Tuesday, January 6, 2009

بِش و تِس

"أحمدك يا رب.. بقى عندنا بش وتس".. مع الاعتذار للفنان الكبير "محمد صبحي"..

لدينا والحمد لله من يرون أن الخروج على - ومن ثم التظاهر ضد -"الحاكم" "الظالم" "فريضة"- طب حطوا معايير عامة ومجردة لـ"ظلم الحاكم" بما إن الفتاوى بطبيعتها عامة ومجردة- ومن يرون أن المظاهرات "حرام"!

لندخل أكثر داخل فتوى "تحريم التظاهر" .. لم يجد العالم الجليل سبباً مقنعاً لـ"تحريم" التظاهر إلا لأنه "يلهي عن ذكر الله" .. هذا الأساس الذي لو طبق بحذافيره لأغلقت القنوات الدينية التي تقدم دروسها في توقيت ما بين الأذان والإقامة بل وبعد الإقامة أيضاً!

موقف مغلف في صورة فتوى.. كما أن للآخرين "مواقفهم" التي يوشكون أن يحولوها إلى فتاوى..

ما هي الجريمة التي كان سيرتكبها أي من أولئك وهؤلاء لو أبعد كل هذا عن الدين؟ لو أنه أعلن موقفه صراحةً وعلى الملأ دون أن يفتي بفرضية أو بتحريم؟ مش عارف..

عن نفسي ، وسبق أن قلت هذا الكلام ومستعد لتكراره، لست من محبي التظاهر كوسيلة للتعبير ، وبالذات لو على الطريقة المستخدمة في بلادنا ، وأرفض وبكل شدة جعل بيوت الله ساحات للمظاهرات السياسية والدعاية المذهبية ، هذا موقفي وأنا حر فيه ، كما أن مؤيدي التظاهر والمتحمسين له لهم مواقفهم وهم أحرار فيها ، لكن ما الخطأ في أن نكتفي بمواقفنا تلك بما هي دون الاستتار بالحرمة والحل ، ودون أن نزيد ارتباك الشخص العادي حين يأتي إلى شيخ الجامع ليسأله : هل المظاهرات فريضة أم حرام؟

ذو صلة: المؤنس المواسي في فهم السيرك السياسي .. للتذكير فقط..
* كل الشكر للزميل "أحمد شقير" على خبر فتوى الشيخ "صالح اللحيدان" ورابطه..

Friday, January 2, 2009

السبب .. الأوحد!

روى البيهقي عن أبي ذر قال: "قلت يا رسول الله ماذا ينجي العبد من النار؟ قال: الإيمان بالله، قلت: يا رسول الله إن مع الإيمان عملاً، قال: يرضخ مما رزقه الله. قلت: يا رسول الله أرأيت إن كان فقيرا، لا يجد ما يرضخ به؟ قال: يأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر.قلت: يا رسول الله أرأيت إن كان لا يستطيع أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر؟ قال: يصنع لأخرق - وهو الجاهل الذي لا صنعة له يتكسب منها - قلت: أرأيت إن كان أخرق، لا يستطيع أن يصنع شيئا؟ قال: يعين مظلوما، قلت: أرأيت إن كان ضعيفا لا يستطيع أن يعين مظلوما؟ قال: ما تريد أن تترك في صاحبك من خير ليمسك أذاه عن الناس، فقلت: يا رسول الله إذا فعل ذلك دخل الجنة؟ قال: ما من مؤمن يطلب خصلة من هذه الخصال إلا أخذت بيده حتى تدخله الجنة".

هذا الحديث سمعته في خطبة للجمعة ، ولم أسمعه في شريط أو على قناة دينية.. فهذه الأمور لا تهم كثيراً ممن يتحدثون هنا وهناك.. ممن لا يلقون بالاً لحقيقة هامة : أن العبادات ليست وحدها كل شيء .. وأن الله سيحاسبنا جميعاً عن أشياء أخرى بالإضافة إلى العبادات..

