Tuesday, November 9, 2010

حاشية على كلام فارغ -جزء ثالث وأخير

14-لنتفق أنه كما تتنازع الأحزاب السياسية على كعكة السلطة ، وتتفنن في التنافس بكل الوسائل للفوز بأصوات الناخبين -هذا لو كنا بعد الشر في نظام ديمقراطي تعددي شفاف - بتقديم ما يمكن وصفه بـ"حلول عملية" لمشاكلهم الملحة ، تتنافس المذاهب على زعامة الدين واحتكار تمثيله دون غيرها بنفس الطريقة.. وفي مجتمع هذه هي نظرته للزواج ، المقصورة على الجنس وحفظ النوع ، فقط ، رغم محاولة الأديان كلها والإسلام بشكل خاص وصريح للرقي بها إلى ما هو أسمى وأعلى .. كان من الطبيعي أن تقفز مسائل الزواج والطلاق ، ومشاكل كارتفاع معدلات الطلاق والتأخير في سن الزواج المسمى هنا في بلادنا بـ"العنوسة" إلى ترتيب متقدم في قائمة أولويات تلك التيارات.. حتى على حساب مسائل خطيرة ومرعبة منها "الفقر" مثلاً..

15-يقول هؤلاء أن ارتفاع معدلات الطلاق و"العنوسة" سببه الرئيسي "الابتعاد عن منهج الله" .. صحيح .. ولكن لم يوضح لنا هؤلاء كيف .. هل في المظهر أم في المخبر.. في الاختيار .. في التربية .. في.. في .. ، فمنهج الله أوسع من مجرد مظهر أو تصور للدين ، الذي هو عقيدة وعبادات ومعاملات ، كما نعرف جميعاً.. ومشكلتنا أن من يقولون من خلال خطبهم وشرائطهم ومطبوعاتهم وفضائياتهم لا يعلموننا المنهج كله كما ينبغي .من المهم فعلاً أن نعرف موطن الخطأ أقله كي نتفادى كل تلك السلبيات ونسير أمور حياتنا بشكل إيجابي وسليم، هل وضح هؤلاء ، طالما افترضنا أنهم وضحوا سلبيات ، التصور الإيجابي لعلاقة زوجية ، بشكل قابل للفهم في زمننا الحالي ، فما جاء في الكتاب والسنة أسس عامة ومبادئ يحققها الإنسان في إطار مفردات ومتغيرات زمنه ، والاختلافات الضخمة بين المجتمعات في عهد السلف الصالح وبينها اليوم لا تخفى على أحد ، إلا على البعض الذي يشق على الناس فيحملهم ما لا يطيقون فيعنتهم..

15-ولأن الشيء بالشيء يذكر ، هل "العنوسة" مشكلة "دينية" رغم أن الزواج نصفه قدري كما أن نصفه اختيار.. بما أنه من أساسيات الإيمان هو الإيمان بالقضاء والقدر..وأن نفساً لن تموت حتى تستوفي رزقها وأجلها؟.. وبما أن كاتب هذه السطور من عامة الناس ويهمه أن يعرف ويفهم فإنني أسأل - سؤال استفهام وليس سؤال استنكار- هل في كتاب الله وسنة نبيه المصطفى (ص) ما يفيد بأن تأخر سن الزواج في ذاته مشكلة أو عقاب إلهي ينزله الله عز وجل فيمن يعصاه؟

17-وبما أننا نتحدث عن مسألة مبدأ ومعرفة صواب من خطأ .. هل درَّسَ لنا الإعلام الديني ، ولنكن صرحاء ، فقه الزواج سواء في الخطب والدروس "التي هي أساس قوي لتبصرة عامة الناس مثلي ومثلكم بأمور الدين" ، أو في الفضائيات التي بدأ البعض يتصورها بديلاً للمسجد ، فقه الزواج ، كاملاً غير منقوص، أقله لكي نعلم ، لأن من يعلم ليس كمن لا يعلم ، الذي يكون نهباَ لمن يقول أنه يعلم..

18-لاحظت ، وقد تحتمل ملاحظتي الخطأ ، أن كل التركيز فيما يوجه من خطاب ديني في مسألة الزواج ..الجانب الأول هو المسألة الاقتصادية ، والتي تعامل بتسطيح لافت للنظر.. أمر -عن نفسي- قبل ذهابي للعمل على لافتة ملصقة على محل في مدينتي عليها عنوان لذيذ آخر الشارع "هيا بنا نزوج الشباب".. والأمر لا يعدو مجرد حملة تبرعات من أهل الخير لتسهيل متطلبات الزواج بالنسبة للأسر الصغيرة "تحصيناً لأبنائها من الحرام".. ماشي .. حلو قوي..ألم يكن من الأفضل بالمرة أن تساعدوا هؤلاء بوظائف تساعدهم على إعالة بنات الناس ، بما أنه من القوامة بنص القرآن الكريم النفقة ، بدلاً من أن يجدوا أنفسهم مثقلين فجأة بأعباء مادية ضخمة تلقي بهم في قارعة الطريق في وجه الفقر اللعين -الذي استعاذ منه الرسول (ص) نفسه في دعاء شهير جداً نردده كثيراً- وفي هذه الحالة نكون قد أنقذنا "الشباب" من حرام لنوقع بهم في يد حرام آخر!

ويستمر التسطيح في الحديث عما يخص المهور أيضاً.. كما لو كانت المسألة اقتصادية صرفة ، بينما لم يمعن أولئك النظر في حقيقة أن هناك حالات انفصال تحدث ،وبالجملة ، بين عائلات متكافئة جداً في المستوى المادي ، بل وفي أوساط غنية اقتصادياً ، ولا تئن من الفقر الضنك الذي يعيش ما يقرب من نصف سكان البلد - طبقاً لإحصائيات- تحت خطه..

أما الجانب الثاني وهو جانب العلاقة الجنسية ، والتي يتكلم فيها كل من يمثل أي تيار في مصر ، مذهبي ديني ، عالماني ، يساري ، ماركسي ، ليبرالي ، حزبوطني ، تيارات دينية سياسية ..الخ.. وفقاً لتفاسيره.. ونسمع فيها ما يقتل من الضحك من شدة الغيظ .. فالمتمذهبون يتحدثون عادةً عن "العفة" وعن ما يحدثه "المجتمع الفاسد" من صور "إلهاب الغرائز" في الوقت الذي يصعب فيه اقتصادياً على الشاب أن "يعف نظره" ، وتحتل مفردات "غض البصر" و"الاحتشام" وغيرها أولويات في خطابهم.. وفي المقابل يرى المتطرفون على الجانب الآخر ، مثل السيد "حامد" أن مجتمعنا يعيش حالة من "الكبت" وأن الدين نفسه ، لا فهمنا له ، هو السبب الرئيسي لنصه على ترتيبات يرون هم أنها تعرقل "إشباع الغريزة الجنسية" في الوقت التي نراها كعامة ناس ترتيبات تضمن العلنية والعدالة والاستقرار و"السكن" - راجعوا الآية - وهي من أسس قيام مجتمع سليم وصحيح وسوي..

19-الدين نفسه يطرح الزواج بشكل سام، لا مسطح ولا حيواني ، لا اقتصادي نفعي مادي بحت ولا غرائزي ، مسألة قائمة على اختيار حقيقي ، ووعي وإحساس بالمسئولية ، وتقوى الله في الغير بعيداً عن الأنانية التي شابت سلوكنا كله في فترة ما بعد الحراك لتصل إلى التدين نفسه .. العيب ليس في الدين ، بل فينا إن علقنا العيب عليه .. كان الأمر ليختلف تماماً إذا ما تغير المجتمع نفسه ،عاداته وتقاليده ، بشكل يعلم الشباب أنفسهم حسن الاختيار ، وفهم الغير ، والإحساس بالمسئولية ، حينئذ لن نسمع عن احتقار ودونية ينظر بها مجتمع ما إلى امرأة طلقت (خرج بيوت) أو لم تنجب (أرض بور) أو ترمل عنها زوجها (بومة) أو تأخر بها السن قبل أن تتزوج (عانس).. أو إلى رجل لأسباب مشابهة..

20-العيب في التطبيق وليس في النظرية .. وتعييب النظرية نفسها حجة البليد .. حقيقة نعرفها .. لكن كما قال "نجيب محفوظ" : لكن آفة حارتنا النسيان..

Monday, November 8, 2010

في الشعب المتدين

نحن شعب متدين و100 فل وعشرين..لمن يغضب من استخدام كلمة "عشرتاشر"..

نحن شعب متدين من قديم الأزل ، وننتفشخر على خلق الله بأننا شعب متدين ، بل من أكثر الشعوب تديناً ، منذ أيام كهنة آمون وإلى ساعة كتابة هذه السطور ، معتقد مردنا عليه وتربينا عليه ،وكرست له مقالات وفصول في كتب -كما في "شخصية مصر" لـ"جمال حمدان" - وربما كتب كاملة تتغزل في جمال التدين المصري ، وتمصمص الشفاة على حال المصريين اليوم ومقارنتهم بأيام زمان على طريقة "الله يرحمك يا طهطاوي" في "مدرسة المشاغبين"..

اسأل أي قريب لك أكبر في السن بمسافة كبيرة وسيخبرك ، وستقتنع عندما تنزل الشارع بأننا شعب متدين جداً جداً جداً جداً.. المظاهر الدينية موجودة ، سواء الإسلامية منها أو المسيحية ، صوت القرآن الكريم منتشر في كل مكان ، والعبارات الدينية موجودة بنسبة في الحوار اليومي ، بالنسبة للمسلمين والمسيحيين على حد سواء..ملايين يتجمعون في المناسبات الدينية وما في حكمها ، في صلوات الجمع والتراويح والأعياد والموالد والمواسم ، وما يعادلها أيضاً لدى المسيحيين..طقوس ذات طبيعة دينية كإيقاد الشموع في الكنائس وزيارة أضرحة آل البيت وأولياء الله الصالحين ..يتفاخر الناس بالحصول على ألقاب مثل "الحاج" أو "المقدس" .. وبسلوكيات من عينة "ما بيفوتش فرض" .."السبحة في إيده" ..الخ..

لكنك عندما تقترب تجد تنافراً عجيباً بين المظهر والمخبر ، وتصطدم بتصرفات لا تعكس أبداً ما تراه عيناك المجردتان ، ادخل أي مصلحة حكومية لتجد آيات الذكر الحكيم مسموعة في الوقت الذي يتحدث فيه الكل داخل المكان ، رغم أن الأصل عندما يقرأ القرآن هو السمع والإنصات كما جاء فيه ، احتك بالعديد من أصحاب المظاهر الدينية وستفاجأ بسلوكيات مختلفة وغريبة.. من غش إلى كذب إلى نميمة إلا لامبالاة ..

قد يرى البعض فيما أقول تجنياً ، وقد يراه أعراض تمرد زائد واستسخاف لكل شيء حتى ولو بدا "عادياً" ، وقد يرى البعض في حكايا القدماء وليد "رَوَقان".. فلم تكن تلك النزعات المثالية الموجودة لدى الشباب صغير السن- في الجيل الحالي -نسبياً موجودة ، والتي تصنع لديهم حالات من التمرد كلما يصطدمون بواقع يتنافر مع ما يؤمنون به من مثاليات من مصدرها -في مجتمعنا وغيره- الدين..ويبدو أنه كلما تقدمنا في الزمن كانت الأجيال الجديدة أكثر تمرداً وإحباطاً..

هل يوجد شعب أكثر تديناً من غيره؟ ما هو دليلي في أن شعباً ما أكثر تديناً من غيره؟ هل التدين خاصية ملتصقة بشعب؟ هل ما لدينا هو تسامح أم علاقة نفاق نعتقد بها أننا نرضي بها الله عز وجل ثم نمضي إلى حال سبيلنا لنرضي أنفسنا على حساب الله عز وجل والذي اطمأننا طبقاً لما فعلناه إلى أننا أرضيناه طبقاً لمفهومنا؟

هذه أسئلة أوجهها لكم مسلمين ومسيحيين على السواء .. والكرة في ملعبكم..

Sunday, October 31, 2010

في المسألة السياسية

0-تحملوني قليلاً هذه الأيام بما أننا في موسم انتخابات ، بما أن الكلام في السياسة سيكثر وبشدة ليهيمن على كل شيء ، كما هيمن كأس العالم على اهتمامات العالم كله خلال شهر يونيو الماضي!

1-"لماذا ترفض أن يترشح رجل دين لأي انتخابات كانت؟ أليس مواطناً؟ ولماذا ترفض أن تقدم أي مجموعة دينية أو دينية مذهبية أو دينية مذهبية سياسية أو ..أو..أو.. مرشحين للانتخابات؟ أليسوا مواطنين؟ أليسوا موجودين على الأرض؟ أليسوا أمراً واقعاً؟ أليست لهم أفكار وقناعات؟"..

أسئلة منطقية ومشروعة ، ولمن قرأ ، أو لم يقرأ التدوينة السابقة كل الحق في أن يسألها ، وأن يتفق معي أو يرفض بعضاً أو كلاً مما قلت ، لكن دعوني أدردش معكم في السياسة التي هي شأن الجميع ، بما أنني لم أقدم نفسي من البداية كمتخصص في العلوم الدينية ولا في غيرها.. كمجرد مواطن عادي جداً جداً جداً..ونمشي "واحدة واحدة"..

2-يقول الجميع أنهم ملتزمون ومطيعون لولي الأمر .. إذا كان كدة .. مااااشي.. لنفرض أن ولي الأمر قرر ذات مرة لسبب أو لآخر عمل ترتيب ما يجعلك تختاره من بين آخرين ، أو أن تختار شخصاً "لطيفاً" من منطقتك ينضم لآخرين ، يجتمعون في مكان ما لمناقشة مشاريع أو قوانين ستطبق على الجميع ، وسيلتزم بها ، بما أنه قد قرر وفقاً لاتفاق اسمه "الدستور" أنه ملتزم بما سيتفق عليه هؤلاء الظرفاء اللطفاء الجالسون في المكان الـ"ما" .. فهل سيطيعونه في ذلك؟ أم سيرون أن النظام "عالماني" و "وحش" و..و..و..، أم سيرى البعض في ذلك أمراً لا ضرر فيه طالما أنه يحقق مصلحة عامة دون مخالفة الدين؟ أم سيمسك البعض الآخر العصا من منتصفها مقرراً أن ذلك شر لا بد منه، وأن عليه حماية نفسه ، ومجتمعه ، ومن هم على نفس شاكلته ، من أي قانون أو تدبير يجمع عليه هؤلاء السادة اللطفاء في المجلس النيابي الظريف المسلي؟

من المؤكد أن من المنتمين لأي تيار سياسي ديني أو مذهبي من سيذهب للاختيار الأول أو الثاني أو الثالث.. الامتناع ، أو المشاركة ، أو المشاركة على مضض ، والأخير هو ما أحس به بالنسبة للسلفيين بمختلف انتماءاتهم والصوفيين بالتحديد..

3-لنترك الاختيار الأول ، ونذهب للاختيارين الآخرين ، أذكر فقط بأن المجتمع لا ينتمي كله لمذهب واحد أو لدين واحد أو لانتماء سياسي واحد ، وأنه ، لكي تفوز بمقعد في المجلس النيابي فإنك ستحتاج إلى خدمات من مجتمعك المحيط ، الذي لا يوجد فيه من يشجع نفس ناديك أو مذهبك أو طريقتك .. وبالتالي هل ستتقدم إليه عن اقتناع ، ومشاركة ، أم من باب "إن كان لك عند البوبي" ، خصوصاً أننا مجتمع يكره بعضه بعضاً بامتياز ، لأسباب دينية ومذهبية وسياسية ورياضية أيضاً؟ قد يرى البعض ذلك قناعات وقد يراها تنازلات ، خاصةً عندما تخاطب "المخالف" وليس "المحايد".. بما أن أي مجتمع فيه مجموعات ينقسم إلى "أعضاء" و"مخالفين" و "محايدين"..لا أعرف كيف ترون تلك المسألة ، لكني عن نفسي أشعر كمواطن عادي مسلم سني "محايد" كأغلب مسلمي مصر أن العديدين ممن يتصدى للسياسة وسنينها من هؤلاء يعصرون على أنفسهم كيلو ليمون كامل قبل التوجه لأي "آخر"..

