Friday, February 23, 2007

نحن تحت الشجرة!

الخرافة موجودة في كل مكان في العالم ، حتى في أكثر المجتمعات علمنة ، وهذا للرد على من يزعم بأن الخرافة مرتبطة بشكل مباشر بوجود الدين ، أي دين ، وللخرافة من يؤمن بها بحثاً عن أمل ، هروباً من ضعف أو هزيمة ، لكن ما يقرف ويصيب بالغثيان هو الموقف العام منها داخل مجتمعنا تحديداً..

بعد أن سكت "أنصار العقل" الذين "تنحرروا" وملأوا الدنيا صواتا وعويلاً في قصة فاروق حسني والحجاب على واقعة الإمام الذي زعم رؤيته للرسول الكريم في رمضان ، ظهرت لهم من الأرض "الشجرة المسلمة" .. شجرة مكتوب عليها لفظ الجلالة على حدود العاصمة كما نقلت الميديا المصرية ، وهناك من يطوفون حولها ويسيرون تحتها تبركاً بها..

أفاق هؤلاء على طريقة واحد صاحبنا كان جالساً تحت شجرة تفاح ، ولما سقطت فوق رأسه تفاحة صغيرة بقي صامتاً لمدة نصف ساعة قال بعدها "أي".. تذكروا فقط الآن أننا نجلس على بركة من الخرافة ألصقها من ألصقها بالدين لمصالحه الخاصة ، كرامات خارقة وأناس يمشون على الماء وقصص تملأ الكتب فيغترف منها الخطباء المنتمون لشلل الزعامة الدينية فيلقون بها في رؤوسنا ، وأشياء تسوق لنا على أنها معجزات في زمن تسويق كل شيء بالدين تطاردنا في كل مكان من المطبوعات التي توزع في المساجد مروراً بالاس ام اس ورسائل الميل وحتى الفضائيات ، أليست مسخرة أن يتم استخدام التكنولوجيا في تسويق الخزعبلات باسم الدين؟

ولأن للخرافة مصالح تحميها ، فستشهر جماعات المنتفعين بالخرافة ومبرريها داخل شلل الزعامة الدينية وغيرها سلاح الإرهاب الفكري في وجه كل من يرفع علامة استفهام حول كل ما سبق ذكره من خزعبلات .. سواء باتهامه بالطعن في الدين والتشكيك فيه .. وربما باتهامه بالتآمر على الأمة!

كما سبق .. ظهور الخرافة في حد ذاته ، ووجود من يستفيد منها في حد ذاته أيضاً أمر عادي مهما استهجناه ، الاستفزاز بعينه ما شاهدته بأم عيني في برنامج صباح الخير يا مصر اليوم..

يستضيف البرنامج كل جمعة شيخاً شاباً لا يتجاوز منتصف الثلاثينيات من العمر ، لتقديم شبه فقرة دينية ، وكانوا يناقشون في حلقة اليوم قصة الشجرة ، تحدث الرجل برطانة من النوع المألوف -على طريقة مسرحية شاهد ما شافش حاجة -عن الخطاب الديني المعتدل المستنير ، كلام جميل كلام معقول مأقدرش أقول حاجة عنه ، لكن سيادته كان يتحدث بعبارات من عينة "احنا بنبني وغيرنا بيهد ، احنا بنخطب وفي الفضائيات بيتقال كلام تاني"!

من الذي يبني يا شيخنا الجليل؟ وما الذي يبنى بالضبط؟

تحدث الرجل كما لو كان هناك جهد يبذل أصلاً .. كما لو كان هؤلاء الذين يتحدث عنهم يشاهدون القنوات الفضائية المحسوبة على الإسلام ويفندون ما يذاع من فتاوى ، كما لو كان هؤلاء يقرأون الكتب الموجودة على ناصية معظم مساجد مصر ، أو يزورون مواقع شلل الزعامة على النت بخرافاتها وخزعبلاتها ويردون على ذلك ..

تجار الخرافة إذن ليسوا فقط من يعفر على ذقوننا ، من يدعون محاربتها أيضاً ، فلم تكن الخرافة لتتوحش إلا إذا لم تجد من يواجهها دون تخوف من نفوذ الشلل وعلاقاتها بالساسة وانتشار نفوذها وسط البسطاء ، تاركين إيانا تحت الشجرة ، في انتظار وهيبة فيما يبدو!

ذو صلة : فكرت بعد رمضان في الكتابة عن هذا الموضوع قبل ظهور الشجرة بعدة أشهر ، إلا أن مقالاً حديثاً نسبياً أراه رائعاً للدكتور أيمن الجندي تناول الفكرة بشكل أكثر وضوحاً مما كنت سأكتب يومئذ.. أترككم معه..

تحديث: الشجرة طلعت تايواني..كل شجرة واحنا طيبين!

Saturday, February 10, 2007

والصفيح أيضاً .. يلمع!

" "حاشا وكلا ، لسنا ضد الإسلام من قريب أو من بعيد ، إحنا معتدلين صلاة النبي"..

لا أعرف إن كان هذا تحذيراً أم هتافاً أم صراخاً يطلقه بعض ممن يحسبون أنفسهم "مفكرين إسلاميين" ويمضون في تصديق أنفسهم إلى آخر الشارع على طريقة مسرحية "هنري الرابع" للويجي بيرانديللو..لكن مع الوقت تكتشف تناقضات غريبة تستعصي على البلع ، والمفارقة أنهم ينشرون ويسعون للنشر في مطبوعات يفترض أنها شعبية ويوجهون "أفكارهم الإسلامية" لعموم المسلمين وليس للصفوة أو للنخبة في الوقت الذي لا يأبهون فيه ربما لتساؤلات مشروعة من قبل الناس العاديين الذين من المفترض أن توجه تلك الأفكار "لتنويرهم" على أساس أنهم "عوام" و "غوغاء" و "دهماء"!

أمس شاهدت فقرة من برنامج 90 دقيقة استضافت فيها "المفكر الإسلامي" سيد القمني ، والذي عاد بعد اعتزال أو توقف أو مش عارف إيه ، والقمني كان يكتب -حتى وقت ما قال أنه "تهديد" موجه من جماعات متطرفة -في روزا ، والآن أصبحت له مدونة يعيد أو يكرر فيها ما نشره من مقالات في تلك المجلة..

من ضمن المقالات التي أعاد نشرها حوار له مع سامح سامي ، هذا الحوار يضعك أمام أفكار هذا "المفكر الكبير" بوضوح ..

في السؤال الأخير في الحوار قال له سامح :

* هل الممارسات الدينية وراء التخلف الاجتماعي ، فاني أرى أن الممارسات الدينية والعقائد وراء ما نحن عليه الآن ؟.

وكان ضمن الرد .. أو خلاصة الرد :

ومن ثم فالممارسات الدينية في حد ذاتها لا تكون عامل تقدم أو عامل تخلف إلا بنتائجها الملموسة في الواقع. ولا يجب حصر الدين هنا وحده كسبب إنما بحسبانه أداة في يد بشر يصوغونه وفق أغراضهم التي قد تؤدي إلى التخلف أو التقدم..

ثم أطلق هذه الفقرة الغريبة :

وإذا كنت تقصد الإسلام تحديداً ، فاني أقول لك انه بحالته الراهنة ، وبما يحمله من قواعد فقهية بل واعتقادية ، هو عامل تخلف عظيم بل أنه القاطرة التي تحملها إلى الخروج ليس من التاريخ فقط ، بل ربما من الوجود ذاته.

أولاً: ما هو المقصود بـ "الحالة الراهنة" للإسلام؟ هل يعقل أن "مفكراً كبيراً" يفتقر للدقة في سرد مصطلحاته ، دون التفرقة الواضحة بين "الدين" و "ممارسة الدين" و "فهم الدين"؟

الدين نفسه لم يتغير ، لا يوجد شيء اسمه إسلام اليوم ولا إسلام إمبارح ولا إسلام الشاطر ، فهمنا له يتغير زيادة ونقصاناً إيجاباً وسلباً تحفظاً وتحرراً ..الدين نفسه تم بنص القرآن الكريم بقول الله تعالى "اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي" (المائدة -3)

ثانياً ، وهو ما كتبته في ردي عليه ، والذي لا أعرف إن كان سيقرأه أم سيعتبرني (ككل مخالفيه في الرأي) من أنصار جماعات الإسلام السياسي (إنت معانا ولا مع الناس التانيين) .. ما هو تعريفه "للممارسات الدينية"؟ هل هي تلك التي نص عليها القرآن الكريم والسنة المطهرة؟ أم تلك التي "تم استحداثها" كحلقات الذكر ومسيرات الضرب بالجنازير في عاشوراء؟

ثالثاً : ألا يوجد "ثمة" تناقض بين قوله أن الممارسات الدينية في ذاتها ليست أداة تخلف أو تقدم ، وقوله أن القواعد الفقهية والاعتقادية في الإسلام "الراهن" هي سبب التخلف وأس البلاوي؟

طالما هو يتحدث عن "الحالة الراهنة" ، فمن المؤكد أنه ربما يطالب "بحالة جديدة" أما لا يزال هو وآخرون مصرون على أن ما يطلبون هو تجديد الخطاب وليس تعديل الدين نفسه؟.. بإسلام معدل مثلاً!

هذه السطور ليست تحريضاً عليه كما أتوقع أن أسمع ، هو حر في قناعاته لكنه ليس حراً في أن يقبل على نفسه وصف "مفكر إسلامي" على نفسه ، لا يوجد شيء اسمه مفكر إسلامي أصلاً لأن الإسلام ليس أيديولوجية ، فهو دين لا تتغير نصوصه وما يتغير هو فهمنا له ، بعكس الأيديولوجية التي يبقى فهمها وتبقى هي نفسها محل النقاش والفهم..

ليس كل ما يلمع ذهباً ، وليس كل مفكر بمفكر ، ولدينا قائمة طويلة عريضة تتضمن من "المفكرين الإسلاميين" من أمثال جمال البنا وشركاه من هم رموز للضبابية الفكرية والأفعوانية السياسية والتناقض الذي يتهمون به كل مخالفيهم وينتقدون سيطرة رجال الدين على الاجتهاد بينما يستحلون ذلك لأنفسهم ، وليس كل من توجه إليه بنادق المتطرفين ببطل أو شهيد ، فالمتطرف أعمى يوجه بندقيته لمجتمع بأكمله بمعتدله ومتطرفه طالما أنه لا توجد بينه وبين ما يؤمن به علامة يساوي..

كما نقول في مصر : عقلك في راسك تعرف خلاصك.. لنحكم بالعقل على صحة الأفكار من عدمها ، دون الانخداع بحنجوري بعض "المفكرين" أو الشعارات العاطفية أو بريق الصفيح .. الذي قد نصدق أنه فضة!

Wednesday, January 24, 2007

أيهما أولى يا فضيلة المفتي؟

كنت أعد لكتابة مقال سيثير فرقة "الهيلا هيلا هوو"* المتحدة والتي نشطت مؤخراً بأدبها الرفيع وشتائمها المهذبة في موضوع قديم نسبياً عن "قناة الناس".. إلا أن تصريحاً واحداً لفضيلة مفتي الديار المصرية الشيخ علي جمعة نشر قبل أيام على موقع الجزيرة نت كان كفيلاً بإثارة بعض التساؤلات الشريرة ثقيلة الظل..

طرح فضيلة المفتي فكرة بسيطة جداً .. أن "يقدم السنة والشيعة اعتذارا بعضهم لبعض في بيان موحد، وقال "أظن أن هذا الاعتذار قد يهدئ الحال"، وطالب بتجاوز التاريخ "لأننا لم نكن سببا فيه"..

