Monday, July 30, 2007

ما ينفعش!

قبل الكلام:أتمنى من الزميل نهضة مصر أن يأخذ ردي على تدوينته بروح رياضية وأن يتقبل خلاف شخص مستقل رافض لكل أفكار التيارات الدينية السياسية والمذهبية وحتى الأتاتوركية بصدر أكثر رحابة .. بما أنني لم ألاحظ فروقاً كبرى في التعامل مع "الرأي الآخر" بين المتشددين على أقصى طرفي المسطرة الدينية- العالمانية!

مقدمة: يبدو أنه يوجد-بكل أسف- أشياء تساند ادعاء الغرب بأن الشرق أكثر تطرفاً في كل شيء ، رغم علمنا وإيمانناالعقلي بعدم صحة هذا الادعاء ..الشيوعي المصري أو العربي أكثر تشدداً في شيوعيته من الشيوعي السوفييتي ، ولدينا في كل اتجاه سياسي وفكري ومذهب ديني من هم أكثر ملكية بكثير من الملك وأسرته.. وكأننا قد نحتاج لقرون لندرك أن الاعتدال فضيلة وسطى بين رذيلتين..

حتى العالمانية لم تفلت من هذا التأثير الشرقي الخالص!

قرر مصطفى كمال أتاتورك ، ذات يوم ، أن يطبق "العالمانية" على طريقته الخاصة ، في إطار سعيه لجعل بلده عضواً في نادي أعضاء القارة العجوز ، مقرراً فيما يبدو تعليم الأوروبيين العالمانية على أصولها!

تبدو عالمانية تركيا ، النموذج الذي يراه البعض هو الأنسب والذي لا قبله ولا بعده ، من الخارج براقة ، مواطنة وعدم تفرقة على أساس الدين ، لكن من الداخل يصدق فيها قول مصري دارج شهير ومعروف ، فبينما عالمانية أوروبية مبنية على "فصل عاقل" بين الدين والسياسة ، نجد عالمانية تركيا عصا غليظة تفصل الدين عن السياسة برعاية "البيج براذر" -مع الاعتذار للصديق مختار العزيزي - وهو في حالتنا الجيش الذي "يلعب في" السياسة بشكل يفوق ما يحدث في بعض بلدان أفريقيا سوءاً..

في أوروبا نجد بجانب هذا الفصل بين الدين والسياسة حرية حقيقية لأتباع كل دين بممارسة شعائر دينهم دون تمييز بين أتباع كل دين على أساس ما يؤمن به ، في تركيا نجد محاولة لـ"خلع" الدين من حياة الناس العاديين على طريقة خلع الضرس في فيلم علي الكسار الشهير "سلفني تلاتة جنيه" (طريقة تجعلك تكره خلع الأسنان وطبيب الأسنان والأسنان نفسها)..

وينتظر البعض من مؤيدي هذا النموذج ومتعصبيه بفارغ الصبر انضمام تركيا رسمياً للإي-يو.. حتى يضعون أصابعهم في عيون كل معارضيهم مدللين على تقدم ونجاح هذا النظام العجيب..

بداية .. لن يؤهل هذا النظام العجيب تركيا للانضمام للاتحاد الأوروبي ، وإن انضمت فلن تكون عضواً مرحباً به في داخل الأسرة الأوروبية ، ليس لأن الأتراك مسلمون كما يحلو للبعض الزعم ، ولكن لأن الفوارق كبيرة بين تركيا والعالم الذي تريد الانضمام إليه..

فناهيك عن العالمانية التركية العجيبة ، البعيدة عن مثيلتها في القارة العجوز وخارجها ، سيجد الأوروبيون صعوبة في هضم دولة يتدخل فيها الجيش في السياسة ، ولا تحمل مشاعر ودية لأقليات تعيش داخل حدودها كبشر من الدرجة الثانية ، لتدفع بعض دول أوروبا ثمن العلاقة السيئة بين تركيا وأقلياتها في صورة عمليات إرهابية وتفجيرات ، حتى الاقتصاد التركي الذي يقول الزميل نهضة مصر أنه تقدم مسنود في الواقع بثروات طبيعية وبالسياحة التي كونت جزءاً كبيراً منها التأثيرات الحضارية السابقة التي انقلبت عليها الأتاتوركية ، وسيعني انضمام تركيا للاتحاد الأوروبي مزيداً من العاطلين يتوزعون على "الفرع الغني" في العائلة الأوروبية ليجدوا عصابات النازي الجديد في ألمانيا وأشباههم في انتظارهم!

يجد هذا النموذج هوىً وعشقاً لدى البعض في تحليلي المتواضع لكونهم يتغنون كثيراً بالديمقراطية واحترام خيارات البشر في الوقت الذي يؤمنون به بأن الحل دائماً لابد أن يأتي من "الأخ الأكبر" ، وبأن الإصلاح لابد أن يكون بـ"العافية" بما أننا ننتمي لشريحة "ما بتجيش بالذوق" من الجنس البشري.. منطقان يتناقضان مع بعضهما أشد التناقض!

من السخف التفكير في أن يتدخل الأخ الأكبر بالتشريع وبقوة القانون لفصل الدين عن حياة الناس ، لأنه من الصعب أن تفصل حياة أي إنسان عادي عن الدين ، فحتى في أكثر دول أوروبا وفي الولايات المتحدة وفي اليابان يصعب إلغاء تأثير الكنيسة والمعبد والمسجد على كافة أنشطة الحياة اليومية للمجتمع رغم أن هذه الأماكن لا تلعب نفس الدور الذي كانت الكنيسة تلعبه في أوروبا في القرون الوسطى، ومن السخف المركز أن يعالج التديين المفرط الذي تفرضه جماعات وتيارات ومذاهب بنزع الدين -تماماً- من كل شيء.. ما ينفعش يا عزيزي.. حتى ولو نجح ذلك في تركيا لعقود فإن مصيره إلى الفشل وإلى ردة فعل عنيفة في الاتجاه المعاكس..

الزميل نهضة مصر يرى ، وهذا رأيه وأحترمه ، أن مصر تحتاج لأتاتورك .. وأنا لا أرى ذلك بالمرة ، فوجود نظام أتاتوركي يساوي وجود نظام ملالي .. أمر يعني لبلد مثل مصر مصيبة سوداء.. قد نحتاج لتفكير "متعقل" لنفهم أبعادها..

يبقى الاعتدال فضيلة تتوسط رذيلتين .. كما قال صديق لي..

Sunday, July 8, 2007

سلمان رشدي : هل عملنا للـ(.....)قيمة؟

من أول ما درسته في الكلية ما يعرف بالـopportunity cost..تكلفة الفرصة الضائعة أو أقرب بديل كما يحلو للبعض الوصف.. هذا المصطلح الاقتصادي له خارج الاقتصاد معنى كبير ، فهو يجعلك تستشعر حقيقة فداحة أخطائك في اختياراتك وقراراتك!

قفز هذا المصطلح فجأة عندما رأينا بريطانيا تكرم المدعو سلمان رشدي صاحب "الآيات الشيطانية".. وكم أنه تحول إلى بطل في أوروبا بل وأحياناً في بلادنا بسبب فتوى لآية الله الخميني أهدر فيها دمه..بل ومكافأة تسيل أي لعاب لمن يحش رأسه!

كان أقرب بديل أن يتم تقزيم سلمان رشدي ، ساعتها لن يبرح حجمه الطبيعي ، وسيبقى مثله مثل أقزام كثر اعتادوا البحث عن بيزنس شخصي في العالم الغربي وعن شهرة زائفة..

لكن كان للنظام الطهراني وملاليه رأي آخر .. فقد كانوا يسعون لتقديم نموذجهم الذي ظل ملهماً لجماعات متطرفة كثيرة (حتى ولو اختلفت أيديولوجياً معها) كأنه النموذج الإسلامي الأوحد للدولة و "الجمهورية الإسلامية" ، من هنا رأى هؤلاء استثمار رواية تافهة كتلك لإظهار أنهم الأكثر حرصاً على الإسلام والمسلمين ، وأن الذين وصلوا بـ"الإسلام" إلى السلطة (بما أن هذا التصور في رأيهم هو التصور الوحيد له) هم الأكثر غيرة عليه والأقدر على حمايته..

وكان سلمان رشدي طبعاً هو الفائز الأكبر مما حدث.. تحول من مجرد أديب كعشرات الأدباء من أصول هندية بجنسيات بريطانية إلى رمز لحرية الرأي والاعتقاد ، وإلى كارت سياسي حيث قطعت الأمم المتحدة علاقاتها بالنظام الطهراني حتى عدلت إيران عن تلك الفتوى في العام 1998 (بعد وفاة الخوميني طبعاً ووصول خاتمي وجناحه إلى السلطة.. أمر يعزز فرضية أن الفتوى سياسية) ، واستثمر كذلك كما استثمرت السينما في إيران كـ"صوت للحرية" في مواجهة نظام "إسلامي" ديني في عالم لا توجد به سوى ثلاث دول دينية فقط.. (أي أن نفس ما استخدمه النظام الطهراني ووسائل إعلامه للدعاية له هو ما استخدمه الغرب للدعاية ضده وضد الإسلام .. مجرد ملاحظة)!

وبحكم ما نعانيه من دونية ثقافية تحول الرجل هو الآخر إلى بطل في العالم العربي ، وشجع نجاحه الساحق آخرين على لعب نفس اللعبة وطلب اللجوء إلى بلاد الفينو والعسل ، وأهو كله بيزنس وكله برتقال..

الفتوى ، وردود الفعل التي على شاكلتها لم تحل مشكلة ، ولم تحمي الإسلام كما زعم أصحابها أيا كانت نواياهم ، فقط صبت - كما أرى على الأقل - في مصلحة من أطلقوها ، "بنط" بروباجاندا يعني .. أو ضعف نظر سياسي كما في رأي آخرين..

كل هذا يعيد أسئلة قديمة ومشروعة تعود للعام 1979 وربما قبله بكثير : ما هي مدى صلاحية رجال الدين لدخول العملية السياسية عموماً؟ أليست لهم أدوار أخرى لا تقل أهمية داخل المجتمع عن أدوار الساسة ، وميادين لا تقل أهمية عن السياسة؟ ألا يخاف المقدمون على دخول لعبة السياسة من رجال الدين على تلوث صورة الدين في عيون الناس بسبب "لا أخلاقيات" السياسة؟

كل تلك الأمور تبدو جدلية ، لكن المؤكد أن هناك في أماكن أخرى من العالم من هم سعداء بالنموذج الطالباني والطهراني وبألعاب رجال الدين العراقيين خاصة الميالين لإيران .. وهي أمور لهؤلاء الناس فيها مآرب أخرى أبعد من "تصنيع" مجرد سلمان رشدي جديد!

ذو صلة: في هذا الرابط قصة موجزة لما حدث ، كما كتب زميلنا أحمد مختار عاشور في الموضوع..

Saturday, June 23, 2007

عدو ولا حبيب؟

لنعد مرة أخرى إلى الغلاسة والمواضيع ثقيلة الظل على حق..

ما هو الشكل المثالي لعلاقة المسلم بالدولة؟ هل هو السمع والطاعة العمياني أم التمرد والعصيان والرفض لكل شكل من أشكال الدولة لا يلائم المذهب الذي أنتمي إليه؟

عندما فكرت في علاقة الأحزاب الدينية (وهي كلمة سأستخدمها هنا في الحديث عن المذاهب) بالسلطة وجدت تناقضاً عجيبة ، وأشياء قد تفسر أشياء كثيرة تتعمد تلك الأحزاب في وسائل إعلامها الملاكي إثارتها وتحتوي على أطنان من اللغط..

بداية ، أجد تناقضاً عجيباً في شكل علاقات الأحزاب الدينية ، وما خرج منها من أفكار صاغت حركات الإسلام السياسي بالدولة ، ففي التيار السلفي والصوفي من يرى الطاعة العمياء لولي الأمر ، الذي هو قدر مقدور لا دور للاختيار ولا الانتخاب فيه ، بل ويصل الأمر لاعتباره "أمير المؤمنين" الذي "تجب بيعته"، وفي التيار الشيعي وبعض التيارات الجهادية وبعض الجماعات المتطرفة من يرى أن أولياء الأمر الحاليين جواسيس وخونة لا تجب طاعتهم ولا موالاتهم ويصبح من الحتمي الانقلاب عليهم حتى تعود العزة والكرامة للأمة ، وفي أكثر نسخ تلك الرؤية تطرفاً أن كل أشكال الدولة ونظمها كافرة..

تلك المسألة جمعت فيما يبدو "الشامي والمغربي" ، فمن ير كم العداء بين السلفية والصوفية لا يصدق أنهما قد يتفقان في شيء ، والشيء نفسه بين الفكر البنلادني والشيعي.. والغريب أنني ألاحظ - وربما تلاحظون - انقساماً داخل كل فرقة ما بين رؤية الطاعة العمياء ورؤية العصيان والمعاداة..

والأغرب في أداء الأحزاب الدينية المهادنة (أكثر من المطلوب) لولي الأمر هو الفصل بين رأس الدولة ومؤسسات الدولة ، نوع من "المماينة" يعني ، طالما أنت أرضيت رأس الدولة وبايعته في دولة نظامها يقضي بانتخاب رأس الدولة من عدة مرشحين فلا أهمية تذكر لمؤسسات الدولة الأخرى ولا للقواعد السياسية التي تنظم الدولة ، وللأسف فإن الحزب الوطني البيروقراطي (في الحالة المصرية) هو الذي شجع هؤلاء على المضي قدماً في هذا السخف..

