Tuesday, November 20, 2007

مراجعات

1-هناك شعور لدى كاتب هذه السطور أن المراجعات التي قامت بها قيادات في التنظيمات المتطرفة المسلحة خرجت تحت ضغط الواقع أكثر منها قناعات فكرية صرفة..وكان شكل هذه المراجعات ليتغير -تماماً- لو لم يكن "الأمر الواقع" قائماً.. بمعنى..

بمعنى أن هذه الجماعات - مصحوبة بدعم "خارجي" أحياناً-قد دخلت "في وقت ما" في صراع مسلح مع النظام .. دار على جولات أشهرها وأصعبها في ثمانينيات القرن الماضي -السنوات الأولى للحقبة المباركية في السياسة الداخلية المصرية .. وانتهى بالتأكيد لصالح السلطة ، وصار معظم قادة هذه الجماعات في السجون .. بل ويمكن القول بأن قوى هذه الجماعات قد استنفذت تماماً خلال فترة الصراع سالفة البيان..كما أن أي محاولات للعودة إلى الشارع ستصطدم بظروف داخلية وخارجية ليست أبداً في صالحها..فهذه الجماعات خسرت كل الأرضية التي حصلت عليها في الثمانينيات (أوج ممارستها للعنف) لحساب جماعات الإسلام السياسي (الإخوان) ولحساب التيار السلفي..

2-ومع هذا الشعور أشعر أيضاً بأن تلك المراجعات تنطوي على بعض "الجرأة"..وهذا يثير بعض الأسئلة "الوحشة" -بما إن البعض مل من استخدامي لتعبير "الأسئلة الشريرة"!

هؤلاء الناس الذين دخلوا مع الدولة في صدام مسلح وقتلوا الأبرياء وخربوا الممتلكات امتلكوا من الجرأة لمراجعة أفكارهم حتى ولو تمت المراجعات تحت ضغط أو كانت انسحاباً تكتيكياً أو "حركة تموين".. فماذا عن المصنفين كـ"معتدلين"؟

هل هناك جرأة - مثلاً- لدى قيادات التيار الشيعي في مراجعة مفهوم "ولاية الفقيه"؟ أو لدى الصوفيين في مراجعة "الطرقية"؟ ألم يحرك ما قاله مفتي "الجهاد" بخصوص كتب السلف بعض المياه الراكدة لدى السلفيين الأصوليين ، أو لدى السلفيين "الحسانيين" -نسبةً إلى الشيخ محمد حسان ورفاقه؟

تلك الأفكار بالنسبة لهؤلاء من "المعتدلين" لها في مذاهبهم نفس منزلة "الجهاد" لدى تنظيم "الجهاد" ومن على شاكلته.. وقد تهدد تعايشهم مع المجتمع المحيط بهم وقد تسبب لهم عزلة وحصاراً..تماماً كعزلة "الجهاد" التي شعر بها الآن..

المراجعات إذن ضرورة حياة وبقاء بالنسبة للعديد من الشلل الدينية.. وليس للمراجعة من بديل سوى الصدام مع المجتمع أو مع الأنظمة.. صدام حدوثه في توقعي المتواضع "مسألة وقت"..

Monday, November 19, 2007

حكاية مهندس الصوت مع "صورة الإسلام"!

مهو لازم يطلعوا فيه القطط الفطسانه عشان يشوهوا بيه صوره الاسلام هوا ده النظام المفضوح بتاعهم اليومين دول

الكلام قيل في سياق التعليق على مقال نشره "بص و طل" عن "المنشد الديني" وليد أبو زياد..هذا المنشد الذي اكتسب حصانة خاصة للغاية لا لشيء إلا لقربه من تيار مذهبي معين وقناة معينة.. لا أكثر..

يتناول التقرير الذي نشره الموقع سالف الذكر نبذة مختصرة عن حياة "وليد أبو زياد".. وعن تقليعته الغريبة والمستنكرة بوضع مؤثرات صوتية على آيات القرآن الكريم.. والعهدة على التقرير..أما ما أغفله التقرير بالمناسبة فهو أنه صاحب "الرؤية الفنية" لـ"همسات" و "قبسات" قناة الناس والتي تتضمن مؤثراتها الصوتية و"أحلى صدى صوت" بشكل يجعلك تشاهد فيلم رعب لا تستمع لوعظ ديني!

المصيبة عندنا أنه عندما تؤيد شخصاً أو تتعصب له فإنك تنسى تماماً ما يفعل ولا تحاول أن تعرضه على عقلك.. بل ونحاول أن نبحث له عن مبررات بأي طريقة.. فنرى زميلنا العزيز مصطفى فتحي-وله مني كل تقدير- يقول على سبيل المثال:

أعرف المنشد وليد أبو زياد بصفة شخصية، هو شخص ملتزم ومحترم والجميع يشهد له بالتدين، وليد أراد أن يقدم القرآن الكريم بشكل جديد ومختلف ليجذب أكبر عدد من الشباب فقرر أن يجمع بين عمله كمنشد ينشد أناشيد دينية وكقارئ حسن الصوت للقرآن الكريم، لكنه لم يتوقع أبداً ما سيحدث له من مجرد انه استخدم "عقله" و"فكر" وقرر أن "يحاول" أن يقدم "فكرة" مختلفة..

حتى لو سلمنا أنه قد اجتهد فمن الوارد أن المجتهد يخطئ ، إن كان ما يفعله هو اجتهاد أصلاً، وليس تقليعة من التقاليع والافتكاسات التي خرجت بها مدرسته المذهبية علينا من موسيقى إسلامية ، وإنشاد إسلامي ، ورنات إسلامية.. وخلافه!

وللأسف نحن لا نحسن "استخدام عقولنا" إلا بهذه الطريقة وفي هذه المناطق.. ونجد في وسائل إعلامنا من يتحمس تحمساً منقطع النظير لهذه التقاليع ويعتبرها "استخداماً للعقل" و "التكنولوجيا الحديثة" .. وطبعاً "كل" من يعترض فهو متشدد رجعي متخلف عقلياً طبقاً لمعايير الميديا ومن يكتب فيها.. تذكروا ما كتبه العبد لله في "الخطيب الديجيتال" مع بداية "الدين والديناميت" أواسط العام الماضي..

المسخرة أنه - ويمكن استنتاج ذلك من بعض التعليقات على تقرير "بص و طل" -نفر كثير من مشجعي المدرسة المذهبية إياها يؤيد أبا زياد بلا هوادة .. علماً بأن تلك المدرسة تعتبر الموسيقى والغناء "حراماً" و "الموسيقى الإسلامية" أو "الغناء الملتزم" "حلالاً".. ويثنون على محترفي غناء القرآن الكريم من أمثال الشيخ مشاري بن راشد وشركاه .. الغناء العادي حرام وغناء القرآن حلال..شيء مذهل!

المشكلة ليست في شخص "أبي زياد" .. بل فيما يفعله ويفعله آخرون سواء في بروموهات الناس-وغيرها- أو مع القرآن الكريم متحامين في اتجاه يزداد نفوذه يوماً بعد يوم.. ومع ازدياد نفوذه وقوته في الشارع تتولد قابلية تلقائية لكل تصرف يخرج من أي منتمٍ له ولو كان من المنتمين الترانزيت.. ويصبح أي انتقاد يوجه للتصرف ،وللقائم بالتصرف ، هو محاولة لتشويه "صورة الإسلام".. الذي هو أكبر من مجرد منشد أو مهندس صوت.. ومنا جميعاً..

Thursday, November 15, 2007

فزورة جمال البنا

بعيداً عن تحفظاتي الواضحة والمعلنة والثابتة على ما يسمى بلقب "مفكر إسلامي".. رأيت في كلام "جمال البنا" شيئاً يستحق النقاش.. لكونه يشبه "الفزورة" إلى حد كبير..

كتب في جريدة المصري اليوم عدد أمس الأربعاء 14/11/2007:

الشريعة أعظم مما يتصورون، لأنها تتناول علاقة الحاكم بالمحكومين، الرجل بالمرأة، الغني بالفقير، وفي هذه كلها فإنها تندد بالظلم والأثرة وتدعو إلي العدالة والمساواة، وتستهدف إعلاء كرامة الإنسان وأن تكون العزة للمؤمنين،

كلام جميل وكلام معقول ما أقدرش أقول حاجة عنه لحد دلوقت.. لكن لنكمل قراءة ما بعد ذلك:

وكيف تكون لهم وهم جهلاء ضعفاء، مستذلون للأغنياء والأقوياء والحكومات، هنا يظهر دور الشريعة، وأنها هي التي تقوم بالثورة الاجتماعية ـ السياسية ـ الاقتصادية لتحقيق العدالة وكفالة الكرامة

أجد صعوبة في فهم الفقرة السابقة كلها .. في ظل السطر الذي كتبه في فقرة سابقة من المقال:

لا أتردد في القول إن الشريعة اليوم هي العدل والتنمية، وبقدر ما يتحقق العدل سياسيا والعدل اقتصاديا، وبقدر ما تتحقق التنمية التي ترفع مستوي المعيشة، وتكفل لنا الاستقلال الاقتصادي ـ نحقق الشريعة.