4-وسواء ستتقدم ، أو ستتعطف ، أو ستتكرم ، أو ستتنازل ، فأنت بحاجة لشيء تقدمه ، أو تقدمه مجموعتك أو تيارك للمجتمع كله ، وليس فقط مجرد تطمينات وشعارات و"تثبيتات" .. لنفرض أن السلفيين أو الصوفيين أو أي تيار ديني سياسي رشح نواباً عن نفسه لمجلس الشعب.. ماذا سيقدمون للمحايد والمخالف؟

لنعترف ، أننا في مصر نعاني من إفلاس البدائل .. فلا الأحزاب السياسية لديها برامج سياسية واجتماعية واقتصادية ، وضعوا تحت كلمة "اقتصادية" ما استطعتم من خطوط ، عملية وقابلة للتنفيذ ، ولا المال السياسي لديه تلك البرامج ، لعوامل منها الفقر الفكري والجمود والإفلاس ، وأن كل التيارات الدينية السياسي منها والمذهبي هي جزء مما يحدث ولا تشذ عنه ..

فالتياران السلفي والصوفي ، والسلفي بالذات ، قصرا كل حساباتهما على الجانب الديني ، والجانب التعبدي تحديداً ، دون الالتفات إلى الجانب السلوكي وشئون المعاملات والأمور التخصصية التقنية والفنية ، والابتعاد والاستخفاف التام بالجانب الدنيوي للدين جمود لا يقره الدين ، ولو كان ذلك كذلك لما سأل الرسول الكريم (ص) الله عز وجل صلاح الدنيا التي فيها المعاش كما سأله صلاح الآخرة التي فيها المعاد..

وللأسف ، حتى البعض ممن خرجوا منهم للخدمة العامة خرج تحت لواء فانلته أو انتمائه كما سبق التوضيح..فأصبح جزءاً من الجمود المعاب على من لم يتحرك من مكانه..متعاملاً مع من حوله بطريقة "حسنة وأنا سيدك"..

وعليه لا يستطيع من يتعامل بفوقية مع من حوله ، ويمشي بانتمائه في الشارع كما لو كان كارنيه جهة أمنية ، ولا طبعاً من تقوقع في مكانه ، أن يقدم مما يؤمن به بديلاً يقنع به من لا يؤمن بما يؤمن به..

ما المانع في أن ينحي كل هؤلاء المنتمين انتماءاتهم جانباً في مسألة العمل العام؟ أن يلتزم قناعة سياسية أو اقتصادية لا يشترط أن يلزمه بها شيخ أو عالم أو فقيه؟ أن يكون عضواً في حزب سياسي يلتزم ببرامجه في العمل العام بينما يبقى فهمه التعبدي للدين مسألة دينية هي انتماء وليس صفة؟ ربما كان ذلك أنفع وأجدى للجميع ، بلا ضرر .. ولا ضرار..

Saturday, October 30, 2010

قنوات ومناقصات ومزايدات

0-لن تنفع الحلفانات ، ولا الأيمانات ، التي يسوقها البعض في الإعلام المسمى بـ"القومي" (فلا الصحف القومية "قومية" ولا الصحف المستقلة "مستقلة" بالمناسبة) لتأكيد أن إغلاق القنوات السلفية دون غيرها جاء للصالح العام ، الأمر لا علاقة له بـ"صالح عام" ولا "سعيد صالح" .. ولو كان الأمر كذلك لطبقت القواعد على الجميع ، بلا استثناء ، ولو كان المقصود اجتثاث فوضى الفتوى لتم التعامل حتى مع المتخصصين الأزهريين و"المفكرين الإسلاميين" الحلوين على دم الإعلام "القومي" ولهم أخطاؤهم وخطاياهم التي تسببوا فيها في إرباك الناس أكثر ماهم..

كل ما هنالك أن ما كان بالأمس لم يعد اليوم ، إنها السياسة بمتغيراتها وتقلباتها..

1-يرى فريق من المحللين السياسيين أن الحزبوطني منح التيار السلفي الحساني حرية حركة كبيرة خلال السنوات الماضية ، وسكت على ما اكتشفه إعلامه (="الحزبوطني") بعدها بسنوات وأسماه بالـ"مخالفات" والمش عارف إيه -وهي بالمناسبة موجودة (مثل شريط الشات والإعلانات أثناء الدروس والأدوية المشكوك في صلاحيتها) باعتراف صناعها فميجيش حد يزايد-، ناهيك عن "المظاهر السلفية" التي اكتشف الحزبوطني وجودها "فجأة" -أربع سنين بس يعتبر "فجأة" بالنسبة له- لأنه كان يراهن عليه بقوة لمواجهة جماعات الإسلام السياسي ، الإخوان وغيرها ، خاصةً أن التيار السلفي الحساني ، عكس المدرسة السكندرية مثلاً ، ترى أنه من السياسة ترك السياسة ، والتركيز فقط على العبادات والعقيدة (أكثر من المعاملات..الثلث الذي يتجاهله كل تيار متمذهب تقريباً) ، وأن علاقة هذا التيار "غير جيدة بالمرة" بجماعات الإسلام السياسي ..

2-ما حدث ، هو أن الحزبوطني "تراجع" عن رهانه ، واكتشف أن التيار السلفي الحساني لا يعول عليه في مواجهة التيارات الدينية ، فأطلق عليه تشنيعة "تهلك من الضحك" مفادها أن لهؤلاء علاقة بالإخوان - تشنيعة استُقْبِلَت بفاصل طويل من الضحك والسخرية حتى من بعض من يعارضون الاثنين ويكرهونهما - وقرر "نقل العطاء" على التيار المستصوف ، الذي يمتلك عدة ميزات لا يمتلكها السلفيون عموماً..

3-خد عندك يا سيدي.. هناك أمور مشتركة بين التيارين السلفي الحساني والمستصوف.. منها فكرة "الولاء لولي الأمر" و "البيعة لولي الأمر" على طول الخط ، وأنهما يعتبران النظام السياسي الديمقراطي التعددي الانتخابي "الذي والذين" ، إلا أن المستصوفين الطرقيين يتميزن بأنهم "أكثر إيجابية" .. صحيح أنهم يقولون في كل مكان أنهم لا علاقة لهم بالسياسة ، ولا بالنظام السياسي "الوحش" لكنهم على العكس يرشحون أنفسهم في الانتخابات التي يفرضها النظام "العالماني الوحش" "خدمة للمسلمين" كما نسب إليهم في تصريح لجريدة مالسياسية ، كما حدث وأن تنازل أحد كبارهم عن ترشيح نفسه ، وضد مَن؟ رئيس مجلس الشعب "أحمد فتحي سرور" والذي قال أن "إسقاطه يحتاج إلى معجزة"..

4-الشيء الثاني هو أن المستصوفين أكثر تنظيماً ، هم مجموعات لها رئيس أو قائد ، وتستطيع أن تتخذ قراراً جماعياً ، وأن تحتشد ، على العكس من غيرهم ، فمهما كان تعصب البعض للشيوخ الحسانيين قوياً ، وهو كذلك ، فلن يكون بنفس قوة التعصب والولاء لشيخ الطريقة في الحالة الصوفية أو للمرجعية الدينية في الحالة الشيعية مثلاً.. وبالتالي فإن أي قرار يأتي من القمة بالتصويت لفلان ، أو علان ، أو بعدم التصويت من أصله ، فستنفذه القاعدة بلا تردد ولا نقاش..

5-عن نفسي ، لا أتفق مع أي من المذكورين أعلاه في أي شيء ، كل منهم لا يملك إلا جزءاً من الحقيقة وليس الحقيقة كلها كما يتصور ، وأرفض أن يترشح رجل دين لأي مجلس نيابي ، أو أن يظهر تيار "ديني" ليقدم نفسه على أنه تيار سياسي ، وأن يستخدم تيار مذهبي السياسة لزعامة الدين، أو أن يستخدم تيار مذهبي لضرب تيار ديني ، لا يمكن إطفاء حريق صغير ببراميل بنزين ، وأرفض أكثر أن يكون التصويت "مُدَيَّناً" لمجرد أن شيخاً من التيار السلفي أو الصوفي أو الأزهر أو غيره يدعو الناس للتصويت باسم الدين فيصوت الجميع لهذا أو ذاك (وهي لعبة سمجة يلعبها الحزبوطني نفسه وسبق تناولها هنا قبل سنوات)..ومخطئ جداً من يعتقد أن محاربة التشدد والتطرف تكون باتباع كل الممارسات السابقة أو بعضها.. بالعكس .. ستكون له عواقب لو تعلمون مدمرة.. والله تعالى أعلى وأعلم..

Thursday, October 21, 2010

في الآتي بعد : في سَمّ البدن

0-يعتقد البعض أن الكلام عن أن الخلل عند المسلمين والمسيحيين معاً هو من قبيل إمساك العصا من المنتصف ، وهذا غير صحيح .. لدينا في مصر دوناً عن بقاع العالم مثل بسيط يقول "القفة أم ودنين يشيلوها اتنين".. وبالتالي لا يستقيم منطقياً أن يحمل القفة ذات الأذنين شخص واحد رغم أن لديه يدين اثنتين!

1-وعلى ذلك ، واسمحوا لي ، وبدون تزويق للكلام ، أن أبدي ضيقي كمواطن مصري مسلم من تحميل المواطنين المصريين المسلمين مسئولية كل ما يحدث من توتر طائفي بين الفينة والأخرى.. وهو ضيق "بشري" له علاقة بطبيعة البشر التي تعترف بالصبر ما دام له حد .. لا تتوقع من شخص أو مجموعة من الأشخاص تتلقى -ع الصبح- كل يوم اتهامات بكذا وكذا ، وربما يدخل فيها أشياء من عينة خروج الأرجنتين من المونديال الجنوب أفريقي ، ويكون سعيداً ومنتشياً ، ولا يكفي ذلك ، بل يأتي بعض السادة الناشطين ليكملوا مسلسل "سَمّ البدن" ليتفوهوا بأشياء سخيفة لدرجة الإضحاك من عينة "الأغلبية تتحمل مسئولية تعايش الأقلية" ، "انتم ليه مزدوجين المعايير في المسألة القبطية؟ ولا الأمور بتختلف لما بيتعلق الأمر بالأقليات المسلمة في الخارج"؟

نموذج نمطي حقيقي للكلام الفارغ..

2-فمن العبط المركز مقارنة الوضع هنا بالأوضاع في الغرب ، فمسلمو الغرب كما سبق وأن كتبت هنا في معظمهم جاءوا من دول أخرى وأنسجة ثقافية وعرقية ولغوية أخرى ، فالمسلم في ألمانيا غالباً تركي ، وفي فرنسا مغاربي ، وفي إيطاليا واليونان في معظم الأحيان مصري ، أما المسيحيون المصريون فهم جزء أساسي من هذا الوطن مثلنا تماماً.. كلنا أصحاب دار ، فلا هم أقلية ولا نحن ضيوف..

3-بل إني أعتقد ، وقد يكون في اعتقادي بعضه أو كله خطأ ، أن جزءاً كبيراً من مشكلة شركائنا في الوطن هو من يعتبرهم باستمرار أقلية ، ومن يزرع فيهم باستمرار عقلية الأقلية ، فينفرهم من المجموع ، ومن المشاركة في المجتمع ، ويعزلهم في قمقم ، ويطرح عليهم فكرة الهوية الدينية كبديل للهوية الوطنية أو كمناقض لها ، ويشترط في المشاركة في المجتمع أن تكون تحت غطاء ديني ، ويضاعف من دور المؤسسة الدينية كبديل يحل تدريجياً محل الدولة ، بل ويجعلهم باستمرار في موضع المستَهدَف..والخائف.. والمُضْطَهَد..

4-استفاد هؤلاء "المعتبرون"-وفيهم ناشطون ومثقفون- من عزل المسيحيين عن الحياة العامة في مصر ، أيما استفادة ، استفادوا مكانة ، وقوة ، وسلطة ، فالخائف أو المُتَربَص به -أياً كان دينه - يسهل تشكيله وتطويعه وتحريكه واللعب به ، والأمثلة كثيرة..

وفي سبيل ذلك عمد هؤلاء لترويج مقولة أن التطرف مقترن بما سموه ويعمدون إلى تسميته بـ"الأغلبية" ، وفي هذا ضحك عالٍ آخر حاجة على الذقون والشنبات ، التطرف والاعتدال والتزمت والانحلال كلها أمور موجودة في أي دين وفي أي فلسفة ما دامت موجهة لبشر يفهمها بطريقته في إطار ما يحيط به من ظروف ومتغيرات .. لدينا شيوخ متطرفون ومفكرون متطرفون وفي المقابل هناك رجال دين مسيحيين متطرفين ومفكرون متطرفون أيضاً ، ربما ما يميز حالة المسلمين في مصر ، حتى مع تزايد النفوذ السلفي والصوفي بكافة أطيافهما ، إلا أنه لم يتم "تديين المجتمع" بالكامل رغم تصاعد تيارات التديين ، ولا توجد مؤسسة دينية ذات علاقة شديدة الالتصاق بحياة الناس تخرج (=العلاقة) من نطاق الدين لتتعداه إلى الدنيا ، حتى الأزهر لم يكن كذلك في أوج قوته ، على العكس من حالات إسلامية أخرى كما في إيران والدول التي بها مجموعات شيعية مؤثرة -مثل البحرين- حيث يوجد ما يسمى بـ"مؤسسة دينية" لها مرجعية "خاصة" و"مختلفة" عن تلك لدى الإسلام السني عموماً ، وعلى العكس أيضاً مما بدأ يروج له مسيحياً عن طريق رجال دين استفادوا هم الآخرون من حالة الناشطين إياهم ، الذين نجحوا وتربحوا من تحويل شرائح من المسيحيين داخل مصر -بعيداً عن العاصمة المدللة- من شركاء في مجتمع إلى مجتمع منغلق على نفسه يتمركز حول المؤسسة الدينية ، بعد أن نجحت تلك الفئة في استغلال بعض الممارسات أحسن استغلال لتشكيك تلك الشرائح في الدولة كرباط جامع لأبناء بلد واحد ، ولا أعني هنا بـ"الدولة" "النظام" ، بل مؤسسات الدولة والقانون ، الذي يجب أن يحكم كل المصريين مسلميهم ومسيحييهم..وبالطبع في أي مجتمع مُدَيَّن "أكثر من اللازم" أيّاً كان دينه تصبح لرجل الدين قوة هائلة في الشارع ، وقدرة على التحريك ، بما أنه صار الملجأ والملاذ ، وهو ما يحدث في "الحالة المسيحية" ولا يستبعد أن يحدث يوماً ما هنا في "الحالة الإسلامية" هنا بعد أن حدث ويحدث في أماكن أخرى..

والنتيجة المعتادة : علّي وأنا أعلّي ، سيب وأنا أسيب ، متشدد هنا ، ومتشدد هناك ، صحيفة هنا ، وناشطون هناك .. حادث هنا ، وحادث هناك ، أي خلاف يتم تديينه ، وأي شارع يتم تديينه ، وأي قرية يتم تديينها .. أمر لا يتغير ما دامت مسبباته على حالها..

5-عندما أقول إذن أن المشكلة لدى المسلمين والمسيحيين معاً لا أمسك العصا من المنتصف ، هذه هي الحقيقة لكل ذي عينين ، كلنا نعاني من مشاكل مشتركة تتعلق بفهمنا لفكرة العيش المشترك ، الذي تقع مسئوليته على الكل وليس على طرف واحد ، ولدينا مثل شهير في مصر يقول "القفة أم ودنين يشيلوها اتنين" .. ولا يحملها واحد علماً بأن لديه يدان اثنتان..