الأسوأ أن هذه الأحزاب الدينية تمعن في استغلال هذا الوضع وتمارس السياسة بدون غطاء حزبي ، تلعب كجماعات ضغط ، وتعرض خدماتها على قوى سياسية ، وتستقبل مسئولين خارجيين وربما يأتي اليوم التي تستقوى فيه بالخارج .. والمبرر الجاهز طبعاً هو صالح الحزب أو المجموعة ، وهو مبرر فضفاض وواسع ، فلا تعرف إن كان يشير إلى مصالح الصغار أم مصالح الأتباع ، أو إلى بقاء كل شيء "على ما يرام" بالنسبة لتلك الفئة أم شيئاً آخر..وهذا كله رغم إيمان معظم هذه الفئات بأن من السياسة .. ترك السياسة!

هم إذن يمارسون السياسة بصفتهم الدينية ، فتلك الصفة الدينية في رأيهم تكفي .. ولا يوجد لديهم مفهوم واضح للمواطنة ، يوجد فقط الانتماء للحزب الديني ولا شيء أكثر .. ولا تصور سياسي إلا ذلك الذي يتماشى مع مصالحها ولتذهب الدولة في ستين داهية ، هذا ما يحدث في العراق والخوف كل الخوف من تكراره في مصر..

وفي هذا تخطي ، ليس فقط لما رسموه لأنفسهم "قدام الناس" ، ولكن لدورها داخل الدولة ، والدولة تشبه المسرحية لكل ممثل فيها دور محدد لا يجب تخطيه ، وعليه فمن الصعب بل من المرفوض أن يتخطى هؤلاء وغيرهم دورهم الذي افترضوه وافترضه المجتمع نفسه إلى دور لا يصلحون لأدائه!

ما سبق كان تلوياً لا يفوقه إلا تلوي المعارضين لمؤسسات الدولة ، "المشمأنطين" منها.. والذين يمارسون نوعاً من "التقية" السياسية تجعلهم يتعاملون مسدودي العين والأنف والأذن والحنجرة مع الدولة ، قائلين باستمرار أنهم يحترمون الدولة ومؤسساتها بينما يتحينون الفرصة المناسبة للقفز عليها..

كنتيجة لذلك ، يثير هؤلاء -الموالون على طول الخط والرافضون على طول نفس الخط- مخاوف بعضهم البعض (بسبب منطق يا أنا الكابتن يا مفيش لعب) ، ومخاوف وغضب عوام الناس من غير أصحاب الانتماءات المذهبية الدينية(بل وتقلل من تعاطف الناس غير المنتمين معهم إذا ما تعرضوا لاضطهاد حقيقي) بسبب لعبهم المستمر على وتر "الاضطهاد" واتصالات بعضهم المريبة بالخارج ، ومخاوف الجهات الأمنية (وبعضها مشروع ولها ما يبرره ، لو حنتكلم بصراحة) مما يدفعها للتضييق أكثر وأكثر عليهم..

والنتيجة مزيد من العزلة ، قد تدفع هؤلاء لبناء مدارسهم ، ومستشفياتهم ، وخدماتهم ، ومجتمعاتهم ، كما سيتم العرض لذلك بمزيد من التفصيل في تدوينة قادمة إن شاء الله..كل ذلك كبديل عن مؤسسة الدولة ، مجتمع موازي يعني ، مجتمع موازي سلفي ومجتمع موازي شيعي ومجتمع موازي مش عارف إيه ، والأمثلة في العالم العربي كثيرة..

عندما لا يكون التعايش هدفك الحقيقي ، فإنك بذلك تحرض "طوب الأرض" عليك ، خاصة ذلك النوع الذي يمتلك أفكاراً أكثر تطرفاً ونزعات عنيفة ، ثم تشكو بعد ذلك من اضطهاد المجتمع وتطرف الآخرين ..تيجي إزاي؟

لماذا لا يبتعد هؤلاء عن السياسة وعن ممارستها ، وحتى عن الدعوة والتبشير بمناهجها المذهبية(عملاً بشعار كل واحد ينام ع الجنب اللي يريحه)؟ لماذا لا يبادر هؤلاء إلى التعايش مع بعضهم البعض وغير المنتمين في إطار الدولة واحترام مؤسساتها؟ لماذا لا يترك هؤلاء التلوي الذي انتقدوا جماعات الإسلام السياسي (وهو للأمانة لا يزال موجوداً فيها) فيما يتعلق بعلاقتهم بالدولة ومؤسساتها؟

رأيي الشخصي: صحيح أنه "أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم" ، لكن هناك شيء اسمه الدولة ، إطار يضمني ويضمك ويضم المسلم مع غير المسلم ، دولة يفترض أن بها "ديمقراطية" تختار بها حاكمك ، وإن تحسن حالها أن تغيره بمن هو أفضل ، قائمة على التعايش بين كل الأفكار والمذاهب ، وتلك الدولة في نفس الوقت لها قوانين ، ونظم ، وآليات يجب احترامها..المسلم داخل الدولة جزء منها متعايش مع غيره فيها ، حتى ولو لم تكن تلك الدولة مسلمة أصلاً .. والله أعلم..

هذه كانت مجرد خاطرة ، وعذراً للإطالة ..

Monday, June 4, 2007

خيبة إلكترونية

للمرة الثانية أؤجل الكتابة عن الأزهر.. إذا كان شر البلية ما يضحك فإن أشرها ما يضحك ويتم السكوت عليه والدفاع عنه وتبريره أيضاً..

بعد تليفون ميتسوبيش الإسلامي ، ومبردات "المشتاقون إلى الجنة" ، أبشركم بأن أصابع "التكنولوبيا" ستمتد إلى الصلاة أيضاً!

ففي أحدث صيحات الهيافة توصل أحد أصحاب شركات البرمجيات -ولله الحمد والمنة- إلى اختراع جهاز أسماه مبدئياً "الرفيق" يقوم مقام الإمام في الصلاة ..وأجازته دار الإفتاء مع مراعاة عدة اقتراحات أخرى.. أتركها لكم لقراءتها في متن الخبر للذين لا يعانون من مشاكل في ضغط الدم..

ولأن الحاجة هي أم الاختراع ، فإن حاجة مخترع البرنامج تمثلت ببساطة في "رغبته الشخصية في الاستماع إلى أكبر قدر من آيات القرآن الكريم بدلاً من العدد المحدود من قصار السور ، مضيفاً أنه لاحظ عددا كبيرا من المسلمين ومن خلال صلواتهم يكررون بعض آيات يحفظونها ويشعرون بالثقة عند قراءتها وبالتالي لا يتيحون لأنفسهم فرصة قراءة عدد اكبر من الآيات إلا عندما يتفرغون لقراءة القرآن عندما يتاح لهم ذلك"!.. عن نفسي كنت أفضل الذهاب إلى مساجد بعينها بدلاً من الاختراع ووجع القلب!

ولأننا لسنا ببعيد عن واقعة "الإمام الديجيتال" التي تنوولت هنا منذ عام ، فقد ظهر متحمسون للفكرة مثلما تحمس آخرون للتقليعة السعودية ، هذه المرة تصدر هؤلاء مفتي الديار الشيخ علي جمعة الذي قال أن "الإسلام كمنهج وحياة لا يتعارض مع منجزات العلم بقدر ما يتفاعل معها ارتباطاً بتقدير الإسلام للعلم والعلماء ودورهم في تعمير الأرض وتطويرها والتيسير على الإنسان في كل أمور حياته "..

ما الجديد فيما قاله فضيلة مفتي الديار؟ لا شيء ، كلنا نعرفه..وأعتقد أننا وصلنا لدرجة وضعه كأمر مسلم به ولسنا بحاجة لمن يذكرنا به باستمرار من وقت لآخر!

وأخشى أن نرى على مواقع النت وفي الصحف من يتهم كل من يعترض أو ينتقد تلك التقليعة بالتخلف ومعاداة التكنولوجيا ، أو يدخل على الخط أحد "ولاد الحلال اللي ما خلوش لولاد الحلال حاجة" ليتصيد الرفض ويقول بسلامته أن الإسلام نفسه معادي للتكنولوجيا!

لا أحد ضد التكنولوجيا في حد ذاتها ، لكن علينا أن ندرك أن التكنولوجيا تحركها حاجات حقيقية وليست رفاهية ولا استعراض عضلات ..

ما الذي يمكن للتكنولوجيا أن تقدمه للعبادات بشكل عام وللصلاة بالذات؟ ما الحاجة الملحة لاختراع كهذا سوى في حالات قليلة جداً إن جاز ذلك؟ مش عارف!

أليس اختراع جهاز يساعد المكفوفين على قراءة القرآن الكريم أولى وأهم؟ عن نفسي رأيت شخصاً كفيفاً يقرأ القرآن الكريم من نسخة ثقيلة الوزن جداً مكتوبة بطريقة برايل..وكان واضحاً أنه -وهذا أمر طبيعي- يجد صعوبة كبيرة في حمله..

ألا توجد أمور دنيوية من الأولى أن توجه إليها صناعة البرمجيات في مصر أولوياتها ، خاصة مع قلة الصادرات المصرية من البرمجيات قياساً على صادرات "جار السَّو"؟ أم أن أتمتة العبادات هي المجال الذي تعوض فيه صناعة أوجه فشلها وعجزها؟

وللناس أن تستغرب من القبول السريع من رجل في علم ووظيفة الدكتور علي جمعة لـ"شيء كهذا" ، ولوضع أبراج المحمول فوق المآذن ، في وقت تتغير فيه الصورة تماماً إذا ما تعلق بمستجدات دنيوية يتم فيها إصدار الأحكام دون مجرد التفكير في الرجوع إلى أهل التخصص والتشاور معهم ، وللناس أن تستغرب أكثر أن المؤسسة الدينية المعروفة بمواقفها المتشددة إزاء ما هو جديد تتحمس لقبول "شيء كهذا" في الوقت الذي نرى فيه أكاديميين في جامعات يرفضون إخضاع أي بحث أو أي شيء للتجربة التي هي المحك الحقيقي للحكم على الأبحاث والأفكار.. وكأنما الاجتهاد (أو ما يتصور أصحابه أنه اجتهاد حتى لو كان حاجة تانية) في الدين أمر محمود والاجتهاد في شئون الدنيا بمثابة الأذان لصلاة الظهر في مالطا!

المفارقة أن الدين يستخدم من قبل بعض المتخصصين في مجالات دنيوية لتعليق شماعة رفض ومحاربة التكنولوجيا ، ويستخدم من قبل آخرين كشماعة يعلقون عليها فشلهم التكنولوجي..

دمتم بألف خير..

Saturday, June 2, 2007

ليست دعوة

قبل الكلام : أطلب ممن يقرءون هذا الموضوع أن يكونوا أكثر هدوءاً وأرحب صدراً ، وأطلب من الشتامين الامتناع عن الإدلاء بأي رأي في هذا الموضوع فهو سيغضبهم حتماً وسيستمطر آدابهم الرفيعة التي أعرفها جيداً..

كنت أنوي الكلام عن الأزهر وسنينه بناءً على وعد أعطيته لأحد الزملاء الذين ردوا على الهوامش السابقة على جدار الفتوى ، إلا أن بنت مصرية أعادت فتح موضوع غريب أعتقد أنه يستحق النقاش .. بهدوء وبدون تشنج وانفعال..

لا يختلف أحد على الدعوة إلى الله وطاعته والتزام شرعه، الذي نختلف عليه وبشدة هي الطريقة التي يرى أصحابها أنها السبيل الأمثل "لإصلاح حال الأمة" و "لهدايتها مما لحق بها من ضلال"!

يقول الله عز وجل "ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن".. والواقعة التي تناولتها بنت مصرية ، مضافاً إليها وقائع أخرى ، تعكس أنه لا توجد حكمة ولا حسن موعظة فيما يفعله بعض البشر ممن يعتقدون أنهم بتصرفاتهم يدعون إلى الله!

لماذا يمعن شيخ في استخدام الأداء التمثيلي المسرحي والصراخ والتشنج وأحياناً التنكيت ، هل هذا أسلوب دعوة؟ أنا شخصياً لا أعلم أن هذا كان يحدث إبان السلف الصالح الذي يرى بعض الناس أن هذا الشيخ أو ذاك يمثلون نهجهم..

ولماذا يتخصص بعض الشيوخ في وصف النار وأحداث النهاية معتبراً إياها عملاً علمياً ضخماً؟ أليس الاجتهاد وإيجاد الحلول للمشاكل التي تربكني وتربكك والعمل على مقاومة الفتاوى إياها أهم وأبقى وأصلح لعامة المسلمين؟ لماذا يصر فريق آخر على القص والقص ثم القص؟ نعرف أن العديد من الزهاد والعباد والصالحين كانوا قدوات حسنة ، لكنهم عاشوا ظروفاً غير الظروف التي نعيش وتبدو مقارنتنا بهم ظالمة جداً وشبه مستحيلة..