وقد يقال أين خصيصة الإسلام التي تميز عدالته وتنمويته؟فأقول إنه ليس من المهم أن يكون هناك خصيصة، لأن الإسلام يريد العدل، وحيثما يكن العدل تكن الشريعة بتعبير ابن القيم، وأينما تكن الكفاية الاقتصادية تكن الشريعة، ومع هذا فإن الإسلام يضفي لمسة أخلاقية ومعنوية تميز العدالة والتنمية الإسلامية.

أذكر بأن العدل سياسياً واقتصادياً كليهما أولويتان لا تختلفان باختلاف الزمان والمكان.. هذا أولاً..

بما أن "جمال البنا" تحدث عن "العدل والتنمية الإسلاميتين".. ويندرج تحت بند العدل وفقاً لما قال سابقاً "العدل السياسي".. هل هناك عدل سياسي إسلامي وعدل سياسي غير إسلامي؟ العدل هو العدل يا سادة..

ثانياً .. هل يجب أن تتلفع كل الإصلاحات السياسية والاقتصادية المنوط بها تحقيق العدل سياسياً واقتصادياً تحت لافتة "الحكم بالشريعة" ، أم أن تحقيق هذا المقصد الهام يمكن أن يتم بدون شعارات وبدون القول بأن "الشريعة" هي محرك الانتفاضات السياسية والاقتصادية؟

قد يبدو كلامي سلسلة من الهرتلة أو التفكير غير المنظم.. لكن كل هذه تساؤلات حول مبادئ عامة طرحها في مقاله أتفق معه فيها ، بغض النظر عن أفكاره وتناقضاتها "فهو الذي يقول أن الدولة في الإسلام مدنية في حين أن الإسلام لم يفترض نموذجاً للدولة من أصله"..ربما لديكم إجابات عن أسئلتي هذه..

ذو صلة: هذا هو رابط مقال جمال البنا في المصري اليوم عدد الأربعاء الرابع عشر من نوفمبر 2007.. أرجو فقط النقاش في الفقرة الخامسة منه لأنها هي التي تهمنا في هذه التدوينة.. وأرشح للقراءة ما كتبه صديقي ابن عبد العزيز منذ أكثر من عام ونصف العام..

Sunday, November 11, 2007

متورطون في فوضى الفتاوى

1-بما أننا طائعون خانعون لسلطان الميديا ، والموضة في ميديا هذه الأيام هو اللون "الفحلوقي التهييجي" .. كان من الطبيعي أن تُحدِث حالة من الهياج على بعض الفتاوى وتحليلها تحليلاً سياسياً دون أدنى احتكام للعقل .. رغم أن تلك الأقلام تصدعنا ليلاً ونهاراً بضرورة تجديد الخطاب الديني وعرض النقل على العقل..الخ!

من أمثلة هذا الهياج ما قيل عن فتوى حرق قش الأرز .. ويمكنكم أن تلمسوا هذا في التعليقات على التقرير سالف الذكر في "إسلام أون لاين دوت نت"..وهي في معظمها تعليقات "رافعة للضغط"..

الأمر يبدو كلعبة "شد الحبل".. علماء المؤسسة الرسمية يريدون شد الشارع لاتجاههم ويريدون فتاوى مسيسة على مزاجهم، والشارع ينتقد هؤلاء العلماء وينتقد - فيما يبدو- تسييس الفتاوى بينما هو يريد فتوى مسيسة طبقاً لقناعاته هو ولقناعات الاتجاهات السياسية أو المذهبية التي يتعاطف معها..بالبلدي .. تتكلم لي في قش الأرز ح أتكلملك في المحاكمات العسكرية.. وسيب وأنا أسيب.. يا حبيبي وأنا سيب..

لا شك أن حرق قش الأرز عمل أحمق .. وألمس أن هناك حوار طرشان في هذا الشأن بين الحكومة وبعض حارقي قش الأرز الذين لن يقتنعوا بأي بديل تقترحه عليهم الحكومة أو مؤسسات المجتمع المدني .. خاصةً وأن تحدي الحكومة من قبل الصغار والكبار صار عملاً "بطوليا" كما تصوره ذهنيات من يفعلونه..

عن نفسي .. أنا من رافضي إعلان الفتاوى "عمال على بطال" على محدثات بغرض تشجيع الناس على فعل شيء أو تنفيرهم من عمل شيء لكونه مدخلاً من مداخل التسييس والمصالح الشخصية والمذهبية .. وربما بدا هذا على الفتوى سالفة الذكر .. ولكن ألن يثور نفس النقاش لو أن خطيب المسجد في القرية نصح الفلاحين في خطبة الجمعة بأسلوب هادئ بعدم حرق قش الأرز لأن فيه مفسدة .. هل كان ليقتنع بكلامه أحد؟

والسؤال الشرير الذي يفرض نفسه .. هل لو كان من أفتى بتلك الفتوى من خارج المؤسسة الدينية الرسمية ، أو من شيوخ الشرائط وقنوات "عاطف عبد الرشيد" كان الأمر ليختلف؟

2-نسأل عادة سؤالاً من اثنين.. لماذا هذه الفتوى صحيحة؟ ولماذا هذه الفتوى خاطئة؟ .. وأعتقد أنه من حقي إضافة سؤال ثالث : ولماذا يسأل من سأل عن تلك الفتوى من عدمه؟

خذوا فتوى فضيلة مفتي الديار المصرية عن ضحايا الهجرة الغير شرعية والذين خلع عنهم وصف الشهادة.. الفتوى يسهل الرد عليها بالإكليشيه القانوني "قصور في التسبيب وفساد في الاستدلال" (والفساد هنا مجرد إكليشيه قانوني ولا يقصد به الإهانة حتى في سياقه).. لكن لماذا سأل مَن سأل عن كون ضحايا هذه الحوادث شهداء أم لا ، ولماذا سأل من سأل عن كون ضحايا العبارة شهداء أم لا (ولا يقلل ذلك من جسامة مأساة العبارة ولا قطار الصعيد الذي نسيناه ونسينا ضحاياه)؟ ولماذا يتبرع بعض العلماء بإعطاء فتاوى من جانبهم في هذه المواقف فيثار السؤال في مواقف مشابهة عنها؟

صحيح أن بعض السائلين هدفهم المعرفة .. لكن هناك سائلون يتمتعون بدرجة عالية من السآلة يسألون عن أشياء من عينة "هل يجوز فتح الحنفية باليد اليسرى أم اليمنى؟"!

3-إذن فعلماء المؤسسة الدينية الرسمية والذين ينتقدون فوضى الفتاوى دون فعل أي شيء للرد عليها ، بل وينافسونها بفتاوى أغرب ، وأصحاب الأسئلة الغبية ، والميديا المسيسة ومن يسيرون خلفها نياماً ، هم شركاء في فوضى الفتاوى بطريقة أو بأخرى.. ما دمت شريكاً في شيء فلا تشكو منه..

Monday, November 5, 2007

خذوا الحكمة .. و"لو" من القاعدة!

أرفض "القاعدة".. وأرفض ممارسات "القاعدة" .. و"القاعدة" التي قامت عليها "القاعدة".. لكن..

لكن لفت نظري شيء بسيط جداً لا أعرف كيف غاب عنا أو تم تغييبه..

"بتوع القاعدة" استخدموا تكنولوجيا الغرب ضده .. أيَّاً كانت الطريقة التي استخدموها - والتي أرفضها - لكنهم على الأقل قاموا بعمل شيء إيجابي ولو من وجهة نظرهم القاصرة..

أما نحن معشر "المعتدلين" .. فماذا فعلنا؟

قاطع .. قاطع .. قاطع .. شيوخ وعلماء أجلاء يفتون بأن المقاطعة "فريضة شرعية" .. وجماعات وطرق وأحزاب تتنافس فيما بينها على عمل حملات مقاطعة في المساجد والفضائيات والصحف ومؤتمرات ومنظمات وجمعيات وملصقات توزع على المصلين خارج المساجد و"تُلْطَع" على مداخل الصيدليات ..وهتافات وطنية ودينية والأمة ومش الأمة..

حل استهلاكي جداً .. يؤكد أننا استهلاكيون حتى النخاع..حل سلبي يعكس عجزنا عن أن نكون شيئاً غير حفنة من المشترين.. ولا أحد - بالله عليكم - يُسْمِعني أرقاماً وإحصائيات عن الخسائر التي منيت بها شركات لمجرد "أننا" تفضلنا بمقاطعتها..

متى فكرنا أن نكون أكثر إيجابية؟ متى فكرنا في إيجاد البديل قبل أن نقاطع؟ متى فكرنا في استخدام تلك التكنولوجيا لمصلحتنا؟ متى فكرنا أن نكون جزءاً من تلك التكنولوجيا لا متفرجين عليها؟ متى فكرنا أن نكون أرقاماً أكبر من الصفر؟

لهذا أثار غضبي بشدة ما قاله الشيخ "محمود المصري" يوم الجمعة الفائت عندما ضرب مثلاً بالقدرة على خدمة الدين بالشاب الذي يعرف الكمبيوتر ويوزع خطب المشايخ على موقعه على النت .. رغم أن خطب شيوخ "الناس" وغيرها يمكن الوصول إليها بكل الطرق خاصةً وأنها تباع - أو توجد على الأقل- فيما يزيد عن ثلاثة أرباع مساجد مصر!