قد يرى البعض تلك خطوة طيبة وبادرة مقبولة على خلفية إنهاء الصراع المذهبي ، ولكني أراها على المستوى الشخصي تسطيحاً للمسألة أكثر من أي شيء مضى..

نفس قصة الاعتذار تلك تذكرني بالتوتر الطائفي في مصر بين المسلمين والمسيحيين العام الماضي .. اعتذار على طريقة "كل واحد فيكم يقول للتاني أنا آسف ويبوس راسه ويلعب معاه"! .. ويبدو أن هذا المنطق سيفرض نفسه أيضاً حتى على الصراع المذهبي داخل الإسلام نفسه..

السيناريو في الوضعين واحد : اعتذار وابتسامات صفراء ومصافحات ، ثم احتقان وشجار ومشاحنات.. ثم تتساءل النخبة المثقفة ومعها رجال الدين في تناحة : لماذا عادت ريما لعادتها القديمة؟

والجواب لأن المشكلة الأساسية لم تعالج أصلاً ، و"بلبعة" المسكنات لن تغني عن مواجهة المشكلة نفسها قبل أن تستفحل ولا ينفع الندم..

الأولى من الاعتذار و"بوس الرأس" هو مراجعة الأفكار نفسها ، الأفكار الدخيلة على الدين الذي تصنع المذاهب بها شخصيتها الخاصة ثم تثبت في عقول العامة مع الوقت واضعة علامة "يساوي" بين المذهب والدين كله ..أفكار صنعتها مصالح سياسية واختلاط فكري مع ثقافات البلاد التي فتحها الإسلام أضر به أكثر بكثير مما نفعه ، وأبعدت فهمه عما كانت عليه الصورة بعد وفاة الرسول الكريم.. بل وتصطدم بالواقع وتثير مخاوف مشروعة لدى كثيرين بمن فيهم من يؤمن بأن لا تناقض بين الإسلام والدولة الحديثة..

وبالله عليكم ، لا أريد سماع اسطوانات نظرية المؤامرة ، ومؤامرات الشيطان الأكبر والشيطان الأصغر والأخطار التي تتهدد الأمة إلى آخر هذه الهراءات المحفوظة الحقوق لبعض عشاق الحنجوري وهتيفة المظاهرات وأدعياء "الفكر الإسلامي"، هذه الأفكار لا تحتاج لأمريكا ولا لإسرائيل لأن ينفخوا فيها فيشتعل الحريق هنا أو هناك ..

أتمنى أن يستفيد المفتون والمشايخ والمرجعيات وآيات الله من درس الجماعات المتطرفة في مصر ، لقد جاء الوقت على من رفعوا السلاح في وجه أبناء دينهم وبلدهم وقرروا عمل مراجعات فكرية للعديد من الهراءات التي ارتكبوا بها سجلاً طويلاً من الجرائم وكانوا يعتقدونها من صميم الدين (أياً كانت درجة التشكك في مصداقية تلك المراجعات.. على الأقل قالوا أنهم راجعوا)، لماذا لا يسير رجال الدين في كل مذهب والذين يعطوننا محاضرات طويلة في الاعتدال بنفس الاتجاه الذي سار فيه المتطرفون؟

أيهما أولى يا فضيلة المفتي؟ المراجعة أم الاعتذارات؟ العلاج أم الأسبرين؟.. عن نفسي أعتقد أن الأسبرين وحده لا يكفي..

ذو صلة:كتب الزميل المختفي نبيل هلال في الموضوع مبدياً وجهة نظره..وأتفق معها في كثير..
* هتاف كروي مصري بذيء شهير..

Thursday, January 18, 2007

اكرهوا أنفسكم!

ساعات ونعرف مصير العام الهجري 1428 ، هل يبدأ الغد "الجمعة" أم السبت .. كل عام أنتم بخير..

إذا كنا في نهاية العام الميلادي نلقي نظرة على أحوال العالم كله في ثلاثمائة وخمسة وستين يوماً من العمر ، فهذه فرصة ونحن في هذه الأيام المفترجة لنقف بيننا وبين أنفسنا على حالتنا نحن كمسلمين والتي لا تسر عدواً ولا حبيباً خلال عام هجري كامل..

على غير العادة .. لن أتطرق لكل التناقضات الغريبة التي نعيشها في سلوكياتنا ، ولا على التدين الشكلي ، أو الاستغلال التجاري والسياسي للدين ، وكله جاي دوره بعون الله تعالى ، لكني سأكتفي بالكتابة عن لقطات صغيرة وغريبة حدثت في العام الهجري الذي أبصرت فيه تلك المدونة النور قبل تسعة أشهر..

جعجعة لا مثيل لها تتكرر من كل المتمذهبين ومن العديدين ممن يكلموننا في الدين عن الأمة الواحدة الموحدة المترابطة المش عارف إيه ، في الوقت الذي نجد فيه من الغريب أن يصافحك مصلي في المسجد! أصبح المشهد الذي عشت طفولتي وما تلاها من العمر غريباً ومستهجناً.. بتسلم على اللي جنبك ليه؟

صحيح أن من يفتون بذلك يعللون بأن المصلي بعد الصلاة لا يزال في صلاة إلى أن يختمها .. لكن ماذا تقول أحياناً فيمن يجري دون أن يلوث يده بالسلام على المصلي الجالس بجانبه؟

أما من إمام ينبه على أن المصافحة بين المصلين بعد أداء الصلاة وخاصة المصلين الذين لا تسمح لهم ظروف عملهم أو مصالحهم بختم الصلاة ليس رجساً من عمل الشيطان؟

وتماشياً مع تلك العدائية ، التقطت من موقع إحدى الطرق الصوفية عبارة لإمامها المجدد كما يصفونه : ! أَحذَر أَن تُحِبَّ شَيئًا غَيرِ اللهِ ،فَإِذَا شِئتَ أَن تُحِبَّ غَيرَ ذَلِكَ فَأَحِبَّ مَن وَالَى اللهَ !

لا تحب أي شيء ، ولا أي شخص ، لا تحب وطنك ولا أهلك ولا أصدقاءك ولا عملك.. اكرهوا أنفسكم و "ولعوا فيها" بجاز ، وياريت يكون مش نضيف!

ثم نأتي بعد ذلك ليستعرض علماء الفرق والمذاهب والطرق والشلل والجماعات والمرجعيات على الغرب أننا دين محبة وتسامح (وهو أمر لا مزايدة فيه ولا عليه)! الاسم طوبة والفعل أمشير .. النصوص محبة وسلام وتواد والفتاوى والسلوك وأفكار البشر كلها تنضح بالعكس!

أقلب مؤشر القنوات بين قناة دينية تبيع منتجاتها بقال الله وقال الرسول ، وأخرى يتحدث فيها "باحث إسلامي" عن مراكز السالكين ودرجات المتقربين .. أين نحن من هذا وذاك؟

كل عام وربنا ساترها علينا .. ولا يجعلنا في فوهة مدافع أفكار هؤلاء أكثر ما نحن عليه الآن..

Tuesday, January 9, 2007

كلام في "الغسيل"!

أولاً أعتذر عن الغياب الطويل والفواصل الزمنية الطويلة بين كل تدوينة وأخرى.. ربما تعمدت الإطالة لكي تحصل المواضيع على حقها من النقاش والقراءة دون "كروتة" .. بما أن المواضيع الجديدة تطمر دائماً القديمة مهما كنت أراها مهمة وتستأهل النقاش والجدل..لكن كثيراً من الإطالة يضر أكثر مما ينفع..

ندخل في صميم الموضوع..

قد يكون الدخول إلى التدين .. أو "الالتزام" كما يعرفه موقع عشرينات (ولي في هذا التعريف نقد عنيف في تدوينة قريبة بإذن الله) نوعاً من أنواع الغسيل ، وكلمة الغسيل تتعلق عادة في الميديا بـ"الأموال" ، ولكنه قد يكون غسيلاً للسمعة أيضاً ..

هناك من الساسة ورجال البيزنس وحتى الفنانين من يغسل أمواله وسمعته بالالتحاق بحضرات الصوفيين ،وتمويل الأنشطة السلفية ، أو ببناء مسجد أو عيادة ، وأبسط شيء بالعيش في دور "الاستشياخ" والتركيز الصارخ على هذا المظهر أكثر وأكثر حتى لو تعارض مع المضمون..الذي هو أهم من الشكل حتى ولو لم يلغِه..

لم أدخل في دوافع الناس كما يحلو للبعض الاتهام ، قد يكون وراء ذلك رغبة حقيقية في التطهر حتى وإن تعارضت مع تمسك الشخص بمكتسباته التي يرفضها أخلاقياً ، وقد يكون وراء ذلك رغبة في الغسيل تغطية على مخازي وفضائح تهدد مكتسباته ومصالحه .. وفي كل الحالات "يفتن" السلوك على الدافع سواء أكان إيجابياً أو سلبياً..

تأخذ عمليات الغسيل تلك أبعاداً خاصة عندما يتعلق الأمر بالفن بالذات ، فوجهات نظر المتمذهبين تجاه الفن "تجنن" بما تحتويه من متناقضات عجيبة سأناقشها باستفاضة قريباً بإذن الله ، قد لا يشكل المتمذهبون نسبة كبيرة من تعداد السكان في مصر لكنهم يتمتعون بنفوذ قوي داخل المؤسسة الدينية والإعلامية سواء الرسميتين منهما أم غير الرسميتين..ويصب معظمها في أن الفن إن لم يكن حراماً فهو منكر.. وأن هناك فرق بين الفنان "الملتزم" والفنان "غير الملتزم".. وعليه فإن كل أموال الفن حرام حرام حرام.. بعض الفنانين "يشهر التزامه" مقتنعاً بتلك الأفكار الممتمذهبة دون أن يفعل شيئاً تجاه الأموال التي هي - من وجهة نظر من أقنعوه - حرام حرام حرام!

قد يكون الجدل هنا على حرمة أموال الفن من عدمها .. أحكام الحلال والتحريم في ذاتها أحكام عامة* .. ومع ذلك فإن الفن الذي يقدمه "البعض" قد يثير الجدل ويجعلك تتعاطف مع من يفتون بتحريم أموال الفن كله!

هذه المقدمة الطويلة كانت لازمة لتقديم واقعة هذه المداخلة ، وبطلها فيما يبدو شخص أعتقد أنه مقدر لي : سعد الصغير!

تعرفون أن وائل عباس و ماكسد أوت زميلينا -والـ"نا" هنا ليست تعظيماً ولكن عطفاً على فكرة كوني مدوناً ومعظم الزوار مدونين فكلنا مدونين في بعضينا-قد نشرا في وقت سابق كليباً "فضيحة" للبيه سعد الصغير تكرر كثيراً فيما يبدو ، وألمحت له قبل أيام في المدونة الشقيقة "فرجة" ، وبعد أيام أفاجأ بـ"المصريون" تنشر أن سيادته قد بنى مسجداً تحت عمارة مكونة من عشرة أدوار (هناك آراء فقهية تقول أن المسجد لا يجب أن يعلوه شيء.. ربما كان المصطلح الأدق الذي يصف المكان هو أنه "زاوية" والله تعالى أعلم).. وكان رد فعل أهل المنطقة - والعهدة على الصحيفة الإلكترونية- هو المقاطعة التامة ، وكذا الشيوخ الذي يفترض بهم الخطابة في صلاة الجمعة المقامة في تلك الزاوية بدعوى أن المال الذي بنيت به .. حرام!