لدينا معاً مشكلة في أمور من بينها فهمنا للدولة ، ومؤسساتها ، والقانون ، الهوية الوطنية والهوية الدينية ، علاقة الدين بالدولة وبالحياة ، المؤسسات الدينية على الطرفين ، ودورها في حياة أتباع كل دين ، وهل يجب أن يتناسق مع دور الدولة أم يطغى عليها أم يحل محلها ، ورجال الدين ، هنا وهناك ، ووقوفهم سواسية أمام القانون كأي فرد عادي مع كل ما يحظى به في دينه من تقدير وإجلال..

6-كثر الكلام عن "تجديد الخطاب الديني الإسلامي" ، ومع تحفظي على المصطلح فإن تصوراتنا -أكرر : معاً-للدين تحتاج للتغيير بما يتناسب مع العصر ولا يخالف ثوابت الدين ، لكني أحسب أن ذلك مطلوب أيضاً لدى المسيحيين ، وهناك مسيحيون مستنيرون ينادون به كما أنه يوجد مسلمون مستنيرون ينادون بتجديد فهم الإسلام ، التجديد ليس مسئولية طرف واحد دون غيره ..والمسألة ليست عزومة مراكبية ينتظر فيها كل طرف من الآخر أن يتحرك هو أولاً.. إلا إذا أردنا أن نقضيها شيخاً بجوار قسيس في حفل يخطب فيه الرئيس وبعدها احتقان طائفي هنا ومصيبة هناك ، وعزومة مراكبية و"سيب وأنا أسيب"، خاصةً أننا جميعاً - مسلمون ومسيحيون- لا نستطيع تحمل تبعات "الآتي بعد"..
*تحديث 25/10: تعديل في الفقرة (4) و (6)..

Wednesday, September 15, 2010

حاشية على كلام فارغ - جزء ثاني

10-بعيداً عن نفاق الناشطات والناشطين سالفي الذكر ، ظهرت الحاجة للحنين إلى الجذور الريفية في ظل ما تعرضت له الحياة الاجتماعية في مصر كلها من تغيرات في أعقاب الثورة ثم النكسة ثم الانفتاح ثم الهجرة إلى دول النفط ونهاية بحرب الخليج الثانية 1991..تغيرات انعكست كثيراً على شكل الأسرة في مصر أفرزت ظواهر منها التفكك الأسري ، ارتفاع حالات الانفصال ، ظهور ظاهرة المرأة المعيلة سواء أكانت زوجة غاب عنها زوجها بفعل السفر أو الانفصال أو الفتاة التي تعيل أشقائها ، لما رأته شرائح كبيرة في مصر من استقرار نسبي في الحياة الريفية مقارنة بحياة مجتمعات المدن .. تلك الحاجة لم تظهر فقط لدى أجيال الآباء بل انتقلت إلى جيل الشباب المصري نفسه..و بالأخص من سكان المدن الكبرى في الأقاليم وسكان القاهرة ، جيل على حصول كثير من أفراده على قسط كبير من التعليم بدأ يعيش أزمة اجتماعية كبيرة بين قيم الريف الذي جاء آباؤهم منه ، والمدينة التي عاشوا وتربوا وتعلموا فيها.. تخبط عاشه آباؤهم من قبل ووصفه علماء الاجتماع بـ"التحضر الزائف".. فكرة العيش في مكان بثقافة مكان آخر..

انعكس هذا التغير على سلوك الآباء والأبناء ، الآباء الذين يزوِّجون ، والأبناء الذين يتزوجون.. وبالتالي في الضغط على الفتيات والشباب على حد سواء للزواج في أصغر سن ممكن ، كما كان يحدث على عهد الآباء والأجداد ، والتعامل مع غير المتزوجة ، وغير المتزوج على أنه كائن غير مكتمل الصلاحية*.. لينتقل هذا المنطق الغريب حتى إلى المثقفين من المجتمع .. وهنا تكمن الخطورة..

جملة اعتراضية: لم أقصد بالتأكيد الهجوم على الريف الذي ننحدر منه بطريقة أو بأخرى .. فقط أقول أن الوضع الذي كان سائداً في الريف في ذلك الوقت عكس واقعاً اقتصادياً واجتماعياً كان سائداً حتى منتصف القرن الماضي .. وتغير بالكامل .. وبالتالي من الخطأ فرضه على أهل الريف أو المدينة الآن تحت أي مسمى..

11-ما جعل من التأخر في سن الزواج "عنوسة" وبالتالي "أزمة" وبالتالي "مصيبة" صنفان من الناس..الأول مجموعة من الصحفيين الذين كانوا يلعقون أعتاب عدد كبير من المسئولين الفشلة والفاسدين في الثمانينيات والتسعينيات قبل أن يحطوا كالجراد على فضائيات النفط من عينة "إيه آر طين" ليقدموا تقارير وبرامج ينشرون فيها الغسيل "النظيف" للمجتمع المصري من أجل سليوة لذيذة لأبناء الطبقة المخملية في دول الخليج.. وبقوا على حالهم تلك حتى بعد أن تحول هؤلاء إلى المعارضة التي وجدوا معها سبوبة حلوة ولقمة طرية..

والصنف الثاني هم مجموعة من موظفي مراكز البحوث الحكومية ، تعليم عالي وثقافة "مش عالية" ، وتمسك بنظرة شديدة التخلف للمجتمع ككل وللمرأة بشكل خاص .. يطلقون نتائج "أبحاث" - الله أعلم اتعملت إزاي .. وأعلم باللي في ضميري- على وسائل الإعلام فيضخمها السادة الصحفيون ، فيتحول كل من تأخر في سن الزواج ، شاب أو فتاة ، إلى كائن معاق ومريض وأجرب ..

12-من النقاط الإحدى عشر سالفة الذكر يتضح أن الدين بريء من تلك المشكلة.. ومنظور الإسلام للزواج لا يحتاج إلى أبحاث مطولة أو إلى فذلكة.. لكن ما أدخل الدين للمسألة مجموعتان أخرتان من الناس.. الأولى هم صنف "مسلي ولذيذ" من المفكرين والصحفيين يعتبرون أن الدين هو سبب كل المشاكل في الحياة.. قد يغلف بعضهم عباراته تحت لائحة "تجديد الخطاب الديني" وربما "المطالبة بثورة جنسية" كما قال السيد "حامد" نفسه.. والمجموعة الثانية هم بالتأكيد الذين عادوا للظهور بعد غزو العراق في العالم الإسلامي كله.. رجال المذاهب..

13-لن تحتاج لمتابعة كثبة - من "عن كثب"- للفضائيات الدينية ، أو لمطبوعات السلفيين من أمثال مجلة "التوحيد" ، أو مثيلاتها لدى الصوفيين "الإسلام وطن" أو مجلتهم الرسمية "التصوف الإسلامي" ، أو حتى لبعض إعلام جماعات الإسلام السياسي -وإن لم يكن لإعلامهم تأثير في المجال الاجتماعي بالمرة- لتكتشف أن تسعين بالمائة على الأقل من اهتمامات الخطاب الإعلامي لهم ينحصر أولاً في "العنوسة" وتأخير سن الزواج ، وفي ارتفاع حالات الطلاق.. والذي يتفق هؤلاء ، على اختلافاتهم الحادة فيما بينهم ، على أنه جاء بسبب غياب المجتمع عن "منهج الله".. كلام جميل في ظاهره.. لكن ما يقولونه ، بمزيد من التحليل ، والرد عليه ، هو محور الجزء الثالث الذي قد يكون الأخير ..

بالمناسبة.. سأنشر هذه التدوينة ، والجزء الثالث تحت باب "رمضان 1431" لتحضيري إياهما أثناء الشهر ، ثم استكمالي لكتابتهما بعد رمضان.. كان لدي الكثير لكتابته أثناء رمضان ، ولكن قدر الله وما شاء فعل..

Thursday, August 26, 2010

حاشية على كلام فارغ- جزء أول

في رأسي عدة مواضيع كنت أود الكتابة عنها على مدى شهر رمضان الحالي .. لكن ما كتبه "حامد عبد الصمد" في "الساقع" ، والمستوى السيء الذي ظهر به مسلسل "عايزة أتجوز" مع كل احترامي لكاتبته.. وملاحظاتي الشخصية في المجتمع المحيط بكافة دوائره عجلت بكتابة هذه التدوينة ، وربما التي تليها بما أن الموضوع كبير حبتين..

1-أستغرب أولاً من العديد من الكتاب الذين لا يلاحظون مجتمعهم المحيط ، الذي يدعون أنهم يكتبون منه وإليه ، عندما قرأت "حامد عبد الصمد" شعرت أن مقاله سيتغير بالكامل لو أمعن الملاحظة في مجتمعاتنا تحديداً ، دون كتابة سلسلة الكوبي والبيست التي تم هرسها في عشرين ألف مقال سابق..

2-وما يعرفه كل الناس ، عدا "حامد" وآخرين ، أن الجنس يشغل جزءاً أكبر من اللازم من تفكير شرائح كبيرة منه بمن فيهم "شعب الله المختار" من المثقفين ذوي الاتجاهات الليبرالية ، راجع في كثير منه لطبيعة التحولات التي عاشها المجتمع المصري من مجتمع زراعي إلى صناعي إلى خدمي بامتياز.. فكروا في نسبة الجنس في اللغة المستخدمة في الحديث بين كل تلك الشرائح ، من المزاح إلى السباب ، ومن الجد إلى النكات ، وفي المناقشات العامة.. وبشكل لا أراه صحياً بالمرة..

3-يستغرب - في افتراضي- السيد "حامد" مما يسميه "الكبت" النابع من "ثقافة القبيلة" و "تقديس النص" .. والواقع الذي لا يريد أن يفهمه أنه ثمة وسيلة واحدة فقط لتفريغ "الطاقة الجنسية الزائدة" هي التي يرضاها الدين ، والقانون ، والمجتمع ، بطريقة تحقق أكبر كم متاح من العدالة لجميع أطراف العلاقة.. بعيداً عن الوسائل الثورية التي يطالب بالبحث عنها والتي ظهرت في فترات سابقة في ظروف مختلفة عما نحن عليه والتي تمثل إخلالاً وظلماً بحقوق كل الأطراف ، وخاصةً المرأة التي يدعي هو وآخرين أنهم متحدثون رسميون باسمها..

والأكثر إضحاكاً أن "حامد" - وآخرين-يرون أن هذا الكبت هو السبب المباشر في سلسلة طويلة من الانحرافات الجنسية ، دون أن يكلف الرجل نفسه بالسؤال عن وجود كبت في المجتمع الأمريكي الذي يحتل ترتيباً متقدماً جداً في قائمة الدول الأكثر "تحرشاً"!

4-ولا أعتقد أن لـ"حامد" ولا لغيره الجرأة عن الحديث بأن المجتمعات تمارس ضغوطاً كبيرة على الشرائح الموجودة في سن الزواج للزواج ، ضغوط كبيرة على الرجل والمرأة معاً ، وليس على المرأة فقط كما يعتقد بعض المقيمين في الغرف المكيفة.. لأن المجتمع - بتركيبته وما أصابه من تحولات - يجعل من الزواج- وهو الوسيلة الوحيدة المتاحة في مجتمعاتنا ومجتمعات أخرى لممارسة الجنس- شهادة صلاحية للرجل أو المرأة ، كما لو كنا نتحدث عن برطمانات صلصة وليس عن آدميين..

5-ولذلك قصة.. سأحاول في حدود جهدي ومعرفتي المتواضعين تفسيرهما.. ولك مطلق الحرية في أن تتفق أو تختلف مع ذلك التصور من عدمه..

6-لنرجع مائة عام فقط إلى الخلف ، وقت أن كان أغلب المجتمع المصري زراعياً صرفاً ، وكان من المنطقي أن تكون الأسر كبيرة في عددها إلى ما قد يصل عدده من الأبناء إلى فريق كرة قدم .. وعليه كان الأصل في الأشياء أن تتزوج الفتاة ، طبقاً لأعراف المجتمع الزراعي القبلي ، في سن صغيرة ، لأنه كلما صغر سن الفتاة كلما زادت فرصتها في إنجاب أكبر عدد ممكن من الأبناء ، وخاصةً الذكور ،لكوننهم الأجدى اقتصادياً للأسرة ، حيث يعمل هؤلاء مع الأب كأجراء في "عزبة الباشا" أو كفلاحين عاديين في ملكياتهم المحدودة -هذا إن كان الإقطاعيون قد تركوا شيئاً للفلاحين يملكونه في ذلك الوقت..وبالتالي كان معيار "جودة" الفتاة في تلك الفترة هو صغر سنها ، قدرتها على الإنجاب ، وقدرتها على إنجاب الذكور!

7-التغيير الحقيقي بدأ مع بدايات القرن الماضي ، ولا أعتقد أنه جاء -فقط- بسبب "قاسم أمين" و حركة "تحرير المرأة" بقدر ما جاء بسبب تغيرين اقتصاديين هامين..الأول هو بداية دخول التصنيع إلى مصر ، كقطاع "كثيف" العمالة ، وكان التصنيع وقتئذ مقترناً بالزراعة ، وبالقطن تحديداً ، سواء في المحالج الصغيرة ، أو في المصانع الكبرى كمصنع المحلة الذي أنشأه "طلعت حرب" ، واستوعب التصنيع مع الوقت عمالة من الرجال والنساء على السواء ، أما التغير الثاني فهو بداية نشوء وتطور النظام البيروقراطي في مصر ، وظهور الوزارات -التي كان اسمها "نظارات" بادئ الأمر- والتي استقطبت - مع الوقت - عمالة من الرجال والنساء على السواء أيضاً ، وفي كلتا الحالتين لم يكن الأمر يتطلب قسطاً كبيراً من التعليم ، إذ كان من السهل على الناس وقتئذ الحصول على وظيفة "ميري" مثلاً بـ"البكالوريا" بل وبالابتدائية..

8-في ضوء ذلك ، وفي ضوء ما نادت به حركة "تحرير المرأة" ثم الناشطات النسويات في فترتي ما قبل وما بعد الثورة -والتي لم ألغ دورها ولكني قلت أنه ليس المؤثر الوحيد- بدأ المجتمع يتقبل أن يرتفع سن الزواج للفتاة سواء الحد الأدنى المذكور في القانون أو الحد الأدنى المقبول مجتمعياً ، وبدأ يتقبل أيضاً فكرة أن يكون التعليم والعمل وسيلة لتحقيق الفتاة ذاتها ، وأن تستمر في التعليم والعمل حتى بعد الزواج والإنجاب ، خاصةً وأن الاقتصاد أتاح فرص عمل جيدة جداً للشبان والفتيات في سن الزواج سواء في القطاع الحكومي -بوجاهته وسمعته عند المصريين- أو في المصانع التي كانت مؤممة في معظمها بعد قوانين "يوليو الاشتراكية" ، بل واستمر ذلك القبول إلى فترات في الحقبة المباركية..مع ازدياد أهمية العمل بالنسبة للفتاة بعد التغيرات التي شهدتها أسر مصرية كثيرة ، والتي أسفرت أيضاً عن حاجة العديد *من السيدات للعمل لإعالة أسر بأكملها..

9-الغريب أنه من الناشطات ومن المفكرات والكاتبات اللواتي نظَّرنَ لـ"تمكين المرأة" من يصرخ ويبكي على ارتفاع سن الزواج بالنسبة للفتيات ، كما لو كنَّ يدنَّ أفكارهن التي قبلتها عقول كثيرة في المجتمع عن اقتناع وليس عن طريق "الزن ع الودان" وأيدها أمر واقع فرض نفسه على البلد بأكمله..

