة بصورة الحاكم العادل والمخلص المنتظر (سواء كانت تلك الصور مبنية على أساس ديني أم أساس قومي أم أساس تاريخي) ، وكوجه مقابل يوجد أيضاً من لا يرون في هؤلاء أياً من تلك المميزات والخصائص ، وتوجد شريحة -كبيرة- تشعر باللامبالاة تجاه هؤلاء أجمعين، وبرامجهم ، وفي رأيي المتواضع هذه ليست مسئولية تلك الشريحة من الشارع المصري ، قدر ما هي مسئولية هؤلاء المرشحين ، لا أستثني أحداً ، الذين يتعاملون مع الشارع بطريقة تخلط ما بين "الثورنة" - عاملين فيها ثورجية - والتناكة!

2-تذكرت "رستم" في مسرحية "الزعيم" عندما يرد على "زينهم" الكومبارس الذي سأله بكل براءة وسذاجة أن يعطيه عشرة جنيهات كشرط لتوليه رئاسة البلد ، قائلاً له "انت مش حتطلب حاجة من حد.. النااااااس هية اللي حتطلب منك".. هذا بالفعل ما سيحدث مع الرئيس القادم أياً كان انتماؤه وخطه السياسي والاقتصادي ، ولكي يكون هذا الشخص جديراً بأن تطلب الناس منه ما تريد وبقلب من حديد ، يجب عليه أن يكون قوي الشخصية ومستقلاً في تفكيره عن كافة الضغوط ، ليحقق شكلاً من أشكال العدالة يكون مقبولاً لدى السواد الأعظم من الشارع (مع التسليم- أيضاً- بأنه لن يحكم البلد بمفرده ، إلا إذا كان لقلاضيش المرشح رأي آخر حين وضع الدستور)..

والمرشحان الإسلاميان المطروحان حالياً بالتحديد، "أبو الفتوح" و "صلاح أبو إسماعيل" (وخلي "العوا على جنب لإن فرصه نظرياً شبه منعدمة وقد ينسحب) لديهما أشهر عيب متواجد لدى المنتمين للتيارات الدينية ، خاصةً المنظمة منها ، عدم استقلالية التفكير .. فأبناء التيارات وحركات الإسلام السياسي المنظمة ، و/أو أبناء التيارات المذهبية المنظمة (كالصوفية الطرقية في مصر) و/أو حتى أبناء بعض المدارس السلفية المصرية في شكلها الحالي يجمعهم قاسم مشترك ، وهو الالتزام والتبعية لقائد معين داخل تلك الحركات والطرق والجماعات ، قد يكون هو مرشد الجماعة أو شيخ الطريقة أو حتى عالم نافذ أو مرجعية داخل تلك المدرسة السلفية ، ذلك الالتزام وتلك التبعية لا تقتصر فقط على شخص القائد بل على أفكاره وخطه وثقافة المكان الذي ينتمي إليه ، بكل ما قد تحتويه تلك الثقافة من تضارب مع آراء وأفكار ومعتقدات شرائح كبيرة من الشعب ، الأمر الذي إن رسخ لديهم شيء فيرسخ بشكل قاطع بأن هذا الشخص الواقف على قمة السلطة هو موظف عند قائده لا عند الشعب (1)(2)..

نعم خرج "حازم" و "أبو الفتوح" من "الإخوان" ، لكن لا يزالان متأثرين بفكرة السمع والطاعة التي سادت (وتسود) الجماعة (3)، واحتفظا بجزء كبير من هذا الميراث الفكري القائم على أحادية وجهة النظر وعدم الاستماع للآخر أو التحاور معه حتى وإن حاولوا إبداء العكس ، لا أعرف طبيعة خلاف "أبو إسماعيل" مع الإخوان (4)، لكن خلاف "أبو الفتوح" كان سياسياً نفعياً بامتياز ، لا على أفكار ولا على مبادئ ولا على أي شيء في تلك السكة، لأنه رأى في نفسه المرشح الأمثل لتمثيل الجماعة فكرياً وسياسياً ، في الوقت الذي ترى فيه الجماعة أنه لا يجب أن يمثلها مرشح رئاسي في الوقت الراهن ، وهنا بدأ الخلاف ، وترك الجماعة أو فصل هو منها أياً كان ، لكن شعاره الجديد هو "ومن النهاردة مفيش مرشد .. أنا المرشد .. أنا المرشد .. أنا المرشد".. هكذا يعتبره بعض شباب الإخوان "مرشد الشباب" خلافاً لقيادات الجماعة الأكبر سناً.. (5)..

3-فكرة الاحتفاظ بالإرث مشكلة ، والإرث نفسه هو الآخر مشكلة ، تخيل أن مرشحاً ما ينتمي لتيار سياسي ديني أو مذهبي يرى أن الديمقراطية رجس من عمل الشيطان (6) ويترشح في نظام سياسي ديمقراطي ، أو محمل بأفكار تؤمن بضرورة عودة دولة الخلافة ، مع الاختلاف الرهيب في الظروف ما بين وقتئذ واليوم ، ثم يتحدث عن دولة عصرية ، بل يعتبر بعض أنصار مدنية الدولة أن ما يطرحه بعض المرشحين الإسلاميين عن مدنية الدولة وخلافه نوع من أنواع "التقية" السياسية لازمة لأجل صنع الصورة البراقة وتهدئة المخاوف..

4-صحيح أن التيارات الدينية بكل أشكالها كانت على "مسافات متفاوتة" من النظام المباركي ، منها ما عاداه كالإخوان (لكن تجربة الإخوان الكبيرة مع الحصار ومواجهة النظم السياسية المتعاقبة جعلتهم أقوى) ، ومنها ما تحالف معه (كالصوفيين) ومنها ما حاول استخدامه لضرب الإخوان (بعض فصائل السلفيين) (7)لكن تبقى هناك علامات استفهام ليس فقط عن موقف هؤلاء من الثورة بل ومن المباركية أيضاً .. لم يكن لأي تيار كان دور حقيقي في مواجهة الفساد الذي استشرى سواء كان صناعه من كانوا وراء "المخليوع" وابنه ، بل أيضاً خصومهم من تيار المال السياسي ، طبعاً الحجج جاهزة بالنسبة لجماعات الإسلام السياسي عموماً سواء ما يتعلق منها بالضربات الأمنية أو بالحسابات السياسية ، لكن ذلك لم يمنع من اتخاذ موقف أي موقف في مواجهة الفساد بكل أشكاله (8)، ونفس الشيء بالنسبة للتيار السلفي ، الذي تغيرت وجهة نظره مثل الصوفيين تماماً تجاه السياسة ، أما الصوفيين ، والمؤسسة الأزهرية ففعلوا ما هو أسوأ بارتمائهم في أحضان تيار المال السياسي خشية من السلفيين والإخوان ، دون اكتراث لحجم فساد المال السياسي الذي كان دافعاً قوياً للثورة (في الوقت الذي يزعم أنه أقوى داعم لها) .. أمر يضيف إلى العقبات التي ستقف وبقوة في وجه أي مرشح "إسلامي" للرئاسة ، أياً كان انتماؤه ، بل وستضعه في مواقف حرجة خصوصاً أن الثورة لم تقض على فساد المال السياسي بعد ، وستكون فرصة هذا الأخير أكبر في العربدة والفساد مما ذي قبل ، فساد قد يثير احتقاناً اجتماعياً يقتضي مواقف جادة منها لم يرها من الإسلاميين ولا من غيرهم ..