قد يقول البعض بأن هذا الموقف ليتخذ حتى ولو كان سعد الصغير -لا سمح الله - فنان بحق وحقيق ، لكن أنا مع وجهة نظر معظم أهل المنطقة الذين يجدون صعوبة في الصلاة في مسجد بني بأموال شخص فعل ما فعل في الكليب المذكور (وربما لأنهم عشيرته الأقربون فهم يعرفون عنه في أفراحهم ما لا نعرفه ، وما لم ينشره ماكسد ووائل)..

الغريب أنه من هؤلاء أيضاً من يحضر الأفراح التي يقوم فيها سعد بيه بحركاته إياها ويستمتع بها ، ولا مانع من أن يحكي ما حدث لأصدقائه ويتفاخر بالحركة الفلانية التي قام بها مع الراقصة العلانية ، ثم إذا حدثته عن الصلاة في الزاوية التي بناها سعد بيه يقول لك : استغفر الله العظيم .. دي مبنية بفلوس حرام!

وجهة النظر الأخرى لها وجاهتها ، حسناً ، كسب فلان الفلاني أموالاً من التمثيل المبتذل والغناء المسف و...و....ماذا سيفعل بتلك الأموال التي يعلم بأنها حرام؟ هل يحرقها مثلاً؟

معضلة صعبة ، سواء أفترضنا حسن نية سعد وغيره أو سوئها..كيف ترونها؟

تحديث:نشرت جريدة صوت الأمة في عدد الأحد الماضي صورة للزاوية التي بناها سعد الصغير وأجرت تحقيقاً عن الموضوع..

تحديث 12/1:ذكرتني الزميلة زمان الوصل بأن كانت هناك عبارة ما مكتوبة على الستارة في خلفية الكليب الشهير الذي نشره وائل عباس لسعد الصغير.. المسخرة أن الكتابة - كما رأيتها - هي عبارة : محتاجينك يارب!.. تلك العبارة المكتوبة على قطعة من القماش تحدث أمامها هذه الكمية من المساخر قد أتطرق إليها بإذن الله تعالى في تدوينة مستقلة..
* ولي هنا أن أذكر بتعليق ينسب للعالم الأزهري الكبير الراحل الشيخ محمد أبو زهرة ، الذي قال ما معناه أن الإسلام يتسم بالجدية في أمور التحريم ، فهو عندما حرَّم الزنا حرمه ولو بامرأة مشركة عقيم محترفة..

Friday, December 29, 2006

نفخ البلالين ، ومجاذيب الحسين

تودع "الدين والديناميت" العام 2006 بأفراحه وأتراحه ومآسيه ومهازله وملاهيه التي تقتل من الضحك..

ولا يمكن الحديث عن هذا العام دون الحديث عن نوعين من مجاذيب الحسين ، النوع الأول فرقة "إلا البيروقراطية" المكونة من صحفيين ومسئولين حزبيين بيروقراط يدافعون بجنون عن سيطرة الفكر البيروقراطي على كل ما يخص المصريين ،والثاني فرقة جديدة بعض أعضائها من الفرقة السابقة تولول على حال الأزهر بعد أحداث الإخوان الأخيرة ، وتتساءل في بلادة و "سنتحة": أين كان الأزهر عندما اخترقه الإخوان؟

القاسم المشترك بين الفرقتين هو التشنج الذي يفوق ما يقوم به مجاذيب الحسين ، وأن كلاهما يستعبط!

أين كانت الفرقة الثانية طوال سنوات كان فيها الأزهر على مدى عقود مخترقاً من جميع الجهات ، صوفيين وإخوان وبترودولار وتيار سلفي؟

تناولت "الدين والديناميت" في موضوع سابق "امسك حرامي" في شهر يونية موقف بعض الشيوخ المحسوبين على المؤسسة الأزهرية من الاحتكار ، أعتقد أنه من السذاجة التفكير في مواقف معارضة للاحتكار داخل المؤسسة الأزهرية ، عطفاً على حقيقة أنه يوجد داخل الأزهر مركز اسمه مركز "الشيخ صالح كامل للاقتصاد الإسلامي".. الكلام على مين؟

تعاملت إدارة جامعة الأزهر ببلادة متناهية مع ما نشرته عشرينات ونشرته هنا نقلاً عنها عن وجود "طلبة غشاشين في مادة القرآن الكريم" داخل المؤسسة الأزهرية ، ولم نسمع عن أي ضوابط أو أي إدانة ، طبعاً لا تنتظر من الفرقة الثانية المشار إليها في بداية التدوينة أي إثارة للموضوع على خطورته .. السيد الفاضل رئيس جامعة الأزهر حاول استغلال الأمر مؤخراً في حربه على طلاب الإخوان.. مشكلة سياسية عنده أهم بكثير من أن يقف على منابر مساجدنا شيخ غشاش.. سلامتها أم حسن!

قانون تجريم الإفتاء من غير المتخصصين الذي نشرت عنه عدة مواقع وصحف وقدمته سابقاً في "القانون المامبو والمسخرة الجامبو" قبل أشهر كان نكتة العام على حق ، فلم يعد أحد يعرف من هو المتخصص من غير المتخصص ، وأساتذة الفقه المقارن الأزهريون المحترمون الأكارم متفرغون لاتهام بعضهم البعض بعدم التخصص ، إذا كان ذلك غريباً فإن الأغرب فعلاً هو أنك لا تجدهم يردون على أي من المفتين غير المتخصصين! تجدهم في موالد الصوفية والندوات ويتحدثون عن "تجديد الخطاب الديني" ويفرحون بلقب "مفكر إسلامي" -لقب يطلق عشوائياً هذه الأيام- في الوقت الذي يختفون بقدرة قادر عندما نحتاج لرأيهم واجتهاداتهم .. إن وجدت طبعاً..

قد يكون ما أثير عن "ميليشيا الإخوان" خطيراً ، لكنه لا يمثل واحداً بالمائة من فقدان أكبر جامعة إسلامية على وجه الأرض لمصداقيتها في الشارع الأمر الذي جعل شرائح من الناس تقبل على شرائط الميكروباص وقناة الناس ومواقع شلل الزعامة الدينية على النت ، من فشلها في تخريج الفقيه المجتهد والمهني المتبصر بأمور دينه ، من تقديمها لكريم عامر وأمثاله وهم كثر (مع شديد احترامي لصراحة هذا الرجل وبجاحته كما ذكرت سابقاً) ، وبالتأكيد لم يظهر كريم عامر من فراغ!

ولا تسأل عن الفرقة الثانية بالتأكيد عندما يطلق بعض الأزهريين تصريحات غير مسئولة من عينة أن الانتخابات تخالف مبدأً إسلامياً ، وأن من حق ولي الأمر شرعياً أن يفعل كذا وكذا في الانتخابات .. ضحك علينا اللادينيون لما قالوا يا بس بسبب هؤلاء وفرقة المجاذيب !

الحقيقة موجودة في كل مكان ، ولا تحتاج لتفتح موقع هذه المدونة أو غيرها لكي تراها ، كل ما أتمناه أن يمتلك القائمون على الأزهر شجاعة الاعتراف بالخلل الحادث حولهم والمتورطون فيه ،وجرأة اتخاذ التدابير لإصلاحه ، وعدم الاستماع لفرق مجاذيب الحسين وغيرهم ممن لا يهمهم الأزهر ولا مصر نفسها في شيء..

كل عام أنتم بخير ، وربنا يهدي العاصي ويشفي العيان!

Saturday, December 9, 2006

هل يلزم التفرغ للفقيه؟

من أهم ما كتب عن تشفير مباريات كأس العالم ما كتبه زميلنا المختفي "القانوني" .. أترك لكم رابط مقاله للقراءة..

أثار زميلنا حازم الشهير بالقانوني نقطة هامة جداً أعتقد أنها تحتاج إلى نقاش..

هل يشترط أن يتفرغ الفقيه تماماً للعلم الديني ولتدريسه؟ أم من الممكن أن يكون الفقيه ذا مهنة دنيوية أيضاً؟

ضرب حازم مثلاً بالإمام أبي حنيفة النعمان أحد أشهر المجتهدين الحقيقيين في التاريخ الإسلامي ، والذي كان تاجراً ، وأتاحت له التجارة القرب من شئون الدنيا والاجتهاد فيها.. كلام سليم..

ولكن..

ولكن لدينا مدرستان غريبتا الشكل في تلك المسألة ، مدرسة ترى أن الفقيه أو العالم الأزهري يجب أن ينعزل تماماً عن العالم المحيط ويفرط في التخصص ، أو بتعبير حازم "الشيوخ المترهبنون" - النموذجان السلفي والصوفي ، أما المدرسة الأخرى فهي المدرسة الشيعية التي تؤمن بما يسمى "ولاية الفقيه"..

في النموذج الأول يعيش الفقيه في كوكب آخر حدوده فقط الكتب القديمة ولغته العنعنة فحسب ، وبالتالي فإن أحكامه وفتاويه تصدر عنيفة وقاسية، وإن حاول التوغل في المسائل الدنيوية فإن النتيجة تكون كارثية، أما في الآخر فيتحول الفقيه إلى سياسي يفتي في مسائل سياسية صرفة لا علاقة لها بالفقه من قريب أو من بعيد.. تذكروا أيضاً أن السياسة لا أخلاقية بطبيعتها وفيها التحالفات والألاعيب.. كما أن مسألة الحكم ببساطة شديدة أعلى كثيراً من اختصاص أي فقيه ، وإلا لكنا سمعنا عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما وقد تولى الخلافة (وهناك فقهاء كثر رفضوا مناصب سياسية وإدارية من بينهم حسب معلوماتي أبو حنيفة نفسه)..

حاول الأزهر إمساك العصا من المنتصف ، عندما أدخل العلوم الدنيوية داخل الدراسة الدينية ، وكانت النتيجة المنطقية نظراً لسوء التنفيذ هي وجود جيل من أكاديميي الأزهر وخريجيه رقصوا على السلم ، لا هم فقهاء مجتهدون ولا هم دنيويون نابغون.. وعادت الكرة إلى ملعب الأكاديميين الأزهريين المتخصصين أساتذة الفقه ، ومعهم بعض أساتذة التخصصات الأخرى الذين يحبون لعب دور الفقيه!

أنا مع حازم تماماً في صحة نظريته عن الفقيه الدنيوي ، الطبيب الفقيه أو المهندس الفقيه أو المصرفي الفقيه ..الخ..وأعرف أن وجوده سيضبط إيقاع الاجتهاد وسيقف في وجه البعض الذين يريدون العيش في دور المجتهد والمفكر ، أو في وجه أصحاب الاختصاصات الأخرى الذين قرروا لعب دور الفقيه دون دراسة أو فهم أو حتى إطلاع، لكن ثقة الناس بالفقيه الدنيوي في الوقت الحالي تبقى ضعيفة (فلان دكتور ..إش دخله في الفقه- حتى ولو كان أزهرياً قُحَّاً) ، بل إن فتاواه واجتهاداته ستكون عرضة للاتهام من حين لآخر (أي أن الرجل سيتهم بالتحيز لمصالحه الدنيوية إذا لم تأتِ فتواه "ع الكيف")..

لقد عشنا لقرون مع الفقيه المتفرغ ، وسنحتاج لبعض الوقت لكي نعود أنفسنا على الواقع الجديد..وقبلها لمزيد من الاستقلال الفكري والجرأة لدى القائمين على التعليم الديني ليخرجوا أشخاص على علمين ديني ودنيوي بحق وحقيق..