كنت أتصور أنه سيطلب من أهل الاختصاص أن ينتجوا برمجيات بديلة تغنينا عن منتجات "أعداء الأمة" .. الذين صنعوا تكنولوجيا نكتفي باستهلاكها .. واخترعوا محمولاً اكتفينا باختراع رناته!

إذا كانت "القاعدة" حركة متطرفة -وهي كذلك- فلماذا لا يتعلم منها "المعتدلون" الشيء الصواب الوحيد الذي تفعله ويطبقونه بطريقة تتناسب مع "اعتدالهم" كما يطبقه المتطرفون بما يتناسب مع تطرفهم؟

Wednesday, October 31, 2007

مختار وشهروزة .. وياسر نجم والشيخ الغزالي-جزء ثان

عرفت كتاب "السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث" عن طريق الدكتور ياسر نجم.. صاحب مدونة "وسط البلد"..ويتصادف أن يكون من كتاب الصحيفة الإلكترونية لحزب "الوسط" الجديد ذي المرجعية الدينية.. أتفق معه في كثير وأختلف معه في كثير ، ومن ضمن الكثير الذي أختلف فيه معه علاقة الدين بالسياسة ، وفكرة الأحزاب ذات المرجعية الدينية في ذاتها..

عرفت الكتاب عن طريق ياسر الذي عرض للكتاب في منتدى الأهلي دوت كوم.. وأثار جدلاً واسعاً ونقاشاً حامياً سببه الأول والأخير هو المناخ الثقافي الذي نعيشه.. وليس النادي الذي نشجعه (=ياسر وكاتب هذه السطور..

ومن أهم ما "يميز" -لمن لا يزال يرى أنها ميزة- هذا المناخ هو التعصب الفائق لأسماء المشايخ والعلماء خاصةً منهم من يمثل تياراً مذهبياً.. والذي يفوق التعصب الكروي سوءاً بمرات ومرات.. صحيح أن صاحب الكتاب هو الشيخ محمد الغزالي بعلمه وخبرته الطويلة في العمل الدعوي وثقافته الواسعة والاحترام الذي يحظى به من جانب كثير من الناس.. إلا أن عدم انتمائه لـ ، واختلافه مع تيار مذهبي "بعينه" كافٍ جداً لـ"تسكير" الباب - على رأي إخواننا الشوام- في وجه الكتاب ، وعدم التفكير بعقلانية بما فيه ، طبعاً بعد إشباع مؤلفه -الذي هو بين يدي الله سبحانه وتعالى - من كل صنوف الهجوم والسباب..

ما أراه- والله تعالى أعلى وأعلم- أن الرجل وضع يده على الجرح وكأنه تنبأ بما يحدث الآن..علامة اليساوي الكبيرة الموضوعة بين كلمتي "محدث" وكلمة "عالم" وكأنه لا "عالم" إلا "المحدث" فقط.. بل يريد بعض الشيوخ الذين نراهم ونسمعهم على الفضائيات والكاسيت والذين يصنفهم أتباعهم كـ"محدثين" أن يقوموا أيضاً بدور الفقهاء المجتهدين ومستنبطي الأحكام في آن واحد .. وهو نفس الخطأ الفادح الذي يقع فيه من يسمون أنفسهم "مفكرين إسلاميين" الذين يريدون القيام بدور الفقيه والمحدث والعالم والخبير السياسي والاستراتيجي في آن واحد!

كان يرى أن "عمل الفقهاء متمم لعمل المحدثين، وحارس للسنة من أي خلل قد يتسلل اليها عن ذهول أو تساهل".. فالفقهاء وعلماء التفسير أسهموا في رحلة جمع وتدقيق الحديث النبوي في العصور الأولى وتنقيته من الضعيف والموضوع ..وبالتالي من الحيوي أن يعمل الكل معاً كلٌ في تخصصه..

كان يرى أن التدقيق في متون الأحاديث يتطلب فهماً عميقاً وحقيقياً للقرآن الكريم لغةً ونصاً ومعنىً وروحاً.. حتى لا نفاجأ بأقوال نسبها رواة للرسول عليه الصلاة والسلام تتضارب بقوة مع صريح نص القرآن الكريم علماً بأن الرسول لا ينطق عن الهوى ولا يمكن أن يقول بعكس ما أنزل عليه من الذكر الحكيم.. حتى لا نفاجأ بمتنطعين يقولون بالتضارب بين القرآن والسنة.. حتى لا نتخبط أكثر وأكثر كعامة غير متخصصين ونزداد "حَوَلاً" إلى الحَوَل الذي نعاني منه!

هذه كانت الخطوط العريضة للكتاب من وجهة نظري الشخصية المتواضعة وأتفق معها في كثير ، وعلى ضرورة استمرار حركة شرح الحديث الصحيح سنداً ومتناً.. والله تعالى أعلى وأعلم..

Sunday, October 21, 2007

مختار وشهروزة..والشيخ الغزالي وياسر نجم-جزء أول

أكن احتراماً كبيراً لـ"شهروزة" و "مختار العزيزي"..كأشخاص وكمدونين..وأتمنى أن يكون ما حدث مؤخراً بينهما مجرد خلاف عابر في وجهات النظر كالذي يحدث بين أي شخصين في العالم..

للتذكير.. كتبت شهروزة تدوينتين متتاليتين في شأن العديد من الأحاديث التي تراها قد دُسَّت على الرسول الكريم وترى أن الذين يهاجمون الإسلام في الغرب استندوا إليها.. ورد مختار العزيزي بدوره بتدوينتين متتاليتين في نفس الشأن.. ووجدت نفسي بين الاثنين في حيرة كبيرة مثلي مثل كل من قرأ التدوينات الأربع..

ومِنْ ثم.. فالآتي بعد هو مجرد خواطر غير منتظمة على سبيل التفكير بصوت عال..تحرياً للحقيقة قبل أن يكون فض اشتباك بين مدونين أقدرهما وأحترمهما..

1-من المؤكد أن هناك أحاديث صحيحة وأحاديث ضعيفة وأحاديث موضوعة ومدسوسة..أعلم أن التذكير بتلك الحقيقة من نافلة القول.. لكني أراه نقطة انطلاق..

2-الحكم بصحة أو عدم صحة حديث أمر شديد الصعوبة والحساسية ..ولذلك ..

3-بذلت جهود كبيرة في فترة معينة من التاريخ الإسلامي لمعرفة الصحيح من الضعيف من الموضوع.. هذه الجهود قد تحتمل الصواب والخطأ لكن تبقى تلك الجهود قائمة..وإن كان لم يبذل نفس الجهد الكبير في محاولة شرح الحديث النبوي.. وتوقف مثله تماماً مثل تفسير القرآن الكريم عند مرحلة زمنية معينة لم يتخطاها..وكان لذلك في رأيي أثر خطير ومدمر بلا أدنى مبالغة..

4-يرى الغزالي في كتابه الهام والمثير للجدل "السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث" أن القصور الأكبر في عمل رواة الحديث كان في تغافلهم عن القرآن الكريم وعرض تلك الأحاديث عليه.. ربما هذا ما تراه شهروزة أيضاً.. لكني أرى بدوري أن هذا العرض يحتاج لاحترافية في التفسير وتجرد مذهبي قد لا يتوافر لبعض "المفقرين"..

5-افترضت شهروزة أن من يشنون الهجمات في الغرب على الإسلام انطلقوا من تلك الأحاديث.. وأود هنا إضافة تعليقات على تلك الفرضية:

أ-هذا التصرف ليس وليد القرن الماضي ولا القرن السابق عليه وإنما هو ببساطة وليد الحروب الصليبية التي شهدت صراعاً سياسياً وعسكرياً بين الشرق الإسلامي وجنرالات الحملات الصليبية.. وفي سبيل ذلك طبعاً كانت النية مبيتة لدى بعض المرتبطين بالحملات ، ثم من جاء من بعدهم من مستشرقين لتشويه صورة الإسلام في عيون العالم الغربي..

ب-لكني لست مع فكرة أنهم استندوا لتلك الأحاديث - وحدها - فيما فعلوه.. فمنذ ذلك الوقت ومع وجود تلك الأحقاد المرتبطة بصراع عسكري وثقافي وكل شيء في الإسلام يتم استغلاله لضرب الإسلام.. بل إنه من المعروف تاريخياً أنه في العهود الأولى للاستشراق تمت ترجمة وتحريف القرآن الكريم ذاته في أوروبا!

6-هذه الممارسات لا يقوم بها "المستشرقون" وحدهم .. سنجد على الخط بعض المتطرفين من أتباع ديانات أخرى في مواقعهم وبرامجهم التليفزيونية تحكمهم نفس نظرية الصراع الديني والثقافي.. وكذا - عن جهل أو سذاجة أو سوء نية وتعمد- بعض وسائل الإعلام عندنا ، ومنها التي تعشق اللعب على هذا الوتر.. وهنا تكمن الخطورة..فهناك فرق كبير بين أن يكون التشويه موجهاً لآخرين..وأن يكون موجهاً لك!