ما علاقة ما سبق بما قاله السيد "حامد" ونظريته العجيبة عن الكبت؟ وما علاقة ما سبق كله بالدين والتدين؟ أسئلة أحاول الإجابة عنها في الجزء القادم أو الأجزاء القادمة.. إن قدر الله لي كتابة..
*..حتى داخل الريف المصري نفسه ، الذي صارت فيه المرأة عضواً فاعلاً اقتصادياً في الأسرة بعد أن كانت عضواً خاملاً (نتيجة عدم مشاركتها في الزراعة بنفس الشكل المباشر الذي يشارك به الذكور) ، وكان ذلك يستغل وقتئذ بالمناسبة في "لهف" نصيب السيدات والفتيات من الميراث بالمخالفة للشريعة..

Monday, August 2, 2010

اليوم السابع : أفلام عربي (..) الأجنبي!

0-ليس من عاداتي في "الدين والديناميت" أن أكتب عن شيء حدث أمس أو أول منه.. إذ أنني أرى أنه من الأفضل عادةً أن أنتظر لفترة بعد أن تهدأ العاصفة لنقول ما يعتمل بصدورنا.. لكن لكل قاعدة شواذ .. خاصةً إذا ما تعلق الأمر بشغل حلبسة من العيار الجامبو..فيلم هو الأكثر هبوطاً هذا الموسم ، لا أتحدث بالطبع عن فيلم سينمائي معروض تجارياً في الوقت الحالي ، بل عن فيلم -بما أن مسمى "فيلم" يطلق في مصر على هكذا أمور- من بطولة وتأليف وإخراج السيد "خالد صلاح" رئيس تحرير جريدة "اليوم السابع".. بالاشتراك مع كاتب الفضائح "أنيس الدغيدي"..

1-"خالد صلاح" العضو السابق في جماعة متطرفة - باعترافه في حوار للصحفي "أشرف شحاتة" صاحب مدونة "الوسط الصحفي العربي"-والذي "قلب على ليبرالي" فيم بعد يبقى في رأيي ، ورأي كثر ، واحد من أضعف أبناء جيله من رؤساء التحرير الحاليين ، حتى مقارنة بصديقيه "مجدي الجلاد" و "إبراهيم عيسى"، والدليل على ذلك تواضع مستوى ومبيعات "اليوم السابع" الورقية برغم ضخامة التمويل، على العكس من الموقع الذي حقق سمعة طيبة على المستوى الإخباري ، ربما لبعد "خالد" عنه ، لكن الأخير قرر أن يعلن "نحن هنا" على طريقته بإعلان جريدته قبل أيام عن نشر رواية لـ"الدغيدي" على حلقات اعتبرها الموقع "دفاعاً عن الرسول الكريم (ص)".. وإن حملت عنواناً صادماً : "محاكمة النبي محمد"..

العنوان- المثير للغضب خلقة-مضافاً إليه حملة من الهجوم شنها الشيخان "أبو إسحق الحويني" و "محمد حسان" أثارا حالة عارمة من الاستياء في أوساط المجتمع المصري دفعت -فجأة- بالجريدة لتقديم اعتذار عن عدم نشر الرواية لحين تعديل العنوان وعرض العمل بكامله على مجمع البحوث الإسلامية .. وإن هي إلا ساعات حتى تعرض الموقع - بجلالة قدره - لـ"هجوم" من جانب قراصنة إلكترونيين ، قبل أن تنصب المناحة على حرية الرأي في نفس اليوم على قناة "أو تي في" التي كان يعمل بها "خالد صلاح" ، وقبل أن يظهر السيد "الدغيدي" صوتاً على برنامج "مانشيت" الذي يقدمه الصحفي بـ"الأهرام" "جابر القرموطي" صارخاً ومتشنجاً ومعلنا الحرب على حملة التحريض التي قامت ضده وضد ...الخ..

2-فيلم يصعب على الشخص العادي مقاومة الضحك عليه ، من شدة هبوط السيناريو والتنفيذ .. ومن الواضح أن رئيس التحرير يعتبرنا لا نزال نعيش زمن الفيلم الهندي الكلاسيكي ، حيث يتعلق "أميتاب باتشان" بـ"ثعبان" على كوبري كما حدث في فيلم "جانجا جامونا ساراسواتي" الهندي الشهير ، وبالتالي لا نعير التفاتاً كبيراً لفكرة أن يتعلق "بيني آدم" بـ"ثعبان" كحبل ليصل إلى الكوبري ، وبالتالي لـ"حوار" الرواية ..

كان أمام "خالد" أن يناقش الأمر مع "الدغيدي" على رواقة ، ويعترض على الاسم ، ويتمسك بعدم نشر الرواية إلا بعد تعديل الاسم ، تجنباً لأي مشكلة قد تحدث ، و/أو ينصحه بعرض الرواية على مجمع البحوث الإسلامية ، قبل أن تنشرها الجريدة ، وحينئذ ، أي إذا أقر المجمع الرواية قبل نشرها على الموقع ، سيكون موقف الأخير قوياً .. ونفس تلك الخيارات كانت تقريباً أمام "الدغيدي" .. لكن أياً من الرجلين لم يختر أياً منها.. والغريب أن "خالد صلاح" رئيس تحرير ، أي في أعلى الهرم التحريري في الجريدة ، ومن الطبيعي على أي صحفي أن يعرف "المناخ السائد" وطبيعة تقبل وفهم الجمهور لما سينشر ، بما أن الجمهور هو مشتري الجريدة ومتابع الموقع .. فما بالكم برئيس التحرير .. الذي يثبت بالدليل العملي أنه "مالهوش فيها"..

2-يدعي "خالد" ويدعي معه موقعه أنه "ليبرالي" .. ماشي.. لماذا تراجع فجأة الموقع عن مبادئه وقرر عرض مصنفه على مجمع البحوث الإسلامية ، بعد نشر تنويه الرواية وحدوث الزوبعة؟ لماذا لم يفعل مثلما فعل "حلمي سالم" الذي رفض عرض عمله على أي مؤسسة دينية؟

3-أليس من المضحك أن نسمع ممن قالوا أن الدين لن يهدمه رسم مسيء للرسول (ص) ولا فيلم يهينه يقدم في بلاد الغرب ، أن نسمع منهم أن رواية يمكنها الدفاع عن الرسول الكريم (ص) في مواجهة الهجمات الغربية الشرسة عليه-خصوصاً إذا كانت تلك الرواية مقدمة للمجتمع العربي ومنشورة بالعربية؟ هل هدمت "عزازيل" المسيحية؟ هل انتقصت "وليمة لأعشاب البحر" من الإسلام؟ أليست الرواية "عملاً خيالياً" كما يفترض عادةً ، كما قال "جابر عصفور" ذات مرة على "الأوربيت"؟ تذكروا أن الجريدة تبنت موقف "عصفور"!..

4-يلمح نظرية المؤامرة بطبيعة الحال إلى احتمالية ألا يكون الهجوم بعيداً عن "اليوم السابع".. أي أنهم دبروا الهجوم على الموقع الهش جداً -رغم ضخامته واعتماده على قواعد بيانات محكمة الصياغة وسيرفر قادر على تحمل ضغوط- من أجل استدرار تعاطف الرأي العام مع الجريدة .. هذا إن كان كلام أنصار النظرية صحيحاً .. أما إذا صح العكس فهو أمر يضيف إلى أخطاء الجريدة ورئيس تحريرها الفاضل خطأ جسيماً : الأستاذ مش عارف يدير ولا يحمي موقع.. وربما يتفق معي أي طفل على أبسط دراية بأصول لعبة الآي تي..

5-ومن شاهد حلقة "مانشيت" بتاريخ الأول من أغسطس 2010 فسيحصل على جرعة عالية من الضحك النابع من القلب ، حيث كان الضيفان "سعيد الشحات" مدير الموقع ، وكاتب آخر فيه لا يحضرني اسمه .. والكلام دار عن "الهوس الديني" و"تنظيم القاعدة" و"لن نسكت" واستعمالات مضحكة لمصطلح technician .. حيث بدا أن "الشخص الآخر" لا يعرف الفرق بين technician "التقني" و technique "تقنية".. أي كلام فاضي معقول..وهيس ثم هيس ثم هيس حتلاقي اللي يصدقك..مع الاعتذار لـ"جوزيف جوبلز"..

6-وسيلقي ما حدث كله الضوء على عدة حقائق في تصوري .. أولها أن أي تطرف يغذي التطرف الموجود في الاتجاه الآخر ، كما ألمحت في التدوينة السابقة ، وثانيها أن البعض من أدعياء الاعتدال والليبرالية والحرية والمهلبية يخفي ذقنه ، أي أنه يدافع عن حرية أي شخص في إبداء أي رأي يتوافق مع مصلحته الفكرية فقط ، وبالتالي "يفصل" تعريفاته للحرية والاعتدال على مقاسه..أخلاقيات الحراك السياسي بعيد عنك..

وثالثها أنه لم يعد من المجدي دفن الرءوس في الرمال.. كما أن هناك من يغلو في الرسول الكريم (ص) غير الحق ، هناك من يغلو ضده غير الحق ، وينزع عنه كل قداسة ، وينتقده ويهاجمه ، وأنه من الوارد أن نجد تلك الانتقادات تتم من "البعض" تحت اسم تجديد الخطاب الديني والدفاع عن الإسلام ، أو تحت أي مسمى آخر تفادياً لغضب جنوني من المتشددين وغير المتشددين على السواء.. وساعتها سنرى كيف سيتعامل الموقع الليبرالي الوسطي المعتدل مع التطرفين ، المتشدد مع ، والمتشدد ضد .. هل سيقف موقف "الوسط" المعادي لكل أشكال التطرف ، أم سيتحالف مع أحدهما ضد الآخر حسب المصلحة؟

لا أستبعد الأخيرة.. دمتم بخير..
هام جداً:لا علاقة على الإطلاق بين "أنيس الدغيدي" والمخرجة "إيناس الدغيدي" إلا تشابه الأسماء فقط.. "أنيس" كما سبق الذكر كاتب صحفي له كتب تحسب على كتب الفضائح ..وكان تحوله للأدب "الديني" غريباً مثلما كان تحول "نبيل خالد" أيضاً..

Friday, July 23, 2010

أقنعة "الاعتدال" : سؤال غبي مشروع

بما أن هذه المدونة حالياً في مرحلة التفكير بصوت عال ، والسؤال في كل الاتجاهات حتى ولو كانت الأسئلة غريبة لدرجة الجنون..اسمحوا لي أن أسأل سؤالاً غبياً ومشروعاً : هل أعطى من كفَّروا "نصر حامد أبو زيد" الفرصة كاملة لآخرين على الاتجاه الآخر لتقديسه ورفض أي نقد موضوعي حقيقي يوجه لأفكاره؟.. الإجابة عندي "نعم"..

سيستشهد بعض "الآخرين" بما حدث بين "إسماعيل أدهم" و "محمد فريد وجدي".. ماشي .. فعلاً وقت أن كان هناك "إسماعيل أدهم" .. كان هناك "محمد فريد وجدي"..ولكن..

"إسماعيل أدهم" فعل ، و"محمد فريد وجدي" رد فعله ، وكانت آراء "إسماعيل أدهم" عدائية بما يكفي (فكرة الترويج الفكري للإلحاد في مجتمع متدين)، وكان من الطبيعي أن تُرفَض وتُهاجَم ، لكن "محمد فريد وجدي" اختار أن يكون رد فعله إيجابياً فكتب راداً عليه ..وبحرية تامة ..دون أن يقلل أحد منه (="وجدي") أو يسفهه..

ولا أعتقد حسب علمي المتواضع أن كان أي من الرجلين محسوباً على السلطة ، لا الملحد ولا غير الملحد ، ولم يدعم هذا حزب وذاك آخر ، فنحن نتكلم عن أواخر الثلاثينات وقت أن كانت الحكومات تتغير باستمرار ، وتحالفاتها مع السراي والإنجليز تتغير باستمرار ، ونذر حرب عالمية تلوح بالأفق تم توريطنا فيها لاحقاً..

أما الآن فتغير كل شيء..

منذ ما بعد الثورة بقليل وحتى الآن تبقى لعبة التحالفات والتحالفات المضادة بين النظام والتيارات الفكرية اليسارية والتيار الديني قائمة ، والتي تنص على أن يتحالف الأول مع أحد الأخيرين ضد الآخر.. ومن المؤكد أن كل تيار يتحالف مع النظام ليستفيد منه لا في سياق خصومة فكرية مع التيار الآخر..

وكما يقال عن تحالف التيارات الدينية مع "السادات" وقت حكمه يمكن قوله الآن على تحالف من يسمون أنفسهم "ليبراليين" مع نظام غير ليبرالي بالمرة ولا يتمنى الشعارات الليبرالية المعتادة مثل "مدنية الدولة" و"المواطنة"و ...الخ..

وعليه .. وعندما قامت التيارات الدينية بتكفير "نصر حامد أبو زيد" وجدها "الآخرون" فرصة ذهبية لقلب المؤشر على النهاية العكسية ، وعلى اعتبار أن "نصر حامد أبو زيد" هو علم من أعلام التنوير ولا تجوز مناقشته ولا يجوز الرد عليه لا بكتاب ولا بمقال .. ولو ظهر الآن "محمد فريد وجدي" لجعلوا منه ، ومن خلال الإعلام الرسمي ، أضحوكة دون احترام حقه في الرد .. كما لو كانت المسألة احترام حق شخص في أن يتكلم ، واحتقار حق شخص في أن يرد بفكره..

طوال مهرجان الرثاء وسرادق العزاء ظللنا نسمع طوال الوقت عن كونه "مفكراً عربياً إسلامياً كبيراً" وبس .. دون أدنى تطرق لنقط الخلاف والجدل الحقيقية في مؤلفاته وإنتاجه ، على العكس مما قد يقال مثلاً عن "طه حسين" الذي يذكر بكتابه "في الشعر الجاهلي" والذي قتل بحثاً ونقداً على يد كثيرين بينهم "محمد فريد وجدي" نفسه، كأنك تسمع في الميديا عن الفنان الكبير "فلان الفلاني" نجم السينما والمسرح والتليفزيون دون أن تسمع في تلك التغطيات الإعلامية عن اسم فيلم واحد شارك فيه ولو ككومبارس صامت!

كل ما نفهمه من ذلك الخطاب أنه "مفكر إسلامي" يتكلم "بلسان الإسلام السمح المعتدل" .. وأي شخص يختلف معه "عارف نفسه كويس"..هل هذا منطق؟

كل منا يؤخذ منه ويرد عليه إلا الرسول الكريم (ص) ، كل أفكارنا وتصوراتنا عرضة للنقاش سواء خرجت من رأس "مفكر إسلامي كبير" أو "مفقر غير إسلامي صغير" .. من رأس "نصر حامد أبو زيد" أو "زكي جمعة".. لكن "المعتدلين" فعلوا نفس ما فعله "المتطرفون" .. إذا كان الأخيرون لصقوا عبارة "الإسلام" بجماعاتهم لإعطائها حصانة دينية ، فإن الآخرين لصقوا عبارة "الإسلام" بمفكريهم لإعطائهم حصانة دينية فكرية..

وبالمناسبة.. ماذا لو كان "نصر حامد أبو زيد" اعتصامياً مثل مفكرين ليبراليين ويساريين آخرين قرروا اتخاذ مواقف "مخالفة" لـ"النظام"..هل كان سيحتفى به كما كان الحال الآن ، أم سيعامل معاملة "العيال الوحشين" التي يعامل بها مثقفون مرموقون وكتاب وأدباء كبار كل خطئهم أنهم اختلفوا فكرياً وسياسياً مع النظام الحاكم في وقتهم الحالي؟

مرة أخرى .. كل تيار -ديني أو غير ديني .. معتدل أو متطرف .. يمين أو يسار- يتحالف مع أي نظام حاكم يفعل ذلك بموجب صفقة يستفيد منها كما يستفيد الطرف الآخر ، يحصل مقابل ولائه على حصانة سياسية وفكرية وإعلامية.. وتكون النهاية أن يفسد التيار ، وتفسد الحياة الثقافية والفكرية بكاملها .. ولنا في تحالف "المعتزلة" -المصنفين كأحد رموز "الاعتدال والاستنارة"- مع الخلافة العباسية في بعض المراحل درس موجع وعظة بالغة..خالص تقديري..