ما سمعته من هؤلاء منذ أن بدأت مأساة غزة أحد أمرين ، الأول هو "التقصير" في العبادات ، ويستشهد بعضهم بحديث الرماة في غزوة أحد ، والثاني عبارات عامة "عايمة" عن عدم طاعتنا لله وتخلينا عن شرعه واجتناب نواهيه ، كيف؟ لن تحصل على إجابة ، إلا -طبعاً- على النحو "الأول"!

يحدثوننا كما لو كنا نعيش في حانات كبيرة ، وكما لو كان كل الناس يلعبون البوكر ويشربون الجوني ووكر .. وينسون أن مساجد(هم) ، والمساجد عموماً تمتلئ في كل الصلوات -بما فيها الفجر- بالمصلين ، وأن دروسهم يحضرها جيش عرمرم من الناس تغلق من أجلهم الداخلية الشوارع المجاورة ، وأن عشرات الملايين يشاهدونهم على فضائياتهم.. ورغم ذلك فالحالة بين الناس بعضها البعض كما نعرف..

هل هذا يكفي؟ واظب على أداء الفرائض واسرق غيرك وخض في عرضه؟ حج في كل عام واتجر في المخدرات؟ قم الليل ولا تقم بأي عمل نافع لمجتمعك إن اجتمعت لك وفرة في المال؟ واظب على الدروس وأرشد الناس وفي الوقت نفسه إن اختلفوا معك في الرأي "خدهم جوزين إقلام"؟

هم يتكلمون في تلك الأمور "بدون نِفس" كما لو كانوا مجبرين على قولها ، أو سمعوا من انتقدهم لتجاهلها فتكلموا ، عكس أشياء يُختَلَف في حكمها كالنقاب مثلاً.. تجد اللهجة غير اللهجة والحماسة "غير شكل"..

هؤلاء يحملوننا المسئولية عما حدث في غزة لأننا لا نصلي الفجر في جماعة ولا ترتدي نساؤنا النقاب ، وآخرون سيحملوننا المسئولية ما حدث في غزة لأننا لا نحتفل بموالد الأولياء ، وآخرون سيبحثون عن تفاسير أخرى ، وسيجدون من يصدقهم ويهاجم من ينتقدهم في كل الحالات ، ما أسهل الحلول السهلة ، وعلى رأي خطيب مسجدنا فيما معناه أن الناس في زماننا يفضلون العبادة "الشخصية" على العبادة "الجماعية" ..النوافل على فرائض أخرى تتعلق بالعالم المحيط!

طالما نفضل الحلول السهلة ، ونتمسك بمن يذكرنا بالحلول السهلة .. يبقى انسوا ... انسووا...

Saturday, December 6, 2008

وهذا تعقيب من المدون

كل عام أنتم بخير .. هذا أولاً..

أعود بعد شهر من التوقف "المتعمَّد" والمقصود من جانبي كي أعرف ،ويعرف معي من يمرون على المدونة ، إجابة سؤال .. مجرد سؤال من الممكن لـ"رجل الشارع العادي" أن يسأله..

أشعر أن قليلين فكروا في إجابة ، أو حتى فكروا في التساؤل سواء عندي هنا (أبو العلاء وطارق وعمرو غربية تحديداً ولهم حتى مع الاختلاف في وجهات النظر كل تقدير واحترام)، أو في مدوناتهم ، أو بينهم وبين أصدقائهم أو زملائهم أو أنفسهم حتى ، عن مصطلح يتردد أمام أعينهم وآذانهم ليل نهار ، وصدموا حين تساءلوا في "البعض" ممن ناقشهم بإجابات "عايمة" لا تسمن ولا تغني من جوع ، وصدموا أكثر بمن يستنكر فكرة السؤال من أصله ، ويسمعك من منقي قلة أدب الخلاف خيار ، وهم الذين يعظوننا في أدب الخلاف والاختلاف ليل نهار.. ولا مانع من الاحتماء بآيات من القرآن الكريم وأحاديث الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام ، ومنقولات من مقالات وخطب "زعمائهم" و"قادتهم".. مع دروس في الأخلاق والتربية ليكون المتسائل والساعي للفهم عبرة لمن يعتبر..