5-أضف لذلك كله ما سبق تناوله عند الحديث عن الإسلاميين عموماً وتجربتهم السياسية ، وافتقادهم الكامل إلى الآن لحلول واضحة وعملية لمشاكل المجتمع بشكل عام ، على الرغم من أن من هؤلاء أكاديميين وأساتذة جامعات ، لكن من الواضح أن علاقة خطاب جماعات الإسلام السياسي عموماً ، والتيارات المذهبية ما بين سلفيها وصوفيها إلى الآن لم تضع الدنيا بما يكفي في حساباتها ، نعم لعب التواجد في الشارع دوراً لصالح التيارات الدينية خلال الانتخابات ، لكن الأمر سيختلف بالنسبة لرئيس الجمهورية الذي تنتظره مهام أصعب هو وفريق عمله ..والتخوف من هذه النقطة يزداد في وقت لا توجد فيه داخل تلك التيارات جميعاً أي محاولة للمراجعة وتصحيح المسار حتى على المستوى العملي في مرحلة رأت أنه عليها فيه الدخول لاستحقاق آخر يختلف عما كان عليه الحال إبان النظام المباركي ، بل عن نفسي أرى أن المرشحين "المنقلبين" الذين يقولون أنهم مستقلون ومنفصلون عن أفكار تلك التيارات ليسوا ميالين إلى أي مراجعة أو تحديث حتى وإن قالت ألسنتهم العكس استجداءاً للآهات والتهليلات من قبل هذا أو ذاك..

عدم استقلالية الفكر ، عدم وجود نية للثورة على الذات والأفكار ، عدم وجود نظرة واضحة للأمس (ما قبل الثورة) ولا للغد (ما بعد الثورة) كلها عوامل تجعل من الصعب ، ومن الصعب جداً قبول أي رئيس ذي خلفية إسلامية أو له علاقة حتى بالمؤسسة الدينية ، بعد فترة من الوصول للمنصب تظهر الحقيقة مع بداية ضعف واضمحلال تأثير الدعاية والهالة المحيطة بـ"أبو إسماعيل" و"أبو الفتوح" وغيرهم.. علاج المشاكل يأتي من الداخل ، ومن العمق ، وليس بالكلام المعسول و"المتزوق" وتسول تعاطف من كانوا في "ميدان التحرير" أو خارجه.. عذراً للإطالة..
حواشي:(1)والأمر فقط لا يقتصر على رئاسة الدولة فقط لأنه حتى بدأ يترسخ إحساس لدى بعض الناس أن شيخ الأزهر الحالي وبعض السابقين كانوا أقرب للموظفين لدى مشيخة الطرق منهم لدى الأزهر!
(2) البعض في تونس يرى أن "حماد لجبالي" - أتمنى أكون كتبت الاسم صح- هو مجرد مندوب لـ"راشد الغنوشي" في الحكومة التونسية المؤقتة ، والتي قد تكون دائمة في حين أفرزت الانتخابات التونسية القادمة نفس النتائج..
(3)الأحزاب السياسية المدنية في مصر أصبحت أحزاب سمع وطاعة ، التجمع مثلاً!
(4)...والذي تعمق مع إحساسه بأنه يقود فصيلاً كبيراً يراه الأحق بتمثيل الإسلاميين سياسياً ، وبالتالي فإن شعوره هو نفس شعور أي كيان يكبر بتحفز الكيان الكبير الموجود أصلاً ضده
(5)..وحوَّل قرار فصل "أبو الفتوح" من الجماعة الرجل إلى رمز سياسي للاعتدال والحرية والثورة والمش عارف إيه ، تغيير 180 درجة إذ فجأة .. بل وبدأت حملة تحسين صورة وتلميع له في وسائل إعلام المال السياسي بشكل أراه الأغبى والأكثر حماقة في تاريخ هذه النوعية من العمليات..
(6)قرأت قبل قليل منشوراً معلقاً على جدار خارجي لمدرسة بنفس المعنى..
(7)بل والمؤسسة الأزهرية أيضاً لم يكن لها أي موقف في هذا الاتجاه ، أؤجل طرح تلك النقطة تحديداً لتدوينة قادمة قد تكون بإذن الله التدوينة القادمة..
(8)ولم يحدث ذلك لا على مستوى القمة ولا على مستوى القاع ، حتى "أبو الفتوح" وباقي المنشقين سياسياً على الجماعة لأنهم رأوا أن مكتب الإرشاد - م الآخر- يعرقل طموحهم السياسي ولا يسمح لهم بالنمو والوصول لمناصب أعلى لا داخل الجماعة ولا خارجها.. وفي رأيي هذا النوع من الخلافات لا يمثل مشكلة في ذاته ، لكنه مصيبة عندما يحاول أصحابه إلباسه أثواباً أخلاقية أكبر بكثير ، بل إن تصريح "أبو الفتوح" الأخير عن "الالتزام الأخلاقي والالتزام السياسي" جاء مضحكاً وضاراً جداً بصاحبه..

Monday, October 31, 2011

التنظير لتسييس دور العبادة ..على طريقة فيلم "العار"

لو حلال .. أدينا بنشربه.. لو حرام .. أدينا بنحرقه- جملة في فيلم "العار"

كنت فكرت بجدية في تجنب الكتابة عن السياسة على مدى الشهر القادم ، بما أن السياسة - في رأيي - لعبة مقرفة والكلام عنها مقرف أكثر وأكثر ، وكنت بصدد إعداد ملف كامل يتضمن علاقة الفنون بالدين مرة أخرى ، ومنه ملف فرعي صغير عن "سينما الدين والمتدينين" كنت سأتناول فيه من قريب فيلمي "العار" و "بحب السيما".. إلا أن..

إلا أني قبل ساعات شاهدت جزءاً من فيلم "العار" الذي لا أمل مشاهدته بما يحويه من جدل فكري وأخلاقي لم يوقفه الزمن الطويل الذي مر منذ عرض لأول مرة ، ذلك الجزء الذي لم يعدم فيه أبناء "الحاج" حيلة في تبرير تحولهم الأخلاقي باسم الدين ، من رفض تجارة المخدرات "الحرام" إلى استحلالها لأنفسهم.. خاصةً مشهد "شكري" (=لعبه "حسين فهمي") وهو يشرح لـ"عادل" (=لعبه "محمود عبد العزيز") كيف أن أموال "تجارة المخدرات" حرام بالنسبة لشقيقهم الأكبر تاجر الصنف "كمال" (=لعبه "نور الشريف").. حلال زلال له ولشقيقه الآخر بما أنهما لا يعرفان أن شقيقهما الثالث تاجر مخدرات!