Sunday, July 4, 2010

سينما "إسلامية"؟

رجاء حار: أطلب من أصحاب الحساسية المفرطة تجاه الفن عدم التعليق على هذه التدوينة..

قبل الكلام:.. لنتفق أن البعض -متشددين وعالمانيين وأتاتورك ومتمذهبين على السواء - يريدون حصر الدين في مجرد شعائر والسلام ، بل وبعضهم يتمادى في غيه لمدى غير مقبول تحت أي ظرف بمناداته بفصل الدين عن الأخلاق برغم أن أي دين به جانب أخلاقي ويهدف إلى الارتفاع بسلوكيات المنتمين إليه .. وكلا الفرضيتين اللتين يتم الترويج لهما على نطاق واسع (=فرضية فصل الدين عن الحياة ، وفرضية فصل الدين عن الأخلاق) لا محل لهما من الإعراب ، ولا على أرض الواقع.. من الصعب بل ومن المستحيل ألا توجد أي أي علاقة بين الدين -أي دين- والحياة بكافة أنشطتها .. ومن الصعب بل ومن المستحيل أن تجد في أي مجتمع مهما بلغت درجة تحرره وتسامحه وليبراليته و..و... أن تجد الدين بمعزل عن كل مظاهر النشاط البشري .. من سياسة لاقتصاد لفن لرياضة لجريمة إلى آخر القائمة.. فعلى الجميع أن يعترف بأمر واقع مهم .. ألا وهو أن الدين -أي دين- هو مكون من مكونات تفكير وسلوكيات البشر عبر هذا العالم .. وهناك انعكاس للطريقة التي يفهم بها الشخص الدين على تصرفاته ، وسلوكياته ، واختياراته ، وطرق تفكيره ، وعلاقته بالآخرين ، وهي كلها أمور تحدد شكل كل أنشطة الحياة التي يمارسها في مجتمعه ودولته .. والكلام ينطبق على أي دين أو معتقد بما في ذلك الإسلام الذي فرض حدوداً بين ما هو ديني وما هو دنيوي وفق مبادئ وقواعد عامة تتيح حرية الاجتهاد في أمور الدنيا لأهل الاختصاص فيها بشكل تقني ومرن دون تدخل ديني ، إلا إذا تضارب هذا الاجتهاد مع نص صريح أو مقصد أعلى من مقاصد الشريعة ..وبالتالي توقعوا من كاتب هذه السطور أن يمر - من وقت إلى آخر- على مشاهد من علاقة الدين بكل أنشطة المجتمع ، سياسةً واقتصاداً ورياضةً وفناً ، في محيطنا المحلي والإقليمي أو في العالم..وكما اتفقنا من قبل : في محاولة للفهم .. لا أكثر..قبل أن نخسر أكثر.. عذراً للمقدمة الطوييييييييييييلة جداً..

في أحيان كثيرة قد يكون التنقل من مرحلة عدم مناقشة موضوعٍ "ما" ومرحلة "لا .. وألف لا ..لن أقبل" إلى مرحلة يمكن فيها "فتح سكة كلام" عن الموضوع وفي صميمه بشكل أقل ضجيجاً وعصبية ، أمراً إيجابياً في ذاته .. أمر تستخلصه من تدوينة قديمة نسبياً لزميلنا "محمد إلهامي" نشرها قبل سنوات ثلاث عن الطريقة التي كان السلفيون يرون بها الفضائيات.. والطريقة التي أصبحوا يرونها بها الآن..

ونفس ما ينطبق على الفضائيات ينطبق بدوره على الفنون عامةً ، وعن السينما خاصةً.. موضوع هذه التدوينة تحديداً..

لفت نظري في عدد "الوعي الإسلامي" الكويتية ملف عن الإسلام والسينما ، تضمن عدة مقالات وعدة فتاوى قديمة ومعاصرة من أكثر من مدرسة فقهية ويحمل بعضها توقيعات لعدد من كبار فقهاء الإسلام في القرن الماضي وقبل الماضي من بينهم شيخ الأزهر الراحل "عبد الحليم محمود" والشيخ "رشيد رضا" - صاحب تفسير "المنار" - فضلاً عن فتاوى أخرى سعودية..

لكن ما لفت نظري بشدة في الملف - الذي فشلت في العثور عليه على النت مكتفياً بالعدد الورقي لدي- هو المقالات التي توحي بما يشبه ما كتب عنه "إلهامي" قبل ثلاث سنوات.. شجاعة تحسب لهم ككتاب ، ولإدارة المجلة طبعاً ، بفتح الملف في هذا التوقيت ، حتى وإن أختلف وقد تختلف معي تقريباً مع بعض أو كل ما كتبوه..

1-إجمالاً.. لم يخرج الملف القصير نسبياً عن "التوقعات المرئية" لأسئلة يطرحها محافظون عادةً عن السينما ، بدءاً -بالتأكيد- من الحل والحرمة ، مروراً بعديد الأحكام الفقهية المتعلقة بالفن السابع - لا ننسى أن الملف نشر في مجلة "دينية"- خاصةً فيما يتعلق بالمشاهد إياها ، دور المرأة في المشهد السينمائي طبقاً لوجهة نظر (يعتبرونها) إسلامية ، والموقف الديني من ظهور الأنبياء على الشاشة ، وهي قضية لا تزال مثار جدل حتى خارج العالم الإسلامي..

2-لكن كتاب الملف في كتاباتهم مالوا - في معظمهم- إلى الواقعية ، هم لا يريدون خسارة السينما وخسارة تأثيرها القوي ، والذي أراه -عن نفسي على الأقل- واضحاً أولاً مع صحوة السينما التجارية في منتصف التسعينيات وتأثرها فيما عرف بالحراك السياسي (مصر) ، أو ظهور أفلام سينمائية خليجية لأول مرة بشكل تجاري وهو ما لم يحدث من قبل ، ويريد هؤلاء تطبيق نسختهم المحافظة من الفن السابع ، بمواصفاتهم الخاصة المختلفة بطبيعة الحال عن مواصفات الليبراليين مثلاً..

3-فيمَ يخص المخوف الأشهر لدى المحافظين أو المتدينين أو ..أو.. وهو "العري" في الأفلام السينمائية ، أحد أكثر العوامل التي تنفر شرائح أكثر محافظة ليس من السينما فقط ولكن من الفن عموماً .. نجد الناقد السينمائي المغربي -الذي أخطأت المجلة بتوصيفها إياه بـ"كاتب سوري"- "سعيد آيت حو" لا يفاجئك بتفسير فقهي لما تصفه المجلات الفنية المشار إليها في الفقرة السابقة بـ"المشاهد الساخنة" .. لكنه يعتبر المسألة "خياراً فنياً وفكرياً" لصاحب الفيلم ، وهو كلام أراه منطقياً إلى حد كبير جداً.. وفي تاريخ السينما في مصر ما يؤيده في سينما مخرجين كبار من أمثال "عز الدين ذو الفقار" و"حسن الإمام" وكلاهما في أفلام كثيرة أخرجاها كانا يكتفيان باستخدام إشارات ورموز فقط بدلاً من تقديم المشهد كما هو بكل عنف وفجاجة كما يحدث في "سينما الحراك السياسي".. ويرى أن الأسلوب "غير المباشر" والرمزي والإيحائي أفضل بكثير من "شغل الخبط لزق" باعتباره حيلاً فنية تثبت قدرة وقوة المخرج وكاتب السيناريو..أي أن المسألة تبقى في الأخير وجهات نظر..

4-يرى أحد كتاب الملف مع ذلك أن تقديم "سينما إسلامية" بمقاييس "إسلامية" -وفي ظل الظروف الحالية- شبه مستحيل..لكنه يريد إبقاء الباب موارباً ، ربما يتوصل فقهاء وصناع سينما إلى حل وسط -كما حاول الإيرانيون الذين يروجون لسينماهم على أنها النموذج الإسلامي من الفن السابع- يرضي الشريحة "المحافظة" "الأقل تزمتاً" من المجتمع التي لا تعتبر مشاهدة السينما "حراماً" .. بعكس من أسماهم كاتب آخر بـ"الملتزمين" والذين لا يرون في السينما إلا الشر المطلق والعري ومشاهد الإغراء .. كما تراها أحياناً بعض الصحف والمجلات الفنية!

5-وعليه تبقى قدرة هؤلاء على تخطي كل الحواجز التي تمنع الشريحة "المحافظة""الأقل تزمتاً" محل شك ، بدليل تجارب الفضائيات نفسها والتي عكست تخبطاً فيم يخص المرأة ، فهناك فضائيات دينية تمنع ظهورها نهائياً على الشاشة تحت أي مسمى (هم أحرار فيما يروه صواباً) وفي المقابل يسمحون بظهور صوتها كمتصلة في البرامج.. فما بالك بفيلم سينمائي أو حتى سهرة تليفزيونية.. والأغرب ..كيف سيتعامل هؤلاء مع كل النماذج الطيبة والسيئة التي يعج بها المجتمع والتي لا يخل منها فيلم سينمائي (رغم اقتناعي الشخصي بأن ليس كل ما هو واقعي يقبل التقديم على الشاشة)؟ وكيف سيبتعد هؤلاء عن الوعظ المباشر الكفيل بتنفير الناس من السينما بدلاً من جذبهم إليها..

إلا أن يفاجئنا هؤلاء بشيء لا نتوقعه..وكما يقول الشاعر : ستخبرك الأيام ما كنت جاهلاً..ويأتيك بالأنباء ما لم تزود..
* سأحاول في تحديثات لاحقة نقل فقرات وأسماء من الملف الذي يبقى كوجهة نظر أتفق أو أختلف معها.. والتدوينة إهداء خاص لأستاذي "أسامة القفاش"..

Thursday, July 1, 2010

زغزغة دينية

بالتأكيد سيثير هذا الخبر جدلاً كبيراً كما أثاره وقت نشره قبل ساعات من كتابة هذه السطور.. فقط سأقف عند هذه الفقرة تحديداً:

وأشار إلى التعديلات الأخيرة التي أفسحت المجال للنساء لدخول البرلمان، بعد تخصيص 60 مقعدًا لهن "كوتة" اعتبارًا من البرلمان القادم ولفصلين تشريعيين, وقال إن مجلس الشعب حريص جدا على المشاركة السياسية للمرأة أسوة بالصحابيات ونساء آل البيت!

1-فكرة إضفاء أساس ديني على كوتة المرأة أمر مثير للضحك ، بل لعله أكثر إضحاكاً من أفلام كاملة هدفها المعلن الإضحاك مثل "عسل اسود" و"لا تراجع ولا استسلام".. وهذا يعطيني- على الأقل - انطباعاً بأنني أمام عقلية تديِّن كل شيء ، وتسعى على إضفاء تبريرات دينية على كل شيء تفعله.. إذا كان هو قد برر "الكوتة" بالاقتداء بنساء آل البيت والصحابة رضوان الله عليهن ، فماذا سيبرر به إلغاء الكوتة أو التراجع عنها إن قرر؟ تذكروا أن السياسة في بلدنا بالذات مثل كرة القدم.. لا منطق لها ..وتستطيع أن تتوقع فيها أي شيء..

2-هناك تحليلات "شريرة" تتحدث عن أن إعطاء "كوتة" بشكل عام ، سواء للمرأة أو لأي شريحة كانت ، قد تكون باباً خلفياً لتديين الحياة السياسية في مصر ، بفرض أن "الحزبوطني" تحالف ذات صباح مع السلفيين الحسانيين مثلاً ، أو مع الطرق الصوفية مثلاً لضرب الإخوان المسلمين ، ستتضمن الصفقة بالتأكيد "فتح الباب" أمام مرشحين ومرشحات يمثلون انتماءاتهم المذهبية لا أنفسهم كمستقلين ولا كأعضاء حزب ينتظمون تحت لوائه ويلتزمون بسياساته ، وبهذه الطريقة سنتحول إلى عراق آخر أو لبنان آخر..

3-على من يزايد الرجل؟ وفي أي مكان؟ تاريخياً تعد مصر من أوائل الدول التي أعطت حق التصويت والترشيح للمرأة في المجالس النيابية المختلفة ، وحتى في ظل وجود تيارات تعارض علناً مشاركة المرأة في الحياة العامة بالمرة (وليس في السياسة فحسب) ، سواء التيار السلفي بشكليه التقليدي والحساني ، أو ربما داخل تيارات دينية مذهبية أخرى (هذه المشكلة لا توجد بنفس الدرجة لدى جماعات الإسلام السياسي.. صدق أو لا تصدق) ، تبقى المعارضة العامة لدخول المرأة معترك الحياة السياسية ضعيفة ، فأغلب الدول التي ترتبط بها التيارات المذهبية فكرياً بدأت تتيح المشاركة السياسية للمرأة ، سواء في دول الخليج العربي النفطية الغنية ، أو في إيران ، مما يفقد أي معارض أو معترض أي حجة منطقية.. خاصة مع تزايد نفوذ حزب "احنا نعمل زي ما السعودية وإيران بتعمل"*..

4-أنا ضد الكوتة ، وأي كوتة ، نحن نتحدث عن دولة ارتضت الشكل المدني أساساً لها منذ فترة طويلة ، والشكل المدني يتضمن مشاركة المواطنين في الحياة السياسية تصويتاً وترشيحاً بغض النظر عن الاعتبارات الدينية ، في وجود أحزاب سياسية (يفترض أنها) محترمة ، بعيداً عن الأحزاب الدينية ، أو عن نقل الانتماء الديني والمذهبي للبرلمان أو الترشح على أساسه أو تمثيله على حساب بقية أبناء دائرته التي من الممكن -جداً- أن يكون منهم من على غير دينه وليس فقط على غير مذهبه..وهي نقطة ربما أفرد لها تدوينة مستقلة بإذن الله..إذن المسئولية تقع على عاتق الأحزاب ، الأكثر تنظيماً، الأوضح خطاً ، والأقدر على جمع أعضائها تحت مظلة "أكثر أماناً" .. والمشكلة أن تلك الأحزاب بشكلها الحالي هي التي تتعامل مع المرأة ككائن بشري من الدرجة الثانية ، بل إن من أعضائها ومن صحفييها من يطالبون بعلو الصوت بتعيين المرأة قاضية وهم يرفضون أن ترأسهم في أحزابهم وصحفهم امرأة!

ولا أعتقد أن فكرة أن الكوتة ستكون مؤقتة أو انتقالية يمكن أن تنطلي على "بوحة" طالما أن المصالح السياسية التي صنعتها قائمة وطالما أن المناخ على ما هو عليه إن لم يكن يتحرك إلى الأسوأ..إذن فلا نخدع أنفسنا أكثر بتديين مشكلة عزلة المرأة عن الحياة السياسية وبتديين حلها..

وعليه فإنه من الحلبسة الصرفة أن يستغل أي شخص أو حزب أو ما يقوم في محله الدين لحث الناس على المشاركة في الحياة السياسية ، في وقت لا يستغل فيه أي مخلوق الدين لجعل الناس يلتزمون بما جاء فيه من مكارم الأخلاق ، من يستغل الدين اليوم لحثي على التصويت سيستغله غداً لحثي على الامتناع عنه..

وعن نفسي كمسلم أذهب لشيخ أو لعالم لأستفتيه في أمر يخص ديني ، فرائضه وسننه وسلوكياته وأحكامه وتشريعاته ، لكنني لن أذهب إليه ليفتيني بالمشاركة في الانتخابات من عدمها ، لأنه يعلم بالتأكيد أنها شأن سياسي متغير لا تحتاج فيه إلا أن تستفتِ قلبك وإن أفتوك كما علمنا رسولنا الكريم.. خالص مودتي..
*طبعاً الحزب دة بيتمسك بالمبدأ المذكور في أي حاجة إلا فيما يتعلق بقانون التأمين الصحي اللي بتتحول فيه السعودية وإيران إلى الدانمارك والنرويج.. حاجة تقرف..