القص ليس "ختم النسر" الذي يعطي موثوقية لما يقوله الخطيب ولا لعلمه ، خاصةً وأن من تلك القصص ما يحتوي على نسبة دسمة من الإسرائيليات ومما لا ثقة في صحته بمقاييس العلماء الثقات المتفق عليها منذ قرون!

لماذا أرى كل الميكروباصات وقد تحولت إلى ألبومات صور -مثل ألبومات "بم بم" للي وعي عليها-"للاستيكر الدعوي" الذي هو عبارة عن صورة مركبة بجانب حديث أو آية ، وبشكل لا يرى أحد - سوى أصحابه طبعاً - أنه يرقق القلوب؟ تخيل أن راكباً مسكيناً تلفت حوله ليجد ستيكراً عليه كفن .. أصحاب هذه الاستيكرات العباقرة لا يعرفون أن الناس قد وصلت لدرجة أوشكت فيها على النطق بالشهادتين قبل ركوب أي وسيلة مواصلات عامة!

هناك أشياء لا يمكن أن تكون وسائط للدعوة بأي حال من الأحوال ، فلا وسائل النقل العام ولا غير العام ، ولا حتى المدونات (عاتبت على أحد من ردوا علي مؤخراً أنه ترك لي رداً كاملاً ومطولاً بأدعية قرأها في كتاب) أو رسائل الاس ام اس التي صارت "شوطة" وتضرب القنوات الفضائية كلها..

أنا لا أدخل في النوايا فالله عز وجل أعلم بها.. لكن هل يتصور من يرسل رسالة دينية على قناة أغاني خليعة أنه يدعو إلى الله؟ لم يعد ينقصنا فعلاً إلا أن يذهب البعض من الأدعياء إلى الخمارات والكباريهات ليدعون إلى طاعة الله ورسوله!

والمصيبة أنه عندما تناقش بعضاً منهم بهدوء تسمع أشياءاً غريبة ، فعندما ناقشت أحدهم في مسجد في الجمعة الأخيرة من شهر رمضان الماضي عن مطربي القرآن في صلاة التراويح قال لي سيادته : أنا صح وانت غلط.. فعلاً طريقة رائعة للمجادلة بالتي هي أحسن ، وربما "كانت تكمل" إذا ما تطوع اثنان من "قلاضيشه" لضربي داخل المسجد!..

قد يقول قائل : هذا هو أسلوب الدعوة الذي ينجح ويثمر ، ولا أعرف ماذا سيكون رد فعله عندما ينزل إلى الشارع ويكتشف أن النتيجة هي العكس على طول الخط!

أين دور المسجد في الدعوة؟ لماذا حول المخترعون خاصة من المتمذهبين بجميع أنواعهم المساجد لدور مناسبات ولأي شيء آخر غير الأغراض الأساسية التي أنشئت من أجلها ، ثم يقولون لي ولك "هذا هو دور المسجد الحقيقي"؟ لا أحد يكره أن يقوم المسجد بأدوار مختلفة فيما تسمح به ظروف العصر (كان المسجد يقوم بأدوار مختلفة في زمن النبوة لأنه كان المؤسسة الوحيدة في الدولة ، فلما استقرت وظهرت المؤسسات قامت المؤسسات الجديدة بأدوار سياسية وخدمية كان المسجد يقوم بها سابقاً) ، ولكن هناك أولويات.. فلا يمكن أن أحول المستشفى إلى فندق خمس نجوم ولا توجد به معدات لعلاج المرضى!

فضلاً عن هذه الافتكاسات ، أعتقد أن ظهور الشرائط ، والقنوات الفضائية "الإسلامية" ، أسهم بشكل كبير في تدهور أداء مؤسسة المسجد ، الذي يفترض أننا نذهب إليه لنتعبد إلى الله عز وجل ونتلقى فيه علماً دينياً نافعاً (وحط تحت "نافعاً" خمسين خط على الأقل) ، فنجد على المنابر خطوباً لا خطباء (ينطبق فيهم قول شوقي في كرومر : خطبت فكنت خطباً لا خطيباً) يطيل في الخطبة لمدد طويلة فقط من أجل تعبئة الشريط فحسب ، ولا يهمه في شيء أن تخرج الألوف المؤلفة من المسجد وقد نسيت - تماماً - موضوع الخطبة ، ثم يندب حال الأمة الناكرة للجميل التي لا تستفيد من مواعظه ولا تشتري شرائطه.. شيء عجاب!

لماذا لا يوجد لدى الأزهر ، الأمل الوحيد المتبقي للحفاظ على الوسطية في مصر (رغم أنه مخترق من طوب الأرض و"حاله عدم") أو لدى وزارة الأوقاف ما يشبه إدارة البحث والتطوير؟ دراسات علمية حقيقية عن ظروف الناس ومدى قابليتهم للدعوة بشكلها التقليدي أو بالعين كاف الذي يحدث هذه الأيام من أجل الحصول على طرق مبتكرة بلا افتكاس ولا فهلوة ولا تقاليع.. معرفة الجمهور المستهدف وفهمه وتفهمه أول خطوة على طريق التصرف معه بحكمة ووعظه بشكل حسن ، كما أن من يعتقد أنه قادر على وعظ الناس وتفقيههم في الدين (سواء من المؤسسة الأزهرية أو من خارجها ، وبالذات من خارجها) يجب أن يكون لديه الحد الأدنى من القدرة على مجادلة الناس بالتي هي أحسن ، لا أن يفاجأ كل من تسول له نفسه مناقشة السيد الداعية والعالم العلامة بطائفة من رابطة مشجعيه تشبعه سباباً وإهانةً فقط لمجرد أنه تجرأ على مناقشة العالم العلامة..

لو تذكر الشاخطون و "بتوع الاستيكرات" والاس ام اس والافتكاسات التي ما أنزل الله بها من سلطان الآية الكريمة لما كتبت هذه التدوينة.. والله أعلم..

تحديث : كل الشكر للزميل أبي العلاء على روابط ما كتبه عصفور المدينة و عبد الرحمن جادو و محمد عماد وكلها تدوينات هامة تستحق القراءة والنقاش..

Monday, May 28, 2007

ما بعد الفتوى ، ونخلي القوس مفتوح

على غير عادتي في "الدين والديناميت" فضلت أن أكتب مجموعة من الملاحظات المتناثرة وغير المرتبة عن فتوى وقول مثيرين للجدل ، فضلت فيهما تناول نقاط أرى أنه حان وقت تناولها والتفكير فيها .. فهي أبعد من العبارات والفتاوى نفسها وقد ينذر تجاهلها بتكرار الفتاوى الشاذة والاختراعات والافتكاسات في الدين بشكل يهينه أكثر مما يهينه جهلة أو متعصبون في الدانمارك أو بلاد الواك واك!

1- يقول الصحفي خيري رمضان في برنامج القاهرة اليوم أن أناساً قد أوضحوا له أن مفتي الديار لم "يفتِ رسمياً" بفتوى البول الشهيرة ، وإنما هو سئل في ذلك في مسجد السلطان حسن فأجاب بما هو نص الحديث ، فاعتبر صناع الكتاب المنسوب للدكتور علي جمعة ذلك فتوى وطبعت في الكتاب المذكور ..

لماذا انتظر فضيلة مفتي الديار المصرية كل هذا الوقت ليعلق على الموضوع؟ ولماذا لم يقاضِ الجهة التي نشرت الكتاب على أساس أنها قوَّلته ما لم يقل؟

2- كان لمفتي الديار المصرية فتاوى - في رأيي - أكثر أهمية ، لم يناقشه أحد فيها ولم يسأله على الإطلاق.. هل تصبح الصحافة "حلوة جميلة يا محلاها" عندما تتجاهل تلك الفتاوى وتصبح "وحشة وكخة" عندما تركز على "قول ما" - لا أقول فتوى -منسوب لفضيلة المفتي؟ أنا شخصياً أرى أن الصحافة "كخة" في الحالتين!

3- نحن للأسف غارقون في بركة من المجازات ولم يعد لدينا أي رغبة في معرفة معاني ما يقال حولنا من مصطلحات ، ومن تلك المصطلحات مصطلح "فتوى".. أي قداسة لفتوى في وقت قال فيه الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم ما معناه "استفت قلبك وإن أفتوك".. وتستفتِ قلبك في ضوء الفطرة السليمة والعلم الصحيح ، فهناك هذه الأيام فتاوى تبريرية وفتاوى "ملعوب فيها" من أجل التسويق المذهبي والمصالح بجميع أنواعها ، ويعتمد مروجوها على سرد نص بدون أدنى فهم له وعلى طريقة "لا تقربوا الصلاة"..

الشيء نفسه ، ومعلش في دي الكلمة ، ينطبق على الفرق بين المحدث ، والفقيه ، والمفتي .. فرق لا أظن أنه يعار ما يستحق من أهمية ..

4- التعصب الأعمى للمشايخ والمفقرين وصل لدرجة لا تطاق قد تفوق درجة التعصب الكروي ، إن قال فلان شيئاً فلا تناقشه فلا يأتيه الباطل من بين يديه ومن خلفه ، لمشايخ الشرائط هووليجانز لا يرون أن هؤلاء بشر يخطئون ويصيبون ، وحتى للمفتي هووليجانز يدافعون عنه بالحق وبالباطل ويبررون له كل شيء..

أذكر بأنه من الوارد نظرياً ألا يكون في الأمة علماء كبار مجددين وثقات يستفتيهم الناس في أمور دينهم في الوقت الذي يوجد فيه ألف متحدث ومتحدث منتمي لكذا أو لكذا ..

تذكروا مقولة "كل منا يؤخذ منه ويرد عليه إلا صاحب هذا المقام" -والمقصود بصاحب هذا المقام في المقولة هو الرسول عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام..

5- تنقية ما ينسب للسنة من أكاذيب وأباطيل عمل ضخم يجب أن يقوم به عدد من العلماء الثقات بحق وحقيق والمستقلين مذهبياً بلا غرض وبضوابط علمية واضحة بلا عشوائية ولا سبهللة ، لا أن يقوم به صحفي يخوض معارك دينية ومذهبية بالإنابة عن آخرين ، ولا عن متمذهب يستغل الأمور للتسويق لمذهبه بالكذب والباطل ، ولا هو طاعن في مصداقية السنة بأكملها (وهؤلاء موجودون) ، فأي منطق يقول بأن شخصاً لديه موقف مسبق من شيء يكون محايداً إزاء تناوله؟

هناك في الدين قضايا تستحق مشرط الجراح وليس ساطور الجزار ، لها طريقة تناول معينة وتوضيحات معينة ، خاصة وأن السواد الأعظم منا ليس متخصصاً في علوم الفقه ولا في الفتوى وبالتالي فإن أي شيء يثار بأسلوب غير ملائم من قبل صحيفة أو من قبل الشخص نفسه سيحدث بلبلة يعلم الله عز وجل وحده كيف سيتم احتواء آثارها..

6- اللاعبون بالدين من أجل الإثارة ، سواء كانوا من حملة مؤهلات أكاديمية في الأزهر أو من حملة الباكالوريا القديمة ، يستغلون كون مجتمعاتنا لا تقرأ ، وكون كتب السيرة والسنة والتفاسير مجموعة في كتب ضخمة ومجلدات "تخض" تحبط كل من تسول له نفسه قراءتها ، ثم يقول منهم من يقول أن ذلك جاء في الكتاب الفلاني والعلاني ، قبل أن يكتشف أي شخص جريء الحقيقة المرة وأن البيه كان ينصب على الرأي العام من أجل التهييج وعلى طريقة محمد صبحي في مسرحية الجوكر!

7- تفسير الحديث النبوي وإعادة شرحه أضحيا ضرورة أكثر من أي وقت مضى ..وسأحاول توضيح وجهة نظري في ذلك في مقال قريب .. المهم ما أنساش بإذن الله..

8- فتوى إرضاع الكبير وما نسب للمفتي أثبتا الفشل الذريع لأكاديميي الأزهر وأثبت أن تسعاً وتسعين في المائة منهم نمور من ورق ، فالذين كانوا أسوداً أمام الفاتيكان وفي موقعة الدانمارك لم يعدوا كذلك عندما تأتي الإساءة من الداخل ، فلا رد على صحيفة تهيج باسم الدين ، ولا على أكاديمي أزهري أو مدعي فكر إسلامي يجتهد على طريقة "اللمبي" ، ولا حتى على أي شريط يطرح على الأرصفة ، مكتفين بالتلسين (على طريقة العاجز) على القناة الفلانية والشيخ العلاني.. هؤلاء حقاً رموز ثقافة التعادل السلبي والفشل الذريع والعشوائية بكافة أشكالها .. وفي وجود هؤلاء سيحقق المتمذهبون مكاسب خرافية سندفع - كلنا - ثمنها غالياً ، والأيام بيننا..

Monday, May 7, 2007

ولكنا بالمرصاد!

يبدو أن هناك موافقة قدرية بين مشاهدتي يوم الجمعة لمسرحية "الزعيم" وبين تصريحات نشرتها المصري اليوم للدكتورة عبلة الكحلاوي تنتقد فيه فتوى شيخ الأزهر بتكفير من يسب الصحابة ، ومن ضمن عبارات التصريح عبارة تقول ما معناه "أعتز بـ«طنطاوي» كمعلم، وأحترمه كإمام، لكن ما كان ينبغي أن تصدر منه مثل هذه التصريحات في هذا التوقيت، الذي يسعي فيه الغرب إلي تنفيذ مخطط لتدمير وتفتيت المسلمين والإسلام"..