لمن يرى أن ذلك كلام أفلام ، تحكمه المبالغات "المقبولة" في عالم الفن ، أعرض عليه مثالاً واحداً قرأته قبل ساعات قليلة جداً ، هذا المقال الذي قرأته قبل قليل .. والذي لا يقدم فقط تبريراً لاستخدام دور العبادة في الأغراض السياسية ، بل تكاد تسمع عبارات "حسين فهمي" في الفيلم سالف البيان وأنت تقرأه ..

عبارات الحلال والحرام الجميلة ذات المردود الديني والأخلاقي تتذكرها ، نفس الآيات القرآنية التي سمعناها في هذا الجزء من الفيلم لتبرير تجارة المخدرات تتذكرها عندما تقرأ افتتاحية المقال :

لطالما نادت أصوات -من مختلف التيارات السياسية- بمنع استخدام دور العبادة في الدعاية السياسية، والسبب منطقي؛ فالمسجد ملك لكل المسلمين، والكنيسة ملك لكل المسيحيين، على تنوع واختلاف الاتجاهات السياسية لهؤلاء وهؤلاء، فلا يحق لفئة منهم أن تستفيد من "قوة الكلمة" التي تقال من فوق المنبر، أو من على منصة الوعظ لصالح حزبها أو فصيلها السياسي، على حساب منافسيها.

كلام زي العسل .. كلام جميل .. وكلام معقول .. ماقدرش أقول حاجة عنه .. إلى أن تقرأ:

ولكن ثمة تفرقة لا بد منها بين "ممارسة دار العبادة للدعاية السياسية" و"ممارسة دار العبادة للسياسة بشكل عام"، فإن كان النشاط الأول مرفوضا للسبب سالف الذكر، فإن النشاط الآخر -في رأيي- لا ضرر منه.

وهنا .. يتوقف الكاتب لوضع ملعقة عسل صغييييييييرة أخرى..

فهناك فارق يجب أن ننتبه إليه بين "ممارسة الدعاية" و"ممارسة النشاط السياسي"؛ فالأمر الأول يعني أن هذا المسجد أو تلك الكنيسة قد انحازا لجانب فئة بالذات من أهل المجتمع، عندئذ فقد انتفت صفة "الملكية العامة" من أهل الدين لدار عبادتهم، وأصبحت دار العبادة تابعة للفئة/ الشخص محلّ الدعاية، فضلاً عن أن إضفاء غطاء ديني على تيار أو شخص سياسي يعطي أفعاله ومواقفه نوعًا من "الحصانة" ويلغي حكمة "الاختيار" الشعبي، مما يعني بالتالي انتقاص حرية صاحب الصوت في استخدام وتوظيف صوته وفق قناعاته الشخصية.

ليبرر به كيلو السم الذي سيضعه :

أما ممارسة النشاط السياسي فهي مسألة تعني أن تقوم دار العبادة بدور سياسي عام محايد لا ينحاز لتيار أو شخص بعينه، بل يتعامل مع أهل المسجد أو رعية الكنيسة بشكل عام، يراعي الإجماع الوطني على هذه القضية أو تلك، كأن يقوم المسجد مثلاً بتوعية حضور الخطبة بضرورة إلغاء المحاكمات الاستثنائية للمدنيين، أو أن تنادي الكنيسة في رعيّتها بضرورة التمسك بمطلب إلغاء الطوارئ... إلخ.

ثقافة النقاق والتزييف هي في الأساس ثقافة مزايدة ، حاول منافقو العقيدة خداع الرسول (ص) كما بين القرآن الكريم بالإلحاح على إظهار أنفسهم بأنهم "مؤمنين" يشهدون بأن الرسول (ص) رسول من عند الله ، ليرد الخالق سبحانه وتعالى من فوق سبع سماوات بأنه لا جديد فيما يقولونه الذي ليس إلا محاولة للتغطية على غشهم ونفاقهم..

نفس الأمر مع الفارق ينطبق مع قضايا إلغاء المحاكمات الاستثنائية أو إلغاء الطوارئ أو تلك القضايا التي هي قضايا أغلبية وطنية إن لم تكن قضايا إجماع وطني بالفعل ، نحن نعرف أن المحاكمات العسكرية للمدنيين (في أي عصر) مرفوضة ، وأن قانون الطوارئ مرفوض (برضه في أي عصر) فلماذا المزايدة وحشر دور العبادة فيها ، وهناك وسائل إعلام صارت أقوى تأثيراً وألحن حجة بعد انحسار الدور الديني والأخلاقي لمؤسستي الجامع والكنيسة ، أم أن الكاتب لم يدرك ذلك الانحسار الذي يراه الكفيف بوضوح في عز الظهر؟


لم يكتفي الكاتب الفاضل باعتبار انحسار الدور الديني والأخلاقي ، (الذي تدهور إلى حد التحريض الطائفي في بعض الحالات ، بكل أسف) أمراً من أمور الخيال العلمي (هكذا يظهر في المقال) ولكنه يصر بالتبرير قياساً على أمثلة استثنائية في ظروف استثنائية ، أما مثال الثورة فعليه ألف علامة استفهام وتعجب ، بما أن المؤسستين الدينيتين الكبيرتين (الأزهر والكنيسة) تبنتا موقفا غامضاً من ثورة 25 يناير.. ودور العبادة تتبع المؤسستين بطريقة أو بأخرى إلا إذا تحدثنا عن المساجد الأهلية غير الأوقافية مثلاً ، ومعظمها يتبع تيارات مذهبية كان لها نفس الموقف الغامض من الثورة ، وبعضها يتبع بعض جماعات الإسلام السياسي وأشهرها "الإخوان".. الذين كان لهم موقف ضد النظام الذي ضيق عليهم ووضع قياداتهم في السجون وحاكم بعضهم عسكرياً أكثر مما هو ضد "المباركية" الذي يفترض أن الثورة قامت لإسقاطها ..

بل أبى إلا أن يرصع المقال بفقرة لا تقل في قوة إضحاكها عن بعض إفيهات أفلام "محمد سعد" :

ربما يخشى البعض المناداة أو القبول بممارسة دار العبادة هذا الدور؛ خشية أن تتجاوزه لتقع في خطأ الدعاية السياسية، ولكن متى كان الخوف مبررًا لعدم التجربة؟ ثم إن خوفًا كهذا ينطلق من فكرة غير مقبولة ومهينة للشعب المصري تتهمه دومًا بانعدام الكفاءة العقلية وانعدام الوعي وتلقائية الوقوع في الخطأ، واعتبار أن سوء تفاعل المصريين مع الحرية السياسية هو الأصل أما إجادتهم ذلك فهو الاستثناء، وهذا افتراض ظالم ومرفوض وشديد الغرور والتعالي..ما المشكلة في أن يجرب المصريون استعادة جزء من قوتهم الشعبية ما دام أفادهم وأضاف لتاريخهم؟ وعلام الخشية من الخطأ إذا كان الإنسان لا يتعلم -عادة- إلا بالتجربة والخطأ ثم التجربة والإصابة؟(1)

آه انت كنبة ووحش ونهيتك ما انتهيت ..الخ .. بس انت حلو وزي الفل وعاقل وتقدر تميز يا حبيبي .. ليه ما تعملهاش؟