Tuesday, June 22, 2010

في خطورة "الآتي بعد"..

هذا التقرير ، المكتوب بهذه الطريقة ، في صحيفة تدعي أنها ليبرالية ، هو خير دليل على خطورة ما أسميته قبل عدة تدوينات بـ"الآتي بعد"..

أهلاً بأي باحث وبأي عالم وبأي مجتهد يحاول تحريك المياه الراكدة ويساهم في تحريرنا من التخلف الدنيوي الذي نعيشه ونتنفسه ونشربه أياً كان انتماؤه، لكن لماذا عمد كتاب التقرير إبراز الانتماء الديني أو المذهبي للباحث؟ هل كانت الجريدة الغراء غير المحترمة التي تغش قراءها لتهتم بالموضوع ، وتصدره عنواناً على رئيسيتها ، ثم "فشحاطاً" لا تعرف إن كان تقريراً أم خبراً أم "كلام بامفليتات" دعائي كريه ، لو كان الباحث منتمياً لأي تيار مذهبي آخر؟ ..والأهم: "أنا مالي" بانتماء الباحث؟ ألم يكن ممكناً ، ومتاحاً للجريدة أن تكتفي بقول "باحث يكتشف طريقة لزراعة السمك في الصحراء" مثلاً؟ -بما أن الاهتمام بالعلوم في "الفجر" مقطع بعضيه يا خيّ.. خيّ!

أولاً.. كل شخص حر في أن يعتقد ما يريد ، وأن يؤمن بما يريد ، وأن يعبر عن معتقده الديني ورموزه الدينية كما يريد ، نحن لسنا إيران ولا تركيا أتاتورك..لكن عند العمل العام "يفترض" أن يذوب هذا الانتماء في المجموعة ، وما يحدث حالياً هو أننا نرى ذلك الانتماء وقد تحول في العمل العام إلى "يافطة" كبيرة يضعها في عين "التخين" -اللي هو احنا يعني- خصوصاً لو كنا مختلفين مع انتمائه وأفكاره..إشي سلفي وإشي صوفي وإشي كذا وإشي كذا.. وباقي الحوار يسهل تخيله..

وطبعاً لا تسألوني في ظل هذه الممارسة المتطرفة عن الطريقة التي يعيش بها كل هؤلاء معاً ، أو عن قدرة الصوفي -مثلاً-على العمل مع السلفي مع المسيحي مع البهائي مع الشيعي مع حتى البوذي في مجتمع يعيش به كل هؤلاء معاً..

أ إلى هذه الدرجة أصبحنا مجتمع صوبات زجاجية إلى هذه الدرجة؟ يقف فيه أعضاؤه بهذا الشكل تحت شمسيات انتماءات دينية و/أو مذهبية، إسلامية أو مسيحية، كل في مكان ما خاص بهم رغم أن الكل يقف في نفس الشارع؟

نحن إذن بهذه الطريقة على أول طريق وعر يعلم الله وحده نهايته..والبركة في المتعصبين هنا وهناك وفي إعلام هذه عينة منه تعتبر المواطنة أكسسواراً تضعه وتخلعه وقت اللزوم..دمتم بخير..

Tuesday, June 15, 2010

الآتي بعد : "الزواج الثاني" -عصف ذهني

لأول مرة منذ انطلاق "الدين والديناميت" أقدم على شيء جديد في هذه التدوينة.. عملية brain storming .. عصف ذهني.. ولكن بطريقة قد يراها البعض جيدة وقد يراها غبية..

بمعنى أصح : في السطور القادمة سأضع جميع وجهات النظر المطروحة في كل اتجاه في صورة عبارات قصيرة مقتضبة تقال في كل نقاش يثور عن تلك العينة من المواضيع.. دون أن أذكر رأيي الشخصي الذي لم أكونه بعد.. المسألة لا تبدو كمجرد خلاف بين مؤسسة دينية وحكم قضائي قدر ما تعكس أشياء كثيرة في مجتمعنا ككل..تذكروا أنه في "العصف الذهني" تطرح عادة كل الافتراضات ، بما فيها تلك التي يعادل احتمالها احتمال خروج سمكة قرش "صاحية" من "الحنفية" دون أن يحدث للأخيرة أو للحوض أي أذى!

"الحكم بالتأكيد هو جائر ويتنافى مع نص ديني ثابت ويستحق كل ما أثير عنه من ضجة..

"لكن لماذا جاء الحكم هكذا؟

"لأن شخصاً ما رفع قضية أمام المحكمة..مطالباً ربما بمساواة حالته بحالة أخرى .. أو لسبب آخر .. الله أعلم..

"ما هي جدوى رفع دعوى لاستصدار حكم يتعارض مع نص ديني أياً كان النص وأياً كان الدين؟.. مهما قيل في السبب..

"ولماذا يعترض رجال الدين على حكم قضائي؟ أليسوا ضمن نظام الدولة؟ ألا يتطلب أن تكون عضواً في نظام ومجتمع أن تحترم قواعده ونظمه..ومن بينها القانون الذي تسري أحكامه على الجميع؟

"كنت لأؤيد رأيك حرفياً لو اعترض هؤلاء في شأن دنيوي ، لكنهم اعترضوا على تضارب حكم قضائي مع نص ديني..

"نحن في دولة مدنية أساسها سيادة القانون.. لا نصوص الدين..

"أساسها سيادة القانون فيما يتعلق بعلاقات الناس مع الناس ومع النظام ، وليس في ما هو منصوص عليه في أديانها..

"ولو تضاربا؟

"ولماذا يتضارب القانون مع الدين؟ ولماذا نضع الاثنين طوال الوقت على حافة نقيض؟ الدولة المدنية تتطلب فصل الدين عن العملية السياسية ، وليس فصل الدين عن العملية الحياتية..

"عاش الدين لصيقاً بكل شيء في الحياة سواء في فترات الدولة الدينية ، أو في الفترات التي كان فيها رجال الدين قريبين من السلطة ، سواء في العالم العربي أو في أوروبا..تجربة وفشلت؟ نعيدها ليه؟

"القانون ينظم علاقات معينة بين الناس وبعضهم البعض ، لكنه لا ينظم علاقات الناس بالله.. أي قانون ذلك الذي يتم تشريعه في مجلس نيابي لتقنين الصلاة والصيام أو الحج أو حتى شعائر الديانات الأخرى؟ ما لله لله وما للدولة للدولة..

"شريطة أن نعرف أولاً ما لله وما للدولة..

"بسيطة.. ما لله هو ما فرض في الأديان السماوية على اختلافها ، فيما يخص العبادات وفيما يخص أمور معينة .. منها الزواج سواء في الإسلام أو المسيحية..أما ما لا نص فيه فيخضع للاجتهاد وحرية العقل.. في إطار ضوابط يلعب الدين فيها دوراً..بما أن الضوابط العامة في الدين هي أساس قيام أي دولة ، ومن بينها العدل وحماية حقوق الإنسان أياً كان انتماؤه ودينه ومعتقده وعرقه..

"حتى الزواج؟

"طالما منصوص عليه.. آه..

"الزواج في العديد من المجتمعات شأن مدني.. وهي مجتمعات تؤمن بنفس الأديان التي نؤمن بها.. دول فيهم مسلمين كمان؟

"لكننا لسنا هم..

"نحن مجتمع متخلف نقوم بتديين كل شيء..

"نحن مجتمع مختلف .. ولكل مجتمع ظروفه ..

"مختلفون عن "لبنان" مثلاً؟ عن دول أخرى في نفس منطقتنا العربية تتبع الزواج المدني لا الديني؟

"نحن مختلفون جداً عن "لبنان" المتعدد عرقياً ودينياً لدرجة الطائفية البغيضة ..وعن كل تلك الدول التي لا يلعب الدين دوراً كبيراً في مجتمعاتها كما يحدث لدينا.. ومختلفون عن مجتمعات عاشت تحت ظل السيطرة المطلقة لرجال الدين على كل شيء في الحياة كما حدث في أوروبا في القرون الوسطى..

"أليست حماستك تلك هي من النوع الذي يبديه المسيحيون في مواقف كما حدث لـ"نصر حامد أبو زيد" ، وما يبديه المسلمون في قضايا أخرى على الجانب الآخر؟

"كلام فارغ.. الموضوع خطير ويجب أن يستشعر الجميع خطورته ، مسلمين ومسيحيين على السواء ، ومن الممكن أن يتكرر لدينا كما حدث مع المسيحيين ، ولدينا بكل أسف متطرفين يتعاملون مع النصوص بكراهية واستقصاد وغرض واضح ، وربما منهم من يسأل باستنكار عن أشياء في صلب العبادات -التي هي أمر ديني صرف- محسومة منذ أربعة عشر قرناً ، ومن الممكن أن يستخدم الميديا و/أو القضاء لعمل شيء مشابه أو أكبر..

ما سبق كله هو آراء تتداول في كل نقاش يثور عن ذلك الموضوع ، آراء مختلفة فيما بينها من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار ، وهي فرصة لمعرفة كيفية تفكير الناس على أرض الواقع في مسائل كهذا ، وللوقوف على هواجسهم ومخاوفهم على اختلاف خلفياتهم الثقافية وأديانهم وكيفية تقييمهم للأمور..والوضع كله يطرح أسئلة لا تقل أهمية ، أولها ما هو تعريفنا -نحن- للدولة المدنية؟ لماذا يصر البعض على تطبيق فكرة الدولة المدنية بحذافيرها كاملة ، وهم الذين يعيبون على غيرهم الإصرار على تطبيق النموذج "الديني" بحذافيره؟ لماذا لا يختلف تطبيق الدولة المدنية باختلاف المجتمعات كما يختلف ويتباين فهمها للدين نفسه؟ هل توجد نقطة وسطى تكفل "تمدين" الدولة بما لا يتضارب مع ما هو ثوابت دينية بشكل عام ، في الإسلام أو المسيحية في حالتنا في مصر؟ وكيف نرى على اختلاف مشاربنا الحد الفاصل بين الدين والدنيا؟و..و..و...

انتم شايفين إيه؟

Saturday, May 1, 2010

علاقات عامة

ع الماشي .. حكاية حلوة وظريفة ..مليئة بالمواعظ والعبر .. مهداة إلى كثير من الناس .. في مقدمتهم صحفي ابتلينا به مؤخراً مقدماً لفقرة عن الصحافة يقوم فيها بالدعاية المجانية لمجلته القومية التي نسي معظم الناس اسمها..وعدد من الأتاتوركيين المصريين، وممن يتبنون مفاهيم شديدة السطحية للتسامح وثقافة العلاقات العامة.. ستسليهم تلك القصة بطريقة شنيعة..

في بلد كألمانيا توجد حساسيات تجاه الأجانب عموماً ، والأتراك خصوصاً (مثلما تلك بالنسبة للجزائريين في فرنسا) باعتبارهم يشكلون جل الأجانب فيها، وبالتأكيد تجاه المسلمين الذين يأتي معظمهم من جذور تركية.. قرر الحزب الديمقراطي المسيحي الألماني وهو واحد من أشهر الأحزاب الأوروبية اختيار سيدة ألمانية مسلمة من أصول تركية لتكون وزيرة دولة في حكومة ولاية "ساكسونيا" للشئون الاجتماعية..خطوة ستفرح الكثيرين في العالم الإسلامي ولا ريب..

السيدة "إيجول أوزكان" -أتمنى أكون كتبت الاسم صح- (39 سنة)..أقامت الدنيا ولم تقعدها بسبب تصريح لها أدلت به قبل أيام عن ضرورة منع الصلبان والرموز الدينية المسيحية في المدارس تماماً مثلها مثل الرموز الدينية الأخرى لأي دين آخر بما فيه الرموز الدينية الإسلامية..لاقت تلك التصريحات بحسب "دير شبيجل" هجوماً شديد العنف داخل الحزب وخارجه من صحف ألمانية متفرقة ..بمن فيهم "دير شبيجل" نفسها.. لم يخل تعليق تلك الأخيرة من "أسباب دينية" .. لكنها اعتبرت تعيين المهاجرة ذات الأصول التركية أشبه بحملة "علاقات عامة" يقوم بها الحزب لتحسين صورته بين المسلمين والمهاجرين عموماً لا أكثر..

طبعاً حاولت "أوزكان" "لم" الموضوع والاعتذار ومحاولة التوضيح .. لكن تيار الغضب داخل الأحزاب الألمانية كان أقوى..على الرغم من تطمينات "كريستيان وولف" رئيس الحكومة الفيدرالية لولاية "ساكسونيا السفلى" التي تعمل بها "أوزكان".. أما اتحاد مسلمي ألمانيا فأيد الإبقاء على الصلبان شريطة الإبقاء أيضاً على الحجاب الذي منع في مدارس ألمانيا أيضاً..ويرى رئيس الاتحاد "أيوب اكسل كولر" أنه "نحن نعيش في دولة ذات طابع مسيحي عميق وثقافة مسيحية عميقة ولذا يتعين أن يكون الدين واضحا في الأماكن العامة" وأنه "إذا حظرنا الدين من الأماكن العامة فإن هذا يعني أننا نطرح دستورنا العلماني للتساؤل"..

وسيرى البعض أن الموضوع كله علاقات عامة في علاقات عامة.. فالحزب أراد أن يختار وزيرة مسلمة من أصول ألمانية في حكومة محلية تبديداً لمخاوف الألمان المسلمين والمهاجرين من تصاعد التيار العنصري ضدهما.. وتصرف "أوزكان" ثم التراجع عنه كمحاولة منها لتطمين الحزب ، والمحافظين على أن وجود ألمانية مسلمة من أصول تركية لن يحدث مشكلة كبيرة للناخبين الليبراليين أولاً ، ثم المحافظين ثانياً..وبالتالي لو أراد الحزب الديمقراطي المسيحي الألماني قبول مهاجرين - بحسب "دير شبيجل"- فعليه أن يتحمل الجدل الذي سيثيرونه..و"اللي يخاف من الدح.. ما يكونش كح"!

ولكن يبدو -في رأيي المتواضع جداً- تصرف "أوزكان" في رأيي محاولة لمعالجة خطأ بخطأ.. الخطأ الأخير كان فرض رمز ديني في مدارس بافاريا "بالعافية" بما يتناقض مع الدستور الألماني ، قوبل بمحاولة "تنميط" بحذف كل أشكال الهويات الدينية.. في مجتمع لا يخل من تأثير للدين فيه سواء بالنسبة للألمان المسيحيين أو المسلمين (4.3 مليون أغلبهم من أصول تركية وعربية) أو اليهود ..

ما تبنته "أوزكان" هو نفس ما تبناه "أتاتورك".. والذي كان من أحلامه انضمام تركيا للقارة الأوروبية .. وهو ما يحاول من خلفوه حتى لحظة كتابة السطور تحقيقه.. لكن لا هو ولا غيره يدركون صعوبة قبول الأوروبيين لهم .. ليس لكونهم مسلمين ولكن بسبب النظرية الأتاتوركية التي ترى أن الانتماء الديني مضاد للانتماء الوطني.. وهو ما يصطدم بواقع أوروبا التي تحكمها دساتير عالمانية ولكنها تتيح الحريات الدينية بمن فيها حرية إظهار الرموز الدينية ..ولا تخلُ تلك المجتمعات - كما أوضحت "دير شبيجل" - من ناخبين محافظين .. والناخب هو من يقرر عادة من يحكم.. ومن لا يحكم..