قد نختلف حول حدة تصريحات الإمام الأكبر ، ولكن لا أعتقد أنه من المقبول فكرة تقبل فكرة سب الصحابة (فالفرق كبير بين نقد الصحابة وبين الردح لهم وتكفيرهم) ، ولا أعتقد أيضاً أنه من المقبول تكرار اسطوانة "مؤامرة" .. "أيدي خفية".. "خياااااااااااااااانة"!

والواقع أن ما يقال من أن "هناك أيدي خفية" "تتآمر على الإسلام" و "تسعى لتفريق الأمة" و "إثارة الفتنة" هو كلام فارغ يصلح فقط للمظاهرات والتهييج ، ولا يختلف في عبثيته وكوميديته عن خطبة "الزعيم" في المسرحية التي تحمل نفس الاسم : "نحن لا نقبل الشمبرة بأي حال من الأحوال ، من يشمبر لنا نشمبر له ، ولكنا بالمرصاد"!

مبدئياً.. لنضع "على جنب" المواقف المتخاذلة والمتناقضة للمؤسسة الأزهرية في مواجهة كل أشكال التطرف المنسوبة للإسلام ، وفي مواجهة الهوس المذهبي ، وكيف أن الذين عملوا "أباحمدات" في موقعة الفاتيكان تحولوا إلى "شيء آخر" عندما يساء للإسلام داخل العالم الإسلامي.. وكيف أن الشرائط والخزعبلات موجودة في كل مكان على الرصيف وعلى إنترنت دون أن يكلف "دال" أزهري نفسه أو نفسها مشقة الرد وتوضيح الصورة للمسلم العادي..

لنضع ذلك على جنب ونتحدث بشكل عقلاني..

عندما نتحدث عن "مؤامرة" في عالم اليوم يفترض أن يكون هناك "سبب مقنع" للمؤامرة ، بالتالي من المفهوم والمعقول أن تكون هناك مؤامرة على دولة بسبب ثرواتها أو دورها الإقليمي أو ..أو...الخ ، ولكن من الكوميدي أن تكون هناك مؤامرة على دين.. خاصة وأن المفارقة هي أنه من أغنى دول العالم دول إسلامية ، ومن أفقر دول العالم في نفس الوقت دول إسلامية أيضاً!

ومهما كان دور القوى الاستعمارية كبيرة في دعم التمذهب في العالم الإسلامي ، فإن حكامنا البررة على مدى التاريخ الطويل لعبوا وتلاعبوا بالمذاهب وعملوا على تسخيرها لمصالحهم في كل وقت وكل مكان.. هذه واحدة..

الثانية، طالما نحن نتحدث عن مؤامرة على المسلمين ، أعتقد أنه علينا أن نحدد أولاً .. من هو المسلم المقصود بتلك المؤامرة الدنيئة؟

هل هو قيادي في مذهب أو جماعة ما يحرك لناس في الشوارع للتظاهر والحرق والتكسير و.. و.. ، أم فصيلة "زكي قدرة" من المذهبيين الذين يسيرون في المظاهرات ويعتبرون نفسهم رهن إشارة البيج بوس الذي لا ينطق عن هوى؟ هل هو "الضقتور" الأكاديمي الذي يعشق تلعيب لسانه بأي هراء حنجوري؟ أم الشخص العادي الذي لا يفهم في لعبة المذاهب ولا يحبها؟ أم هو "عم عويس" الذي ينهي يومه بحلقة الذكر التي ينسى فيها واقعه المؤلم المرير وأخذه المستمر على القفا (حتى من غير أن يدخل قسم بوليس)؟ أم هو مسلم دول الخليج المرفه؟ أم هو مسلم المهجر الذي ينام على عصابات النازي الجديد ويصحو على "ساركوزي"؟ أم هو مسلم الصومال الذي لا يعيره أحد التفاتاً لأنه لا يوجد "جاز" في بلده؟

الغرب الوحش حيتآمر على مين ولا على مين؟

هناك متطرفون في العالم الغربي بعقليات عنصرية ترفض الحوار وتحتقر كل مختلف في جنس أو عقيدة .. لكن مؤامرة كاملة متكاملة على طريقة السينما الهوليودية.. واسعة شوية!

الثالثة .. هذه الأفكار التي يقال أنه يتم إثارتها وتهييجها لم تهبط من المريخ ، بل هي في صميم الأفكار التي شكلت الهوية التنظيمية لكل مدرسة فكرية قام عليها مذهب ، هي موجودة بالفعل على الأرض وقامت على أساسها دول وجماعات وميليشيات .. ولا تحتاج لأحد من الخارج لكي يثيرها طالما أن في الداخل من يقول يا أنا الكابتن يا مفيش لعب!

المسألة استعباط في الداخل ، وليس مؤامرة من الخارج..

أرى أن الدكتورة عبلة الكحلاوي مع احترامي الشديد لها خانها التوفيق تماماً في العديد من عبارات تصريحها وبالأخص ما يختص بالمؤامرات والحبشتكانات تلك.. كلنا نخطئ بالتأكيد..لكن من يستحق الهجوم فعلاً هو من يلعب بهذا الكلام ويتلاعب بنا ويؤكد أننا دائماً بالمرصاد .. لإيه؟ معرفش!!

Friday, April 20, 2007

عودة إلى مفترق الطرق

اليوم هو العشرون من أبريل ، اليوم الذي كتبت فيه أولى تدوينات "الدين والديناميت" ودخلت فيه عالم التدوين قبل عام كامل من الزمان..

في العشرين من أبريل العام الماضي كان لدي تساؤلات ، واكتشفت بعد عام أن التساؤلات كلها تلد تساؤلات.. في الفقه والفتاوى والممارسة والإعلام والسياسة ..

لم يكن التساؤل ترفاً فكرياً طوال تلك الفترة ، بل كان محاولة للفهم..لفهم أشياء كثيرة كان مسكوتاً عليها ، وتناقضات تحيطنا وتحاصرنا ونتصادم معها في عباداتنا ومعاملاتنا..

مصدر سعادتي بعد عام كامل من "الدين والديناميت" هو إحساسي بأن الكثيرين يشاركونني التساؤل والرغبة في الفهم، حتى في قضايا ثقيلة الدم من عينة "فقه الانتخابات" ، اتفقت معهم أو اختلفت ، إلا أنني وجدت أنساً حقيقياً بآرائهم وتعليقاتهم ، واستفدت منهم وتعلمت منهم ولا زلت أتعلم..حتى وإن وجدت بعض المجاهيل -جمع مجهول- وقد خرجوا عن النص ، وحولوا تعليقاتهم إلى فواصل من الردح لشخصي المتواضع (موضوع قناة الناس على سبيل المثال)..للكل كل شكري وتقديري ، فقد مروا على الأقل على هذه المدونة وربما فكروا معي فيما فكرت فيه وشاركوني تساؤلاتي..

وما دام في العمر بقية ، وما دامت الألغاز والتقاليع الغريبة والفتاوى الملغومة واللعب بالدين موجوداً ، تبقى التساؤلات موجودة ، وتبقى "الدين والديناميت" مجرد محاولة من العبد لله لفهم ما يحدث ، وسوف يحدث..محاولة للبحث عن الصواب والخروج من مفترق الطرق..

يبقى القول بأنه - بإذن الله - هناك تساؤلات أكثر سخونة ، وبعض التغييرات في شكل المواضيع وربما في شكل المدونة ، والتي أرى أنه حان وقتها..

Monday, April 2, 2007

بَدَّك تِرجَع لَوَرا؟

يقال أن الموضة في الملابس تعود للخلف ثلاثين عاماً كل حين ومين .. ولدينا كشرقيين – إن لم يكن كبشر – هوس بالعودة إلى الماضي بشكل عام حتى ولو كان أسود من قرن الخروب!

الفرق المتصارعة على الزعامة الدينية تحاول "تقرير" هذا الحنين علينا مثلما يقرر التعليم الرابسوي علينا ما يوافق مشيئة "ساخب المخل" ، كل إلى الماضي الذي يناسب هواه طبعاً ، بما أن الكل يتكلم هذه الأيام باسم "الأمة"..

وما التصريح الذي أدلى به "الأخ العقيد" ونقلته وكالة الصحافة الفرنسية إلا مجرد مثال صغير، الرجل يطالب بإقامة "دولة فاطمية ثانية" في الشمال الأفريقي! الرجل فعلاً يساير الموضة ، والفرق بينه وبين مصممي الأزياء أن الأخيرين مهووسون بإعادة موضة ثلاثين عاماً مضت ، أما الرجل فهو أكثر انفتاحاً ويبحث عن إعادة أفكار عمرها أكثر من ألف عام!

الشيعة في مصر يرون في الدولة الفاطمية صورة من صور العز الغابر ، السبب المنطقي الوحيد أنها التجربة الأهم لوصول الشيعة إلى السلطة ، والسلطة تمثل للشيعة حلماً وهاجساً حققوه في إيران فيما أسموه – من جانب واحد – بـ"الثورة الإسلامية" والتي على أساسها أعلنوا "الجمهورية الإسلامية" في 1979!

أما الصوفيون فهم مغرمون بشكل غريب بالعصر المملوكي ، لكن إذا عرف السبب بطل العجب ، فهذا العصر هو الذي شهد مولد وازدهار الطرقية وتغلعلها في عقول البسطاء وتحولها إلى بيزنس دين مخلوط بالخرافة!

ولا يوجد لدى السلفيين إلا التاريخ .. والتاريخ فقط..والتاريخ لديهم "مشكل" ، قصص أموية وعباسية وعثمانية كمان .. وإلا كيف تملأ الشرائط وكيف يدور المتحدث حول نفسه حتى ينسى المستمعون ماذا كان يقول؟

كل المذكورين أعلاه يعيشون في الماضي لأن قدرتهم على مواجهة الحاضر وفهم تحدياته شبه منعدمة ، وليس لديهم إلا الشعارات الرنانة والأمة ويا حلاوة الأمة ويا جمال الأمة وعز الأمة وكرامة الأمة.. فضلاً عن القصص التي تستهوينا ، ولأن الجمهور عايز كدة فمن الطبيعي أن يملأوا كل كتبهم ومطبوعاتهم وخطبهم وبرامجهم التليفزيونية بتلك الحواديت سواء ما كان منها حقيقياً أو ما تم "ضربه في الخلاط"!

إحقاقاً للحق ، "الاتجاه الورائي" في بلادنا ليس قاصراً فقط على الصراع على زعامة الدين ، بل نجده في الصراع حتى على الزعامة السياسية، ونسمع "للخلف در" في الفن والرياضة والسياسة ، هناك اتجاهات سياسية تتبع سياسة "كرباج ورا يا أسطى" ، ولا ترى بعينها إلا الأمس ، وتتجاهل الحاضر الواضح وضوح الشمس..

ونحن – فلة شمعة منورة – عاطفيون طحن ، نعشق الشعارات الرنانة والقصص ، نريد من يجعلنا نعيش ونتذكر باستمرار وننقد اليوم بمعايير الأمس ، ونتصعب على الحال "المنيل" للأمة العربية والعالم الإسلامي، ونبحث عن المنقذ الهمام السوبرمان في عصر لا يعترف بالفارس الذي يرتدي بدلة سموكنج أبيض في أبيض على حصان أبيض ويرتدي ساعة بيضاء ونظارة بيضاء .. لكنهم يصرون على القفز على الواقع وتسويق أنفسهم بصفتهم فرساناً بلا جياد أتوا لإنقاذنا من الوكسة والخيبة المربعة!

جميلة هي قصص الأمس وحصص التاريخ عندما تحكى بهذه الطريقة، مخدر قوي ، "يعمل دماغ" ، ينسيك الإحباط والألم (تماماً في الأفلام المبتذلة عندما يبرر فلان "قربعته" للخمر بأنه يريد فقط أن ينسى) .. لكن لا يوجد مخدر في العالم يدوم مفعوله للأبد.. ولن يكون أمامك سوى حل من اثنين .. إما أن تعيش الآن وتواجهه وتتخلص من تأثير المخدر ، أو أن تطلب "شمة" تاريخ أو "سيجارة" ملغومة بالماضي وليس بالبانجو!

عموماً ، بدك ترجع لورا؟ أي أمس الذي تريد؟ الأمس القريب أم الأمس البعيد؟ فشل الفاطمين أم جبروت المماليك أم ظلمة العثمانيين أم نووي أحمدي نجاد؟

أتمنى ألا "تُلوَح" رقابنا للخلف ، فلا نستطيع استعدالها للأمام!

حاشية : إحدى الطرق الصوفية في مصر نشرت منذ العام كتيباً بعنوان "الطريق إلى باماكو" على ما أذكر تمجد فيه إسهامات شيخ الإسلام معمر القذافي ، أمين القومية العربية ، وتناست إنجازاته العظمى في بيع قضية برنامجه النووي ، ورعاياه من ضحايا ممرضات الإيدز البلغاريين.. وربنا يخليلنا الكتاب الأخضر ، ومين عارف حيبقى لونه إيه بعد كدة!
* إفيه العنوان مقتبس من حملة دعائية شنها تليفزيون المستقبل ضد الوجود السوري في لبنان..