هل يعلم ما يعلمه كثير من عامة الناس ، وليس الساسة ولا المثقفين فقط ، أن حالة الاستقطاب السياسي امتدت للمنابر ، وبعد أن كان لدينا خطباء "حزبوطني" و خطباء "إخوان" و خطباء "سلفيين" و خطباء "طرق" أصبح هناك لحركات وائتلافات وأحزاب خطباء محسوبين عليهم ، وهناك خطباء بعضهم مرشح لمجلس الشعب؟ وبالنسبة لكل من تلك التيارات هناك قضايا يراها (="التيار") قضايا "إجماع وطني" - بما أن كل التيارات في مصر تمارس الإقصاء ضد كل مختلف عنها ، قول إني غلطان- وبالتالي لا تتورع عن استخدام كل الوسائل ، باسم الدين ، وباسم الوطن ، للدعاية لها ، وبالنسبة لأتباع تلك التيارات ، هذه القضايا قضايا إجماع وطني ، وإن لم يتكلم فيها ذلك الشخص الظريف المحترم الواقف على المنبر فستطلق عليه سلسلة من الأوصاف تتدرج من حيث الأدب من "شيخ السلطة" ، إلى "دة شيخ الجماعة الفلانية" ، إلى "دة بيجامل الائتلاف الفلاني" ، إلى "دة بيـ *** للائتلاف العلاني" ، إلى الألفاظ البسيطة والمركبة إياها ، إلى توجيه دفة الهجوم بالأوصاف المنتشرة للأب والأم..

في ظل التعصب والتخوين بل والتكفير يصعب الكلام عن احترام حرية الآخرين ، في أي مجتمع كان ، مهما بلغت درجة ثقافته ، ومهما بلغت درجة وعيه .. بل كلما زاد التعصب كلما انعدم الفرق بين الاستخدام السياسي "الحلو" للمنابر ودور العبادة وبين الاستخدام السياسي "الوحش" ..

الأمر لا يحتمل الآن محاولة وخطأ ، من يحوم حول المحارم يوشك أن يقع فيها ، والمثل المصري يقول : "أول الرقص حنجلة".. والتجارة التي بررت في الفيلم بإنها تجارة "أعشاب" ارتكب باسمها أكثر من جريمة..

ختاماً.. من حق كاتب المقال ، ومن حقك بالطبع ، رفض كل ما قلته جملةً وتفصيلاً واعتباره كلاماً فارغاً ، ومن حقي أن أرفض ما قاله كاتب المقال ، وأرفض أسلوبه ومنطقه جملةً وتفصيلاً واعتباره أيضاً كلاماً فارغاً.. وقد ذكرت هنا أسانيداً وحيثيات قابلة تماماً للنقاش.. ومع اقتناعي بأن الخلاف في الرأي لا يفسد في الود قضية ، إلا أن الأسلوب الذي يتم تمرير بعض الآراء به ، والمنطق الذي تُجَزأ به المبادئ تجزيئاً ، يذكرني بأنه حتى مع "الخلاف في الرأي لا يفسد للود قضية" تبقى لكل قاعدة شواذاً.. عذراً للإطالة وحدة اللغة..
(1)باعتقادي أن بعض ممن قرأوا المقال سيقولون أن التيار الذي ينتمي إليه كاتبه سيقولون ، ولديهم بعض الحق ، أن التيار الذي ينتمي إليه الكاتب هو من اتهم المصريين بسوء التفاعل مع الحرية ووضع معظمهم في خانة "حزب الكنبة" ، ولا أستطيع أن أقول "كل الحق" لأني لا أعرف على وجه الدقة انتماء كاتب المقال ، وهو حقه وهو حر فيه ولا أبخسه عليه

Sunday, October 30, 2011

السؤال الثالث : وما هو دور الأزهر أصلاً؟

من المستفز جداً أن تجد عبارة ما ، يتم تداولها على لسان عدد كبير جداً من الناس ، ويتم اعتمادها بينهم كحقيقة صارخة ، في حين أن نسبةً منهم ، كما يظهر لي على الأقل ، لم تكلف خاطرها بالتفكير فيها أو محاولة فهمها.. ويشمل الكلام طبعاً الميديا التي تعشق ترديد مثل تلك النوعية من العبارات "اللي بتاكل مع الناس" وذات المردود "العاطفي" عاطفياً .. وعليه .. فمن حقي ، كواحد من آحاد الناس ، أن أتساءل ، ولو على سبيل الغلاسة الفكرية ، عن معنى تلك العبارة ، ربما أفهم وأنضم إلى طابور الفاهمين المرددين ..

هذه العبارة هي "دور الأزهر" أو "استعادة الأزهر لدوره" أو..أو..أو....


طبعاً "ما يروحش مخك لبعيد" وتتصور أن "الدور" المقصود هو الدور التثقيفي "التنويري" الذي "يلعبه الأزهر" من أجل "نشر الإسلام الوسطي" و..إلى آخر ما يعتقده "الشذج" من أمثال كاتب هذه السطور.. لأنه لو كان ذلك هو الدور المقصود للعبه الأزهر منذ فترة طويلة ، لكنه لم يفعل ، ولا يوجد أسهل لدى ثقافتنا ، بكل أسف ، من إلقاء المبررات بجميع أنواعها عندما يخطئ أي شخص .. "الأزهر مش مستقل" ، "كان تابع للحكومة" ، "إيد الأزهر مغلولة" .. وربما نصل في نهاية الأمر إلى سلسلة المبررات الشهيرة من عينة الشمس والزلزال وأسود ملك الحبشة..

وكأي شخص لا يجد "في وشه" إجابة واضحة ، من حقه أن يشتبه فيما يمكن أن يكون أقرب شيء إليها ، ومن الواضح ، والله أعلم ، أن المقصود هو "الدور السياسي للأزهر".. نقطة ومن أول السطر..

لنعترف أنه على مدى سنوات طويلة جداً ، تم تلقيننا عدد من الأشياء المسلية واللذيذة والظريفة جداً ، إما على المنابر أو من خلال البرامج التليفزيونية (باعتبار أن التليفزيون يبقى أكثر وسائل الإعلام تأثيراً فينا ، فنحن شعب تليفزيوني مع مرتبة الشرف) ، منها مثلاً وجوب وحدة أهلة الشهور الهجرية في جميع أنحاء العالم رغم انتشار المسلمين في مساحات شاسعة جداً منه كرمز لـ"وحدة المسلمين" (إيه علاقة دة بدة مش عارف) ، ومنها أن للأزهر دوراً (سياسياً) عليه أن يلعبه ، مستشهدين بأمثلة من فترات زمنية كان لها ظروف هي أبعد عن الواقع الحالي بعد "نيودلهي" عن "سان فرانسيسكو" ..