7-فرضيتان وعدة أسئلة:

أ-في حالة إذا ما كانت الأحاديث التي أشارت إليها الزميلة العزيزة شهروزة مكذوبة ومدسوسة.. لماذا لم يتصدى أحد من العلماء لتنقيحها؟ من الأمور التي أستغربها على سبيل المثال أن أجد حديثاً ضعيفاً وأجد أن عالماً "ما" قد قام "بتصحيحه".. خاصةً وأن هذا العالم لا ينتمي لحقبة زمنية "بعيدة" عن حقبتنا!

ب-في حالة ما إذا كانت تلك الأحاديث صحيحة فلماذا ننساق وراء تفسيرات أطلقها آخرون في مكان آخر من الأرض؟ ولماذا لا يكون التفسير لأنفسنا أولاً قبل أن يكون لفلان أو لعلان؟

8-يستغل "البعض" لدينا وجود أحاديث مغلوطة لضرب كل كل السنة ولعدم الاعتراف بها كليةً كمصدر للتشريع والعبادات وحتى مكارم الأخلاق.. وللبعض من هذا البعض تفاسير ووجهات نظر لا ترقى إلى مصاف الهراء..

9-والأهم-هل الحديث وحده هو الذي يستحق كل هذه العناية؟ هناك كرامات وحواديت وقصص يتم تناقلها في الميديا الرسمية وغير الرسمية وفي الاحتفالات الدينية لكل مذهب على حدة تحتاج للعرض على العقل والنقل معاً .. وكلها أشياء رسخت في ذهنيتنا على أنها "من الدين" وهي ليست منه أصلاً صحَّت أم كانت على خطأ..

أدعوكم عموماً لقراءة ما كتبته شهروزة أولاً ، و ثانياً.. والجزء الأول من رد مختار العزيزي ، وبعده الجزء الثاني لتقفوا على وجهتي النظر..

وأدعو الاثنين شهروزة ومختار لقراءة السطور السابقة..وأشكرهما بالتأكيد على فتح موضوع هام للنقاش بما كتبوه.. ولست بحاجة للتذكير بأن الشتامين يمتنعون.. خاصةً وأن قدراً منها سيكون في انتظارها وانتظاره وانتظاري أيضاً!

في الجزء الثاني إن أراد المولى عز وجل كلام عن زميلي الأهلاوي جداً ياسر نجم وقصته مع كتاب الغزالي الهام والمثير للجدل.. السنة بين أهل الفقه وأهل الحديث.. وهو موجود على الرابط سالف الذكر بصيغة الوورد وتحميله سريع.. اقرأوه ونلتقي بإذن الله..

Friday, October 12, 2007

المتحدث الرسمي!

هل نحن بحاجة إلى من يتحدث باسمنا ، سواء أكان في مشيخة الأزهر ، أو في مكة ، أو في قُم، أيَّاً كانت حيثيته ، كما ينادي بعض المتعصبين لكل تلك الاتجاهات من حين لآخر.. شاكين لطوب الأرض "الحالة الكرب" التي يعيشها مليار مسلم لا يوجد "متحدث رسمي" باسمهم؟

ما قاله شيخ الأزهر في خطبة الجمعة الأخيرة "سابقاً لأن الأخيرة فعلياً كانت اليوم" ، ثم في خطابه في احتفال ليلة القدر هو خير دليل يدعم ردي التقليدي والثابت على هذا السؤال بـ "لا" كبيرة..

لننحِ رأينا الشخصي في الشيخ طنطاوي كرجل دين وكشيخ للأزهر مقارنة بأسماء سبقته كالمشايخ "عبد الحليم محمود" و "محمد عبده" و "محمود شلتوت" و "جاد الحق علي جاد الحق".. لكن هل يمكننا أن نعزل أي شخص يتولى رئاسة مؤسسة دينية أو يُوَلَّى قيادة شلة أو أتباع مذهب عن أي من المتغيرات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية المحيطة به؟

لا يمكن عزل الشيخ طنطاوي عمَّا يحيط به.. بل إننا عندما نجول بأبصارنا في العالم العربي وفي إيران نجد أن هناك من رجال الدين من يتعمد التدخل والمشاركة فقط من أجل مصالح أياً كان نوعيتها ومشروعيتها ويقومون في سبيل ذلك بتسييس الدين.. ونحن ممن انبهر بتلك النماذج بدأنا نصدق في تسييس الدين نفسه ونوشك على اعتبار من ينكر ذلك خارجاً عن الملة!

وعندما يجامل رجل الدين ، أو غير رجل الدين ، مجموعة مذهبية أو شلة سياسية أو دولة أو .. أو .. أو .. توقعوا زلات كبيرة وأخطاء قاتلة ندفع كلنا ثمنها..وطالما أن رجل الدين هذا يفترض لنفسه أنه المتحدث الرسمي باسم المسلمين فإن أي خطأ فادح سيحسب على المليار كلهم بمن فيهم من لا يؤيدون أفكار المتحدث الرسمي!

عدم وجود متحدث رسمي باسم الإسلام ليس سُبَّة ولا نقطة ضعف.. بالعكس .. أراه ميزة تستحق أن نحمد الله العلي القدير عليها.. فالمتحدث الحقيقي باسم الإسلام هو رسوله المحرَّك بوحي العلي القدير وله عصمة لا تتوافر لأي من البشر العاديين..

نقطة الضعف الحقيقية هي أن يفترض البعض لمجموعاتهم وجماعاتهم ومؤسساتهم دوراً أكبر من دورهم "الحقيقي" .. والله المستعان..

وزارة الأوقاف المنبطحة!

سبحان الله..

كان ظهور صلاة التهجد وختم القرآن الكريم مرتبطاً بشكل كبير بالتيار السلفي وجماعات الإسلام السياسي في الوقت الذي كانت فيه أغلب مساجد البلاد تغلق أبوابها بعد التراويح ولا تفتحها إلا على صلاة الفجر.. ثم ارتفع عدد المساجد الأهلية وغير الأهلية التي تقيم صلاة التهجد وتختم القرآن في رمضان وتفتح الباب للاعتكاف.. ورغم أن وزارة الأوقاف قررت "حظر الاعتكاف والتهجد" طوال الشهر الكريم بحسب "المصريون".. إلا أنها ما لبثت أن نفت هذا الكلام وفي صحيفة حكومية رسمية.. بل ..أعلنت في "المصري اليوم" أن إمام المسجد الذي يختم القرآن في رمضان بجزء كامل كل يوم سينال في يده نهاية الشهر خمسمائة جنيه مكافأة!

الغريب أن وزارة الأوقاف "انبطحت" -يعني طلع الانبطاح مش عيب - للتيار الذي كان "ينافسها" على المساجد رغم تشددها في مسائل شكلية من عينة "الآذان الموحد"..والغريب أيضاً أنه ظهرت -الآن - أصوات يقال أن بعضها محسوب على التيار السلفي تنتقد إقامة صلاة التهجد على النحو المتبع حالياً ، وترى أن ركعتين في المنزل يتقبلهما الله أفضل مما يحدث!

والأغرب أن تجربة كاتب السطور تؤكد صحة الجزء الأخير من الفقرة السابقة!

فما حدث في ليلة السابع والعشرين من رمضان في هذا المسجد ، كما في غيره طبعاً ، كانت درساً يحتذى به في أصول الهرج والتهريج.. المسجد تحول إلى ساحة للكلام والأكل والشعيرة تحولت إلى نزهة خلوية.. وليخبط كل من تسول له نفسه قراءة القرآن أو الصلاة في المسجد رأسه في أقرب حائط يقع عليه نظره!

ماشي.. ما دام ذلك كذلك ، وما دامت الأوقاف تعرف ذلك.. لماذا لم تتخذ الوزارة "اللي شايلة سيفها" هذا القرار واكتفت بالانبطاح خوفاً من ردة فعل أنصار التيار السلفي وجماعات الإسلام السياسي؟ والأهم : لماذا تقول هذه الأصوات - الآن - أن صلاة الليل في البيت صارت أولى بعد أن كانت وغيرها تنظر لمن تفوته ركعتان في التهجد أو من لا يصلي التراويح في المسجد "الفلاني" نظرة "مش ولا بد"؟

Monday, October 8, 2007

للفقراء والمساكين

الفقراء والمساكين هم أول مصارف الزكاة والأولى بها كما عرفنا من القرآن الكريم..والمعروف أن زكاة الفطر لها نفس مصارف زكاة المال..

والمعروف أيضاً أن الأصل في زكاة الفطر أن تكون بمقدار صاع من "عموم قوت أهل البلد" سواء أكان حبوباً أو تموراً أو ما إلى ذلك .. غير أن الإمام أبي حنيفة جوَّزَ إخراج قيمة هذا الصاع مالاً .. ووجهة نظره في ذلك هي أن تلك الطريقة هي الأفضل لمصلحة الفقير..وهذا الرأي هو الذي يتبعه أغلبنا في مصر..