هذه هي وجهة نظري في المسألة ..والله أعلم .. فما هي وجهة نظركم أفادكم الله؟

Sunday, December 3, 2006

لحظة غضب

لم أكن أريد الكتابة عن أي موضوع آخر حتى تأخذ التدوينة السابقة حقها من النقاش .. لكن الأحداث تفرض نفسها .. وموضوع هذه التدوينة "ما يستناش" مهما حاولت تأجيله..

نشرت الأهرام خبراً أنقله عن "في البلد" عن مصلٍ حاول الاعتداء على إمام مسجد الإمام الحسين بالقاهرة..

دون الخوض في التفاصيل ، ومع إدانتي الكاملة لسلوك هذا المصلي ، إلا أنني في الوقت نفسه متعاطف معه .. ولا يشترط برأيي أن تعايش نفس ظروفه حتى تتعاطف معه ..

لا يوجد وسط في مجتمعنا بكل أسف ، إما أن يتدخل رجال الدين في كل صغيرة أو كبيرة حتى في السياسة بالفتاوى الغريبة ، وإما أن يعيش رجال الدين في برج عاجي عازلين أنفسهم عن العالم الخارجي وغير مبالين بالسلوكيات السائدة في المجتمع ولا بمن يعيشون فيه أساساً.. ولهذاالطرح ولذاك مؤيدون ينعتون معارضيهم بأبشع الأوصاف.. ولا يستطيعون التحاور مع غيرهم ولا مع أنفسهم..

المنابر والقنوات الدينية معزولة فعلاً عن حياة البشر ومشاكلهم وأوجاعها ، خطب تفوق الساعة وشرائط يتم تعبئتها ووعظ وصراخ وشخط وانفعال وافتعال، في الوقت الذي "فينا اللي مكفينا" ، ومطبوعات تمجد الإمام المجدد الفلاني وشيخ الطريقة العلانية وتتحدث عن تمايل الذاكرين بينما خلق الله يتمايلون ألماً من الفقر والجهل والفساد والتخلف والتطرف والبيروقراطية السياسية ، وقنوات دينية تستشعر أن أصحابها يعيشون في كوكب آخر غير الذي يعيش فيه كل "الناس"!

رغم التباين بين كل هؤلاء والأتاتورك إلا أني أرى أن المحصلة واحدة ، الدين في وادٍ والناس في واد ، رغم أن الدين يستهدف صلاح الدنيا والآخرة .. الفرق أن الأتاتورك يحرضون الساسة على فصل الدين عن الحياة وينظرون لذلك في وسائل الإعلام ، بينما يقوم الآخرون بذلك بأنفسهم ، بفرض شكل من أشكال الحياة "الدينية" الشكلية التي تبتعد أحياناً عن روح وربما نصوص الدين نفسه مصورين إياها على أنها أوامر الإسلام ونواهيه ، باستلاب الناس من الدنيا أمام الشرائط وفي الموالد وأمام الفضائيات ..الأتاتورك و "هؤلاء" يفصلون تماماً الدنيا عن الدين ، الفرق في نوعية الخيار الذي يغرون الناس باختياره..

النتيجة أنك تجد من يسمي نفسه مفكراً إسلامياً ويتساءل بعد أربعة عشر قرناً لماذا نزل الله هذه الآية ، في المقابل تجد من يصلي ويكذب ويعش ويرتشي .. والناس محاصرون بين الأول في وسائل الإعلام والثاني في الشارع..

كل هذا يحدث ولا تنتظرون غضباً؟ ألسناً لحماً ودماً في الأول والأخير؟

الكرة في ملعب الأزهر ، ووزارة الأوقاف ، وكل مذهب يقدم نفسه على أنه وحده صحيح الدين.. وإلا فإذا كنا قرأنا عن شخص واحد حاول الاعتداء على إمام مسجد ومنعه باقي المصلين ، ففي مرات قادمة سيهاجم كل المصلين الإمام كما لو كان لص أحذية في مسجد وليس إمام المسجد!

السكوت على ما يسبب لحظة غضب واحدة قد يتسبب فيما بعد في حالة غضب عارمة .. ومعظم النار من مستصغر الشرر.. دمتم بألف خير..

Friday, December 1, 2006

أحد الحصانين

قيل أن "مسطولاً" وسكراناً اشتريا حصانين ، ولأنهما رأيا أن الحصانين متشابهان بشكل يصعب تمييز كل منهما عن الآخر ، فأخذا يبحثان عن طريقة تجعل كل منهما يتعرف على حصانه بسهولة .. فاقترح المسطول قص ذيل "أحد الحصانين" ليبقى بلا ذيل بينما يحتفظ الآخر بذيله ، واستيقظا اليوم التالي ووجدا الحصانين بلا ذيل .. فمضى المسطول في نفس النظرية مقترحاً قطع أذن "أحد الحصانين" .. ثم رجلي "أحد الحصانين" .. ثم الرجلين الآخرين "لأحد الحصانين" ، وفي كل مرة يتكرر العطب في الحصانين معاً دون أن يجد الثنائي تفسيراً منطقياً لما يحدث ..وقبل أن يقترح المسطول قتل "أحد الحصانين" أفاق السكران ليخبره أن أحد الحصانين أبيض والآخر أسود!

اسمحوا لي أن أقرأ ما حدث مؤخراً بشكل هادئ ومختلف تماماً عما تم تناوله من قبل زملاء أفاضل عدة ..

لن أتناول هنا الآراء المختلفة في الحجاب ، سواء منها ما يقول بفرضيته ، أو حتى ما يقول أنه بدعة وضلالة .. ما وراء السطور أراه أكثر أهمية ، والتصاقاً بالدين وما نفعله به!

رغم أنني من دعاة ترشيد استهلاك نظرية التآمر ، فإنني أرى أن ما حدث كان مناورة مقصودة ، وتمثيلية من أولها لآخرها من بطولة الحزب الوطني البيروقراطي ، وشربها الإخوان كما شربت كل القوى السياسية مقلب المادة السادسة والسبعين .. تمثيلية تم حبكها "من فوق" -لأن "اللي تحت" لا يتمتعون بالحد الأدنى من الذكاء والخبث السياسي لعمل سيناريو يفوق حتى سيناريوهات وحيد حامد ..

ليس الغرض من تلك التمثيلية صرف الأنظار عن التعديلات الدستورية ، فهي تافهة وغير ذات قيمة وغير ذات تأثير على حياة المواطن المصري العادي محروق الدم - على الأقل مما يظهر لنا من خلال التسريبات الصحفية .. ولكن لتوصيل رسالة ما إلى المواطنين خارج قبة البرلمان : نحن قادرون على المزايدة الدينية أكثر من الإخوان الذين لا يملكون إلا إثارة قضايا شديدة الشكلية داخل البرلمان ..وأن هذا هو ما سيحدث عندما يصل الإخوان إلى السلطة يوماً ما .. مجرد تركيز على الفيديو كليب والحجاب والنقاب .. وأننا - البيروقراط لا سمح الله - نمثل البديل الآمن المحافظ على الهوية الدينية والقومية لمصر ..

ربما كنت أرى لوقت قريب أن فاروق حسني لم يقصد حرفاً مما قاله هذه المرة ، رغم تصريحه الكوميدي الشهير بأن الإسلام به أربعة أركان فقط ، لكن بالتمعن في السيناريو المرسوم بدقة نجد أن الكلام متعمد ومقصود الإلقاء به "على الترابيزة" في هذا التوقيت بالتحديد..

هاجت الدنيا وماجت ، هاج البرلمان وهاج مع الوزير أو عليه ، وبالتأكيد فإن الأصوات الهادئة التي ترى أن الوزير حر فيما يقول ولكن يجب أن يتخير ألفاظه بوصفه من واجهات النظام لم نسمع لها حساً وسط الضجيج ، فتلك المعارك التي يتم خوضها بتلك الطريقة تعتمد منطق "معايا ولا مع التانيين" .. أي أنك طالما لست معنا فأنت مع الإخوان.. وهنا بدأ الحديث عن حرية الرأي ، وعن عدم فرض الوصاية على العقول باسم الدين ، حديثان حقان يراد بهما الباطل ، فموقف البيروقراط ممن يختلف معهم فكرياً معروف ، وموقف البيروقراط من أكذوبة الزعامة الدينية في الإسلام معروف ومفضوح وأكثر خزياً حتى من أكثر جماعات الإسلام السياسي تطرفاً!

وفجأة تم احتواء الموضوع واعتباره كأن لم يكن ، سواء في المعسكر الحكومي أو في الإخواني.. أنا شخصياً لا أفهم كيف تم ذلك!

أنا شخصياً لدي عدة ملاحظات على ما حدث برمته..

أولاً .. أن البيروقراط والأتاتورك على ادعائهما الكاذب والمستمر بنصرة الحريات استخدموا منطق "معانا ولا مع التانيين" المشار إليه ، بل تطرف بعضهم في التلميح في إطلاق أوصاف عامة على كل المحجبات ، ولم يتبق تقريباً إلا التأكيد على أنهن عضوات في تنظيم سري..وهذا يؤكد للعيان أن الإقصائية شيء موجود في كل الاتجاهات السياسية والفكرية في مصر على الأقل ، سواء أستندت لمرجعية دينية أم عالمانية..

ثانياً .. أن الإخوان لم يقدموا بأعضائهم الثمانية والثمانين أي جديد يتناسب مع مرجعيتهم ، فالاستجوابات في معظمها انحصرت حول نقاط شديدة الشكلية بعيدة عن ما انتخبهم الناس من أجله .. هذا يجعل الناس باعتقادي على يقين تام بأن أي اتجاه سياسي ذا مرجعية دينية لن يكون قادراً على إدارة البلاد إن تمكن من الوصول لسدة الحكم ..

ثالثاً .. وهو الأهم .. أن ما حدث كان سابقة من البيروقراط أخطر من أن يتم تجاهلها .. استخدام الإرهاب الفكري داخل قبة البرلمان .. ليس ضد فاروق حسني ولكن ضد المستقلين "فعلاً" داخل البرلمان وضد أدوات تحريك الرأي العام .. فبهذا المنطق أي وزير يملك صكاً ضمنياً لا يحاسب بدوره داخل القبة على ما يقول أو يفعل .. لأنه سيكون في تلك الحالة محسوباً على الناس التانيين.. وعليه فإن على أي نائب ، أو أي كاتب إن رأى أن تصريحات وزير ما "تفتقد للقليل من اللباقة" أو أنه "تعامل بتراخٍ مع أحكام القضاء" .. فإن نهاره أسود من فانلة حكام كرة القدم القديمة!

قد أحترم القدرات التنظيمية للإخوان الذين لا يختلف اثنان حتى من أشد مخالفيهم على أنهم "بيلعبوها صح" .. لكن مضار وصول الإخوان للبرلمان بشكلهم الحالي أكبر بكثير من منافعه .. ربما كانت التمثيلية لتختلف شكلاً وموضوعاً ووقاحة لو كان أصحاب المقاعد الثمانية والثمانين في "مقلة الشعب" من الناصريين أو القوميين .. لكنها كانت لتكون مستساغة أكثر لأن "الطرف الآخر" في هذه الحالة لا ينطلق من مرجعية دينية .. أقله لأنني كمواطن مسلم مصري أربأ عن الدين في الدخول في مزايدات سخيفة كتلك..

Sunday, November 19, 2006

بمناسبة كريم عامر

لو بقي كريم عامر ضمن طلبة جامعة الأزهر لوجد من يطلق عليه لقب "مفكر إسلامي"!