المطلوب من وجهة نظر أنصار تسييس الأزهر أن يبقى مؤسسة سياسية ، مثله مثل المؤسسات الأخرى في الدولة ، إن لم يكن سلطة أخرى تضاف إلى السلطات "اللي نازلة لأي دولة" : التشريعية والتنفيذية والقضائية ، لتصبح المؤسسة الرابعة أو السلطة الرابعة : الدينية.. مؤسسة هدفها "قيادة المسلمين" بالمعنى المستصوف ، قيادة دينية ودنيوية ، نفس ثقافة المرجعية العفنة التي ظهرت على فترات منها إبان ما يسمى بـ"الثورة الإسلامية" في "إيران" ومنها بعد غزو "العراق" في 2003 .. يفتي شيخ الأزهر فنسير كلنا كالقطيع وراءه ، يأمرنا بالتصويت فننزل جمييييييييعاً إلى صناديق الانتخابات (حتى وإن كنا غير مقتنعين بالأفاضل المرشحين ، ما هو العيب فينا ، حزب كنبة ابن (.....))، أي إلى صورة من المرجعيات الدينية التي تشترك في تمزيق الدين والوطن معاً .. وما "لبنان" عنا ببعيد..

وبالتالي مادام الأزهر ، صاحب الدور ، وما تنسوش : المرجعية ، له قيادة ، ويقود الناس ، يسهل على تلك القيادة أن تكون جزءاً من أي تحالف سياسي ، كما في الحالة اللبنانية أيضاً ، وكله في صحة الاعتدال والوسطية التي لا تنشر إلا بسياسة قيادة الخراف والماعز.. اللي همة احنا طبعاً..

أقبل الأزهر كدعاة وأئمة وكجامعة تعلم الناس وتثقفهم ، وتقدم خريجين سواء كانوا دعاةً وشيوخاً على المنابر ، أو أناساً درسوا العلم الدنيوي إلى جانب العلم الديني ، لتصل الثقافة المعتدلة المستنيرة لأكبر عدد ممكن من الناس ، لا أن تتحول إلى حزب سياسي أو قوة سياسية أو موجه لإرادة الجماهير دينياً و/أو دنيوياً.. أقبله كمؤسسة مستقلة فكرياً ومذهبياً تتبنى التدين السني المستقل الذي هو تدين أغلب أغلب أغلب المسلمين المصريين ، بعيداً عن تصريحات استعراض القوة السلفية الصوفية ، لا أقبلها مخترقة من هنا وهناك ، تلعب كرة السياسة ، أو تلعب بنا كرة السياسة..

هذا ما أراه صحيحاً..والله أعلم..

Thursday, October 27, 2011

السؤال الثالث : ماذا نعرف فعلاً عن الأقباط؟

هم شركاؤنا في نفس الوطن ، الذين لا نعرف عنهم أي شيء!

بنفس المنطق الذي كتب عنه كاتب هذه السطور قبل فترة من الزمن ، منطق الصوبة الزجاجية إياه ، بدا وكأن هناك صوبة منصوبة حول المجتمع المسيحي في مصر ، صوبة ليست منصوبة من تلقاء نفسها ، وإنما هناك من اشترك في نصبها بالفعل المباشر أو بالاستفادة ، صوبة تحجب عنا مجتمعاً كاملاً يعتنق أفراده ديناً مختلفاً عما نعتنق نحن.. مجتمع فيه الصالح والطالح والاعتدال والتطرف والليبرالية والتزمت .. مكون من بشر من لحم ودم ، وحتى مع الوضع الخاص للمؤسسة الدينية المسيحية ليس هؤلاء كائنات دينية تمشي على الأرض..

بدأ الأمر - فيما أعي من هذه الدنيا على الأقل - في عهد النظام السابق ، واستمر بعد الثورة ، في البداية حول إعلام النظام السابق المجتمع المسيحي إلى تابو ، لا يجوز نقاشه ولا الاقتراب منه ، معتبراً أن كل الشأن المسيحي في مصر هو شأن ديني ، وكفى بذلك تابوهاً ، فنحن ، وهذا ليس خطأ بالمناسبة ، لا نحب مناقشة الأديان نفسها لما تجره تلك النوعية من المناقشات من سخافات وتطاول هنا وهناك بلا أدنى داع..

ولكن مع الوقت تكتشف أن المسألة ليست مسألة "النظام السابق" فحسب ، محاولة فرد الصوبة ، والعزل التام لجزء لا يتجزأ من هذا البلد عن باقي أهله ، جاء من داخل المجتمع المسيحي نفسه ، من مجموعة من المحرضين والمتطرفين لا تختلف كثيراً عن تلك التي لدينا ، وهي مستفيدة أولاً من ترسيخ فكرة أن "الأقباط أقلية" لدى الأقباط ، ثم أنهم "أقلية مهددة" تعيش في جزيرة يحيط بها "أعداؤها" من جميع الجهات ، لا خلاص لأهلها سوى التجمع حول "الدين" لا الوطن ، بالتالي تصبح كل معاملة محتملة بين هؤلاء و"باقي مصر" معرضة لأن تكون "طائفية" وبامتياز.. كما سبق التناول.. وانعكس ذلك طبعاً عزلة على كافة الأصعدة ما بين سياسة وأدب ورياضة وفن..

بل إن نفس تلك المجموعة من المحرضين وقفت وبشراسة ضد محاولات جاءت من داخل المجتمع المسيحي نفسه لتقديم المسيحيين كمواطنين مصريين عاديين ، كما حدث في واقعتي فيلم "بحب السيما" ومن بعدها "واحد صفر".. "بحب السيما" -مهما كان اتفاقنا أو اختلافنا مع منطقه ومع الشريط السينمائي- الذي جاء كسيرة ذاتية لمؤلفه الذي تناول نشأته في ظل أسرة متشددة ، أحدث صدمة في وقته أولاً لعدم اعتياد أن تكون الشخصية الرئيسية والعائلة التي ينتمي إليها الشخصيات الرئيسة في الفيلم مسيحية (رغم أن هذا حدث في فيلم "يوسف شاهين" الأهم "اسكندرية ليه" دون أن يثير ذلك ضجة) ، ولأن الأسرة التي قدمها الفيلم "محافظة لدرجة التشدد" مما اعتبره هؤلاء "إساءة للأقباط" ، دون فهم أن التشدد موجود في كل دين ، وأن الفيلم نفسه يتناول التشدد في كل دين (حتى أن مؤلف نفس الفيلم تناول نفس القضية من زاوية أخرى في "بالألوان الطبيعية") ، وأن كل مجتمع "فيه وفيه" ، بدليل أن هناك آلاف الأفلام تظهر مسلمين طيبين وأشراراً شرفاءً ومرتشين دون أن يعتبر أي مخلوق ذلك "تشويهاً للإسلام".. وتبقى للسادة المحرضين "دماغهم" وقناعاتهم التي يحاولون فرضها على المسيحيين وغير المسيحيين ، حتى عندما تناول فيلم مثل "واحد صفر"- لي عليه تحفظات فنية كبيرة وعنيفة - مشكلة "الزواج الثاني" للمسيحيين وهي مشكلة شائكة ولها جوانب دينية ، رفع السادة إياهم دعاوى تطالب بمنع عرضه ، في الوقت الذي فتح إعلام المال السياسي - أحد المتربحين من الفكر "الصوبي"- الموضوع للنقاش في فضائياته وصحفه!