ما فعله الإمام أبو حنيفة هو نموذج يحتذى به في الاجتهاد .. عدم المساس بالأصل ومراعاة تغير الأصل في الفرع .. فالرجل أبقى على مصرف الزكاة الذي ورد فيه النص صراحةً ولكنه غيَّر الطريقة لاعتبارات تتصل باختلاف الزمان والمكان..

هناك وجهة نظر طُرِحت في مقال بجريدة الأخبار تستحق منَّا فعلاً أن نفكر فيها بشكل عام..يهمني أن أركز فيه على فقرة واحدة .. أرى أنها تصب في نفس الاتجاه الذي فكر فيه الإمام أبو حنيفة:

وسؤال آخر هل يمكن للمزكي بدل أن يقوم بتوزيع ماله علي عدد من الناس نقدا أن يقيم بهذا المال مشروعا صغيرا أو كبيرا حسب قدرته يكون مملوكا لهؤلاء يعملون فيه وينتجون من خلاله بدلا من أن ينفقوا ما يحصلون عليه في تلبية احتياجات استهلاكية عاجلة؟ إن الفقير والمسكين أحوج ما يكون الي عمل يدر عليه دخلا منتظما يحفظ عليه كرامته وماء وجهه وآدميته من صدقة موسمية سرعان ما تذهب أدراج الرياح فهل يمكن أن تكون الزكاة وسيلة الي ذلك؟

هنا الأموال في طريقها لنفس المصرف المذكور -والمؤكد- بصريح نص القرآن الكريم .. وليس إلى وجهة جديدة قد تكون مصرفاً جديداً مضافاً إلى التسعة أم لا كما في التدوينة السابقة.. ولكن سيتم تصريفها بطريقة أخرى تصب في مصلحة الفقير والمسكين..كما يراها صاحب الاجتهاد..

أكرر : السابق هو وجهة نظر .. تستحق العرض على العقل.. وإن كنت أتفق مع صاحبها وبشدة على ضرورة أن تشرف على جمع الزكاة هيئة مستقلة تراعِ الله في صرف أموال الزكاة في مصارفها الشرعية المذكورة في الآية الكريمة.. ولنا بإذن الله في ذلك كلام..

كل عام أنتم جميعاً بألف خير..

Friday, October 5, 2007

عشوائيات الفتوى : بين مستشفى السرطان وغسل القفا

مع تقديري لحسن ونبل الدوافع وراء مستشفى سرطان الأطفال ..فإنني لست من المغرمين بالطريقة التي تتم الدعاية بها للتبرع له.. خاصة عندما يتم الزَّج بالدين في الموضوع..

مؤخراً وجدنا إلحاحاً شديداً على التبرع للمستشفى من أموال الزكاة..وكأنه لا يمكن التبرع للمستشفى إلا بأموال الزكاة..

هذا يذكرني بمثال بسيط..

من المعروف أن غسل القفا ليس من الوضوء في شيء ، هل أفهم من ذلك أن غسل القفا محرَّم في الإسلام فقط لمجرد أنه ليس من أركان الوضوء؟

لنبقَ مع من سيجيبون بـ"لا"(ويمنعني الأدب عن التعليق على من سيجيبون بـ"نعم")..

إذن غسل القفا أمر عادي جداً وغير محرَّم في ديننا الحنيف ، لكنه ليس من أركان ولا سنن الوضوء..

الشيء نفسه بالنسبة للمستشفى..

بما أن المستشفى وغيره من الأمور المحدثة فمن الطبيعي أن يثار حولها الجدل إن كانت مصرفاً من مصارف الزكاة أم لا..لنفرض جدلاً أنها ليست من مصارف الزكاة.. هل معنى ذلك أنه لا يجوز التبرع للمستشفى إلا من أموال الزكاة؟

يمكن التبرع للمستشفى في أي وقت من أوقات السنة وبأي كيفية ولا يشترط أن يكون التبرع من أموال الزكاة..

هذا الإلحاح الدعائي والإفتائي الفج نراه أيضاً في فتوى "تحريم" الانتظار في الأماكن المقدسة من الحج إلى العمرة..

شيء مستفز ..

إما أن يتم حشر الشيء حشراً بداعٍ وبدون في خانة "الفرائض" أو أن يتم الحكم عليه بـ"التحريم"..وكأنه لا وسط بين هذا وذاك..

أشعر أن هذه الفتاوى ليست إلا مجرد أمثلة على تيار عام وجديد يحتاج لعرضه على العقل من أول وجديد..

سأفترض حسن النية .. وأن تلك الفتاوى ليست "قراراً انفرادياً" (من عينة "قررت أعزمكم على العَشاء" مثلاً) وأنها جاءت بناءً على تساؤلات "حقيقية" وليست "مضروبة" أو "سد خانة"..مَن الذي يسعى وراء تلك النوعية من الفتاوى "حادة الزوايا"؟ هل هم أصحاب المصلحة المباشرة المادية أو الدعائية أو الفكرية من ورائها الذين يبحثون عن ثقتنا؟ أم نحن الذين نبحث بـ"منكاش" عن تلك النوعية من الفتاوى لأسباب تتعلق براحة الضمير أو تصادف هوىً لدينا؟

هل لديكم إجابة؟

Sunday, September 30, 2007

"لله"؟

لله.. لله يا محسنين لله..

يقولها متسول يوشك على التخبيط على ظهرك أو يشد ثيابك.. أو آخر يصرخ في مدخل منزلك أو في ساحة المسجد بعد الصلاة .. وتقرأها ضمناً في حملة تبرع لجمعية ما أو لمستشفى ما أو لمشروع ما من صورة طفل ما مكتئب حزين "تقطع القلب"..(وربما استفاد المتسولون التقليديون من الحملات في الرقي بأسلوب الشحاتة والخروج به من حيز التقليدية إلى الحداثة.. شحاتة حداثية يعني)!

كلهم يقولون "لله" بطريقة أو بأخرى..

فالشحاذون -التقليديون-يستغلون طباعنا العاطفية وحساسيتنا الدينية أولاً ، وطبيعة رمضان كشهر للإحسان والخير ، وطبيعة الصدقة (التي لا تعلم فيها شمالك ما تعطي يمينك.. بعكس الزكاة التي لها مصارفها الشرعية)، ويبدأون "عملهم" أو "لا عملهم"..يستغلون نقطة صغيرة في موروثنا الثفافي أنه كل "فقير" "شحات"..وعليه فإن باب الإحسان المفتوح هو إعطاء من يسألون الناس إلحافاً في الشوارع وفي غير الشوارع.. فعندما تعطيهم - من وجهة نظرهم- فأنت تعطي وتتصدق "لله".. ولا مانع من أن يمطرك الشحات بسيل من الدعوات -المدفوعة الأجر- إن أعجبه المبلغ (وإن لم يعجبه المبلغ فسينتظر إلى أن تختفي عن ناظريه ، ثم يمطرك بسيل من الدعوات .. في اتجاه آخر طبعاً).. ولا يختلف الأمر كثيراً بالنسبة لتسول الحملات المتلفزة!

هل التسول في مجتمعاتنا حالة توجد في أي مجتمع أم هو عندنا خصوصية وثقافة ربما؟..لماذا يُقحم الدين في التسول إقحاماً ؟ولماذا لم نرَ "مفكراً" أو "أكاديميا" أو "شيخاً" من الذين يرون أن لديهم حلاً لجميع مشكلات هذا الكون يستوقفه ذلك الإقحام الوغد في التسول بكل صوره في الشوارع وفي الحملات التليفزيونية وفي غيرها؟

أم أن الأمر لم يعد - كأشياء كثيرة- يهم أحداً؟

مجرد تساؤل شرير..

Friday, September 21, 2007

انزل..انزل!

عندما يذهب الناس إلى حفل غنائي ، فإنهم ينتظرون من المطرب ما تعودوا منه عليه.. فإن لم يقدم المعتاد واجهوه بالعناد وطالبوه بالنزول!

وللأسف .. يبدو أن صلاة التراويح بدأت تُفْهَم من البعض بنفس الطريقة!

خبر "مسخرة" نشرته المصريون نقلاً عن الخليج الإماراتية .. مفاده أن المصلين بمسجدٍ ما في منطقة عسير بالسعودية قرروا إبعاد إمام أمَّ العشاء والتراويح في المسجد بسبب "تعلثمه في الدعاء" و "لحنه في القول"..

أسباب ظاهرية طبعاً .. أمَّا السبب الحقيقي فهو أن الرجل أمَّ صلاتي العشاء والتراويح بدون قنوت..

والقنوت صار لدينا إدماناً..

فكما في مثال المطرب .. تعود الناس على الإمام يدعو دعاءَ القنوت بكل الزيادات وبشكل مُغَنىً (وتجد منهم من يمتعض من الإمام الذي لا يغني القنوت).. ويا سلام لو كان الأداء الغنائي للقنوت دراماتيكياً يستدر الدموع والنهنهات ..أنا شخصياً أسمع أن العديد من الناس يقومون بـ"التنشين" على المسجد الذي به إمام يجيد هذه التصرفات..وهناك طبعاً من "يستنهز الفرصة" ويعبئ القنوت ودعاء ختم القرآن في شرائط!