لدينا من يفكر مثلما فكر البافاريون أبطال المشكلة التي ثارت قبل ربع قرن ..ويثيرون مشاكل .. لكن حلها ليس بتحضير روح "أتاتورك"..لا يعالج التطرف بتطرف.. حتى وإن اعتقد في ذلك من يقولون أنهم معتدلين.. دمتم بخير..
*إهداء خاص لصديقي "ابن عبد العزيز"...

Friday, April 30, 2010

الآتي بعد: في التعايش

برغم المتطرفين من الجانبين ، خصوصاً شلة "سلفني دقنك شكراً" ، وبرغم الصوب الزجاجية التي تنتصب كل يوم .. لا نزال كما قلت في وقت سابق أفضل بكثير من دول أخرى تنخر الطائفية في أساساتها ولا يفتأ أهلها يدعون من حين لآخر أنهم دولة بحق وحقيق كالتي نسمع عنها هنا وهناك.. حتى مع التسليم بأن الأمور تتطور باتجاه الأسوأ كما سبق الإيضاح..

مما لم تقض عليه الصوب تماماً حتى الآن فكرة التعايش .. وقانونه القديم قدم التاريخ .. الذي يؤمن به أناس يأخذون الأمور ببساطة ، ولا تعجبهم الصوب المكيفة الهواء التي يتخذها أتباع كل دين أو مذهب لأنفسهم تقيهم شر المخالف والمختلف..

1-من أهم بنود القانون المذكور فكرة "لكم دينكم ولي دين" ..الكل حر فيما يعتقد وفيما يؤمن به.. وبالتالي من المرفوض أن يقوم أي أتباع دين بدعوة أتباع الدين الآخر لاتباع الدين..هناك قاعدة فقهية شهيرة جداً نتعمد عدم الانتباه لها تقول "دفع الضرر مقدم على جلب المنفعة".. حسابات مكسب وخسارة لكنها حسابات "طيبة" لأنها تستهدف صالحاً عاماً.. والعقل يقول أن الصالح العام للجميع هو العيش في مجتمع "مستقر".. وتصرف كهذا يدمر استقرار المجتمع بشكل عام..

2-وبالتالي .. ففكرة "التنميط" والتعامل بـ"عنف" مع ما يعد رموزاً دينية هنا وهناك مرفوضة .. ولا يمكن لأي أتباع دين أن يفرضوا شيئاً من دينهم على أتباع الدين الآخر ، ومن التزيد المرفوض في نفس الوقت أن ألغي شخصيتي الدينية مجاملة لأيٍ كان.. وضع كهذا لن يقبله أي شخص مسلماً كان أم مسيحياً أم بوذياً.. لهذا استغربت انتقاد الدكتور "عبد المعطي بيومي" لفتوى لـ"القرضاوي" تتحدث عن عدم جواز احتفال المسلمين بعيد الميلاد .. فلا المسلم ملزم بالفعل بالاحتفال بعيد ميلاد السيد المسيح عليه السلام- مع إيمانه به وبكل الأنبياء والرسل- ولا المسيحي ملزم في بلاد الإسلام بصوم رمضان الذي لم يفرض عليه.. وهو ما أوضحته ضمناً في تعليق على تعليق على تدوينة "السادة المفطرون" في رمضان الماضي..

لكن ذلك لا يمنع من المجاملة ، والتهنئة ، والابتسامة.. يقول الرسول (ص) ما معناه "وخالق الناس بخلق حسن"..

3-وعليه..الانتماء الديني لا يلغي الانتماء الوطني ، والانتماء الوطني لا يلغي نظيره الديني.. أمر بسيط يعرفه أناس بسطاء لم يتلقوا حظاً كبيراً من التعليم ، وليسوا من "الموصقَّافين" محترفي اللسان الحنجوري الذين أصبحوا أكثر تطرفاً مما يتخيل أجمحنا خيالاً..

على كل.. تبدو الأمور كالأواني المستطرقة.."المليان يكب ع الفاضي".. إما أن يقتنع أهل الصوب بقانون التعايش الأقدم من صوب هذه الأيام.. أو أن يمل أهل الصوب من هوائها المكيف وأبراجها العاجية..والله أعلم..

Wednesday, April 21, 2010

الآتي بعد : سلمني دقنك شكراً

تنظم الدولة عادةً العلاقات بين الناس بعضهم البعض ، أياً كانت دياناتهم ومعتقداتهم وانتماءاتهم السياسية والفكرية .. لكن عندما تخرج الدولة من الباب يدخل "آخرون" من الشباك..

وضعت الدولة قدماً بعيداً عن أجزاء في المدن ، فرأينا معالم "الصوبة الزجاجية" التي تناولناها سابقاً.. في كل مرة تبتعد فيها الدولة يزداد النفوذ "الديني" داخل تلك المجتمعات أو المدن أو الأحياء ، وتظهر بدائل خدمية لما تقدمه الدولة من خدمات تكاد تكون شبه قاصرة على أبناء الديانة أو المذهب.. إذا كان ذلك ما يحدث في المدن والأحياء القريبة من العاصمة المدللة .. فما بالكم بالصعيد غير السعيد..

لسنوات طويلة جداً عاش الصعيد بعيداً عن اهتمام أي سلطة حاكمة في مصر ، بل إنه يلاحظ حتى في التاريخ المعاصر أن اهتمام الحكومات المركزية على مدى القرن الماضي كله - على سبيل المثال- بدمج الصعيد ذي الطبيعة الديموجرافية والسكانية والاجتماعية الخاصة جداً في ثقافة الدولة وإحلال تلك الأخيرة محل الثقافة القبلية التي تحتكم إلى السلطة العرفية ، ونهج التشدد الديني - إسلامياً ومسيحياً على السواء- الذي تأثر بعدم احتكاك الصعيد بما يكفي بثقافة الدولة ..ولا تسألني طبعاً عن تنمية الصعيد بمشروعات جادة وحقيقية تخفض من معدلات البطالة والفقر المدقع الذي تعيشه معظم إن لم تكن كل محافظاته..

في ظل مناخ كهذا يظهر "حبابينا الحلوين" في الصورة..

يستغل أولئك بعض الأحداث الطائفية لتقديم أنفسهم للفقراء هناك كمجتمع مدني وكناشطين وكمخلصين .. بخطاب إعلامي مدروس بإحكام يؤكد على ضخامة حجم الاضطهاد الذي يعاني منه الأقباط في مصر بشكل عام وفي الصعيد غير الصعيد بوصفهم "أقلية دينية" - وهو وصف يرفضه كثير من المسيحيين والمسلمين على السواء- مضطهدة.. مستشهدين بواقعة هنا أو هناك.. وكل ما يطلبه هؤلاء من البسطاء هناك أن يسلموهم ذقونهم.. على طريقة "سبانخ" في فيلم "الأفوكاتو"..بما أن تلك الجمعيات والمنظمات هي الأقرب للميديا ورجال الأعمال -الذين لا يحبون الاستثمار في الصعيد عادةً- والتي تستطيع إشعال مصر كلها ناراً عند أول حادث أو اشتباك طائفي ، وإن لم يحدث مثل هذا الاشتباك ينفخون في نار آخر.. ولعها ولعها..

ويقدم هؤلاء تجارة شيك بالدين تختلف عن تلك النماذج التي عرضنا لها على مدى السنوات الأربع ، إذ أن العديد من لاعبي الحلبسة المذهبيين كانوا يرفعون الشعارات الدينية بشكل صريح وزاعق.. كما في الحالات السلفية والمستصوفة .. أما هؤلاء الأكثر ثقافةً فيعمدون إلى دسها بين التفاصيل .. مثلاً جمعية من إياهم طالبت بعيد ما حدث في نجع حمادي بعدم الاعتداد بالمجالس العرفية -لحد كدة معقول قوي وفول ستوب- في القضايا الطائفية دون غيرها..كما أذيع في تغطية للخبر على OTV في ذلك الوقت..تيجي إزاي؟

أي.. بعد قصائد التسامح والمساواة والأخوة في الوطن نسمع عن مطالبات بتطبيق مجتزأ للقانون في حالات بعينها على أشخاص بعينهم.. كما لو كان الأذى الذي تسببه المجالس العرفية يفرق بين مسلم ومسيحي ، وكما لو كان الأصل في الأشياء تطبيق القانون في حالات أما الأخرى فـ"يتحرق أصحابها بجاز".. وطبعاً لم نسمع لهؤلاء حساً في المطالبة بوقف الاحتكام للجلسات العرفية في قضايا غير طائفية.. من الصعب على هذه النوعية من البشر أياً كان ما تعتنقه من دين أن تطالب لغيرها بحق ، لكن من السهل أن تدعي أنها تحب الجميع وتتحدث باسمهم..

يتحدثون عن قانون دور العبادة الموحد ، ماشي.. وهو مطلب غير قاصر على تلك الشلة أو أخواتها فقط بل له صدى خارجها.. لكن هل هذا المطلب وحده دون غيره هو الذي سيحل مشاكل التوتر الطائفي ، الذي تعد تلك الشلل نفسها من أهم أسبابه ، بطريقة معالجتها للأحداث وتطئيفها حسب المزاج والمصلحة؟ حلبسة لا تختلف كثيراً عن الحلبسة التي كتبنا عنها هنا ولا زلنا قبل أربع سنوات.. والحلبسة عادة لا دين لها..

ليه اللف والدوران؟ لسبب بسيط.. لأن خطاب هذه الشلل موجه في المقام الأول إلى من هم خارج الصوبة ، مسلمين ومسيحيين ، ليبراليين ومحافظين على السواء.. وكعادتك عندما توجه خطاباً لما هو "آخر" لا يخلُ الأمر من بعض "التزويق" والتجمل .. لكن لديك مشكلة كبيرة : ما دمت توجه خطابك "لنا"..فكيف تتوقع من الآخرين أن يصدقوك إذا كنت تقنعنا بأنك تريد شيئاً بينما تريد على أرض الواقع شيئاً آخر؟ -كما يقول المثل المصري "أسمع كلامك أصدقك أشوف أمورك أستعجب"..

هؤلاء وغيرهم في كل معسكر وعلى كل جناح هم المستفيدون الأول من غياب القانون في أجزاء من مصر ، وغياب التنمية عن أخرى .. وما يجعلني أتفاءل بغد أفضل هو كثير ممن أعرفهم .. مسلمين ومسيحيين ينحازون لمبادئهم .. وللتعايش والشراكة في الوطن بلا حنجوري ولا "شغل حلبسة" .. ويرفضون شلل "سلمني دقنك شكراً" - كانت تلك على دينهم أم لا - ولا ينخدعون بمعسول كلامها وعديد وعودها..فتلك الشلل لا تختلف عن أكثر المتطرفين تطرفاً..

Sunday, March 21, 2010

وبدأ إفساد شيخ الأزهر

قبل العودة مرة أخرى إلى "الآتي بعد".. اسمحوا لي بالتوقف عند موضوع ما ، اسحوا لي بدوركم لي قبل أن أدخل إلى صلبه بملاحظة سريعة عن منصب "شيخ الأزهر" وليس شخص "شيخ الأزهر"..

لفترة طويلة عاش الإسلام بدون وجود جامعة علمية "واضحة" مستقلة تعنى بتدريس العلوم الدينية ، باستثناء المسجد النبوي الذي كان يؤدي ذلك الدور ، قبل ظهور الدور السياسي لـ"العراق" في التاريخ الإسلامي ، وظهور مدارس هنا وهناك .. وقبل ظهور مؤسسات قامت بدور الجامعة كـ"جامع الزيتونة" التي تصنف كأكبر جامعة إسلامية ، ومن بعدها طبعاً الجامع الأزهر.. استفاد الإسلام والعالم الإسلامي بطبيعة الحال من وجود مؤسسات بهذه الضخامة والأهمية ، لكنه لم يخسر -وفي آراء : لم يخسر كثيراً- بغيابها..

قام الأزهر بدور لا ينكره أحد في خدمة الدين الإسلامي واللغة والثقافة العربيتين على مدى ما يزيد على عشرة قرون من الزمان ، ويمكنه -بشروط- أن يلعب دوراً أكبر وأهم هو ومؤسسات أخرى في حماية الاعتدال والوسطية ، وكمؤسسة كبيرة من الطبيعي أن يكون لها قائد وموجه يصوغ سياساتها وطريقة العمل بداخلها وعلاقتها بكل ما يحيطها.. وهو في حالتنا هذه "شيخ الأزهر".. وهو أياً من كان عالم جليل له كل التقدير والاحترام.. لكن..

لكن أن نفاجأ بحملة غريبة للتضخيم من أهمية منصب شيخ الأزهر ، بدأتها الميديا الحكومية على مدى الفترة منذ رحيل شيخ الأزهر قبل أسبوع وحتى ساعة كتابة هذه السطور..كما لو كان الإسلام سيضيع في غيبة الأزهر ، أو في غيبة شيخ الأزهر لأي سبب كان ، ثم حملة للتهليل الهستيري بتعيين شيخ جديد للأزهر كما لو كان الأمر يتعلق بتعيين مدير فني للمنتخب الوطني قبل حقبة "حسن شحاتة" ..فهذه مصيبة بلا مبالغة..

هذا التضخيم والتهليل للكرسي هو أول خطوة يقوم بها أصحاب المصالح هنا وهناك لـ"توجيه" صاحب الكرسي في اتجاه معين ، وبالتالي لإفساده.. تماماً كما يستقبل المدير العام الجديد في أي مصلحة حكومية بقصيدة مدح نفاقية من عينة ما يقدم "ظنانة بيه" - ومن على شاكلته - في قصة "أحمد رجب" "الوزير جاي".. لعبة قديمة جديدة احترفها المنتفعون في كل زمان ومكان في محاولة لاستقطاب كل من يتولى أي منصب..

بل إن تلك الممارسة القميئة تصل إلى قمة فجاجتها عندما نقرأ تصريحاً - إن صح - لأحد شيوخ الطرق الصوفية مستقبلاً الوافد الجديد على مشيخة الأزهر يقول بالحرف الواحد : ووصف بأنه يعد "البابا" لجميع المسلمين وإمام المسلمين أهل السُنة في العالم، الذين يزيد عددهم عن مليار مسلم!

كأننا كلما نتقدم خطوة للأمام نعود ثلاث كيلومترات للخلف..

كأنه هناك من يصر إصراراً لحاجة أو لمصلحة على تجريد الإسلام السني مما قدم من حرية اجتهاد منضبطة ومن عدم التقيد الأعمى بزعامة دينية لا وجود لها في الدين الإسلامي نفسه كتاباً أو سنة .. على من يصور للناس أنهم "تبع شيخ الأزهر" وشيخ الأزهر "تبعنا" وعليه "كل الناس تبعنا".. ألا يتناقض ذلك مع كل ما قالوه وقاله غيرهم عن دور الأزهر وأهميته..

وعندما يكون أي من يتصدى لعمل عام ، أو لمنصب كهذا له احترامه -لا قداسته- منحازاً ، أو يحاول البعض جعله كذلك لفئة ما ، فإنه يكون قد بدأ أول "سكة اللي يروح ما يرجعش".. فهو لا يفترض به أن يعمل لفئة دون الأخرى ، بل يعمل للجميع دون تمييز ، أما أن يحمي مصلحة فئة على حساب الأخرى ، كما تطلب منه تلك الفئة ، أو هذا الحزب ، أو الجماعة ، أو الشلة ، أو الطريقة .. فقل على المنصب ومن يتولاه السلام ورحمة الله وبركاته.. وسترجع السيارة كثيراً إلى الخلف..

Thursday, March 18, 2010

الآتي بعد : صوب زجاجية

نعم.. هناك حساسيات .. منذ زمن بعيد.. وليست وليدة اللحظة..لا يشكك في وجودها منظر لمئذنتي مسجد بجانب برج كنيسة تجاورا من قبيل الصدفة ، ولا مشهد مفتعل لشيخ بجوار قسيس في مؤتمر أو في ندوة أو في مسلسل ، ولا مقالات مدعيي الليبرالية في "روزا" وأخواتها ومزايداتهم وتزيدهم أحياناً.. ولا أي شرح لتاريخ التعايش بين المسلمين والمسيحيين على أرض المحروسة .. ولا أي تذكير بتاريخ التعايش عموماً وبالنماذج الدالة عليه في السيرة النبوية أو في التراث المسيحي أو.. أو..أخدع نفسي وأخدعكم إن لم أقل غير ذلك..