Monday, March 12, 2007

هية المزيكا حرام؟

مقدمة : ليس الغرض من المقال هو استعراض الآراء الفقهية حول الموسيقا والغناء ما بين الإباحة والتحريم ، حتى لا أجد ردوداً عبارة عن فتاوى من هنا ومن هناك ، ويتطور الأمر إلى تلاسن ثم تشاجر بين أنصار الآراء المختلفة .. الغرض فقط من المقال هو توجيه هذا السؤال البريء جداً إلى البعض ممن يعظوننا وبعنف بحرمتهما بينما يتحايلون ويلتفون على ما يقولون!

أبدأ من "ريحة الحبايب" .. فرقة قناة الناس ، والذي وصل الأمر بأحد مشايخها بتحريم إنزال النغمات الموسيقية على أجهزة المحمول ، في الوقت الذي يغني فيه مشايخ القناة كلهم تقريباً ، ومنهم على ما أعتقد صاحب تلك الفتوى نفسه ، القرآن الكريم .. صحيح أنه قد يعترض من يعترض على ما أقول مستشهداً بحديث عن التغني بالقرآن ، لكن اسمعوهم واحكموا ، وستجدون ما لا يستطيع بعض المطربين الحاليين أداءه في أغانيهم..ومش كدة وبس..

تذيع القناة المصون بين الفقرات "دعاء ختم القرآن" ، وهو يختلف إلى حد كبير جداً عن الدعاء الذي نجده في آخر المصحف ، يلقيه ، أو للدقة : يغنيه أحد الشيوخ بشكل فج كما لو لم يكن ذلك في "صلاة" التراويح!

وقد تضحكون عندما أذكر بما قاله أحد زملاء الشيخ المغني عن سامي يوسف (ولست بالمناسبة من المهووسين بهذا الأخير) ، عندما وجه ليوسف انتقادات بسبب طريقة أدائه ، معطياً إيانا موعظة طويلة عريضة عن "الدعاء الهادف" و "الدعاء الذي يحمل قيمة".. عجبي!

الروش في الموضوع أيضاً هو الطريقة التي يتحايل بها أصحاب تلك القنوات على "تحريم الموسيقى" باستخدام الأصوات البشرية مكان الموسيقى ، "موسيقى إسلامية" يعني ، على شوية اف اكس ومؤثرات ، ومن المطمئن أنهم لم يعدوا هذا الاف اكس إسلامياً أيضاً.. يالله ع البركة! وهناك في القناة المذكورة برامج تعتمد تتراتها على هذا الأسلوب من بينها "سهرة إيمانية".. إذا سمعت التتر ستستغرب مثلما استغربت!

الموسيقى موسيقى سواء أعزفت بالبيانو أم بالزنبوع أم بالصوت البشري أم بالصوت الحياني أم حتى بصوت العرب ، لماذا لم يقتنع هؤلاء بتلك الحقيقة الصارخة؟

كان من باب أولى أن يكون هؤلاء في تلك القنوات أكثر اتساقاً مع أنفسهم ، وأن يوقفوا أي شكل من أشكال الموسيقى المستترة والظاهرة والتطريب الصارخ حتى بين يدي المولى عز وجل ، طالما هم يؤمنون بأن الموسيقى حرام.. حرام .. حرام..والله تعالى أعلى وأعلم..

Friday, February 23, 2007

نحن تحت الشجرة!

الخرافة موجودة في كل مكان في العالم ، حتى في أكثر المجتمعات علمنة ، وهذا للرد على من يزعم بأن الخرافة مرتبطة بشكل مباشر بوجود الدين ، أي دين ، وللخرافة من يؤمن بها بحثاً عن أمل ، هروباً من ضعف أو هزيمة ، لكن ما يقرف ويصيب بالغثيان هو الموقف العام منها داخل مجتمعنا تحديداً..

بعد أن سكت "أنصار العقل" الذين "تنحرروا" وملأوا الدنيا صواتا وعويلاً في قصة فاروق حسني والحجاب على واقعة الإمام الذي زعم رؤيته للرسول الكريم في رمضان ، ظهرت لهم من الأرض "الشجرة المسلمة" .. شجرة مكتوب عليها لفظ الجلالة على حدود العاصمة كما نقلت الميديا المصرية ، وهناك من يطوفون حولها ويسيرون تحتها تبركاً بها..

أفاق هؤلاء على طريقة واحد صاحبنا كان جالساً تحت شجرة تفاح ، ولما سقطت فوق رأسه تفاحة صغيرة بقي صامتاً لمدة نصف ساعة قال بعدها "أي".. تذكروا فقط الآن أننا نجلس على بركة من الخرافة ألصقها من ألصقها بالدين لمصالحه الخاصة ، كرامات خارقة وأناس يمشون على الماء وقصص تملأ الكتب فيغترف منها الخطباء المنتمون لشلل الزعامة الدينية فيلقون بها في رؤوسنا ، وأشياء تسوق لنا على أنها معجزات في زمن تسويق كل شيء بالدين تطاردنا في كل مكان من المطبوعات التي توزع في المساجد مروراً بالاس ام اس ورسائل الميل وحتى الفضائيات ، أليست مسخرة أن يتم استخدام التكنولوجيا في تسويق الخزعبلات باسم الدين؟

ولأن للخرافة مصالح تحميها ، فستشهر جماعات المنتفعين بالخرافة ومبرريها داخل شلل الزعامة الدينية وغيرها سلاح الإرهاب الفكري في وجه كل من يرفع علامة استفهام حول كل ما سبق ذكره من خزعبلات .. سواء باتهامه بالطعن في الدين والتشكيك فيه .. وربما باتهامه بالتآمر على الأمة!

كما سبق .. ظهور الخرافة في حد ذاته ، ووجود من يستفيد منها في حد ذاته أيضاً أمر عادي مهما استهجناه ، الاستفزاز بعينه ما شاهدته بأم عيني في برنامج صباح الخير يا مصر اليوم..

يستضيف البرنامج كل جمعة شيخاً شاباً لا يتجاوز منتصف الثلاثينيات من العمر ، لتقديم شبه فقرة دينية ، وكانوا يناقشون في حلقة اليوم قصة الشجرة ، تحدث الرجل برطانة من النوع المألوف -على طريقة مسرحية شاهد ما شافش حاجة -عن الخطاب الديني المعتدل المستنير ، كلام جميل كلام معقول مأقدرش أقول حاجة عنه ، لكن سيادته كان يتحدث بعبارات من عينة "احنا بنبني وغيرنا بيهد ، احنا بنخطب وفي الفضائيات بيتقال كلام تاني"!

من الذي يبني يا شيخنا الجليل؟ وما الذي يبنى بالضبط؟

تحدث الرجل كما لو كان هناك جهد يبذل أصلاً .. كما لو كان هؤلاء الذين يتحدث عنهم يشاهدون القنوات الفضائية المحسوبة على الإسلام ويفندون ما يذاع من فتاوى ، كما لو كان هؤلاء يقرأون الكتب الموجودة على ناصية معظم مساجد مصر ، أو يزورون مواقع شلل الزعامة على النت بخرافاتها وخزعبلاتها ويردون على ذلك ..

تجار الخرافة إذن ليسوا فقط من يعفر على ذقوننا ، من يدعون محاربتها أيضاً ، فلم تكن الخرافة لتتوحش إلا إذا لم تجد من يواجهها دون تخوف من نفوذ الشلل وعلاقاتها بالساسة وانتشار نفوذها وسط البسطاء ، تاركين إيانا تحت الشجرة ، في انتظار وهيبة فيما يبدو!

ذو صلة : فكرت بعد رمضان في الكتابة عن هذا الموضوع قبل ظهور الشجرة بعدة أشهر ، إلا أن مقالاً حديثاً نسبياً أراه رائعاً للدكتور أيمن الجندي تناول الفكرة بشكل أكثر وضوحاً مما كنت سأكتب يومئذ.. أترككم معه..

تحديث: الشجرة طلعت تايواني..كل شجرة واحنا طيبين!

Saturday, February 10, 2007

والصفيح أيضاً .. يلمع!

" "حاشا وكلا ، لسنا ضد الإسلام من قريب أو من بعيد ، إحنا معتدلين صلاة النبي"..

لا أعرف إن كان هذا تحذيراً أم هتافاً أم صراخاً يطلقه بعض ممن يحسبون أنفسهم "مفكرين إسلاميين" ويمضون في تصديق أنفسهم إلى آخر الشارع على طريقة مسرحية "هنري الرابع" للويجي بيرانديللو..لكن مع الوقت تكتشف تناقضات غريبة تستعصي على البلع ، والمفارقة أنهم ينشرون ويسعون للنشر في مطبوعات يفترض أنها شعبية ويوجهون "أفكارهم الإسلامية" لعموم المسلمين وليس للصفوة أو للنخبة في الوقت الذي لا يأبهون فيه ربما لتساؤلات مشروعة من قبل الناس العاديين الذين من المفترض أن توجه تلك الأفكار "لتنويرهم" على أساس أنهم "عوام" و "غوغاء" و "دهماء"!

أمس شاهدت فقرة من برنامج 90 دقيقة استضافت فيها "المفكر الإسلامي" سيد القمني ، والذي عاد بعد اعتزال أو توقف أو مش عارف إيه ، والقمني كان يكتب -حتى وقت ما قال أنه "تهديد" موجه من جماعات متطرفة -في روزا ، والآن أصبحت له مدونة يعيد أو يكرر فيها ما نشره من مقالات في تلك المجلة..

من ضمن المقالات التي أعاد نشرها حوار له مع سامح سامي ، هذا الحوار يضعك أمام أفكار هذا "المفكر الكبير" بوضوح ..

في السؤال الأخير في الحوار قال له سامح :

* هل الممارسات الدينية وراء التخلف الاجتماعي ، فاني أرى أن الممارسات الدينية والعقائد وراء ما نحن عليه الآن ؟.

وكان ضمن الرد .. أو خلاصة الرد :

ومن ثم فالممارسات الدينية في حد ذاتها لا تكون عامل تقدم أو عامل تخلف إلا بنتائجها الملموسة في الواقع. ولا يجب حصر الدين هنا وحده كسبب إنما بحسبانه أداة في يد بشر يصوغونه وفق أغراضهم التي قد تؤدي إلى التخلف أو التقدم..

ثم أطلق هذه الفقرة الغريبة :

وإذا كنت تقصد الإسلام تحديداً ، فاني أقول لك انه بحالته الراهنة ، وبما يحمله من قواعد فقهية بل واعتقادية ، هو عامل تخلف عظيم بل أنه القاطرة التي تحملها إلى الخروج ليس من التاريخ فقط ، بل ربما من الوجود ذاته.

أولاً: ما هو المقصود بـ "الحالة الراهنة" للإسلام؟ هل يعقل أن "مفكراً كبيراً" يفتقر للدقة في سرد مصطلحاته ، دون التفرقة الواضحة بين "الدين" و "ممارسة الدين" و "فهم الدين"؟

الدين نفسه لم يتغير ، لا يوجد شيء اسمه إسلام اليوم ولا إسلام إمبارح ولا إسلام الشاطر ، فهمنا له يتغير زيادة ونقصاناً إيجاباً وسلباً تحفظاً وتحرراً ..الدين نفسه تم بنص القرآن الكريم بقول الله تعالى "اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي" (المائدة -3)

ثانياً ، وهو ما كتبته في ردي عليه ، والذي لا أعرف إن كان سيقرأه أم سيعتبرني (ككل مخالفيه في الرأي) من أنصار جماعات الإسلام السياسي (إنت معانا ولا مع الناس التانيين) .. ما هو تعريفه "للممارسات الدينية"؟ هل هي تلك التي نص عليها القرآن الكريم والسنة المطهرة؟ أم تلك التي "تم استحداثها" كحلقات الذكر ومسيرات الضرب بالجنازير في عاشوراء؟

ثالثاً : ألا يوجد "ثمة" تناقض بين قوله أن الممارسات الدينية في ذاتها ليست أداة تخلف أو تقدم ، وقوله أن القواعد الفقهية والاعتقادية في الإسلام "الراهن" هي سبب التخلف وأس البلاوي؟

طالما هو يتحدث عن "الحالة الراهنة" ، فمن المؤكد أنه ربما يطالب "بحالة جديدة" أما لا يزال هو وآخرون مصرون على أن ما يطلبون هو تجديد الخطاب وليس تعديل الدين نفسه؟.. بإسلام معدل مثلاً!

هذه السطور ليست تحريضاً عليه كما أتوقع أن أسمع ، هو حر في قناعاته لكنه ليس حراً في أن يقبل على نفسه وصف "مفكر إسلامي" على نفسه ، لا يوجد شيء اسمه مفكر إسلامي أصلاً لأن الإسلام ليس أيديولوجية ، فهو دين لا تتغير نصوصه وما يتغير هو فهمنا له ، بعكس الأيديولوجية التي يبقى فهمها وتبقى هي نفسها محل النقاش والفهم..