وكأننا لا سمح الله لا نتحدث عن صلاة أو عبادة!

صححوني إن أخطأت : جهرية القنوت مسألة فقهية جدلية ، هناك مذاهب فقهية تفضل الجهر بالقنوت في صلاة الفجر وليس في الوتر ،وهناك من يرى العكس.. وعليه فإن عدم الجهر بالقنوت في وتر صلاة التراويح ليس بجريمة..

يبدو أن المصلين في الخبر استفزوا الإمام إلى أن "جابوا آخره".. فكانت النتيجة الطبيعية أن دعا عليهم.. أنا شخصياً ألتمس له كل العذر.. فحتى لو "خَدهم على جنب" وحاول شرح وجهة نظره فلن يجدي ذلك معهم نفعاً..

فعلاً..ما أشبه اليوم..بالبارحة!

وشر البلية ما يضحك .. وأكثرها شراً ما يجعلك تضحك أكثر .. وأكثر .. وأكثر!

Tuesday, September 18, 2007

لماذا توقفت حركة تفسير القرآن الكريم؟

نحن في شهر القرآن الكريم.. وهذه فرصة لنفكر معاً في موضوع مرتبط بالقرآن الكريم وسيظل مرتبطاً به إلى قيام الساعة....

أعني هنا تفسير الذكر الحكيم.. فحاجة المسلمين لفهم كتاب الله ومعرفة أحكامه قائمة مادام الإسلام قائماً .. ومن هنا ظهرت محاولات لتفسير القرآن الكريم منذ فجر الدين الحنيف ارتبطت بعدد من كبار الصحابة منهم عبد الله بن العباس بن عبد المطلب (والذي عُرِفَ بترجمان القرآن) وآخرون..

ومع الوقت أصبح التفسير علماً وله مدارس واتجاهات ، وظهرت تفاسير كثيرة ما نعرفه منها أقل بكثير مما لا نعرفه ، من أشهرها القرطبي وابن كثير والطبري وغيرها..كلها عكست ما بذلوه من جهد لم ينشأ من فراغ وإنما جاء تكملة لعمل من سبقوهم ..

وبما أن القرآن الكريم كتاب لكل زمان ومكان ، وبما أن فهم القرآن الكريم يتغير من عصر لآخر (فالتفسير لدى القرطبي مختلف عما كان قبله وعما كان بعده)، ومن شخص لآخر في نفس الفترة الزمنية (بدليل اختلاف طرق ومدارس التفسير).. كان مفترضاً بتلك الحركة أن تستمر إلى اليوم لأن الحاجة إلى فهم القرآن الكريم لم تتوقف على الفترة التي كتبت فيها أشهر كتب التفاسير..

إلا أنها دخلت مرحلة من التباطؤ توشك فيها على التوقف..

فبالرغم من أن هناك كثيرين يُرَوَّج لكفاءتهم العلمية وعلى أنهم علماء الأمة الذين يستطيعون الكلام في كل اختصاص ولهم شرائط وبرامج تملأ كل فراغ إلا أننا لم نسمع عن نية أي منهم لكتابة تفسير للقرآن الكريم!

هل هو "الاكتفاء بهذا القدر" كما نراه في التراث المذهبي ، خاصةً السلفي منه (فما دام كل شيء موجود في الكتب القديمة والمجلدات الضخمة فلماذا الحاجة للتفسير ، خاصةً وإن احنا مش بنفهم أحسن من اللي كتبوا تلك التفاسير-هكذا قد يقولون)؟

ويبدو أن هذا "الاكتفاء" ليس فقط لدى هذا السيل الهادر من الشيوخ والمتحدثين ، بل لدينا أيضاً..

فرغم احتياجنا جميعاً للتفسير أكثر من أي وقت مضى .. إلا أن هناك "مخاوف مشروعة" لدى عامة الناس - وكاتب هذه السطور قطعاً منهم- من "التنويرجية" الذين يقيسون مقدار "استنارتهم" بالعداء للنص ، ومن يدعون تجديد الخطاب الديني بالبحث في الكتب القديمة دون أي تشغيل للجمجمة ، ومن لا يتوفر لديهم الحياء اللازم الذي يمنعهم من تفسير الآيات القرآنية حسب المصالح السياسية والمذهبية.. وطبعاً من الأدعياء (كما يحدث باستمرار في الفتاوى)..ووسط هذا العين كاف فإن أي محاولات جادة لتفاسير مبسطة مهددة بالانزواء دون أن يستفيد منها عامة المسلمون..

ولذلك تستشعر أن هناك رغبة مشتركة بين الجميع في البقاء "محلك سر"..وهذه هي المشكلة..أنا أراها كذلك.. كيف ترونها؟

Friday, September 7, 2007

حكاية الخطباء مع الست بُلْبُلَة

صححوني إن أخطأت: كانت تعليمات الأوقاف لخطباء الجمعة اليوم تتمحور حول تخصيص الخطبة أو جزء منها لتناول "الشائعات".. طبعاً على ذكر الشائعات التي تخص صحة الرئيس..خطبة شيخ الأزهر اليوم في الزقازيق والتي نقلتها الإذاعة والتليفزيون -وأحمد الله أنني لم أستمع إليها بالكامل -كانت تدور حول هذا المحور..

لماذا تحمس الخطباء وتتحمس الأوقاف لهذا الموضوع في هذا التوقيت أو عندما تصدر شائعة ثقيلة الدم وكأن الشائعات وإثارة البلبلة قاصرة على شخص واحد واتجاه واحد ونوعية محددة من المواضيع ، كما لو كانت الأمور "عال العال" ، وكما لو كنا نعيش في مجتمع بلا شائعات ، وكما لو أن "الست بُلْبُلَة" -التسمية التي أحب أن أطلقها على إكليشيه البلبلة-"عايشة في حالها" دون أن يثيرها أي أحد؟

في الوقت الذي تتعمد فيه صحف الحوادث التركيز على جرائم الجنس والخيانة الزوجية والشذوذ .. لا تجد خطيباً يتحدث في الموضوع..

في الوقت الذي تنشر فيه إحصائيات وبحوث واستطلاعات رأي مضروبة ومزيفة ومصنوعة بطريقة يفوح منها الجهل والتخلف .. لا تجد خطيباً يتحدث في الموضوع..

في الوقت الذي يقول فيه شخص ما أنه رأى الرسول الكريم في صلاة الفجر وأنه -الرسول عليه الصلاة والسلام- أمَّ الناس في تلك الصلاة .. في الوقت الذي تصدر فيه الفتاوى المتناقضة التي تشتت الناس في دينهم ودنياهم .. لا تجد أي خطيب يتحدث في الموضوع..ففي كل هذه الحالات لا تثار أدنى بلبلة على الإطلاق.. وإن رأى أحدكم الناس وقد ارتبكت ، بل وإن رأى "الست بُلبُلة" شخصياً تمشي في الشارع منكوشة الشعر وتنبح وتطارد المارة فاعلم أن هذه "تهيسؤات" يجب عليك فوراً الذهاب إلى أقرب طبيب نفسي لعلاجها!

صار الخطيب ، أي خطيب ، ينتظر التعليمات ، سواء أكان خطيباً أوقافياً ، أو كان منتمياً لمذهب معين أو جماعة معينة .. وإن تصرفت بدون انتظار التعليمات فأنت من العيال الوحشين وسيكون مصيرك الحبس في "أوضة الفيران" بعد أن تُخْلَعَ عليك قائمة من الاتهامات تبدأ من عدم سماع الكلام وتنتهي إلى الكلام في السياسة..

وإن سألت أي من هؤلاء الخطباء سيحدثك طبعاً عن دور الأوقاف ودور المنبر ودور مؤسسة المسجد .. لا يا "شيخ"!

هذه التصرفات ستفقد الناس ما تبقى من ثقة في المنبر ومؤسسة المسجد وتشعرهم أنهم إما أمام موظفين في انتظار صفارة الحكم ، أو أمام شيوخ شرائط يتحدثون في التوقيت المعين في موضوع معين كي يصنع الحدث ونجد الشريط على مداخل مساجد مصر كلها.. هذه التصرفات ستشعر الناس أن المنبر معزول كل العزلة عن حياتهم وواقع أمرهم..

هذه التصرفات تحتاج إلى تفكير ، وعقلنة ، ومواجهة ، وإصلاح ، وليس إلى طناش واستعباط وتبرير..

Thursday, September 6, 2007

أحسن .. "دين"؟

صباح التهييس..

التهييس ثقافة .. التهييس طريقة تفكير .. يستطيع أن يتقنه كل الناس .. المتعلم والجاهل .. الصغير والكبير .. الأمير والخفير .. طالما أن هناك من لديه قابلية لتصديقه!

على أكثر من منتدى وجدت هذا الموضوع..آل إيه : قناة فرنسية قررت عمل استفتاء على "أحسن دين".. والمطلوب طبقاً للموضوع طبعاً أن نصوت "نصرةً للإسلام"!

تهييسة من العيار الجامبو..