بعد أن عصرت على نفسي ليمونة ، وقررت القراءة لمشروع "المفكر الإسلامي" ، تأكدت أن كريم عامر يمثل نسبة كبيرة ممن يحبون أن يطلقوا هذا اللقب على أنفسهم .. ليس فقط في علاقته المتطرفة بالنص ولكن حتى في إقصائيته للغير .. ما يخبئه "المفكرون الإسلاميون" من عينة العشماوي وجمال البنا يظهره كريم بوضوح..

ولعل الوضوح هو الميزة الوحيدة في كريم عامر ، هو شخص يعترف علناً بأنه ملحد ، ويدلي بآرائه المتطرفة على الملأ ، على العكس من أشخاص يمارسون التقية السياسية والفكرية ويمشون مع الماشي ، ويقدمون وصلات النفاق للنظام الإيراني والحزب البيروقراطي وبعض الأنظمة العربية وحتى بعض جماعات الإسلام السياسي والفرق المتصارعة على الزعامة الدينية.. والأجمل في أنه صريح حتى في إقصائيته وتعاليه ، فبينما يكيل لك هؤلاء قصائداً في احترام الرأي والرأي الآخر تجد "الطبع الردي من جواهم فط" مع الاعتذار لأغنية "سعاد حسني" في فيلم "شفيقة ومتولي" ويرون أنهم على الحق المبين وأن كل من على غير رأيهم حمار حصاوي بذيلين ونصف الذيل ، تماماً مثل الإمام الذي كدت أن أتشاجر معه في رمضان المنصرف.. رغم التباين الشديد بين الإمام وبين "المفقرين" في مسائل كثيرة!..المفقرون يدعون الحرية ويخبئون الإقصائية ، أما "كيمو" فيظهر الاثنين معاً..

فكريم الذي يهاجم كل الأديان بدعوى أنها تحرض أتباعها على عدم احترام من يدين بدين مختلف هو نفسه من يعتبر المسلم شخصاً غير محترم لنفسه! حتى دور الملحد المسالم لا يقبله.. يا عيب "إلشووووم" على رأي فطوطة!

قد يكون القليل من كلامه صحيحاً عن ممارسة النفاق الديني في شهر رمضان ، لكنه - ككثيرين غيره - يؤمن إيماناً قاطعاً بأن القرآن والسنة يأمران الناس بالنفاق ، ليس لدى صاحبنا -الأزهري الدراسة - الحس الكافي لإدراك الفرق بين ما يستهدفه الدين كنظام وبين الممارسة الفعلية للدين التي قد تنحرف عن الخط الذي رسمه الدين كنظام ، وذلك لأنه برأيي المتواضع لم يحاول فهم النص نفسه ، بل كان كل تركيزه على نقد النص وحتى نقضه..

تاريخ الإلحاد قديم كتاريخ الإسلام نفسه ، لكني أعتبر كريم عامر ، واللادينيين الحاليين مجرد ردود فعل وليسوا الفعل ، ردود فعل لمحاولة المتصارعين على البابوية في الإسلام إضفاء تفاسير دينية على أي شيء يستغلونها للتسويق لأنفسهم (تذكروا كمية المزايدات الدينية التي تبعت العدوان الإسرائيلي على لبنان) ، ولمحاولات الساسة وبعض أذنابهم في الوسط الإعلامي استغلال الدين لصالحهم ، ولتزايد جرعات التطرف الديني سواء ما تمحور منه حول السلطة أو الزعامة الدينية.. لكل فعل رد فعل مساوي له في المقدار ومضاد له في الاتجاه..

ختاماً .. كريم عامر حر في أن يقول ما يشاء ، ونحن أحرار في أن نرد عليه أو لا نرد .. لكن من الذي سيضمن لي أنه سيحترم حريتي في نقد وجهات نظره أو حتى الرد عليها أو في كوني معتنقاً لدين لا يأتي على مزاج سيادته؟
ويتفق معي في ما قلته إلى حد ما أحمد شقير و الدكتورة بلو روز..

Sunday, November 12, 2006

فقه الانتخابات!

في تدوينة سابقة نشر العبد لله تصريحاً خطيراً لمفتي الديار المصرية يهاجم فيه الانتخابات من حيث هي ويصفها بأنها تخالف مبدأً إسلامياً..لم يحظ التصريح بما يستحق من أهمية ولا انتباه ، لأننا بصراحة ربنا بلد صحفيين .. إذا ما أراد الصحفيون لفت أنظار الناس لموضوع فعلوا ، وإن أرادوا التغطية عليه فعلوا.. في الوقت الذي لم يخرج فيه معظمنا - بكل أسف - من دائرة الاتباع والتصديق "الأوتوماتيكي" لكل ما ينشر في الصحف رغم أننا نصف الكلام الفارغ أحياناً بأنه كلام جرائد.. عموماً ليس هذا بالضبط موضوعنا..

في أهرام الجمعة الماضي نشرت الصحيفة الغراء لا فض فوها ملفاً كاملاً في صفحة "الفكر الديني" ترى فيه أن الانتخابات "ضرورة إسلامية" على عكس ما قاله فضيلة مفتي الديار ، لم يثر الموضوع طبعاً وقت ما قال فضيلة المفتي تصريحه الشهير الذي نشرته جريدتان منهما جريدة الحزب الوطني نفسه.. الموضوع طبعاً أثير "لهدف ما" ستعرفه عندما تقرأ الرابط الذي سيكون فعالاً لمدة أسبوع فقط (المواقع الحكومية كدة وحنعمل إيه فيها.. مع الاعتذار لنجيب سرور)!

الفتوى العجيبة للدكتور عبد الله مبروك النجار ، ضمن هذا الملف "المسلي جداً" ، تعيد للأذهان سؤالاً قديماً جديداً : هل أصبحت الانتخابات ساحة للفتوى؟

في دولة كالعراق يفتي رجل الدين بالتصويت من عدمه في الانتخابات ، ويصبح الممتنع عن التصويت في مصر "كاتماً للشهادة" آثماً قلبه طبقاً لبعض دكاترة الأزهر، أما "المفكر الإسلامي" جمال البنا فيرد قبل عام وبعض العام على الدكتور يحيى الجمل بما وصفه البنا بأنه "حل وفره الفقه الإسلامي" لمشكلة اختيار المرشح الأنسب لرئاسة الجمهورية!

ألتمس العذر للشخص العادي الذي يتابع ذلك كله ، عندما يتهم كل هؤلاء "بالزرارية" .. بكبسة زر تصبح الانتخابات ضرورة إسلامية ودعماً للشورى ، وبكبسة أخرى تخالف الانتخابات مبدأ إسلامياً .. بكبسة زر يصبح الممتنع عن التصويت كاتماً للشهادة .. وبكبسة أخرى يصبح من السياسة ترك السياسة.. حاجة تكبس!

ولأننا في هذا الزمان يا ضيوفي الكرام ، لا أستبعد أن تظهر على الفضائيات إياها فتاوى من عينة هل يجوز للأشول (زي حالاتي) التصويت في الانتخابات؟ وما هو حكم الرموز الانتخابية على شكل حيوانات وطيور؟

مسألة الانتخابات ليس فيها حرام وحلال ، ولو كان هناك "تصور فقهي إسلامي" للانتخابات لخرجت دول إٍسلامية كثيرة من الملة بما فيها الباكستان وبنجلاديش وغيرها من الدول التي قدمت نماذج انتخابية محترمة دون حشر الفقه في الموضوع .. النظام الانتخابي متروك لكل دولة حسب ظروفها السياسية والاجتماعية والجغرافية .. والشورى في كل المجالات وليست فقط في السياسة ..هذه كما أراها حقائق واضحة وأبسط من أن نختلف حولها أو نتجاهلها..لكن تقول لمين؟

هل يقال هذا الكلام لصحفيين معجبين بسفسطائيي الإغريق وقدرتهم على قلب الحقائق وخلط الحق بالباطل؟ أم لبعض ممن حصلوا على درجات علمية من الأزهر وعاشوا في دور "المفكر الإسلامي" ، ولا هم لهم سوى الظهور على صفحات الجرائد وشاشات الفضائيات ليفتون في أمور ليست من اختصاصهم ، ثم يمصمصون الشفاة على حال الدعوة وسنينها ، وينتقدون من يظهر - منهم وليس من غيرهم- على شاشات الفضائيات ليتحفنا بفتواه ، ويتهمونهم بحب الظهور والشهرة؟ -ولا أفهم أي متعة يشعر بها شخص يتهم غيره بخصلة هي فيه؟

هكذا جعلنا الانتخابات ساحة للحلال والحرام ، وأصبح لكل حزب ولكل شلة مفتين وأناس في الأزهر وخارج الأزهر ينظرون لهراءاتهم باسم الدين.. وسؤالي الأخير : ماذا يمكن أن يُفعَل بالدين في مجتمعاتنا أكثر مما يحدث الآن؟

Thursday, November 2, 2006

هل صار السب بالدين فولكلوراً مصرياً؟

من أجمل ما قرأت في مدونات هذا العام الملف الذي أعده الأستاذ محمد أبو زيد عن "التطور الطبيعي للشتيمة في مصر" .. إلا أنه رغم ثراء الملف لم يتطرق للسبب المنطقي الذي يجعل الشعب المصري ، والذي تعلمنا وسائل إعلامنا أنه شعب متدين ، يسب بالدين!

في عشرينات بالأمس ، نشر الموقع ملفاً عن معتمر يسب بالدين.. رغم أنه يفترض أنه ذاهب لأداء شعيرة دينية!

صحيح أن المعتمرين يتعرضون لأنواع بشعة من النصب والاحتيال من قبل شركات السياحة - نحن نتحدث عن المعتمرين الفقراء الذين ليس لهم ظهر- ولأنواع أبشع من التجاهل بقيادة البيروقراط الذين لا يرقبون في المعتمرين وبخاصة كبار السن إلاً ولا ذمة .. لكن هل يبرر ذلك أن أسب بالدين ، سواء أكان الشخص الذي أسب دينه على ديني أم لا؟

إن كنتم تريدون رأيي الشخصي : الله الغني عن عمرة تجعلني أسب الدين ، الدين أكبر من أن يجعلني بيروقراطي أو مهرج أو "مفقر" إسلامي أسبه بسببه..

السب بالدين صار واقعاً رغم رفض معظمنا له ، ورغم سماع بعضنا له في نهار رمضان.. الذي نحن مطالبون فيه إن سبنا أحد أن نقول "اللهم إني صائم"!.. لكن ليه؟

نحن كمصريون لسنا سبابين من الباب للطاق ، حتى وإن استعملت "الشتيمة" بشكل عام على سبيل الهزار (ومنها شتائم بشعة) في شرائح من المجتمع المصري .. لكن من الواضح أن سب الدين يسكن منطقة ما داخل العقل المصري وترسبت بداخله على مر القرون .. لأسباب لا أعرفها ، وهذه الفرصة لأسألكم عنها وفيكم من هو أكثر مني ثقافة ودراية بأصول الأشياء ومبتدآتها..
* اكتفيت برابط "تابوهات الشتيمة" الذي يتناول الخطوط الحمراء للشتيمة ، والملف كله رائع وأرشحه للقراءة..
تحديث: قمت بتغيير العنوان ليلائم المحتوى..

Wednesday, November 1, 2006

حتى لا يكون العقل ..خارج الموضوع

في ندوة عقدت بجامعة الفيوم في التاسع عشر من الشهر المنصرف ، وجه بعض طلبة الجامعة أسئلة مخيفة للدكتور علي جمعة مفتي الديار ، عن "حرمة" الالتحاق بكليات التجارة والسياحة والفنادق ، والتصوير الفوتوغرافي!