نحن نعيش وسط جزيرة يحيطنا بها هؤلاء من جميع الجهات ، يرفعون في وجوهنا شعار "انت بتسأل ليه .. عيش عيشة أهلك .. لا تسأل يا أخ علي".. امض في ترديد المصطلحات دون تفكير ودون تحليل ودون حتى أدنى معرفة .. فـ"نحن الحقيقة وغيرنا الأوهام".. الحقيقة التي لم يحتكرها كبار علماء الإسلام في أزمنة سابقة ظهر الآن لنا من يحتكرها ويقول لنا بعلو الصوت .. "ردد واحفظ وانت ساكت".. رغم أن السادة المحتكرين أقل علماً وحكمة بآلاف المرات من أساتذتهم وشيوخهم (وهذا واضح جداً لمن يقرأ لهم أو يناقشهم).. إلا لو كان -طبعاً- للمحتكرين وجهة نظر أخرى.. أقصد "الحقيقة" الأخرى!

على من يرون أن السؤال جريمة ، إذن ، أن يتحملوا "الدين والديناميت" وغيرها .. أو أن يحجموا عن زيارتها .. ولهم منتدياتهم وساحاتهم ومواقعهم التي يستطيعون فيها أخذ راحتهم دون التسلي على مدون "عامي" لا يرقى إلى مستوى ثقافتهم وعلمهم .. وأدبهم أيضاً..

أعتذر عن عدم تفعيل الردود على هذا التعقيب ، على أن يعود في التدوينة القادمة بإذن العلي القدير، وأطلب منكم عدم التعقيب مستقبلاً على هذا التعقيب كي لا نخرج عن الموضوع و"تقلب بخناقات"..الآتي بإذن الله مهم... ومستفز لـ"البعض" الذين يستثقلون دم "العوام" وتساؤلاتهم ويعتبرونهم من فصيلة "الأورانج-أوتان".. كل عام أنتم بخير..

Sunday, November 9, 2008

الاقتصاد الإسلامي :"استفهام" .. لا "استنكار"

للمرة الثانية أتحدث عن الأزمة المالية العالمية ، وعما يُقال على المنابر وفي المقالات عن "النظام الاقتصادي الإسلامي" أو "أسلمة الاقتصاد".. وفي وجود هذه الدرجة من التعصب المقرف صار من السهل على أي شخص أن يردد أي مصطلح لا يعرف عنه أي شيء.. وما دام قد لصق بكلمة "إسلامي" فلا داعي للسؤال عنه أو معرفة ما هو.. بما أنه "الصح" .. رغم أن الحد الأدنى من استخدام العقل يقتضي أن أعرف ما هو صح كي أتفادى وأتجنب ما هو "غلط"..

ما هو فعلاً "الاقتصاد الإسلامي" ، أو "النموذج الاقتصادي الإسلامي"؟ أرجو كعامي غير متخصص "مخه على قده" شرحاً وتوضيحاً .. فالسؤال بالفعل هو سؤال غرضه الاستفهام لا الاستنكار..سؤال له أكثر من شق.. وأرجو ممن يقرأ سعة الصدر والهدوء وعدم العصبية.. كي نصل إلى الحقيقة..

لنتفق قبل الكلام على أن الزكاة فريضة ، والغش والربا حرام ، والاحتكار والاستغلال والتدليس كلها أمور مرفوضة.. ولن أنكر أي من ذلك..

أولاً: رغم الاختلاف الشديد في فهم الإسلام بين أصحاب المذاهب والجماعات والشلل.. هل يوجد نموذج اقتصادي إسلامي "موحد" اتفقوا على فهمه فيما بينهم؟ إن كان كذلك فالحمد لله أنهم اتفقوا على شيء.. وعقبال الباقي.. خطوة على الطريق الصحيح..وإن لم يكن ذلك كذلك.. ما هي ملامح "النموذج الاقتصادي الإسلامي" لدى كل فرقة أو مجموعة؟