من يريدون عزل المسيحيين عن باقي مصر ليسوا إلا مجرد وجه آخر للتطرف ، يقدمون تطرفاً لا يختلف عن ذلك الذي يطالب بإلقاء كل من لا يدين بدينه في البحر.. واستمرار هؤلاء في عزل المسيحيين عن باقي المجتمع المصري وفي فرد الصوبة وجعلها منصوبة يسهم في إشعال هذا البلد جنباً إلى جنب مع التطرف الآخر الذي يطالب بنفيهم من نفس البلد.. ليس فقط في تعميق حساسيات صنعها متطرفون هنا وهناك تؤدي إلى مصيبة هنا وكارثة هناك..كيف يتحول بالله عليكم بلد عبارة عن صوبات زجاجية إلى وطن يسع أهله أجمعين ، من كل جنس وملة ودين؟

Wednesday, October 12, 2011

قانون دور العبادة الموحد : على من نضحك؟

مقدمة: وقت أن كانت لواري الموت على الطرقات ، بسائقيها الذين هم - في الأغلب - من المبرشمين ومتعاطي الصنف ، تحصد أرواح المصريين حصداً ، ودون أن تنظر إلى خانة الديانة في بطاقاتهم ، ظهرت مجموعة من كتبة الأعمدة ، مع مجموعة ممن جعلوا النشاط السياسي سبوبة و"مرمة" وأكل عيش ، ليصرخوا في وجوهنا "القانون ليس الحل ، وإنما الحل يكمن في "الوعي" وتحسين السلوك"..وهم أنفسهم الآن ، الذين يغنون علينا - ودون النظر أيضاً إلى خانة الديانة- بفيلم هابط جديد ينظرون فيه لأن قانون دور العبادة الموحد سيكون الدواء الناجع لكل المشاكل الطائفية التي تعيشها مصر.. كلام مثير للشفقة أكثر منه للضحك..


أي قانون ذلك بحق الله سيؤتي ثماره وسيحل المشاكل كلها ، لا سحر ولا شعوذة ، في وقت أصبح لدينا فيه ، على اختلاف دياناتنا ، منذ ما يسمى بـ"الحراك السياسي" في منتصف العقد الماضي عداء لكل ما هو قانون ، واستخفاف به ، حتى وصل الأمر إلى أننا نعيش الآن ، ومنذ ما قبل الثورة كي أكون منصفاً وغير مجحف- أزهى هصور ما يسمى بـ "ثقب البالونة"-ذلك المصطلح الذي تحدث عنه "عمرو أديب" يوماً.. مصطلح يعني باختصار القدرة الفائقة والهائلة على تدمير أي قانون وإفراغه من محتواه بالتحايل والفهلوة وتفتيح المخ ، ليس فقط لتحقيق المصلحة ، بل كرهاً لفكرة القانون نفسها واعتبارها تقييداً له ولحركته ولمصالحه ، وخوفاً من أن يطبق عليه وعلى غيره .. ولهذا السبب ترى بعد كل مشكل طائفي عدداً من متطرفي الجانبين يتحدثون عن حتمية تطبيق القانون -القانون عموماً وليس قانون "دور العبادة..الخ" ، رغم أن القانون لو طبق بحذافيره لن يعدم كل منهم وسيلة للتحايل عليه وحشد الناس ضده في الميديا وغير الميديا.. باب الأذى واسع؟

حقيقة كهذه لا تقنع "المستنشطين" ولا "الكتبة" ، الذين يتمادون في استخفافهم الفاضح بالعقل بالترويج لفرضية أن السماح ببناء دور العبادة بلا قيود باستثناء قيود القانون المذكور ستحتوي بنسبة كبيرة التوتر الطائفي الذي تشهده بلادنا .. هذا على أساس أنه طبعاً من الممكن أن تحل مشكلاً دون أن تحاول علاج أسبابه ، ودون أن تعرف أسبابها وتحددها أساساً!

كفانا استعباطاً.. هناك تطرف على الجانبين ، أكررها بدل المرة ألف ، ليس إمساكاً للعصا من المنتصف ولكن إقراراً لواقع نستدل بما يحدث من حولنا على وجوده ، والمؤسستان الدينيتان ، سواء الأزهر أو الكنيسة لا تقومان بأي دور كان في مقاومته ..

الأزهر دخل عالم السياسة ، شئنا أم أبينا ، وحبايبنا الحلوين من الكتاب إياهم يهللون لعودة "دور الأزهر" ، دون أن نرى في مقالاتهم تلك إشارة واضحة ومحددة لماهية هذا الدور بعيداً عن "حماية الاعتدال والوسطية و..و.." (يعني بيكلمونا نص ساعة دش دش على حاجة مش عارفينها وهمة نفسهم مش عارفينها..هيس هيس حتبقى كويس) ، بشكل يجعل كل من لم يكن يشك في أن هؤلاء الكتاب يريدون أن يلعب الأزهر سياسة يتحول إلى دبوس يشك في كل ما يقابله.. لا أن يلعب (="الأزهر") دوراً دينياً دعوياً ثقافياً في مواجهة التطرف أيا كان اتجاهه ، سلفياً متشدداً أو صوفياً متشدداً أو شيعياً متشدداً ..أو أن يطلب شيخه وعلماؤه الأجلاء من قيادات تلك الفرق ألا يمارسوا السياسة من تحت عباءة الفرقة ، إذا كنا نمارس عباداتنا من تحت عباءة الدين لا الفرقة ، فكيف نمارس الدنيا من عباءة الفرقة؟ لكن ما حدث هو أن المؤسسة العريقة دخلت ملعب السياسة ، بشكل أو بآخر ، وأصحابنا إياهم (الذين يدعون كذباً أنهم أنصار الدولة المدنية) يهللون من بعد "الوثيقة" لعودة الأزهر إلى دوره ، أو بمعنى أصح لسقوطه في فخ أن يكون قيادة موجهة دينياً وسياسياً للمسلمين في مصر ، لعبة حاول النظام السابق لعبها ، ويحاول المال السياسي لعبها الآن بشكل أكثر سفالة ، بما أنه يهمه أنه إذا حكم مصر - لا قدر الله - أن يحولها إلى ما يشبه لبنان ، دولة يحكمها عدد من الأشخاص لا يتجاوز عددهم فريق كرة قدم ، نصفهم من رجال الدين ، ما بين مفتي للسنة ومرجعية للشيعة وبطريرك وشخصيات سياسية لها "دلال" ديني.. والعبي يا ألعاب..

أما الكنيسة فهي الأخرى لا تلعب دورها المنوط بها في إيقاف التطرف المقابل في دائرتها ، ولكي لا ندفن رءوسنا في الرمال أكثر هناك تطرف على الجانب المسيحي لم يعد من العقل إنكاره ، وهناك متطرفون بعضهم رجال دين وبعضهم ساسة ورجال أعمال يتربحون باسم الدين ، نجحوا في أن يصلوا لشرائح واسعة من المسيحيين يعيشون جنباً إلى جنب مع مسلمين في أماكن لم تصلها من قبل دولة ولا تنمية ولا قانون، يحولونهم كما يحول المتطرفون في أي دين ، إلى قطع شطرنج يحركونها كما يريدون ، والأسوأ هو حرص هؤلاء على وضع الوسط المسيحي كله في صوبة زجاجية كبيرة تفصله عن باقي الوطن ، كما سأعرض في تدوينة قادمة بإذن الله.. وللأسف ليست هي بمنأى عن لعبة التوازنات سالفة الذكر .. التي بدأت في العهد المباركي وتؤكد الشواهد استمرارها على الجانبين المسلم والمسيحي على حد سواء.. في يد قوة تبحث عن شرعية الدين لحماية المال ، خلفاً لقوة بحثت عن شرعية الدين لحماية الكرسي..