أسئلة غريبة الشكل عندما تخرج من أناس يعيشون في العام السادس من الألفية الثالثة.. تؤكد الأزمة المخيفة التي نعيشها ، وتجعل أي شيء.. أكرر .. أي شيء قابل للحدوث في مجتمعـ(ات)ـنا .. بما فيها حوادث التحرش والتي أوفاها الكثير من الزملاء حقها بحثاً وتحليلاً..

تلك الأزمة التي نعيشها ببساطة هي أنه بالرغم من تحرير الإسلام للعقل من الخرافة ، إلا أن الخطاب الديني - وليس الدين كما يزعم "البعض"- أقصى العقل تماماً من حساباته إن جاز القول..

الخطاب الديني بشكله الحالي روحاني عاطفي أكثر من اللازم، عشرات الدروس والمواعظ والسرادقات والحلقات والبرامج كلها تلعب على النغمة الروحية والعاطفية أكثر من "أي شيء آخر".. واستًغِل ذلك أسوأ استغلال من مهووسي الزعامة الدينية في كل اتجاه ، فكثيراً ما وجهوا الناس حيث يريدون ، وألبوهم على من يريدون ، قاطع يا زكي قدرة يقاطع زكي قدرة ، احرق يا زكي قدرة يحرق زكي قدرة .. دون ترك أي براح لزكي قدرة كي يفهم!

والشلل الحاكمة استفادت من ذلك أيما استفادة ، ما رأيكم في تدين جميييييييل يمد الناس بشحنة روحية تنسيهم آلام يومهم التعس ، مثل أنجع حقنة مورفين أصلي غير مغشوش؟

ولا مانع من سرد بعض القصص التي تتضمن كرامات وخرافات بالمرة ، في وجود جمهور متأثر روحانياً وليس لديه الاستعداد لعرض ما يقال على العقل.. وللأسف الشديد نحن هنا في مصر من سادة هذه اللعبة ، فوجئت اليوم وأنا أطالع أسبوعية "الخميس" التي صدرت في الأسواق اليوم الأربعاء بأن إمام مسجد الحامدية الشاذلية قال أنه رأى الرسول عليه الصلاة والسلام في المسجد يوم ليلة القدر وأن المصلون صلوا وراءه ركعتي الفجر لمدة ساعة وربع الساعة ، أمر غريب أجد صعوبة في تصديقه، ربما كان غير صحيح .. ربما كان صحيحاً .. الله أعلى وأعلم، حتى الصفحة الكاملة التي أوردتها الخميس للحدث اكتفت بتوضيح وجهة نظر فضيلة الإمام دون الرأي الآخر بنفس المساحة، ناهيك عن عشقنا كمصريين لما يثار عن كرامات - بالحقيقة أو "بغيرها" - عن الشخصيات العامة ، كما كان الأمر حول لاعب كرة القدم الدولي الراحل محمد عبد الوهاب ، مروراً بعبد الحليم حافظ الذي أكد "البعض" أن جثته "لم" تتحلل!

الخطاب الديني بشكله الحالي خطاب روائي ورائي ، يعتمد على القصص التي تروى في الدروس وعلى المنابر مصحوبة بأداء تمثيلي تعليقي من قبل الراوي .. منفصل تماماً عن واقع المسلمين وحياتهم..

الخطاب الديني الحالي جعلنا جميعاً سلبيين واتكاليين ، نرفع أكفنا إلى السماء في مناسبات الدعاء دون عمل شيء ، أو للتغطية على خيبتنا المربعة ، ذلك يذكرني بنكتة عن طالب بليد دعا الله أن يجعل باريس عاصمة لندن لأنه كتب ذلك في الامتحان! .. ألا يبدو ذلك ممجوجاً في وقت يعطيك الله فيه أدوات السعي ، وعقل ليس الغرض منه التعليق في النجفة؟ .. الفرق رهيب بين التواكل ، وبين الأخذ بالأسباب والاعتماد على مسبب الأسباب..

استنتاجي الوحيد لما حدث في شوارع القاهرة بعد ساعات من صلاة عيد الفطر ، هو أن السادة المتحرشين الكمل ، بعضهم على الأقل ، كانوا من ضمن من ملأوا صلوات التراويح في المساجد ، ونهنهوا من البكاء خلف مشايخ الطرب القرآني ، إلى أن انتهى رمضان ، وضرب الجرس ، وخرجوا إلى "الفُسحة" ، واللوم الأعظم يقع على هؤلاء ، أكثر من زملائهم المتحرشين الآخرين الذين لم يحضروا "الدرس" أصلاً!

ربما تكون الصورة أقل قتامة لو عاد العقل لمكانه الطبيعي في الخطاب الديني..حتى يصبح حالنا أفضل ولو بعض الشيء ، حتى لا يصبح الدين نفسه "ملطشة" لأدعياء التجديد الذين يرون أن الدين يحضنا على السلبية والتخلف ويتعاملون معه بمنطق انسف منزلك القديم!

Thursday, October 26, 2006

تعيش وتكتشف يا دكترة!

ستظل المساجد وأحوالها تمثل جزءاً لا يتجزأ من موضوعات "الدين والديناميت"..لأسباب كثيرة منها الدور الذي يجب أن يلعبه المسجد في حياة المسلمين ، وهو المصدر الرئيسي والأهم لما يتلقاه المسلم من ثقافة دينية تعينه على شئون دينه وتبصره في شئون دنياه..ومن الأسباب التي تسببت في تراجع دور المسجد إدخاله وحشره في الصراعات المذهبية والسياسية والملوخية التي أدمناها في بلادنا..

النكتة هذه المرة جديدة ، ومفادها أن وزارة الأوقاف قررت منع خروج التظاهرات من المسجد ، وليست هذه هي المشكلة ، ورأيي في ذلك سأوضحه بعد قليل ، ولكن الجديد والغريب هو أن الوزارة "اكتشفت فجأة" حديثاً للرسول صلى الله عليه وسلم ما معناه "جنبوا مساجدكم خصوماتكم ورفع أصواتكم وسل سيوفكم"..

أنا بالمناسبة مع رفض خروج المظاهرات واستغلال المساجد في الترويج السياسي والطائفي والمذهبي ، ولكن لماذا لم نسمع ذلك الحديث الشريف إلا في هذا التوقيت؟

السبب سياسي صرف يا جماعة الخير ، فلو قال الدكتور زقزوق ذلك في مظاهرات حرب لبنان لنال من الشتائم والهجوم هو وحزبه ما لا يطيقان - رغم أن الشتائم لم تعد تؤثر- أي أنه الذي يدعي أنه لا يخشى في الحق لومة لائم واحد ، يخشى اللوم إذا ما جاء من أكثر من واحد!

الدكتور زقزوق يفعل ما هو أسوأ ، عندما يتخيل أن النص يظهر بكبسة زر ويختفي بكبسة أخرى..

ماشي.. إذا كان ذلك كذلك طبق الحديث بشكل سليم.. الروح قبل النص!

أي أن المنع يجب أن يسير في كل الاتجاهات ، بما فيها الدعاية المذهبية والشللية حتى من الشلل التي "في حماية" الحزب الوطني البيروقراطي ،والدعاية السياسية للحزب الوطني البيروقراطي نفسه، وألا يقود شيخ الأزهر نفسه أي مظاهرة تخرج من الجامع الأزهر ولو كانت بتصريح ولو كانت بأوامر.. بما أنه يجب أن يكون القدوة..

أي أن المنع يجب أن يصل أيضاً لما يحدث في عقود القران التي تحول المساجد إلى سيرك ، وإلى التسول الذي صار ظاهرة مقرفة لا يعلم عنها الدكتور أي شيء.. لك أن تتخيل أنه في مسجدين مختلفين رأيت بأم عيني متسولة تصرخ في قلب المسجد بعد ختام صلاة التراويح.. وبشكل هستيري .. وهذا يحدث في العديد من مساجد مصر التي لا يهتم الدكتور زقزوق كثيراً لأمرها..

أتمنى أن يجرؤ الوزير على التحرك في كل هذه الاتجاهات ، حتى لا يقال ، أو يترك الفرصة لأي شخص أن يقول أن وزير الأوقاف يسمح بأن تتحول بيوت الله إلى سيرك طالما أن هذا لا يؤرق حزبه الموقر ، أو أنه يكتشف الأحاديث الموجودة في كتب الحديث منذ قرون على مزاجه ، ويخرجها على طريقة رشدي أباظة في الفيلم المحروق "الرجل الثاني"!

Thursday, October 12, 2006

غزاة الفاتيكان .. وصحافة البتنجان

هذا هو ما يحدث عندنا ، أي إهانة أو إساءة تخرج من أي منتمي لديانة أخرى تقوم الدنيا ولا تقعد ، وتحرق الأعلام ونسمع المطالبات بالمقاطعة ، أما إذا كانت الإساءة من الداخل نمارس منطق "أطبطب وأدلع" ، بل منا من يعتبر سيادة المسيء من الأبطال البررة..

صحيح أن كل منا يؤخذ منه ويرد عليه إلا الرسول صلى الله عليه وسلم بحسب عبارة الإمام مالك الشهيرة ، لكن أن تصل الأمور بأن نجد ملحقاً لإحدى الصحف الحزبية يصنف السيدة عائشة أم المؤمنين ضمن أسوأ عشر شخصيات في تاريخ الإسلام..هذا هو الإسفاف بعينه ، وستكتشف أي نوع من "الهبل" مختلط به هذا الإسفاف كما يتقدم!

لم نر في القائمة أياً ممن كفروا الناس ، وقتلوا باسم الدين ، أو خلطوه بالخرافة ، أو استغلوا الدين للتقرب من السلطة ولتحقيق مصالح شخصية ، لم نر قيادات الحشاشين والقرامطة وأخواتهم، لم نر أدعياء الفكر والاجتهاد الذين لم يحرموا الدين من جهالاتهم وغباواتهم..إذا لم يكن هؤلاء هم الأسوأ ، فمن يكون الأسوأ إذن؟

حيثيات اختيار السيدة عائشة ضمن القائمة تعكس مستوى "الهبل" الذي يتمتع به أصحاب الملحق .. العباقرة يقولون أنهم صنفوا السيدة عائشة ضمن القائمة على أساس من قتلوا في موقعة الجمل .. ولو اتبعنا نفس المنطق لكان حسن نصر الله ضمن القائمة وبجدارة واستحقاق ، فهو لم يكتفِ بتوريط بلاده في حرب ، وكلف بلاده خراباً ودماراً وضحايا أبرياء ، ثم جاء في نهاية الأمر ليعلن انتصاره.. أذكركم بأن تلك الصحيفة وغيرها قد أهلن أكاليل المجد على السيد حسن نصر الله رغم أنه فعل ما عدت الصحيفة من هو خير منه ومنا من أسوأ شخصيات الإسلام!

كنت أتمنى لو أن الذين فتحوا صدرهم وعرضوا على بابا الفاتيكان المناظرة قد ذهبوا إلى هؤلاء الذين يسيئون من الداخل وحاوروهم وناظروهم وجادلوهم بالتي هي أحسن ، و/أو تصدوا لكل ما يسيء للإسلام في عيون أهله لا الغرب.. على الأقل فإن المنتمي لديانة أخرى قد لا يعرف عن الإسلام الشيء الكثير ، أما المسيء من الداخل فهو يعرف ويعرف جيداً جداً .. ومن الظلم أن نسوي بين من يعرف ، وبين من لا يعرف!