ثانياً: وقبل التسبيق بالاتهام واستخدام "الكلام الكبير إياه" .. ما أعرفه أن لكل اقتصاد مصادر تمويل.. ما هي مصادر التمويل في الاقتصاد الإسلامي؟ هل هي الزكاة- رغم قناعتي بأن الزكاة فريضة لا ضريبة ، وأن هناك -بالنقل والعقل- فروقاً بين الزكاة والضريبة التقليدية، وأن عمر بن الخطاب رضي الله عنه طبق الضريبة إلى جانب الزكاة مما ينسف تماماً أي أساس لجعل الزكاة وحدها الضريبة الوحيدة في الاقتصاد الإسلامي.. ما سبق هو "قناعة" قد تتغير إذا اقتنعت بما هو "أفضل"..

ثالثاً: في النظام الاقتصادي "التقليدي" هناك مؤسسات مالية تتولى جمع مدخرات الناس واستثمارها ، ما هو شكل المؤسسات الاقتصادية البديلة في النظام الاقتصادي الإسلامي؟ هل ستلجأ تلك المؤسسات إلى الإقراض؟ هل ستتخلص المؤسسات الاقتصادية الإسلامية من "الفائدة" أم أنها ستلجأ -كما هي الممارسة في مجالات أخرى- إلى "إعادة تعريفها" أو القفز عليها أو .. أو؟ هل ستكون هناك "بنوك" إسلامية أم ستحل مؤسسات أخرى محلها؟ هل شركات توظيف الأموال هي "البديل الإسلامي" للبنوك"؟

رابعاً: ما هو محل قطاعات الاقتصاد الأخرى من الإعراب؟ وأعني الصرافة وتغيير العملات وشركات التأمين و..و..و... .

خامساً: ما هو حجم التغيير المطلوب في الممارسات المحاسبية التي كانت طوال الوقت تعتمد على النظام الاقتصادي التقليدي؟

سادساً: ما هو موقع الدولة من الإعراب في الاقتصاد الإسلامي؟ هل أصدق بعض ما يقوله بعض الناس مثل "جمال البنا" عن أن الدولة هي المحرك الأساسي والأوحد للاقتصاد في الإسلام؟ أو أنه يجب أن يبقى كليةً تحت سيطرة الدولة كما يقول بعض المنتمين لـ"اليسار الإسلامي"؟ أم أن الدولة يجب أن تفتح الباب على مصاريعه للقطاع الخاص؟ أم يجب أن تكون حكماً بين هذا وذاك؟

سابعاً: ما هي ضوابط سوق الأوراق المالية طبقاً لنموذج الاقتصاد الإسلامي سالف البيان؟

أنتظر إجاباتكم..حتى نفهم..

Friday, October 31, 2008

Execuse me?

قبل الدخول في حقول الألغام فضلت إنهاء هذا الشهر بحلبساية خفيفة لكل ممن لا يعاني أمراض السكر وعدم انتظام ضغط الدم..وهذا تحذير صريح لهم من قراءة الآتي بعد..

وقبل الكلام: رجاء أخوي حار.. لن نناقش في هذه التدوينة حكم الغناء .. وأطلب منكم وبهدوء قراءة هذه السطور للآخر..

قبل أيام كان هناك مهرجان للأغنية الدينية في الإسكندرية .. وكان من غرائب هذا المهرجان "تكريمه" لكل من "مشاري بن راشد" و"صلاح الجمل"!

مشاري بن راشد
تم تكريم "مشاري" وهو الذي يقول أنه ليس مطرباً ولم يكن كذلك في يوم من الأيام كما صرح لموقع "عشرينات" الشهير ثم لـ"في الفن".. رغم تقديمه لعدة "أناشيد" منها "طلع البدر علينا" الذي أخرجه "ياسر سامي"* .. أناشيد من النوع الذي يقال عنه أنه "إسلامي" .. رغم أن القول بإسلامية استخدام الصوت مكان الموسيقى يسهل تفنيده بعدم وجود نص عليه في القرآن والسنة وكذلك بذكر أصوله التي لا يجهلها كثيرون.. وأرى أن هذا القول عندي من السخف ما يضعه في منزلة القول بأن "الخديوي إسماعيل" كان يملك "آي بود"!