ما دام التشدد الفكري كما هو ، ما هي جدوى القانون وكل قانون؟ ما دامت ثقافة القانون غائبة ، ما هي جدوى القانون وأي قانون؟ وما دمت سترفض حكم القانون إذا ما صب في غير مصلحتك ، فما هي جدوى القانون وأي قانون؟

بدون زعل ، أنصح هؤلاء المستنشطين والكتاب أن يلعبوا في مكان ، ومنطقة بعيدين عن المكان والمنطقة الملتهبة التي تزداد التهاباً واشتعالاً واحتقاناً لأن البعض يرى المشكلة صغيرة فقرر أن يتركها حتى تكبر.. دمتم بخير وربنا يستر..
* بالمناسبة ، التشريع اقتصر على "بناء دور العبادة" فقط ، ولم يتطرق إلى تجريم استغلالها أو استغلال منابرها في الدعاية السياسية ، فكروا فيها..

Saturday, August 27, 2011

دعاية مجانية للعالمانية - جمعة "في حب أنفسهم"

جمعة "في حب مصر".. أفضل دعاية يمكن أن يحصل عليها الفكر العالماني.. وبجدارة..

في تلك الجمعة ، تحالفت الأحزاب التي تسمي نفسها "أحزاباً ليبرالية" في حالة من حالات النفاق السياسي مع "حركات" صوفية في تلك المظاهرة أو ذلك الاعتصام أياً ما كان ، ثم تحول ذلك التحالف إلى "تنسيق حزبي" أو تحالف حزبي بعدها بأيام فيما عرف باسم "الكتلة المصرية".. الظريف في الموضوع أن الطرق حاولت أن تقنعنا ، بأحزابها وتشكيلاتها ، أنها تريد دولة مدنية ، وأنها ستخوض الانتخابات تحت شعار "الدولة المدنية"!


أي هراء هذا؟


أي حزب تكونه أي مجموعة مذهبية ، أو دينية ، هو حزب ديني ، حقيقة لا تحتمل السفسطة ، حزب ديني طائفي مثله مثل أحزاب السلفيين ، والأحزاب التي يسعى الشيعة لتشكيلها ، والكيانات المماثلة في دول عربية أخرى ، قائم على أساس الدين ، وعلى أساس الانتماء لنفس الفصيل المذهبي أو الديني ، بس ، وبرنامجه ديني مهما حاول إخفاء ذلك من أجل عيون لجنة أحزاب أو مصوت ينتمي لتيار أو طائفة مختلفة ، وفي تراث تلك المجموعات كلها وبلا استثناء ما يعادي أصلاً فكرة "الدولة المدنية" أو "الدولة غير الدينية" بمعنى الدولة التي "لا" يحكمها رجال الدين ولا يشاركون في حكمها بشكل أو بآخر.. إن لم يكن هناك حديث عن دولة الخلافة المركزية التي كانت قائمة في مرحلة تاريخية ما تحت ظروف مختلفة شكلاً وموضوعاً عن اليوم.. وبالتالي لا يمكن أن نتخيل ، ونصدق ، أن تضم تلك الأحزاب ،سلفية كانت أو صوفية ، أناساً من انتماءات دينية أخرى أو من أديان أخرى في صفوفها!


وأي حزب سياسي في العالم له هدف من اثنين لا ثالث لهما ، الوصول للسلطة ، سواء كان لهذا الحزب مشروع سياسي "واضح" ، ولا حتى ما لهوش ، أو التأثير في "عملية الوصول للسلطة" ، كما يحدث مع الأحزاب الدينية المتطرفة الصغيرة في "إسرائيل".. والهدف الثاني هو الأقرب بالنسبة ليس فقط للحالة الصوفية-السياسية ، بل حتى للسلفيين على كثرتهم.. وهو ما يفتح الباب لصفقات وتوازنات سياسية دينية بين الأحزاب التي ستصل إلى السلطة (معارضة تقليدية أو مال سياسي) وبين تلك المجموعات الدينية على حساب "مدنية الدولة" التي تحولت إلى أغنية نسمعها بين فواصل البرامج ، نفس نظام التوازنات الذي كان قائماً أيام المخلوع ، "تديني شرعية دينية أديك امتيازات".. والباقي معروف..


ما دامت المسألة حب مصر ودولة مدنية ، لماذا كون الصوفيون وغير الصوفيين أحزاباً هي أحزاب دينية مهما حاولت إظهار غير ذلك؟ ولماذا لم ترفع الطرق الصوفية -باعتبارها كياناً منظماً معلناً- عن أتباعها أي قيد على الدخول في أي حزب سياسي أياً كان ، بما أن حب مصر لا يمر -حصرياً- من باب حزب الطريقة أو حزب الجماعة ، بما أن الانتماء الديني المذهبي شيء ، والانتماء الوطني شيء مختلف؟


لكن ما حدث هو أن الشيخ "أبو العزائم" جمع بالأمر المباشر بموجب "سلطته" أتباعه وأمرهم بالنزول إلى الشارع ، في حين أن الشيخ "القصبي" شيخ مشايخ الطرق هدد من شاركوا في "تقاوي المليونية" بـ"اتخاذ الإجراءات اللازمة" بما فيها "الفصل".. أي أنه في كلا الحالتين بموجب "سلطة" دينية تم حشد جمع من الناس للنزول في مظاهرة ، أو لمنعهم من النزول في مظاهرة ، وقريباً سيتم حشدهم للتصويت مع أو ضد فلان ، ولا يزال هؤلاء يزعمون أنهم يتحدثون عن مدنية الدولة التي يشاركون في بنائها بالتصويت الديني..على أساس أن الناس "لن" تفكر في برنامج اقتصادي أو سياسي أو اجتماعي واضح تختار على أساسه بين حزب "س" أو "ص"..


وكأنه لا يكفي أن تتحدث أحزاب "دينية" بمنطق وصولي متناقض ما بين قيم الدين وسفالات السياسة ، حتى نفاجأ بتصريح غريب ومستفز للغاية يهاجم فيه "أبو العزائم" من لم يشارك في "المليونية" بحجة مشاهدته لمباراة كرة قدم ، باعتبار أن حب الدين مرتبط - حصرياً برضه- بالنزول إلى الشارع ، كما لو كان من لم ينزل إلى الشارع في تلك الجمعة لا يحب الدين، وكما لو كان - مثلاً- من لم ينزل للشارع في جمعة 29/7 لا يحب الدين..هوة إيه دة؟


بهذا المنطق ، بهذه التصرفات ، حين يكون الناس مخيرين في اختيار من يكذب عليهم في البرلمان ، فسيفضلون من يكذب عليهم باسم الدولة ، على من يكذب عليهم باسم الدين..والله أعلم..