بالمناسبة ، لم يظهر صاحب الملحق كما يفعل غيره في مثل هذه الظروف ليتشنج بالحرية والديمقراطية وحرية الرأي.. ولقد عوقب فيما يبدو من قبل رئيس الحزب بجعله رئيساً لتحرير الجريدة الحزبية بعد أن كان رئيس ملحق.. يا زين ما اخترت.. وربنا يشفي..

حاشية: كان تقديري سليماً عندما انتظرت بعد أسبوع كامل من صدور ملحق الحزب الذي لن أذكر اسمه في هذه التدوينة ، ولما كانت ردة الفعل على الممارسة التي ارتكبتها الجريدة ، وغيرها ، بهذا الشكل ، كتبت هذه السطور..

Sunday, October 8, 2006

أين "تصلي" هذا المساء؟

بداية أعتذر عن غيابي لمدة خمس عشرة يوم كاملة عن التدوين هنا في "الدين والديناميت" لظروف قاهرة حقيقية لم تمكنني من الدخول على النت سوى للتعليق ولنشر تدوينة عالقة في المدونة الشقيقة "فرجة" .. ولم تكن تلك الظروف القاهرة وحدها هي التي أبعدتني ، بل كثرة المواضيع التي تستأهل النقاش والمشاهد الغريبة التي أصبحت تذكر إذا ما ذكر رمضان ..

في عشرينات قرأت مقالاً قصيراً عنوانه "أين تصلي هذا المساء" .. ورغم جاذبية العنوان إلا أنه اكتفى تقريباً برابط من موقع "زدني" به جدول لصلاة التراويح ، وفي الرابط المذكور اسم للمسجد ، وللشيخ الذي يؤم المصلين فيه ، وعينة صوتية بامتداد ويندوز ميديا بلاير لصوت الشيخ!

العنوان موفق جداً ، ويغني عن مزيد بيان ..

الناس أصبحت تذهب لتصلي في المسجد خصيصاً بسبب الشيوخ المقرئين ، ولنقل للدقة المطربين ، والأمر صار منافسة بين المساجد كما لو كانت دوراً للعرض السينمائي تتنافس فيما بينها على عرض أحدث الأفلام! وفي العشر الأواخر التي تبدأ نهاية هذا الأسبوع ستمتلئ مساجد بعينها في التراويح بشكل لا يصدقه عقل ، لا لشيء إلا بسبب دعاء القنوت الذي "يغنيه" الشيخ الفلاني أو العلاني!

معلوماتي المتواضعة جداً أن التراويح سنة عن الرسول الكريم عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم ، يمكنك أداؤها في جماعة أو في قلب بيتك .. لماذا طغت الاستعراضية إذن على تلك الشعيرة التي تميز رمضان عن غيره فضلاً عن فريضة الصيام؟ وبأي منطق تحولت صلاة التراويح إلى مسابقة بين الشيوخ الأئمة الأفاضل في غناء القرآن الكريم والأدعية بهذا الشكل الفج؟

أنا لا أحجر ولا أصادر على تصرفات الناس ، لكننا عشنا دهراً طويلاً قبل أن تصير الأمور هكذا..وقبل أن ننقل هذه الروح الغريبة لعبادات هي بيننا وبين الخالق سبحانه وتعالى..

أما عن غناء القرآن الكريم والأدعية في الصلاة في حد ذاته ، فهذا موضوع لحديث قادم بإذن الله..

Sunday, September 24, 2006

هوة لسة ما صفرش؟

هناك وقائع صغيرة تحمل دلالات خطيرة ، وهناك وقائع خطيرة تحمل دلالات مخيفة..لذا أنا أدعوكم في أول أيام الشهر الفضيل لقراءة هذه التدوينة بهدوء أعصاب لتستشعر مدى خطورة موضوعها..

نشرت جريدة المصري اليوم أن عدداً من الجماعات السلفية قررت الصيام أمس السبت ، وكذا بعض وليس كل أفراد جماعة الإخوان المسلمين.. على الرغم من أن مفتي البلاد قال أن رمضان يبدأ اليوم الأحد..

ويقولون بحسب الخبر الذي أترك له رابطاً هنا منعاً للإطالة بأن "جمهور العلماء" قد أفتى بالصيام مع أي بلد إسلامي يشارك الدولة جزءاً من الليل ، وأن «إن لكل بلد ولكل قطر رؤية هلال» هو رأي فردي لا يمثل إلا رأي صاحبه!

أول ملاحظة .. هناك فيما يبدو حالة عنيفة من عدم الثقة بالمؤسسة الدينية الرسمية المصرية حتى في مسألة كمسألة الصيام.. تلك الحالة تسبب فيها نفوذ تلك الجماعات داخل الشارع..وتسببت فيها بالمقابل سلسلة طويلة من الأخطاء والتصرفات الغريبة التي لم تفقِد أنصار الجماعات فقط ، بل وحتى غير المنتمين لأي شلة دينية والعالمانيين ، أي ثقة من أي نوع في تلك المؤسسة.. المخترقة جداً من بعض الشلل الدينية الأخرى!

ثاني ملاحظة .. أنه لم يثر أي نقاش بين كل الاتجاهات الدينية على تلك المسألة الفقهية يبرر أخذ هذا الموقف الغريب الشكل وغير المفهوم وغير المبرر!

ثالث ملاحظة .. هؤلاء أنفسهم هم من يرى - مثل خصومهم التاريخيين الصوفيين- أن ولي الأمر هو "أمير المؤمنين" ولا يجب الخروج عليه.. والمتعارف عليه أن قرار إعلان بدء الشهر الكريم هو حق أصيل لولي الأمر منذ أول رمضان في تاريخ الإسلام في العام الثاني الهجري.. انتظر هؤلاء ألفاً وربعمائة وخمسة وعشرين سنةً - فقط- لـ"يعيدوا النظر" في تلك القاعدة!

رابع ظاهرة وهي المخيفة جداً برأيي.. أَ إلى هذا المدى وصل التعصب الشللي الديني؟ أَ إلى هذا الحد دخلت البيروقراطية في الدين بهذا الشكل الفج والكريه؟

ففي أي شلة دينية أياً كان نوعها واتجاهها لا يصوم الأتباع إلا بإذن رأس الشلة ، ولا يترشحون في الانتخابات إلا بعد الرجوع لرأس الشلة ، رغم أن تلك الشلل ليست حزباً سياسياً وكلها تتباهى بأن من السياسة ترك السياسة .. وطبعاً لا تصويت في تلك الانتخابات إلا في الاتجاه الذي يراه رأس الشلة .. ثم ينتقد هؤلاء - في تناحة وبلادة مذهلتين- الكنيسة الكاثوليكية في العصور المظلمة متهمين إياها بالتسلط على حياة الناس ، ثم يتحسر بعضهم في تناحة وبلادة لا تقل إذهالاً على أن المسلمين ليس لهم زعيم ديني يوحد كلمتهم ويسيرون حسب كلمته!

وبما أنني وأنكم من غير المشجعين لتلك الفرق المشاركة في الدوري الديني المزعوم .. فمن الذي سننتظر صفارته كما انتظرها من قبل لصوص عصابة قصة علي بابا والأربعين حرامي؟

ولا حول ولا قوة إلا بالله .. وربنا يهدي الجميع ويعدي الشهر على خير..

Friday, September 22, 2006

هلال رمضان : الشخشيخة ولا اليويو؟

اليوم رؤية هلال رمضان ، كل عام أنتم بخير ، ساعات وندخل شهر رمضان "المسلي" - المعظم سابقاً .. والذي جعل هذا الشهر "مسلياً" للغاية هو تقاليعنا السخيفة التي نثقل بها كاهل تلك الأيام المفترجة عاماً بعد عام .. وستحاول "الدين والديناميت" بإذن الله تعالى وعونه تناول ما يتيسر تناوله منها من باب العرض على العقل والاستفهام الذي هو أول طريق المعرفة ..

هذه المرة أتحدث عن الهلال..

في كل عام تختلف الدول الإسلامية في رؤية هلال رمضان ، من أطرف مظاهر الخلاف هذا العام هو أن ليبيا ستصوم غداً السبت ، في الوقت الذي "قد" - هذه السطور كتبت قبل إعلان الرؤية في معظم الدول العربية - يصوم فيه أهالي معظم تلك الدول يوم الأحد القادم ..السبب أن ليبيا* "لا" تعتمد رؤية الهلال كأساس لبدء شهر رمضان.. بل تعتمد ما وصفه مقال في إسلام أون لاين دوت نت للدكتور محمد شوكت عودة "اشتراطات فلكية معينة" لتحديد بدء الشهر ونهايته..

في السعودية .. الرؤية البصرية هي الأساس .. حيث تدعو حكومة المملكة مواطنيها لـ"تحري" رؤية الهلال بصرياً ، ما إن تمكن شخص من رؤيته وشهد بذلك ، فإن الشهر الهجري يبدأ اليوم التالي ، حتى وإن قالت الحسابات الفلكية بغير ذلك..في عام 1984 صام بعض السعوديين أقصر رمضان في التاريخ : 28 يوماً ، ليييييه؟ السبب ببساطة شديدة أن أحد الأشخاص قد رأى كوكبي عطارد والزهرة معاً فاعتقدهما الهلال!

الفقهاء انقسموا لثلاثة أقسام : قسم يقر الحساب الفلكي في النفي والإثبات ولا يقر الرؤية، وقسم يقر الرؤية البصرية في النفي والإثبات ولا يقر الحساب الفلكي، وقسم ثالث يقر الحساب الفلكي في النفي فقط..

دول تأخذ باختلاف المطالع (لكل دولة رؤيتها المستقلة) ، ودول كالأردن تأخذ باتحاد المطالع (إذا ما شوهد في دولة تقتسم جزءاً من الليل مع الأردن مثلاً، فتتبع الأردن رؤية الدولة)..وهذه الأسس قابلة للتغيير والثبات في حالات تقتضيها السياسة!

ليس المقصود من العنوان السخرية من رمضان ، بل مما فعلناه نحن برمضان..منطق الإفيه الشهير ببساطة هو أنك لا تستطيع اختيار الشخشيخة واليويو معاً ، هكذا بدا التناقض والخلاف .. فلكي ولا بصري؟ فهم قديم لنص تغيرت الدنيا من حوله واقتضت المستجدات فهماً جديداً مكانه ، ولا اتباع للعلم فقط وليذهب النص إلى الجحيم؟ جماهيري ولا رسمي عن طريق هيئات علمية متخصصة يأذن لها ولي الأمر؟ الأمر بدا إذن كشخشيخة ويويو ..