ليس كل ما يلمع ذهباً ، وليس كل مفكر بمفكر ، ولدينا قائمة طويلة عريضة تتضمن من "المفكرين الإسلاميين" من أمثال جمال البنا وشركاه من هم رموز للضبابية الفكرية والأفعوانية السياسية والتناقض الذي يتهمون به كل مخالفيهم وينتقدون سيطرة رجال الدين على الاجتهاد بينما يستحلون ذلك لأنفسهم ، وليس كل من توجه إليه بنادق المتطرفين ببطل أو شهيد ، فالمتطرف أعمى يوجه بندقيته لمجتمع بأكمله بمعتدله ومتطرفه طالما أنه لا توجد بينه وبين ما يؤمن به علامة يساوي..

كما نقول في مصر : عقلك في راسك تعرف خلاصك.. لنحكم بالعقل على صحة الأفكار من عدمها ، دون الانخداع بحنجوري بعض "المفكرين" أو الشعارات العاطفية أو بريق الصفيح .. الذي قد نصدق أنه فضة!

Wednesday, January 24, 2007

أيهما أولى يا فضيلة المفتي؟

كنت أعد لكتابة مقال سيثير فرقة "الهيلا هيلا هوو"* المتحدة والتي نشطت مؤخراً بأدبها الرفيع وشتائمها المهذبة في موضوع قديم نسبياً عن "قناة الناس".. إلا أن تصريحاً واحداً لفضيلة مفتي الديار المصرية الشيخ علي جمعة نشر قبل أيام على موقع الجزيرة نت كان كفيلاً بإثارة بعض التساؤلات الشريرة ثقيلة الظل..

طرح فضيلة المفتي فكرة بسيطة جداً .. أن "يقدم السنة والشيعة اعتذارا بعضهم لبعض في بيان موحد، وقال "أظن أن هذا الاعتذار قد يهدئ الحال"، وطالب بتجاوز التاريخ "لأننا لم نكن سببا فيه"..

قد يرى البعض تلك خطوة طيبة وبادرة مقبولة على خلفية إنهاء الصراع المذهبي ، ولكني أراها على المستوى الشخصي تسطيحاً للمسألة أكثر من أي شيء مضى..

نفس قصة الاعتذار تلك تذكرني بالتوتر الطائفي في مصر بين المسلمين والمسيحيين العام الماضي .. اعتذار على طريقة "كل واحد فيكم يقول للتاني أنا آسف ويبوس راسه ويلعب معاه"! .. ويبدو أن هذا المنطق سيفرض نفسه أيضاً حتى على الصراع المذهبي داخل الإسلام نفسه..

السيناريو في الوضعين واحد : اعتذار وابتسامات صفراء ومصافحات ، ثم احتقان وشجار ومشاحنات.. ثم تتساءل النخبة المثقفة ومعها رجال الدين في تناحة : لماذا عادت ريما لعادتها القديمة؟

والجواب لأن المشكلة الأساسية لم تعالج أصلاً ، و"بلبعة" المسكنات لن تغني عن مواجهة المشكلة نفسها قبل أن تستفحل ولا ينفع الندم..

الأولى من الاعتذار و"بوس الرأس" هو مراجعة الأفكار نفسها ، الأفكار الدخيلة على الدين الذي تصنع المذاهب بها شخصيتها الخاصة ثم تثبت في عقول العامة مع الوقت واضعة علامة "يساوي" بين المذهب والدين كله ..أفكار صنعتها مصالح سياسية واختلاط فكري مع ثقافات البلاد التي فتحها الإسلام أضر به أكثر بكثير مما نفعه ، وأبعدت فهمه عما كانت عليه الصورة بعد وفاة الرسول الكريم.. بل وتصطدم بالواقع وتثير مخاوف مشروعة لدى كثيرين بمن فيهم من يؤمن بأن لا تناقض بين الإسلام والدولة الحديثة..

وبالله عليكم ، لا أريد سماع اسطوانات نظرية المؤامرة ، ومؤامرات الشيطان الأكبر والشيطان الأصغر والأخطار التي تتهدد الأمة إلى آخر هذه الهراءات المحفوظة الحقوق لبعض عشاق الحنجوري وهتيفة المظاهرات وأدعياء "الفكر الإسلامي"، هذه الأفكار لا تحتاج لأمريكا ولا لإسرائيل لأن ينفخوا فيها فيشتعل الحريق هنا أو هناك ..

أتمنى أن يستفيد المفتون والمشايخ والمرجعيات وآيات الله من درس الجماعات المتطرفة في مصر ، لقد جاء الوقت على من رفعوا السلاح في وجه أبناء دينهم وبلدهم وقرروا عمل مراجعات فكرية للعديد من الهراءات التي ارتكبوا بها سجلاً طويلاً من الجرائم وكانوا يعتقدونها من صميم الدين (أياً كانت درجة التشكك في مصداقية تلك المراجعات.. على الأقل قالوا أنهم راجعوا)، لماذا لا يسير رجال الدين في كل مذهب والذين يعطوننا محاضرات طويلة في الاعتدال بنفس الاتجاه الذي سار فيه المتطرفون؟

أيهما أولى يا فضيلة المفتي؟ المراجعة أم الاعتذارات؟ العلاج أم الأسبرين؟.. عن نفسي أعتقد أن الأسبرين وحده لا يكفي..

ذو صلة:كتب الزميل المختفي نبيل هلال في الموضوع مبدياً وجهة نظره..وأتفق معها في كثير..
* هتاف كروي مصري بذيء شهير..

Thursday, January 18, 2007

اكرهوا أنفسكم!

ساعات ونعرف مصير العام الهجري 1428 ، هل يبدأ الغد "الجمعة" أم السبت .. كل عام أنتم بخير..

إذا كنا في نهاية العام الميلادي نلقي نظرة على أحوال العالم كله في ثلاثمائة وخمسة وستين يوماً من العمر ، فهذه فرصة ونحن في هذه الأيام المفترجة لنقف بيننا وبين أنفسنا على حالتنا نحن كمسلمين والتي لا تسر عدواً ولا حبيباً خلال عام هجري كامل..

على غير العادة .. لن أتطرق لكل التناقضات الغريبة التي نعيشها في سلوكياتنا ، ولا على التدين الشكلي ، أو الاستغلال التجاري والسياسي للدين ، وكله جاي دوره بعون الله تعالى ، لكني سأكتفي بالكتابة عن لقطات صغيرة وغريبة حدثت في العام الهجري الذي أبصرت فيه تلك المدونة النور قبل تسعة أشهر..

جعجعة لا مثيل لها تتكرر من كل المتمذهبين ومن العديدين ممن يكلموننا في الدين عن الأمة الواحدة الموحدة المترابطة المش عارف إيه ، في الوقت الذي نجد فيه من الغريب أن يصافحك مصلي في المسجد! أصبح المشهد الذي عشت طفولتي وما تلاها من العمر غريباً ومستهجناً.. بتسلم على اللي جنبك ليه؟

صحيح أن من يفتون بذلك يعللون بأن المصلي بعد الصلاة لا يزال في صلاة إلى أن يختمها .. لكن ماذا تقول أحياناً فيمن يجري دون أن يلوث يده بالسلام على المصلي الجالس بجانبه؟

أما من إمام ينبه على أن المصافحة بين المصلين بعد أداء الصلاة وخاصة المصلين الذين لا تسمح لهم ظروف عملهم أو مصالحهم بختم الصلاة ليس رجساً من عمل الشيطان؟

وتماشياً مع تلك العدائية ، التقطت من موقع إحدى الطرق الصوفية عبارة لإمامها المجدد كما يصفونه : ! أَحذَر أَن تُحِبَّ شَيئًا غَيرِ اللهِ ،فَإِذَا شِئتَ أَن تُحِبَّ غَيرَ ذَلِكَ فَأَحِبَّ مَن وَالَى اللهَ !

لا تحب أي شيء ، ولا أي شخص ، لا تحب وطنك ولا أهلك ولا أصدقاءك ولا عملك.. اكرهوا أنفسكم و "ولعوا فيها" بجاز ، وياريت يكون مش نضيف!

ثم نأتي بعد ذلك ليستعرض علماء الفرق والمذاهب والطرق والشلل والجماعات والمرجعيات على الغرب أننا دين محبة وتسامح (وهو أمر لا مزايدة فيه ولا عليه)! الاسم طوبة والفعل أمشير .. النصوص محبة وسلام وتواد والفتاوى والسلوك وأفكار البشر كلها تنضح بالعكس!

أقلب مؤشر القنوات بين قناة دينية تبيع منتجاتها بقال الله وقال الرسول ، وأخرى يتحدث فيها "باحث إسلامي" عن مراكز السالكين ودرجات المتقربين .. أين نحن من هذا وذاك؟

كل عام وربنا ساترها علينا .. ولا يجعلنا في فوهة مدافع أفكار هؤلاء أكثر ما نحن عليه الآن..

Tuesday, January 9, 2007

كلام في "الغسيل"!

أولاً أعتذر عن الغياب الطويل والفواصل الزمنية الطويلة بين كل تدوينة وأخرى.. ربما تعمدت الإطالة لكي تحصل المواضيع على حقها من النقاش والقراءة دون "كروتة" .. بما أن المواضيع الجديدة تطمر دائماً القديمة مهما كنت أراها مهمة وتستأهل النقاش والجدل..لكن كثيراً من الإطالة يضر أكثر مما ينفع..

ندخل في صميم الموضوع..

قد يكون الدخول إلى التدين .. أو "الالتزام" كما يعرفه موقع عشرينات (ولي في هذا التعريف نقد عنيف في تدوينة قريبة بإذن الله) نوعاً من أنواع الغسيل ، وكلمة الغسيل تتعلق عادة في الميديا بـ"الأموال" ، ولكنه قد يكون غسيلاً للسمعة أيضاً ..

هناك من الساسة ورجال البيزنس وحتى الفنانين من يغسل أمواله وسمعته بالالتحاق بحضرات الصوفيين ،وتمويل الأنشطة السلفية ، أو ببناء مسجد أو عيادة ، وأبسط شيء بالعيش في دور "الاستشياخ" والتركيز الصارخ على هذا المظهر أكثر وأكثر حتى لو تعارض مع المضمون..الذي هو أهم من الشكل حتى ولو لم يلغِه..

لم أدخل في دوافع الناس كما يحلو للبعض الاتهام ، قد يكون وراء ذلك رغبة حقيقية في التطهر حتى وإن تعارضت مع تمسك الشخص بمكتسباته التي يرفضها أخلاقياً ، وقد يكون وراء ذلك رغبة في الغسيل تغطية على مخازي وفضائح تهدد مكتسباته ومصالحه .. وفي كل الحالات "يفتن" السلوك على الدافع سواء أكان إيجابياً أو سلبياً..

تأخذ عمليات الغسيل تلك أبعاداً خاصة عندما يتعلق الأمر بالفن بالذات ، فوجهات نظر المتمذهبين تجاه الفن "تجنن" بما تحتويه من متناقضات عجيبة سأناقشها باستفاضة قريباً بإذن الله ، قد لا يشكل المتمذهبون نسبة كبيرة من تعداد السكان في مصر لكنهم يتمتعون بنفوذ قوي داخل المؤسسة الدينية والإعلامية سواء الرسميتين منهما أم غير الرسميتين..ويصب معظمها في أن الفن إن لم يكن حراماً فهو منكر.. وأن هناك فرق بين الفنان "الملتزم" والفنان "غير الملتزم".. وعليه فإن كل أموال الفن حرام حرام حرام.. بعض الفنانين "يشهر التزامه" مقتنعاً بتلك الأفكار الممتمذهبة دون أن يفعل شيئاً تجاه الأموال التي هي - من وجهة نظر من أقنعوه - حرام حرام حرام!

قد يكون الجدل هنا على حرمة أموال الفن من عدمها .. أحكام الحلال والتحريم في ذاتها أحكام عامة* .. ومع ذلك فإن الفن الذي يقدمه "البعض" قد يثير الجدل ويجعلك تتعاطف مع من يفتون بتحريم أموال الفن كله!

هذه المقدمة الطويلة كانت لازمة لتقديم واقعة هذه المداخلة ، وبطلها فيما يبدو شخص أعتقد أنه مقدر لي : سعد الصغير!

تعرفون أن وائل عباس و ماكسد أوت زميلينا -والـ"نا" هنا ليست تعظيماً ولكن عطفاً على فكرة كوني مدوناً ومعظم الزوار مدونين فكلنا مدونين في بعضينا-قد نشرا في وقت سابق كليباً "فضيحة" للبيه سعد الصغير تكرر كثيراً فيما يبدو ، وألمحت له قبل أيام في المدونة الشقيقة "فرجة" ، وبعد أيام أفاجأ بـ"المصريون" تنشر أن سيادته قد بنى مسجداً تحت عمارة مكونة من عشرة أدوار (هناك آراء فقهية تقول أن المسجد لا يجب أن يعلوه شيء.. ربما كان المصطلح الأدق الذي يصف المكان هو أنه "زاوية" والله تعالى أعلم).. وكان رد فعل أهل المنطقة - والعهدة على الصحيفة الإلكترونية- هو المقاطعة التامة ، وكذا الشيوخ الذي يفترض بهم الخطابة في صلاة الجمعة المقامة في تلك الزاوية بدعوى أن المال الذي بنيت به .. حرام!

قد يقول البعض بأن هذا الموقف ليتخذ حتى ولو كان سعد الصغير -لا سمح الله - فنان بحق وحقيق ، لكن أنا مع وجهة نظر معظم أهل المنطقة الذين يجدون صعوبة في الصلاة في مسجد بني بأموال شخص فعل ما فعل في الكليب المذكور (وربما لأنهم عشيرته الأقربون فهم يعرفون عنه في أفراحهم ما لا نعرفه ، وما لم ينشره ماكسد ووائل)..