أولاً .. الموضوع هو استبيان بغرض الدراسة لا أكثر ولا أقل .. ولم أرَ في الصفحة الفرنسية على الأقل ما له علاقة بـ "أفضل دين" أو حتى "أسوأ دين"..كما أنه يتضمن بعض الأسئلة التي تبدو غريبة وبلهاء .. إما لأنها لأغراض بحثية صرفة .. وإما بسبب علاقة الغرب بالدين- أي دين - من حيث هو..

ثانياً.. بفرض أنني وغيري من الجهلة بلغة الفرنسيس ، وأن ما قاله أصحاب الرسالة التي تم تناقلها بين عشرات المنتديات (انقل أول سطر من الرسالة في المنتدى الخليجي سالف الذكر وابحث عنه في جوجل) صحيح.. هل استفتاء بحثي صرف كهذا يعتبر بمثابة كأس العالم للأديان؟

كل معتنق لدين يرى أن دينه هو الأفضل.. سواء أكان مسلماً أو مسيحياً أو يهودياً أو بوذياً..وعليه فإن الإسلام بالنسبة لي كمسلم هو الأفضل ، وسيبقى شامخاً عالياً حتى ولو تذيل قائمة نتائج الاستفتاء (كما يراه من يعتقد أنه على أفضل دين) ، وحتى لو لم يبقَ على ظهر الأرض سوى مسلم واحد.. ولا أعتقد أنه من سبل نصرة الإسلام في شيء التكالب على التصويت في استفتاء بحثي صرف كهذا ، أو استغلال عدم دراية شرائح كبيرة من الناس باللغات الأجنبية وافتكاس الرسائل والعبارات التي توحي للكل بأن الإسلام على المحك ويدخل في منافسة تشبه المنافسات الكروية مع الأديان الأخرى ، أو التلاعب بالآيات القرآنية والأحاديث للترويج لشعارات مذهبية تجعل من المتلاعبين حماةً لهذا الدين..لم أسمع من قبل أن شُغْل الحلبسة ينصر ديناً..

Thursday, August 30, 2007

قبل أن تشتم.. فكر قليلاً

طبقاً لمعايير السادة الذين لا يزالون يستعرضون مهاراتهم في الشتم في موضوع مر عليه عام ، ولمعايير المتمذهبين الذين يتمتعون بحرية حركة غير عادية في أماكن مختلفة من العالم الإسلامي ، وبما أن أولئك وهؤلاء يختزلون الدين في مذاهبهم وتفاسيرهم .. فإن الإسلام يعيش أزهى عصوره .. لكننا كلنا - بعيداً عن الاستعباط أعزكم الله - نعرف أن هذه الفرضية أبعد ما تكون عن الحقيقة..

هناك سؤال يسأله رجل الشارع العادي الذي لا يعرف مشايخ الشرائط ولا شيوخ الطرق ولا الملالي ولا أسماء المذاهب ، هذا السؤال أتركه لمحترفي "الزعيق" والشعارات :

في الوقت الذي توجد فيه آلاف الشرائط "الإسلامية" ، وعشرات المطبوعات "الإسلامية" ، وعشرات الفضائيات "الإسلامية" ، ومئات من الشيوخ المتحدثين في الفضائيات والشرائط ولهم مريدون يصلون في بعض الأحيان في تصرفاتهم إلى مصاف الـ"هووليجانز" لا يفترضون أن مشايخهم يخطئون ويصيبون مثل عامة البشر، يصطف الألوف وراءهم في الدروس والخطب ، ويصطف نفس الألوف وربما آخرون خلف مطربي ختم القرآن في ليل رمضان.. ومع ذلك ترى السلوك والأخلاقيات في أحط مستوياتها.. حتى في قلب شهر الصيام الذي نحن مقبلون عليه بعد أقل من نصف الشهر؟

حاولت أن أسأل هذا السؤال لنفسي أولاً ..

لا أريد أن أسمع تبريرات غبية كالتي نسمعها كل يوم لكل شيء ، من عينة عصر الإنترنت وقنوات الأغاني الهابطة والمؤامرة على الإسلام والحكام العرب والحكام الأفارقة والعمل السفلي وإنسان الغاب طويل الناب!

السبب الحقيقي كما أراه أن السلوك مثل العقل .. خارج اللعبة!

الجانب الأخلاقي والسلوكي الذي بُعِث خير البشر لإتمامه غائب كل الغياب عن الشرائط والمواعظ والجلسات والخطب..وإن وجد ففي مظاهر محدودة وضيقة للغاية.. بلا سبب!

هناك آيات بعينها لم أسمع خطبة كاملة في حياتي في أي مكان ذهبت إليه بما فيه مساجد مشايخ الشرائط تتناولها ، من بينها "إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى" ، "إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها"..والشيء نفسه ينطبق على أحاديث نبوية كثيرة .. معظم الخطب في المقابل إما أنها تتناول فقه العبادات ، أو المسائل الأخروية ، أو التاريخ..وللتاريخ من يرددونه ويطيلون الخطب فيه (لزوم الشرايط طبعاً) دون ترك عظة واضحة أو عبرة تنفع السامع.. كما سأتناول قريباً في تدوينة مستقلة إن شاء الله تعالى..

ومن الخطب إلى الشرائط إلى القنوات وحتى مواقع النت ، مثل هذا الموقع على سبيل المثال.. لا اختلاف يذكر بكل أسف..

ثلث الدين مغيب بالكامل بجوانبه السلوكية، بمكارم الأخلاق التي بعث الرسول الكريم لإتمامها، وإن حضر الثلث المعطل ففي محاضرات شديدة السطحية و"قعدات مصاطب" على الفضائيات لا يخرج متابعها بنتيجة تُذْكر.. حننهب؟!

النتيجة محلك سر ، دوران في المكان ، مثل القطة التي تحاول لعق ذيلها وهي تدور حول نفسها.. رشوة وسرقة واحتيال ونصب وكل ما تتخيله ولا تتخيله في وجود كل هذا الخضم مما يتباهى به السادة الشتَّامون.. حتى الموت لم يعد يعظ..

ما سبق كان مجرد استنتاج.. يحتمل الخطأ والصواب .. وطلبي إلى أي شتام أن يبحث عن إجابة لهذا السؤال لرجل الشارع ولي قبله.. ويكون قد كسب فينا ثواباً!

Friday, August 10, 2007

بمناسبة حجازي .. أسئلة شريرة

بعد محاولات وأكثر من سيناريو لكتابة هذه السطور ، اخترت اختزال ما أريد قوله في أسئلة شريرة خبيثة ثقيلة الدم قررت تركها لكم للتفكير فيها..

1-ماذا سيستفيد الإسلام بأناس دخلوه إما لـ"تخليص مصلحة" أو لتحقيق مكاسب شخصية وهو لا يؤمن به أساساً؟

2-أليس من العبثي أن يدعو مواطنون يدينون بدين ما مواطنين آخرين من نفس البلد معتنقين لدين آخر لدينهم؟ .. والكلام هنا على سبيل التعميم المطلق..

3-هل من مصلحة المسلمين التي يتشدق بها المروجون للتمذهب أن يعيشوا في مجتمع مستقر متعايش ، أم في مجتمع تسوده وتحركه العصبيات الطائفية والدينية والمذهبية؟ أم أن مصلحة المسلمين في وجهة نظر البهوات هي أضرحة وشرائط وخطباء ومظاهرات والسلام عليكم؟

لنبحث معاً عن إجابات.. ربما نجدها!

Monday, July 30, 2007

ما ينفعش!

قبل الكلام:أتمنى من الزميل نهضة مصر أن يأخذ ردي على تدوينته بروح رياضية وأن يتقبل خلاف شخص مستقل رافض لكل أفكار التيارات الدينية السياسية والمذهبية وحتى الأتاتوركية بصدر أكثر رحابة .. بما أنني لم ألاحظ فروقاً كبرى في التعامل مع "الرأي الآخر" بين المتشددين على أقصى طرفي المسطرة الدينية- العالمانية!

مقدمة: يبدو أنه يوجد-بكل أسف- أشياء تساند ادعاء الغرب بأن الشرق أكثر تطرفاً في كل شيء ، رغم علمنا وإيمانناالعقلي بعدم صحة هذا الادعاء ..الشيوعي المصري أو العربي أكثر تشدداً في شيوعيته من الشيوعي السوفييتي ، ولدينا في كل اتجاه سياسي وفكري ومذهب ديني من هم أكثر ملكية بكثير من الملك وأسرته.. وكأننا قد نحتاج لقرون لندرك أن الاعتدال فضيلة وسطى بين رذيلتين..

حتى العالمانية لم تفلت من هذا التأثير الشرقي الخالص!

قرر مصطفى كمال أتاتورك ، ذات يوم ، أن يطبق "العالمانية" على طريقته الخاصة ، في إطار سعيه لجعل بلده عضواً في نادي أعضاء القارة العجوز ، مقرراً فيما يبدو تعليم الأوروبيين العالمانية على أصولها!