وأخدع نفسي- بالمثل- إن لم أقل أن الحساسيات ستظل قائمة في أي مجتمع به أديان ومذاهب متعددة ، أياً كانت ليبراليته ، وأياً كان تسامحه ، وأياً كان المش عارف إيه .. لسبب بسيط .. وهو أن الله سبحانه وتعالى لم يخلق عبيده "اسطمبة واحدة".. خلقهم متباينين في كل شيء ، في الشكل ، واللون ، وطريقة التفكير ، وفي الاعتقاد ، بل وفي الإيمان به من عدمه .. والأهم أنه خلق لهم كوكباً واحداً يتعايشون عليه فيما بينهم.. وأن يصرف الجميع أموره على هذا الأساس.. لأنه لا توجد أي قدرة لأي مخلوق على أن يطبع الآخرين بطباعه ولو كانوا من لحمه ودمه..فما بالكم بمن ليسوا كذلك..

وما يعزز ما أقول ببساطة هو أنه وبعيداً عن الإكليشيه الرخم عن بحر التسامح الذي نبلبط فيه منذ سنوات طويلة فإن حالنا أفضل من حال كثيرين في هذا العالم ، فنحن على الأقل نعيش في صوب زجاجية تغلفنا بعيداً عن أعين الناس الوحشين الذين ليسوا مثلنا..رغم أننا عندما نخرج من تلك الصوب إلى الشارع إذ نفاجأ بأنفسنا نحتك ليل نهار بأولئك الوحشين!

هذه الصوبة قد تكون عمارة يسكن كل شققها أصحاب نفس الدين أو المذهب دون غيرهم ، أو عدة عمارات ، أو تجمع عمراني محدود تنطبق عليه نفس الشروط ، يكون ممحوراً حول دار العبادة أحياناً كمركز له ، سواء أكان كنيسةً -بالنسبة للمسيحيين- أو مسجداً يتبع فرقة مذهبية معينة كمساجد السلفيين مثلاً.. وحوله تتوافر مكونات "شبه مجتمع" خاص بتلك المجموعة تشكل "بديلاً خدمياً" لما يقدمه المجتمع المحيط و/أو الدولة.. إشي عيادة على صيدلية على سوبر ماركت على ..على .. على ... .

وكأي "تطور طبيعي" لأي شيء بما فيه الحاجة الساقعة لم يقنع أصحاب الفكر "الصوبي" -مسلمين كانوا أم مسيحيين- بهذا البراح الضيق لصوبتهم العزيزة ، فرأينا أمثلة على أن الصوبة من الممكن أن تكون قرية بكاملها ، كما حدث في "أبو حنس".. صوبة يدافع عنها أصحابها بكل الطرق ، ويستغل "البعض" ذلك ويستثمر فيه سياسياً ليكرس للفكر الصوبي تحت ستار حماية الاستنارة والوحدة الوطنية.. حماية الوحدة الوطنية بحبس المسلمين والأقباط كل في صوبته الزجاجية الخاصة به ، وربما بحبس مجموعات من كل مذهب هنا وهناك في صوب مماثلة.. وسلم لي قوي على التعايش!

ولا يشترط أن تكون الصوبة داخل إطار جغرافي محدد .. بل قد تكون الصوبة داخل الإنسان الواحد الذي يتوهم أنه في المجتمع المحيط خطر داهم عليه وعلى هويته .. فيبدأ في صنع صوبته بالبحث عن نمط معيشي وقيمي خاص به يفصله عمن حوله.. من بدأوا بالبحث عن المظهر الخليجي في بلد يختلف مناخه عن خط الخليج كله ، وعن لكنة يدفسها وسط العامية المصرية التي لم تعد تلائمه من وجهة نظره .. وعلى الجانب الآخر يتسابق من يتسابق على الهجرة إلى أمريكا وكندا ، بل ويعد نفسه وأبنائه لهذا الهدف ويسميهم بأسماء أجنبية بعيدة كل البعد عن الأسماء المسيحية المصرية كي تسهل اندماجهم في مجتمعات المهجر.. وفي الحالتين -هذه أو تلك- لا فرق.. العيش في مجتمع آخر داخل المجتمع أو التعامل مع مجتمعك كدار فناء تستعد فيها لدار البقاء!

لن تفلت بأي حالٍ كان من تأثير الصوبة الزجاجية حتى ولو لم تكن تعيش في واحدة.. فالذي يعيش داخل الصوبة يرى أولاً أنه الأفضل وأنه على حق وأن الآخرين أوغاد ، وأنه يجب عليه أن يحمي نفسه ، وأهله ، وحياته ، من أي تأثير محتمل للأوغاد.. وبالتالي تخيل ما سيحدث لو اضطر "الحلوين" للتعامل مع "الوحشين" تحت سقف عمارة واحدة أو في مكتب واحد في العمل أو في قاعة محاضرات في الجامعة .. مسلمون ومسيحيون ، وأحياناً مسلمون ومسلمون ، ومسيحيون ومسيحيون نراهم يستقبلون بعضهم البعض بابتسامة صفراء مضيضة تعكس اضطرار هذا الشخص للتعامل قسراً مع الشخص الآخر .. مع غمغمة في السر قد لا تجاوز الشفتين بعد انصراف الشخص الآخر تلعن السنين السوداء للجيرة الهباب التي جمعته بالشخص المنصرف ، أو المصلحة الهباب التي جعلته يضطر لمزاملته في العمل أو شراء أي شيء أو خدمة تأتي من وجه ذلك الشخص!

أصحاب الصوب المعقمة وسكانها يحبون أنفسهم لدرجة الأنانية ، لدرجة لا يتسع معها هذا العالم لغيرهم .. وعلى ذلك من الغباء الاعتقاد بأن أي احتكاك بين سكان الصوب وسكان الصوب الأخرى أو غير المعتادين على سكنى الصوب بشكل عام ، من الممكن أن يصل إلى مدى أعلى من التوتر .. ومن العصبية .. ومن التطئيف .. ومن العنف.. وسط تناسٍ تام بأن التعايش الحقيقي يمكنه أن يجنب الجميع ويلات صراعات ومشاكل طائفية يعلم الله وحده نهايتها..

ومن الطبيعي أن من لا يدرك أن التعايش "شيء كويس" لا يملك الاستعداد الكافي لهضم قانونه رغم بساطته .. صحيح أن ردود فعله تجاه "الآخر" قد لا تتسم بالعنف لأسباب لها علاقة بطبيعة المجتمع المصري نفسه ، لكن الرئات التي أدمنت هواء الصوب يصعب عليها تقبل الهواء العادي..

وللحديث بإذن الله تعالى بقية..

Thursday, March 11, 2010

أيضاً.. قبل الآتي بعد..

لا يعني غيابي الطويل والقسري عن عالم التدوين أنني قد نسيت "الآتي بعد".. فقط سأؤجل فتح هذا الملف للتدوينة القادمة مباشرةً بإذن الله .. لأن حدثاً واحداً فرض نفسه .. وكان من الصعب أن يمر على كاتب هذه السطور بلا تعليق..

بدايةً البقاء والدوام لله .. وخالص التعازي في وفاة شيخ الأزهر "محمد سيد طنطاوي" الذي توفي أمس الأربعاء.. والذي أكن له كل التقدير والاحترام رغم "شوارع" الخلاف بيني كشخص عادي وبينه كعالم وكرئيس لجهاز بأهمية "الأزهر" .. والذي اتضح أنه ليس خلافي فقط معه بل خلاف كثيرين .. ولهم مبررهم في ذلك .. عكس ما يهيس به بعض مرتزقي قصائد الرثاء في الميديا.. الذين يتعمدون الخلط بين النقد المغموس بالهوى وبين نظيره المحايد والعقلاني .. بين التشكيك وبين الاختلاف على آراء ومواقف ووجهات نظر لا أعتقد أن منصبه الرفيع يبيح له أو للمذكورين الحجر على حق الآخرين في الاختلاف معها..وعليها..

وما يهمني هنا هو التشديد على أن مهمة من سيخلف الشيخ "طنطاوي" ستكون صعبة .. ليس فقط للظروف التي تمر بها المنطقة العربية ،وعودة الهوس المذهبي من جديد ، ولكن لطبيعة وأهمية دور الأزهر التي يجب أن يعيها من يرأس هذا الصرح الكبير..

يخطئ من يعتقد أن "الأزهر" أو غيره هو المرجعية المسلمين السنة في العالم أجمع .. هو يعد من أكبر وأهم الجامعات الإسلامية في العالم لكنه ليس الوحيد ، ولكن ربما كان ذا طبيعة خاصة لما قدمه من خدمات جليلة في مجال نشر الدين واللغة العربية لا يجحده أحد ..ومن يعتقد أن شيخ الأزهر - أياً كان شخصه وأياً كان مقدار علمه- هو "أكبر عمامة سنية" كما قال "عمرو أديب" مثلاً بالأمس.. طبيعة المذهب السني هو أنه لا تكون هناك عمائم .. طبيعة المذهب السني هي الاستقلال .. ألا يكون الدين حكراً على مذهب بعينه أو تصور بعينه .. وبالتالي فإن دور من سيقود المؤسسة الأزهرية في الفترة القادمة سيكون أولاً في تقديم علماء مجتهدين مستنيرين فاهمين ، وفي تحقيق الاستقلال المذهبي والسياسي للمؤسسة الأزهرية كي تستطيع تقديم علماء مجتهدين مستنيرين وآراء فقهية معتدلة بحق وحقيق بعيداً عن تصورات المستصوفين والمتمسلفين ومن يسمون أنفسهم مفكرين إسلاميين..

ولو استطاع أي من التيارين اللذين يخترقان الأزهر فعلاً السيطرة عليه فإن ذلك يعني أولاً فرض أسلوبه وتصوراته على المؤسسة الأزهرية وطلابها ودعاتها ، واستغلال ذلك في مواجهة "منافسيه" على "الزعامة الدينية" وربما للحجر على أي رأي آخر مخالف له ولقناعاته..

بدون الاستقلال المذهبي يستحيل تحقق الاستقلال السياسي ، ويستحيل ألا نرى الأزهر بتاريخه وحضوره ينحاز لأي نظام أو لأي قوة معارضة له ، خاصةً وأن التيارين المذهبيين إياهما يعرضان من حين لآخر خدماتهما على النظام والتيارات المعارضة له .. والتمذهب الجديد يحب السياسة كما يحب الزبيب المهلبية..

عندما نرى قيادة للأزهر تحقق استقلاله ، وتقوده بسلام بعيداً عن حسابات السياسة وصراع المتمسلفين والطرقيين .. ستعود للأزهر قوته ومهابته .. وسيلعب دوراً أكبر في خدمة هذا الدين ..وتفادي الآتي بعد..دمتم بخير..

Friday, January 22, 2010

سؤال.. قبل الآتي بعد

قد يكون من الضروري ، ومن الضروري جداً في هذه الحالة بالذات ، أن أدخل لمناقشة مواضيع وأحداث شديدة الخطورة ، كتلك التي حدثت أوائل هذا الشهر ، من خلال أسئلة قد تبدو شديدة التفاهة ، ولا يلقِ لها أي شخص بالاً خلال الأحوال العادية .. فما بالكم بعد أن تضرب الطوبة المعطوبة وتحدث الكارثة..

السؤال هو : لماذا لم نر أي متحدث في الدين ، سواء من الذين يسمون أنفسهم مفكرين إسلاميين ، أو من شيوخ القنوات أصحاب الصوت المسموع لدى شرائح كبيرة من الناس ومن غيرهم ، أو من خطباء المساجد الأوقافيين ، أو حتى من كبار العلماء أو شيخ الأزهر أو المفتي ، يطلب من الناس برجاء رقيق ألا يسعلوا في وجه بعضهم البعض خاصةً في ظل أنفلونزا الخنازير؟

قبل أن تمسك أي شيء موجود أمام كيبوردك لتضربني به.. اسمعني للآخر..

إذا كان "س" من الناس لا يبالي بإصابة "ص" الراكب معه في الأتوبيس بالأنفلونزا إياها إذا ما "كح" أو عطس في وجهه ، فهل يبالي به عندما يلقي بقمامته أمام باب شقته؟ عندما لا يرد السلام عليه إذا حياه؟ عندما لا يحترم مشاعره في فرح أو حزن؟ عندما يدعسه أو يضربه في الطابور .. أي طابور؟

عندما - ربما- يقتله كذبابة أو صرصور لأتفه سبب؟

إذا كان هذا الـ"س" على هذه الشاكلة مع "ص" الذي على نفس دينه ، فما بالكم به مع "ع" الذي يعتنق رأياً مختلفاً..

أو مذهباً مختلفاً,,

أو ديناً مختلفاً؟

أكن كل الاحترام لمن يتكلم قبل أن تحدث الكارثة ، وقبل أن تحدث كارثة كتلك التي حدثت في "نجع حمادي" والكارثة التي كانت قبلها وقيل أنها كانت السبب فيها ، والبلاوي التي نقرأ عنها ليل نهار.. لهذا كان إمام المسجد القريب من بيتي بعيد النظر لأبعد مدى عندما ألمح ضمناً قبل أشهر إلى أن الخطاب الديني في بلادنا أصبح أنانياً شخصانياً.. لا أكثر.. يركز على جمع الحسنات فقط عن طريق العبادات وعن طريق الذكر فقط -وهذا شيء محمود في ذاته ولا يعترض عليه أحد.. ولكن ما يستحق الاعتراض هو أنه يتجاهل وفي المقابل نصوصاً صريحةً في الكتاب والسنة تعطي أفضليات لمن يميط الأذى عن الطريق ، ويحسن معاملة جاره ولو كان على غير دينه ، ولا يغش ولا يكذب ولا يرتشي ولا يسرق -أياً كان مَن ترتكب في حقه تلك الجرائم - وأن يساعد الغير ما استطاع سبيلاً إلى ذلك -أيضاً أياً كانوا..وأن يكون نافعاً لوسطه المحيط ..

في ظل خطاب كهذا صرنا أكثر أنانية ، والـ"نا" تعود هنا على الكل مسلمين ومسيحيين ، ولا أزعم أن تلك الأنانية لها من يروج لها على الطرف المسيحي كما يحدث لدينا، وفي ظل "الحراك السياسي" صارت المصلحة هي معيار الحكم على حسن وسوء وجمال وقبح وأخلاقية ولا أخلاقية كل شيء ، وكان من الطبيعي أن تتورم "الأنا" وتتهيج على مستوى الأفراد والمجموعات ، "أنا" الفرد و "أنا" الجماعة والمذهب والطريقة والشلة والمجموعة مسلمةً كانت أم مسيحية..

وفي ظل الأنانية المستفحلة يصعب على الأنانيين ألا يكرهوا بعضهم البعض.. أن يبيت كل منهم في كنتونة مستقلة خاصة به ، و"يقفل عليه" .. قد تأخذ شكل شارع أو حارة ، أو قرية , وربما مدينة أو محافظة أو دولة..

في ظل أنانية كهذا توقعوا أي شيء ، سرقة ، بلطجة ، اغتصاب ، وزي ما تقول قول.. ما حدث كان متوقعاً .. لكننا كنا نستعبط .. كما سأوضح في تدوينات قادمة إن شاء الله ..

أترككم مع هذا السؤال .. فكروا فيه وفيما كتبت بهدوء ، ربما أكون قد هولت ، أو هونت .. دمتم بألف خير..
*الملف مهدى لزميليّ "ابن عبد العزيز" و "رامز شرقاوي"..وهذه فقط الحلقة "صفر" أو حلقة المقدمة..