Wednesday, August 24, 2011

السؤال الثالث : الأزهر السياسي

استهلال: نحن مجتمع "الصح" و "الغلط" ، "الحلال" و "الحرام" ، لا نعرف الحلول الوسط ، أي شيء لدينا إما أبيض أو أسود.. ولا نعترف أبداً بأي درجات تسكن بين اللونين .. وبالتالي عندما نتناول ، جميعاً ، أي موضوع نسأل : هل ذلك الموضوع "حلال" "حلو" " صح" ...الخ ، أم "حرام" ، "خطأ" ، "كخ" ...الخ.. ولم نفكر - كثيراً - في أن نسأل السؤال الثالث : لماذا؟

كمحاولة للفهم لا أكثر ، كما يقول شعار تلك المدونة ، من حين لآخر توقعوا تدوينة نطرح فيها السؤال الثالث .. في مواضيع قد يكون من غير المناسب طرحه فيها لظروف تتعلق بالمناخ العام أو باعتبارات أخرى ، لكنها تبقى محاولة للفهم..

كضربة بداية ، دعونا نتكلم بصراحة عن "وثيقة الأزهر"..وبدون زعل..

عوملت الوثيقة بمنطق "يا أبيض يا اسود".. هناك من انتقد ، وهاجم ، وتحفظ ، وهناك من أيد ، ورحب ، وهلل .. لكن قل من تساءل عن السبب : لماذا قرر الأزهر أصلاً وضع وثيقة يتم الاسترشاد بها لعمل دستور؟ ألا يعد ذلك سعياً للعب دور سياسي؟ هذه الوثيقة التي تعتبرها ما يسمى بـ"القوى السياسية والوطنية والثقافية" - اكليشيه استعمل واستهلك كثيراً في العهد المباركي- وثيقة "استرشادية" لعمل الدستور الجديد .. ليصل الأمر بحزب "المصريين الأحرار" - الذي يزعم أنه يريد دولة "مدنية" وليست "دينية" - بالمطالبة بتطبيق الوثيقة التي أعدها الأزهر .. الجهة "الدينية"..إلزامية إلزامية .. لا استرشادية ولا استشارية!

يحاول مصدر بالمؤسسة الأزهرية إرسال "تطمينات" لمن يستغربون أن تقوم جهة "دينية" بعمل وثيقة يطالب بعض أنصار الدولة المدنية باعتبارها أساساً للدستور الجديد ، ويؤكد الكلام شيخ الأزهر الدكتور "أحمد الطيب" نفسه، بالقول بأن :


"الأزهرالشريف لايفرض رأياً خلال هذا اللقاء ولا يعد نفسه طرفاً فى العمل السياسي وإنما يؤكد دائماً على دوره الوطني وعلى كونه بيتاً للأمة ولا ينحاز لفريق ولا يتدخل فى شأن من شؤون السياسة الحزبية وأن أبوابه كانت ولاتزال مفتوحة أمام الجميع ليلتقوا فى رحابه على الحفاظ على مبادئ الحرية والديمقراطية والمواطنة وترسيخ أصول الشريعة الإسلامية والحرص على وحدة النسيج الوطني والبعد عن أسباب النزاع والفرقة"..

أخشى أن يكون الأزهر قد وقع في الفخ بالفعل ، وبأن ما قاله العالم الجليل جاء متأخراً ، وربما يكتشف ذلك في توقيت تجد فيه المؤسسة الأزهرية العريقة بكل تاريخها نفسها في قلب مزايدات وسجالات سياسية شديدة السخف تبعدها كل البعد عن الدور الذي "لم" تعد تلعبه..

في تحليلي المتواضع ، الذي يحتمل الخطأ أكثر من الصواب ، وأتمنى عن نفسي أن يكون خطأ ، أن قوى سياسية "ما" يتلفع بعضها بالمال وجدت نفسها في مواجهة مع أحزاب "ذات طابع ديني" ، فكان عليها أن تواجه الدين بالدين ، وأن تصنع دوراً "مرجعياً" لمؤسسة دينية تتوافق عليها شرائح من المجتمع المصري من أجل إضفاء "مسحة دينية" على شعارات تلك الأحزاب والقوى التي تسعى لتسويق نفسها وسط مجتمع "متدين" ، رغم ما تدعيه تلك الأحزاب من أن "الدين في الجامع والكنيسة ومالهوش علاقة بالسياسة"..

هذا هو السيناريو "الطيب".. أما السيناريو الشرير فيتلخص في أن تتحول المؤسستان الدينيتان -لإنه لو واحدة دخلت التانيةحتدخل - إلى "مصدر شرعية" لتلك القوى ، كما كان النظام المباركي يخطب ودهما ، ومن أجل الشرعية تعقد مع المؤسستين صفقات قد تنتقص وبشكل كبير جداً من مصداقية شعارات "الدولة المدنية" البراقة ، فرضية يعززها هذا المقال لكاتب حسب معلوماتي - وصححوني إن أخطأت- عضو ناشط في حملة تأييد "البرادعي" يتحدث فيه عن "تهميش" للمؤسسة الأزهرية ، والحديث عن التهميش بهذه الطريقة ، حتى ولو جاء غمزاً ، قد يعني أن هناك أموراً قد يتم تداولها "ع الترابيزة" من أجل إخراج المؤسسة من "حيز التهميش".. وبالتأكيد عندما يتم الإلحاح على الدور الأزهري و"مرجعيته" - في بلد لا يعرف فكرة المرجعية منذ دخول الإسلام إلى أرضه- جنباً إلى جنب مع التهميش ، قد يدفع ذلك أعضاء المؤسسة للشعور بأن مؤسستهم أقوى من ذلك ، وتستحق أن تكون لاعباً في اللعبة السياسية وجزءاً منها - كما حدث مع المؤسسة الشرطية بدءاً من "زكي بدر"- وبالتالي إلى المطالبة بمزيد من الحقوق ، ثم الامتيازات..

سيقول البعض : "وانت مالك؟ انت ليك اللي في الوثيقة" ، وعن نفسي أعرض ما جاء فيها ، وأرد بالقول بأنه "كلام جميل ، وكلام معقول ، ما أقدرش أقول حاجة عنه" إلا أنه يمكن أن يتم التوصل إليه في أي مكان آخر ، في صالون ثقافي ، في منتدى ثقافي (بما أن صناع الوثيقة مثقفون ومفكرون من جميع الاتجاهات).. ولا يحتاج لـ"شرعية دينية" أو إلى ختم ديني لكي نقتنع به..كما أنه لا جديد في أن الإسلام لا يعرف الدولة "الدينية" ، والتي تساءل المدون في وقت "سابق" ودون أدنى إجابة..لا من منظريها ولا من غير منظريها..

للأزهر دور تعليمي وتثقيفي وتنويري لا يجب أن يلوث بالدخول في مستنقع السياسة ، بل إن أحد أسباب تراجع الأزهر التي "لم" يذكرها الدكتور "النجار" هو أن الناس دائماً ما كانت تربط بينه وبين النظام السابق ، وتتهمه بلعب "دور سياسي" لصالحه..

والله أعلم..
ذو صلة: حوار لوكيل الأزهر الأسبق الشيخ "محمود عاشور" على جريدة "الأخبار" عدد 25/8/2011.. وأنقله من موقع "مصرس" ..