الغريب أنه من هؤلاء أيضاً من يحضر الأفراح التي يقوم فيها سعد بيه بحركاته إياها ويستمتع بها ، ولا مانع من أن يحكي ما حدث لأصدقائه ويتفاخر بالحركة الفلانية التي قام بها مع الراقصة العلانية ، ثم إذا حدثته عن الصلاة في الزاوية التي بناها سعد بيه يقول لك : استغفر الله العظيم .. دي مبنية بفلوس حرام!

وجهة النظر الأخرى لها وجاهتها ، حسناً ، كسب فلان الفلاني أموالاً من التمثيل المبتذل والغناء المسف و...و....ماذا سيفعل بتلك الأموال التي يعلم بأنها حرام؟ هل يحرقها مثلاً؟

معضلة صعبة ، سواء أفترضنا حسن نية سعد وغيره أو سوئها..كيف ترونها؟

تحديث:نشرت جريدة صوت الأمة في عدد الأحد الماضي صورة للزاوية التي بناها سعد الصغير وأجرت تحقيقاً عن الموضوع..

تحديث 12/1:ذكرتني الزميلة زمان الوصل بأن كانت هناك عبارة ما مكتوبة على الستارة في خلفية الكليب الشهير الذي نشره وائل عباس لسعد الصغير.. المسخرة أن الكتابة - كما رأيتها - هي عبارة : محتاجينك يارب!.. تلك العبارة المكتوبة على قطعة من القماش تحدث أمامها هذه الكمية من المساخر قد أتطرق إليها بإذن الله تعالى في تدوينة مستقلة..
* ولي هنا أن أذكر بتعليق ينسب للعالم الأزهري الكبير الراحل الشيخ محمد أبو زهرة ، الذي قال ما معناه أن الإسلام يتسم بالجدية في أمور التحريم ، فهو عندما حرَّم الزنا حرمه ولو بامرأة مشركة عقيم محترفة..

Friday, December 29, 2006

نفخ البلالين ، ومجاذيب الحسين

تودع "الدين والديناميت" العام 2006 بأفراحه وأتراحه ومآسيه ومهازله وملاهيه التي تقتل من الضحك..

ولا يمكن الحديث عن هذا العام دون الحديث عن نوعين من مجاذيب الحسين ، النوع الأول فرقة "إلا البيروقراطية" المكونة من صحفيين ومسئولين حزبيين بيروقراط يدافعون بجنون عن سيطرة الفكر البيروقراطي على كل ما يخص المصريين ،والثاني فرقة جديدة بعض أعضائها من الفرقة السابقة تولول على حال الأزهر بعد أحداث الإخوان الأخيرة ، وتتساءل في بلادة و "سنتحة": أين كان الأزهر عندما اخترقه الإخوان؟

القاسم المشترك بين الفرقتين هو التشنج الذي يفوق ما يقوم به مجاذيب الحسين ، وأن كلاهما يستعبط!

أين كانت الفرقة الثانية طوال سنوات كان فيها الأزهر على مدى عقود مخترقاً من جميع الجهات ، صوفيين وإخوان وبترودولار وتيار سلفي؟

تناولت "الدين والديناميت" في موضوع سابق "امسك حرامي" في شهر يونية موقف بعض الشيوخ المحسوبين على المؤسسة الأزهرية من الاحتكار ، أعتقد أنه من السذاجة التفكير في مواقف معارضة للاحتكار داخل المؤسسة الأزهرية ، عطفاً على حقيقة أنه يوجد داخل الأزهر مركز اسمه مركز "الشيخ صالح كامل للاقتصاد الإسلامي".. الكلام على مين؟

تعاملت إدارة جامعة الأزهر ببلادة متناهية مع ما نشرته عشرينات ونشرته هنا نقلاً عنها عن وجود "طلبة غشاشين في مادة القرآن الكريم" داخل المؤسسة الأزهرية ، ولم نسمع عن أي ضوابط أو أي إدانة ، طبعاً لا تنتظر من الفرقة الثانية المشار إليها في بداية التدوينة أي إثارة للموضوع على خطورته .. السيد الفاضل رئيس جامعة الأزهر حاول استغلال الأمر مؤخراً في حربه على طلاب الإخوان.. مشكلة سياسية عنده أهم بكثير من أن يقف على منابر مساجدنا شيخ غشاش.. سلامتها أم حسن!

قانون تجريم الإفتاء من غير المتخصصين الذي نشرت عنه عدة مواقع وصحف وقدمته سابقاً في "القانون المامبو والمسخرة الجامبو" قبل أشهر كان نكتة العام على حق ، فلم يعد أحد يعرف من هو المتخصص من غير المتخصص ، وأساتذة الفقه المقارن الأزهريون المحترمون الأكارم متفرغون لاتهام بعضهم البعض بعدم التخصص ، إذا كان ذلك غريباً فإن الأغرب فعلاً هو أنك لا تجدهم يردون على أي من المفتين غير المتخصصين! تجدهم في موالد الصوفية والندوات ويتحدثون عن "تجديد الخطاب الديني" ويفرحون بلقب "مفكر إسلامي" -لقب يطلق عشوائياً هذه الأيام- في الوقت الذي يختفون بقدرة قادر عندما نحتاج لرأيهم واجتهاداتهم .. إن وجدت طبعاً..

قد يكون ما أثير عن "ميليشيا الإخوان" خطيراً ، لكنه لا يمثل واحداً بالمائة من فقدان أكبر جامعة إسلامية على وجه الأرض لمصداقيتها في الشارع الأمر الذي جعل شرائح من الناس تقبل على شرائط الميكروباص وقناة الناس ومواقع شلل الزعامة الدينية على النت ، من فشلها في تخريج الفقيه المجتهد والمهني المتبصر بأمور دينه ، من تقديمها لكريم عامر وأمثاله وهم كثر (مع شديد احترامي لصراحة هذا الرجل وبجاحته كما ذكرت سابقاً) ، وبالتأكيد لم يظهر كريم عامر من فراغ!

ولا تسأل عن الفرقة الثانية بالتأكيد عندما يطلق بعض الأزهريين تصريحات غير مسئولة من عينة أن الانتخابات تخالف مبدأً إسلامياً ، وأن من حق ولي الأمر شرعياً أن يفعل كذا وكذا في الانتخابات .. ضحك علينا اللادينيون لما قالوا يا بس بسبب هؤلاء وفرقة المجاذيب !

الحقيقة موجودة في كل مكان ، ولا تحتاج لتفتح موقع هذه المدونة أو غيرها لكي تراها ، كل ما أتمناه أن يمتلك القائمون على الأزهر شجاعة الاعتراف بالخلل الحادث حولهم والمتورطون فيه ،وجرأة اتخاذ التدابير لإصلاحه ، وعدم الاستماع لفرق مجاذيب الحسين وغيرهم ممن لا يهمهم الأزهر ولا مصر نفسها في شيء..

كل عام أنتم بخير ، وربنا يهدي العاصي ويشفي العيان!

Saturday, December 9, 2006

هل يلزم التفرغ للفقيه؟

من أهم ما كتب عن تشفير مباريات كأس العالم ما كتبه زميلنا المختفي "القانوني" .. أترك لكم رابط مقاله للقراءة..

أثار زميلنا حازم الشهير بالقانوني نقطة هامة جداً أعتقد أنها تحتاج إلى نقاش..

هل يشترط أن يتفرغ الفقيه تماماً للعلم الديني ولتدريسه؟ أم من الممكن أن يكون الفقيه ذا مهنة دنيوية أيضاً؟

ضرب حازم مثلاً بالإمام أبي حنيفة النعمان أحد أشهر المجتهدين الحقيقيين في التاريخ الإسلامي ، والذي كان تاجراً ، وأتاحت له التجارة القرب من شئون الدنيا والاجتهاد فيها.. كلام سليم..

ولكن..

ولكن لدينا مدرستان غريبتا الشكل في تلك المسألة ، مدرسة ترى أن الفقيه أو العالم الأزهري يجب أن ينعزل تماماً عن العالم المحيط ويفرط في التخصص ، أو بتعبير حازم "الشيوخ المترهبنون" - النموذجان السلفي والصوفي ، أما المدرسة الأخرى فهي المدرسة الشيعية التي تؤمن بما يسمى "ولاية الفقيه"..

في النموذج الأول يعيش الفقيه في كوكب آخر حدوده فقط الكتب القديمة ولغته العنعنة فحسب ، وبالتالي فإن أحكامه وفتاويه تصدر عنيفة وقاسية، وإن حاول التوغل في المسائل الدنيوية فإن النتيجة تكون كارثية، أما في الآخر فيتحول الفقيه إلى سياسي يفتي في مسائل سياسية صرفة لا علاقة لها بالفقه من قريب أو من بعيد.. تذكروا أيضاً أن السياسة لا أخلاقية بطبيعتها وفيها التحالفات والألاعيب.. كما أن مسألة الحكم ببساطة شديدة أعلى كثيراً من اختصاص أي فقيه ، وإلا لكنا سمعنا عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما وقد تولى الخلافة (وهناك فقهاء كثر رفضوا مناصب سياسية وإدارية من بينهم حسب معلوماتي أبو حنيفة نفسه)..

حاول الأزهر إمساك العصا من المنتصف ، عندما أدخل العلوم الدنيوية داخل الدراسة الدينية ، وكانت النتيجة المنطقية نظراً لسوء التنفيذ هي وجود جيل من أكاديميي الأزهر وخريجيه رقصوا على السلم ، لا هم فقهاء مجتهدون ولا هم دنيويون نابغون.. وعادت الكرة إلى ملعب الأكاديميين الأزهريين المتخصصين أساتذة الفقه ، ومعهم بعض أساتذة التخصصات الأخرى الذين يحبون لعب دور الفقيه!

أنا مع حازم تماماً في صحة نظريته عن الفقيه الدنيوي ، الطبيب الفقيه أو المهندس الفقيه أو المصرفي الفقيه ..الخ..وأعرف أن وجوده سيضبط إيقاع الاجتهاد وسيقف في وجه البعض الذين يريدون العيش في دور المجتهد والمفكر ، أو في وجه أصحاب الاختصاصات الأخرى الذين قرروا لعب دور الفقيه دون دراسة أو فهم أو حتى إطلاع، لكن ثقة الناس بالفقيه الدنيوي في الوقت الحالي تبقى ضعيفة (فلان دكتور ..إش دخله في الفقه- حتى ولو كان أزهرياً قُحَّاً) ، بل إن فتاواه واجتهاداته ستكون عرضة للاتهام من حين لآخر (أي أن الرجل سيتهم بالتحيز لمصالحه الدنيوية إذا لم تأتِ فتواه "ع الكيف")..

لقد عشنا لقرون مع الفقيه المتفرغ ، وسنحتاج لبعض الوقت لكي نعود أنفسنا على الواقع الجديد..وقبلها لمزيد من الاستقلال الفكري والجرأة لدى القائمين على التعليم الديني ليخرجوا أشخاص على علمين ديني ودنيوي بحق وحقيق..

هذه هي وجهة نظري في المسألة ..والله أعلم .. فما هي وجهة نظركم أفادكم الله؟

Sunday, December 3, 2006

لحظة غضب

لم أكن أريد الكتابة عن أي موضوع آخر حتى تأخذ التدوينة السابقة حقها من النقاش .. لكن الأحداث تفرض نفسها .. وموضوع هذه التدوينة "ما يستناش" مهما حاولت تأجيله..

نشرت الأهرام خبراً أنقله عن "في البلد" عن مصلٍ حاول الاعتداء على إمام مسجد الإمام الحسين بالقاهرة..

دون الخوض في التفاصيل ، ومع إدانتي الكاملة لسلوك هذا المصلي ، إلا أنني في الوقت نفسه متعاطف معه .. ولا يشترط برأيي أن تعايش نفس ظروفه حتى تتعاطف معه ..

لا يوجد وسط في مجتمعنا بكل أسف ، إما أن يتدخل رجال الدين في كل صغيرة أو كبيرة حتى في السياسة بالفتاوى الغريبة ، وإما أن يعيش رجال الدين في برج عاجي عازلين أنفسهم عن العالم الخارجي وغير مبالين بالسلوكيات السائدة في المجتمع ولا بمن يعيشون فيه أساساً.. ولهذاالطرح ولذاك مؤيدون ينعتون معارضيهم بأبشع الأوصاف.. ولا يستطيعون التحاور مع غيرهم ولا مع أنفسهم..

المنابر والقنوات الدينية معزولة فعلاً عن حياة البشر ومشاكلهم وأوجاعها ، خطب تفوق الساعة وشرائط يتم تعبئتها ووعظ وصراخ وشخط وانفعال وافتعال، في الوقت الذي "فينا اللي مكفينا" ، ومطبوعات تمجد الإمام المجدد الفلاني وشيخ الطريقة العلانية وتتحدث عن تمايل الذاكرين بينما خلق الله يتمايلون ألماً من الفقر والجهل والفساد والتخلف والتطرف والبيروقراطية السياسية ، وقنوات دينية تستشعر أن أصحابها يعيشون في كوكب آخر غير الذي يعيش فيه كل "الناس"!