تبدو عالمانية تركيا ، النموذج الذي يراه البعض هو الأنسب والذي لا قبله ولا بعده ، من الخارج براقة ، مواطنة وعدم تفرقة على أساس الدين ، لكن من الداخل يصدق فيها قول مصري دارج شهير ومعروف ، فبينما عالمانية أوروبية مبنية على "فصل عاقل" بين الدين والسياسة ، نجد عالمانية تركيا عصا غليظة تفصل الدين عن السياسة برعاية "البيج براذر" -مع الاعتذار للصديق مختار العزيزي - وهو في حالتنا الجيش الذي "يلعب في" السياسة بشكل يفوق ما يحدث في بعض بلدان أفريقيا سوءاً..

في أوروبا نجد بجانب هذا الفصل بين الدين والسياسة حرية حقيقية لأتباع كل دين بممارسة شعائر دينهم دون تمييز بين أتباع كل دين على أساس ما يؤمن به ، في تركيا نجد محاولة لـ"خلع" الدين من حياة الناس العاديين على طريقة خلع الضرس في فيلم علي الكسار الشهير "سلفني تلاتة جنيه" (طريقة تجعلك تكره خلع الأسنان وطبيب الأسنان والأسنان نفسها)..

وينتظر البعض من مؤيدي هذا النموذج ومتعصبيه بفارغ الصبر انضمام تركيا رسمياً للإي-يو.. حتى يضعون أصابعهم في عيون كل معارضيهم مدللين على تقدم ونجاح هذا النظام العجيب..

بداية .. لن يؤهل هذا النظام العجيب تركيا للانضمام للاتحاد الأوروبي ، وإن انضمت فلن تكون عضواً مرحباً به في داخل الأسرة الأوروبية ، ليس لأن الأتراك مسلمون كما يحلو للبعض الزعم ، ولكن لأن الفوارق كبيرة بين تركيا والعالم الذي تريد الانضمام إليه..

فناهيك عن العالمانية التركية العجيبة ، البعيدة عن مثيلتها في القارة العجوز وخارجها ، سيجد الأوروبيون صعوبة في هضم دولة يتدخل فيها الجيش في السياسة ، ولا تحمل مشاعر ودية لأقليات تعيش داخل حدودها كبشر من الدرجة الثانية ، لتدفع بعض دول أوروبا ثمن العلاقة السيئة بين تركيا وأقلياتها في صورة عمليات إرهابية وتفجيرات ، حتى الاقتصاد التركي الذي يقول الزميل نهضة مصر أنه تقدم مسنود في الواقع بثروات طبيعية وبالسياحة التي كونت جزءاً كبيراً منها التأثيرات الحضارية السابقة التي انقلبت عليها الأتاتوركية ، وسيعني انضمام تركيا للاتحاد الأوروبي مزيداً من العاطلين يتوزعون على "الفرع الغني" في العائلة الأوروبية ليجدوا عصابات النازي الجديد في ألمانيا وأشباههم في انتظارهم!

يجد هذا النموذج هوىً وعشقاً لدى البعض في تحليلي المتواضع لكونهم يتغنون كثيراً بالديمقراطية واحترام خيارات البشر في الوقت الذي يؤمنون به بأن الحل دائماً لابد أن يأتي من "الأخ الأكبر" ، وبأن الإصلاح لابد أن يكون بـ"العافية" بما أننا ننتمي لشريحة "ما بتجيش بالذوق" من الجنس البشري.. منطقان يتناقضان مع بعضهما أشد التناقض!

من السخف التفكير في أن يتدخل الأخ الأكبر بالتشريع وبقوة القانون لفصل الدين عن حياة الناس ، لأنه من الصعب أن تفصل حياة أي إنسان عادي عن الدين ، فحتى في أكثر دول أوروبا وفي الولايات المتحدة وفي اليابان يصعب إلغاء تأثير الكنيسة والمعبد والمسجد على كافة أنشطة الحياة اليومية للمجتمع رغم أن هذه الأماكن لا تلعب نفس الدور الذي كانت الكنيسة تلعبه في أوروبا في القرون الوسطى، ومن السخف المركز أن يعالج التديين المفرط الذي تفرضه جماعات وتيارات ومذاهب بنزع الدين -تماماً- من كل شيء.. ما ينفعش يا عزيزي.. حتى ولو نجح ذلك في تركيا لعقود فإن مصيره إلى الفشل وإلى ردة فعل عنيفة في الاتجاه المعاكس..

الزميل نهضة مصر يرى ، وهذا رأيه وأحترمه ، أن مصر تحتاج لأتاتورك .. وأنا لا أرى ذلك بالمرة ، فوجود نظام أتاتوركي يساوي وجود نظام ملالي .. أمر يعني لبلد مثل مصر مصيبة سوداء.. قد نحتاج لتفكير "متعقل" لنفهم أبعادها..

يبقى الاعتدال فضيلة تتوسط رذيلتين .. كما قال صديق لي..

Sunday, July 8, 2007

سلمان رشدي : هل عملنا للـ(.....)قيمة؟

من أول ما درسته في الكلية ما يعرف بالـopportunity cost..تكلفة الفرصة الضائعة أو أقرب بديل كما يحلو للبعض الوصف.. هذا المصطلح الاقتصادي له خارج الاقتصاد معنى كبير ، فهو يجعلك تستشعر حقيقة فداحة أخطائك في اختياراتك وقراراتك!

قفز هذا المصطلح فجأة عندما رأينا بريطانيا تكرم المدعو سلمان رشدي صاحب "الآيات الشيطانية".. وكم أنه تحول إلى بطل في أوروبا بل وأحياناً في بلادنا بسبب فتوى لآية الله الخميني أهدر فيها دمه..بل ومكافأة تسيل أي لعاب لمن يحش رأسه!

كان أقرب بديل أن يتم تقزيم سلمان رشدي ، ساعتها لن يبرح حجمه الطبيعي ، وسيبقى مثله مثل أقزام كثر اعتادوا البحث عن بيزنس شخصي في العالم الغربي وعن شهرة زائفة..

لكن كان للنظام الطهراني وملاليه رأي آخر .. فقد كانوا يسعون لتقديم نموذجهم الذي ظل ملهماً لجماعات متطرفة كثيرة (حتى ولو اختلفت أيديولوجياً معها) كأنه النموذج الإسلامي الأوحد للدولة و "الجمهورية الإسلامية" ، من هنا رأى هؤلاء استثمار رواية تافهة كتلك لإظهار أنهم الأكثر حرصاً على الإسلام والمسلمين ، وأن الذين وصلوا بـ"الإسلام" إلى السلطة (بما أن هذا التصور في رأيهم هو التصور الوحيد له) هم الأكثر غيرة عليه والأقدر على حمايته..

وكان سلمان رشدي طبعاً هو الفائز الأكبر مما حدث.. تحول من مجرد أديب كعشرات الأدباء من أصول هندية بجنسيات بريطانية إلى رمز لحرية الرأي والاعتقاد ، وإلى كارت سياسي حيث قطعت الأمم المتحدة علاقاتها بالنظام الطهراني حتى عدلت إيران عن تلك الفتوى في العام 1998 (بعد وفاة الخوميني طبعاً ووصول خاتمي وجناحه إلى السلطة.. أمر يعزز فرضية أن الفتوى سياسية) ، واستثمر كذلك كما استثمرت السينما في إيران كـ"صوت للحرية" في مواجهة نظام "إسلامي" ديني في عالم لا توجد به سوى ثلاث دول دينية فقط.. (أي أن نفس ما استخدمه النظام الطهراني ووسائل إعلامه للدعاية له هو ما استخدمه الغرب للدعاية ضده وضد الإسلام .. مجرد ملاحظة)!

وبحكم ما نعانيه من دونية ثقافية تحول الرجل هو الآخر إلى بطل في العالم العربي ، وشجع نجاحه الساحق آخرين على لعب نفس اللعبة وطلب اللجوء إلى بلاد الفينو والعسل ، وأهو كله بيزنس وكله برتقال..

الفتوى ، وردود الفعل التي على شاكلتها لم تحل مشكلة ، ولم تحمي الإسلام كما زعم أصحابها أيا كانت نواياهم ، فقط صبت - كما أرى على الأقل - في مصلحة من أطلقوها ، "بنط" بروباجاندا يعني .. أو ضعف نظر سياسي كما في رأي آخرين..

كل هذا يعيد أسئلة قديمة ومشروعة تعود للعام 1979 وربما قبله بكثير : ما هي مدى صلاحية رجال الدين لدخول العملية السياسية عموماً؟ أليست لهم أدوار أخرى لا تقل أهمية داخل المجتمع عن أدوار الساسة ، وميادين لا تقل أهمية عن السياسة؟ ألا يخاف المقدمون على دخول لعبة السياسة من رجال الدين على تلوث صورة الدين في عيون الناس بسبب "لا أخلاقيات" السياسة؟

كل تلك الأمور تبدو جدلية ، لكن المؤكد أن هناك في أماكن أخرى من العالم من هم سعداء بالنموذج الطالباني والطهراني وبألعاب رجال الدين العراقيين خاصة الميالين لإيران .. وهي أمور لهؤلاء الناس فيها مآرب أخرى أبعد من "تصنيع" مجرد سلمان رشدي جديد!

ذو صلة: في هذا الرابط قصة موجزة لما حدث ، كما كتب زميلنا أحمد مختار عاشور في الموضوع..