صيام رمضان ركن ركين من أركان الإسلام ، لكننا كمسلمين منقسمون عليه لأسباب فقهية وسياسية وعلمية غريبة ، والمفترض أنه يوجد أساس واحد يقبله الجميع ويلتزم به لتحديد بدايات الشهور الهجرية التي تؤثر في ركنين من أصل خمسة أركان لديننا الحنيف ، حتى وإن اختلفت نتيجة رؤية الهلال بين الدول ..لماذا لم يتم التفكير بجدية في ذلك الأساس ، مكتفين فقط بالاختيار بين بدائل متناقضة بهذا الشكل؟

صحيح أن الدكتور نصر فريد واصل مفتي الديار المصرية الأسبق اقترح قمراً صناعياً إسلامياً ليوحد رؤية الهلال في العالم الإسلامي.. لكنه بدا شديد الشبه بما تناوله العبد لله في موضوع "الخطيب الديجيتال" .. كما أن اتحاد المسلمين في الصيام ليس مظهراً أصلاً من مظاهر وحدة الأمة الإسلامية .. فمن الممكن أن يصوم المسلمون كلهم في يوم واحد وقلوبهم شتى.. أليس الأجدى هو الاتفاق على كلمة سواء ، على أساس يستخدم فيه العلم لفهم النص دون إغفال العلم كلية أو الاستخفاف بالنص من إنفاق ملايين من الدولارات فقط "لتوحيد المطالع"؟

لا توجد منطقة وسطى ما بين الشخشيخة واليويو- مع الاعتذار لنزار قباني..لكن رؤية أهلة الشهور الهجرية ليس مسألة شخشيخة ويويو .. وحله في يد العلماء والفقهاء معاً ، وليس في قمر صناعي ولا حتى زراعي.. ألا هل قد بلغت؟

ذو صلة:
-رؤية الدكتور مسلم شلتوت للحساب الفلكي كمعيار لتحديد بدء الشهور الهجرية
*ليبيا تمتلك وجهة نظر خاصة جداً في مسائل الشهور القمرية ، فهي تعترف بتقويم خاص جداً بها تبدأ فيه السنة الهجرية من تاريخ وفاة الرسول عليه الصلاة والسلام وليس من تاريخ هجرته إلى المدينة المنورة ، بعكس كل العالم الإسلامي!

Monday, September 18, 2006

قناة كل الناس .. إلا العاملين فيها!

رغم التناقضات التي تشوب علاقة الساعين للزعامة الدينية بالعصر وتقنياته ، إلا أن هذا لم يمنعهم من "إثبات وجودهم" سواء بامتلاك قنوات فضائية يستغلونها للدعاية لفكرهم ، أو التوغل والانتشار داخل قنوات أخرى حتى يستولون عليها بالداخل في عملية نضيفة مية المية (مع الاعتذار لنجم الكوميديا المعتزل سامي فهمي)!

خير الأمثلة على ما أقول ظهور موجة من القنوات "الدينية" التي يسيطر عليها هؤلاء ، مثل قناة المجد ذات التوجه السلفي المتشدد ، وسلسلة القنوات الشيعية على النايل سات ، وتوغل الصوفيين داخل المحور ، وسيطرة تيارات الإسلام السياسي بشكل متفاوت على الرسالة وإقرأ.. لكن المثال الذي أتناوله هذه المرة هو "ما يعرف بـ" قناة الناس".. وحكايتها حكاية .. وستستشعر عندما تراها بوجود شبه بينها وبين سلسلة محلات "التوحيد والنور" الشهيرة!

صلوا على رسول الله ..

القناة مملوكة لرجل أعمال سعودي هو "منصور كدسة" وفي رواية أخرى "منصور كرسة" .. تبعاً للاختلاف المطبعي بين مواقع النت والصحف التي تكتب اسم صاحب القناة.. وهو صاحب قناة الخليجية الفضائية ، وهي قناة غنائية لا تختلف كثيراً عن ميلودي هيتس ومزيكا ، وكان الهدف بحسب الصحفي المصري سليم عزوز - أول الأمر طبعاً - "إنشاء قناة عادية جدا، وبأقل تكلفة مادية"..وفتحت القناة ذراعيها الاثنين لعدد كبير من الهواة للعمل كمذيعين ومذيعات (إلى أن اكتشفوا الحقيقة المرة كما سيتقدم)..

بحسب المصري اليوم في تقرير نشرته قبل أسابيع عن القناة المعجزة ، فإن إيمان علام إحدى المذيعات اللواتي عملن بتلك القناة - قبل فصلهن الجماعي على طريقة مذبحة القلعة-قالت أن الإدارة اشترطت أول الأمر عليهن العمل بلا راتب ، وطبعاً - كما يقال في "سوء" العمل المصري- قالت الإدارة أن تلك مرحلة مؤقتة إلى أن يجلب برنامجها إعلانات ثم تدفع لها القناة راتبها! أما ماجدة إبراهيم زميلتها فقد نجحت في جعل برنامجها يستقبل الاتصالات التي كان يطلبها البهوات أصحاب القناة .. وكان الجزاء طبعاً الطرد .. وبلا مرتب..

ولم تكن ماجدة وإيمان الوحيدتين اللتي تم فصلهما من القناة ، بل قامت القناة بقيادة الجنرال عاطف عبد الرشيد بفصل كل مذيعات القناة فصلاً جماعياً ودون إعطاء أي منهن راتباً أو مكافأة نهاية الخدمة .. والسبب هو رغبة أحد شيوخ القناة "أبو إسحق الحويني" وفي رواية أخرى "محمد حسين يعقوب" ، والذي وافق على تقديم برامج على القناة (وقيل على تمويل برامج للقناة) في مقابل استبعاد المذيعات تماماً من العمل بالقناة ، بحجة أن - طبقاً لمصدر من داخل القناة رفض ذكر اسمه للمصري اليوم -"صوت المرأة عورة، وظهورها علي الشاشة فيه إثم كبير"!

لا أعرف بالمناسبة أن ذلك يسري على صوت المرأة في إعلانات القناة والذي لا نزال نسمعه حتى وقت كتابة هذه السطور!

أما عاطف عبد الرشيد فكان له رأي آخر ، حيث قال للمصري اليوم : "لا أرفض ظهور المرأة علي الشاشة بدليل استمرار بعض الإعلانات التي تظهر فيها المرأة في البرامج. وأري أن ظهور داعية أو طبيبة تلقي علماً يفيد الناس، أفضل من مذيعة تسأل الضيف عدة أسئلة"..وبرر سيادته المنطق الأعرج في التعامل مع المذيعات بقوله : "بصراحة شديدة عندما بدأنا لم يكن مدرجاً في ميزانية الإنتاج مرتبات المذيعات حيث أن القناة قائمة علي التواصل المباشر مع الجمهور، وعندما نجحت القناة وجدنا إقبالا شديداً من الراغبات في العمل كمذيعات «هما اللي بيطاردونا وعايزين يشتغلوا معانا مع أننا ممكن نشتغل من غيرهم»!"

ناقشت الموضوع مع بعض الأصدقاء الذين لاموني وبشدة على الهجوم بل وعلى انتقاد "قناة إسلامية".. وأنا أطالب نفسي والجميع بالحذر عند وصف أي شيء أنه إسلامي فالعملية ليست اعتباطاً .. وكيف تتعامل قناة "إسلامية" مع الموظفين والعاملين بها بهذا المنطق المعتوه : لا شفافية في المسائل المالية ، ولا مكافأة نهاية خدمة عقب الفصل وهو ما لا يحدث في دكاكين صغيرة لا تملك من المال ما يدير أعمالها وليس مع قناة فضائية؟ .. بل إن الأنكى أن القناة تقيم دورات وهمية في "مركز الناس للإعداد والتدريب" لا تزال تعلن عنها حتى الآن لإعداد مونتيرين ومعدين ومقدمين للبرامج ، تحصل منها "على الراس الواحدة" على مبلغ وقدره 2500 جنيه مصري ، ثم الباقي معروف : بالسلامة يا شربات!

وهناك السؤال الرزل الذي سألته ماجدة وأسأله بدوري : كيف يستقيم أن تكون هناك قناتان لرجل أعمال واحد ، إحداهما متشددة والأخرى فاتحاها على البحري والقبلي ، وفي استوديو واحد؟.. ومن عندي : هل يعقل أن يكون مجرد صوت المرأة عورة في قناة ، وأنه "مفيش تكليف" في القناة الأخرى؟

تعلمنا من الإسلام أن "أعط الأجير حقه قبل أن يجف عرقه" ، وليس أن نعطيه بالجزمة وإن كان عاجبه!..التعامل بما يرضي الله مع عاملي القناة أفضل بكثير من أن يخرج عليك الشيخ محمد حسنين يعقوب شاخطاً وبكل عنف قائلاً : إنت ما بتصليش ليه؟

حاشية : كل الشكر للزميل "شادي" ومدونته "حزب العواطلية نحن الأغلبية" الذي كان أول من تناول حكايات قناة الناس على مدونته وواقعة الفصل الجماعي ..
تحديث: حسان والحويني ويعقوب يستعدون للرحيل من قناة الناس .. التي قد تتفرغ لتفريخ دعاة الصف الثاني .. راح التمويل يا حاج عاطف!

بالمناسبة .. المجموعة المؤسسة لقناة الحكمة تبحث عن فتوى شرعية تبيح تمويل القناة من أموال الزكاة!

تحديث تاني (19 نوفمبر): ملاحظة رصدتها الزميلة إني راحلة نهديها لكل من تطوع بالهجوم أو الشتيمة على العبد لله لأنه انتقد هذه القناة!

Thursday, September 14, 2006

فوازير رمضان الجديدة

بعد أن ودع المصريون فوازير رمضان إلى مثواها الأخير .. أبى البعض ألا يترك رمضان بلا فوازير .. والفوازير هذه المرة جديدة ومضحكة ومسلية جداً جداً جداً..

نعرف أن الحكومة قد قررت في وقت سابق من هذا الأسبوع العمل بالتوقيت الشتوي بدءاً من ليلة أول أيام شهر رمضان المبارك .. إلا أن بعض الخطباء في القاهرة - بشكل يعجز العقل الطبيعي عن تصديقه - قرروا الإفتاء بعدم الالتزام بقرار الحكومة الجديد.. "وهو ما يعني تأخير الإفطار ساعة كاملة طوال الأسبوع الأول من رمضان، الذي يحل في ٢٤ سبتمبر الحالي، ثم استكمال صيام بقية أيام الشهر الفضيل طبقا للتوقيت الشتوي الذي يبدأ أول أكتوبر، الموعد المعتاد لتغيير الساعة" والكلام لجريدة المصري اليوم..

أما موقف الدكتور فرحات السعيد المنجي أحد علماء الأزهر والذي يشاهد كثيراً على قناة المحور الفضائية فذهب أبعد من رفض الفتوى العبقرية التي أدلى بها الخطباء الأجلاء مطالباً بإلغاء التوقيت الصيفي الذي ورثناه عن الاستعمار البريطاني وأنه لا مبرر لوجوده وأنه "لا يعقل أن يظل هذا النظام سبباً في اضطراب شعائر المسلمين، وذريعة لتشكيك البعض في مواعيد إقامة الشعائر الدينية"..(لماذا لم نسمعه وقت أن قرر مشايخ السعودية بجرة قلم تغيير موعد عيد الأضحى المبارك قبل عامين في سابقة فضيحة في حد ذاتها؟.. ألم يربك ذلك ركنا ركيناً من أركان الإسلام؟)

أسئلة الفزورة كالتالي :

1-لماذا أفتى هؤلاء الجهابذة بتلك الفتوى الكوميدية التي لا أساس لها من أي شيء يمت للعقل والمنطق؟

2-علامَ يثار الجدل طالما أني أعرف ميعاد آذاني الفجر والمغرب في أول يوم رمضان وسيستمر الحال على ما هو عليه طوال الشهر؟.. كان من الممكن أن يكون لكلام الشيخ المنجي بعض الوجاهة لو قررت الحكومة الإبقاء على التوقيت الحالي لمدة ستة أيام ثم عدلته للتوقيت الشتوي.. وهذا هو ما لم يحدث!

3-لماذا أؤخر الصيام والفطور ساعة إذا ما تغير الوقت؟ بأي الأمور أعتبر : بالآذان أم بالساعة؟

لمن يستطيع الخروج بإجابات منطقية عن تلك الأسئلة ، يتصل على رقم 0000 على أقرب محمول لبقال جنب بيتكم .. وابقى قابلني!