رغم التباين بين كل هؤلاء والأتاتورك إلا أني أرى أن المحصلة واحدة ، الدين في وادٍ والناس في واد ، رغم أن الدين يستهدف صلاح الدنيا والآخرة .. الفرق أن الأتاتورك يحرضون الساسة على فصل الدين عن الحياة وينظرون لذلك في وسائل الإعلام ، بينما يقوم الآخرون بذلك بأنفسهم ، بفرض شكل من أشكال الحياة "الدينية" الشكلية التي تبتعد أحياناً عن روح وربما نصوص الدين نفسه مصورين إياها على أنها أوامر الإسلام ونواهيه ، باستلاب الناس من الدنيا أمام الشرائط وفي الموالد وأمام الفضائيات ..الأتاتورك و "هؤلاء" يفصلون تماماً الدنيا عن الدين ، الفرق في نوعية الخيار الذي يغرون الناس باختياره..

النتيجة أنك تجد من يسمي نفسه مفكراً إسلامياً ويتساءل بعد أربعة عشر قرناً لماذا نزل الله هذه الآية ، في المقابل تجد من يصلي ويكذب ويعش ويرتشي .. والناس محاصرون بين الأول في وسائل الإعلام والثاني في الشارع..

كل هذا يحدث ولا تنتظرون غضباً؟ ألسناً لحماً ودماً في الأول والأخير؟

الكرة في ملعب الأزهر ، ووزارة الأوقاف ، وكل مذهب يقدم نفسه على أنه وحده صحيح الدين.. وإلا فإذا كنا قرأنا عن شخص واحد حاول الاعتداء على إمام مسجد ومنعه باقي المصلين ، ففي مرات قادمة سيهاجم كل المصلين الإمام كما لو كان لص أحذية في مسجد وليس إمام المسجد!

السكوت على ما يسبب لحظة غضب واحدة قد يتسبب فيما بعد في حالة غضب عارمة .. ومعظم النار من مستصغر الشرر.. دمتم بألف خير..

Friday, December 1, 2006

أحد الحصانين

قيل أن "مسطولاً" وسكراناً اشتريا حصانين ، ولأنهما رأيا أن الحصانين متشابهان بشكل يصعب تمييز كل منهما عن الآخر ، فأخذا يبحثان عن طريقة تجعل كل منهما يتعرف على حصانه بسهولة .. فاقترح المسطول قص ذيل "أحد الحصانين" ليبقى بلا ذيل بينما يحتفظ الآخر بذيله ، واستيقظا اليوم التالي ووجدا الحصانين بلا ذيل .. فمضى المسطول في نفس النظرية مقترحاً قطع أذن "أحد الحصانين" .. ثم رجلي "أحد الحصانين" .. ثم الرجلين الآخرين "لأحد الحصانين" ، وفي كل مرة يتكرر العطب في الحصانين معاً دون أن يجد الثنائي تفسيراً منطقياً لما يحدث ..وقبل أن يقترح المسطول قتل "أحد الحصانين" أفاق السكران ليخبره أن أحد الحصانين أبيض والآخر أسود!

اسمحوا لي أن أقرأ ما حدث مؤخراً بشكل هادئ ومختلف تماماً عما تم تناوله من قبل زملاء أفاضل عدة ..

لن أتناول هنا الآراء المختلفة في الحجاب ، سواء منها ما يقول بفرضيته ، أو حتى ما يقول أنه بدعة وضلالة .. ما وراء السطور أراه أكثر أهمية ، والتصاقاً بالدين وما نفعله به!

رغم أنني من دعاة ترشيد استهلاك نظرية التآمر ، فإنني أرى أن ما حدث كان مناورة مقصودة ، وتمثيلية من أولها لآخرها من بطولة الحزب الوطني البيروقراطي ، وشربها الإخوان كما شربت كل القوى السياسية مقلب المادة السادسة والسبعين .. تمثيلية تم حبكها "من فوق" -لأن "اللي تحت" لا يتمتعون بالحد الأدنى من الذكاء والخبث السياسي لعمل سيناريو يفوق حتى سيناريوهات وحيد حامد ..

ليس الغرض من تلك التمثيلية صرف الأنظار عن التعديلات الدستورية ، فهي تافهة وغير ذات قيمة وغير ذات تأثير على حياة المواطن المصري العادي محروق الدم - على الأقل مما يظهر لنا من خلال التسريبات الصحفية .. ولكن لتوصيل رسالة ما إلى المواطنين خارج قبة البرلمان : نحن قادرون على المزايدة الدينية أكثر من الإخوان الذين لا يملكون إلا إثارة قضايا شديدة الشكلية داخل البرلمان ..وأن هذا هو ما سيحدث عندما يصل الإخوان إلى السلطة يوماً ما .. مجرد تركيز على الفيديو كليب والحجاب والنقاب .. وأننا - البيروقراط لا سمح الله - نمثل البديل الآمن المحافظ على الهوية الدينية والقومية لمصر ..

ربما كنت أرى لوقت قريب أن فاروق حسني لم يقصد حرفاً مما قاله هذه المرة ، رغم تصريحه الكوميدي الشهير بأن الإسلام به أربعة أركان فقط ، لكن بالتمعن في السيناريو المرسوم بدقة نجد أن الكلام متعمد ومقصود الإلقاء به "على الترابيزة" في هذا التوقيت بالتحديد..

هاجت الدنيا وماجت ، هاج البرلمان وهاج مع الوزير أو عليه ، وبالتأكيد فإن الأصوات الهادئة التي ترى أن الوزير حر فيما يقول ولكن يجب أن يتخير ألفاظه بوصفه من واجهات النظام لم نسمع لها حساً وسط الضجيج ، فتلك المعارك التي يتم خوضها بتلك الطريقة تعتمد منطق "معايا ولا مع التانيين" .. أي أنك طالما لست معنا فأنت مع الإخوان.. وهنا بدأ الحديث عن حرية الرأي ، وعن عدم فرض الوصاية على العقول باسم الدين ، حديثان حقان يراد بهما الباطل ، فموقف البيروقراط ممن يختلف معهم فكرياً معروف ، وموقف البيروقراط من أكذوبة الزعامة الدينية في الإسلام معروف ومفضوح وأكثر خزياً حتى من أكثر جماعات الإسلام السياسي تطرفاً!

وفجأة تم احتواء الموضوع واعتباره كأن لم يكن ، سواء في المعسكر الحكومي أو في الإخواني.. أنا شخصياً لا أفهم كيف تم ذلك!

أنا شخصياً لدي عدة ملاحظات على ما حدث برمته..

أولاً .. أن البيروقراط والأتاتورك على ادعائهما الكاذب والمستمر بنصرة الحريات استخدموا منطق "معانا ولا مع التانيين" المشار إليه ، بل تطرف بعضهم في التلميح في إطلاق أوصاف عامة على كل المحجبات ، ولم يتبق تقريباً إلا التأكيد على أنهن عضوات في تنظيم سري..وهذا يؤكد للعيان أن الإقصائية شيء موجود في كل الاتجاهات السياسية والفكرية في مصر على الأقل ، سواء أستندت لمرجعية دينية أم عالمانية..

ثانياً .. أن الإخوان لم يقدموا بأعضائهم الثمانية والثمانين أي جديد يتناسب مع مرجعيتهم ، فالاستجوابات في معظمها انحصرت حول نقاط شديدة الشكلية بعيدة عن ما انتخبهم الناس من أجله .. هذا يجعل الناس باعتقادي على يقين تام بأن أي اتجاه سياسي ذا مرجعية دينية لن يكون قادراً على إدارة البلاد إن تمكن من الوصول لسدة الحكم ..

ثالثاً .. وهو الأهم .. أن ما حدث كان سابقة من البيروقراط أخطر من أن يتم تجاهلها .. استخدام الإرهاب الفكري داخل قبة البرلمان .. ليس ضد فاروق حسني ولكن ضد المستقلين "فعلاً" داخل البرلمان وضد أدوات تحريك الرأي العام .. فبهذا المنطق أي وزير يملك صكاً ضمنياً لا يحاسب بدوره داخل القبة على ما يقول أو يفعل .. لأنه سيكون في تلك الحالة محسوباً على الناس التانيين.. وعليه فإن على أي نائب ، أو أي كاتب إن رأى أن تصريحات وزير ما "تفتقد للقليل من اللباقة" أو أنه "تعامل بتراخٍ مع أحكام القضاء" .. فإن نهاره أسود من فانلة حكام كرة القدم القديمة!

قد أحترم القدرات التنظيمية للإخوان الذين لا يختلف اثنان حتى من أشد مخالفيهم على أنهم "بيلعبوها صح" .. لكن مضار وصول الإخوان للبرلمان بشكلهم الحالي أكبر بكثير من منافعه .. ربما كانت التمثيلية لتختلف شكلاً وموضوعاً ووقاحة لو كان أصحاب المقاعد الثمانية والثمانين في "مقلة الشعب" من الناصريين أو القوميين .. لكنها كانت لتكون مستساغة أكثر لأن "الطرف الآخر" في هذه الحالة لا ينطلق من مرجعية دينية .. أقله لأنني كمواطن مسلم مصري أربأ عن الدين في الدخول في مزايدات سخيفة كتلك..

Sunday, November 19, 2006

بمناسبة كريم عامر

لو بقي كريم عامر ضمن طلبة جامعة الأزهر لوجد من يطلق عليه لقب "مفكر إسلامي"!

بعد أن عصرت على نفسي ليمونة ، وقررت القراءة لمشروع "المفكر الإسلامي" ، تأكدت أن كريم عامر يمثل نسبة كبيرة ممن يحبون أن يطلقوا هذا اللقب على أنفسهم .. ليس فقط في علاقته المتطرفة بالنص ولكن حتى في إقصائيته للغير .. ما يخبئه "المفكرون الإسلاميون" من عينة العشماوي وجمال البنا يظهره كريم بوضوح..

ولعل الوضوح هو الميزة الوحيدة في كريم عامر ، هو شخص يعترف علناً بأنه ملحد ، ويدلي بآرائه المتطرفة على الملأ ، على العكس من أشخاص يمارسون التقية السياسية والفكرية ويمشون مع الماشي ، ويقدمون وصلات النفاق للنظام الإيراني والحزب البيروقراطي وبعض الأنظمة العربية وحتى بعض جماعات الإسلام السياسي والفرق المتصارعة على الزعامة الدينية.. والأجمل في أنه صريح حتى في إقصائيته وتعاليه ، فبينما يكيل لك هؤلاء قصائداً في احترام الرأي والرأي الآخر تجد "الطبع الردي من جواهم فط" مع الاعتذار لأغنية "سعاد حسني" في فيلم "شفيقة ومتولي" ويرون أنهم على الحق المبين وأن كل من على غير رأيهم حمار حصاوي بذيلين ونصف الذيل ، تماماً مثل الإمام الذي كدت أن أتشاجر معه في رمضان المنصرف.. رغم التباين الشديد بين الإمام وبين "المفقرين" في مسائل كثيرة!..المفقرون يدعون الحرية ويخبئون الإقصائية ، أما "كيمو" فيظهر الاثنين معاً..

فكريم الذي يهاجم كل الأديان بدعوى أنها تحرض أتباعها على عدم احترام من يدين بدين مختلف هو نفسه من يعتبر المسلم شخصاً غير محترم لنفسه! حتى دور الملحد المسالم لا يقبله.. يا عيب "إلشووووم" على رأي فطوطة!

قد يكون القليل من كلامه صحيحاً عن ممارسة النفاق الديني في شهر رمضان ، لكنه - ككثيرين غيره - يؤمن إيماناً قاطعاً بأن القرآن والسنة يأمران الناس بالنفاق ، ليس لدى صاحبنا -الأزهري الدراسة - الحس الكافي لإدراك الفرق بين ما يستهدفه الدين كنظام وبين الممارسة الفعلية للدين التي قد تنحرف عن الخط الذي رسمه الدين كنظام ، وذلك لأنه برأيي المتواضع لم يحاول فهم النص نفسه ، بل كان كل تركيزه على نقد النص وحتى نقضه..

تاريخ الإلحاد قديم كتاريخ الإسلام نفسه ، لكني أعتبر كريم عامر ، واللادينيين الحاليين مجرد ردود فعل وليسوا الفعل ، ردود فعل لمحاولة المتصارعين على البابوية في الإسلام إضفاء تفاسير دينية على أي شيء يستغلونها للتسويق لأنفسهم (تذكروا كمية المزايدات الدينية التي تبعت العدوان الإسرائيلي على لبنان) ، ولمحاولات الساسة وبعض أذنابهم في الوسط الإعلامي استغلال الدين لصالحهم ، ولتزايد جرعات التطرف الديني سواء ما تمحور منه حول السلطة أو الزعامة الدينية.. لكل فعل رد فعل مساوي له في المقدار ومضاد له في الاتجاه..

ختاماً .. كريم عامر حر في أن يقول ما يشاء ، ونحن أحرار في أن نرد عليه أو لا نرد .. لكن من الذي سيضمن لي أنه سيحترم حريتي في نقد وجهات نظره أو حتى الرد عليها أو في كوني معتنقاً لدين لا يأتي على مزاج سيادته؟
ويتفق معي في ما قلته إلى حد ما أحمد شقير و الدكتورة بلو روز..