"مشاري" إذن تم تكريمه في مهرجان "الأغنية" الدينية وهو الذي لا نعرف ولا نفهم إن كان الرجل يغني (أي شيء باستثناء القرآن) أم لا..نأتي لـ"صلاح الجمل".. الذي هو ليس بمغنٍ ولا حاجة..

"الجمل" في تصريح لقناة فضائية تحدث ضمناً عن "سامي يوسف" .. وتحدث أيضاً عن "الدعاء" "الهادف" كما لو كان الدعاء هو الآخر لوناً من ألوان الفن الموسيقي بعكس سطحية ما يقدمه "سامي"!

الحمد لله بقى عندنا "بش" و"تس" .. غناء الدعاء في الصلاة وغناء القرآن في الصلاة وغير الصلاة.. والأمران والحمد لله قوبلا بالتكريم في المهرجان وبالصمت إن لم يكن بالدفاع من قبل العديد ممن استنكروا ويستنكرون ما كتبته في التدوينة السابقة..

ولا يوجد في عموم اللغة العربية ما يصف وبدقة الوضع السابق الذكر سوى كلمة عامية مصرية أحتفظ بسبب عدم ذكرها هنا لنفسي..
* ...وهو لمن لا يعرف مخرج كليب "نجلا" الشهير.. سبق وأن تناول أحد المواقع -"محيط على ما أذكر- فكرة أن مخرجي الكليبات الخارجة جداً يخرجون كليبات دينية أحياناً!

Saturday, October 25, 2008

نجاد والنجار .. والمسلماني مرة أخرى

ما هو الشيء الذي يمكن أن يجمع بين "أحمدي نجاد" و بين "عبد الله النجار"؟

كلا الرجلين علل الأزمة المالية العالمية التي نعيشها إلى انعدام الإيمان بالله!

محمود أحمدي نجادالرئيس الإيراني يرى أن سبب الأزمة هو "انعدام الإيمان بالله" معتقداً أن النظام الإيراني سيحقق وحده العدالة المنشودة التي سيحتاجها العالم كله .. رغم أن إيران نفسها تعاني من أزمات اقتصادية..أما المنظر الديني للحزبوطني فيعزف على نفس الوتر في مقاله الذي نشره في "الجمهورية" قبل أيام..

كلام عاطفي وجميل وفارغ يصلح للقول في خطبة لا يهتم سامعوها بفحواها.. يشبه كثيراً القول بأن الله سبحانه وتعالى يعاقب غير المسلمين بالأعاصير والزلازل والبراكين رغم أنه في بلاد غير المسلمين يوجد مسلمون!

لنتفق على أنه عندما يتحدث متحدث عن "الإيمان" في مقال "ديني" ، أو في سياق ديني موجه لأتباع نفس الدين فإنه -ما لم يظهر من الكلام غير ذلك- يقصد الإيمان بذلك الدين .. سواء أكان كاتب المقال أو المتحدث مسلماً يكتب أو يتحدث عن الإسلام ، أو مسيحياً يكتب أو يتحدث عن المسيحية ، أو بوذياً يكتب أو يتحدث عن البوذية.. ولذا فمن الغريب والمضحك أن تتحدث عن شخص ليس على دينك وتحاكمه بمعايير دينك الذي "لم" يؤمن به!

من الطبيعي جداً أن يتواجد في العالم مسلمون وغير مسلمين (ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعاً) -يونس: 99- وأن الله يرزق الجميع على قدر سواء (كلاً نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظوراً)-الإسراء : 20..وفي ذلك من الحديث النبوي قول الرسول عليه الصلاة والسلام :"لو كانت الدنيا تساوي عند الله جناح بعوضة ما سقى الكافر منها شربة ماء"..

عاقب الله الكفار بكفرهم وقت أن أرسل فيهم رسلاً فكذبوا الرسل فحق عليهم العقاب والتدمير (إن كلُ إلا كذب الرسل فحق عقاب)-ص :14- وبإرسال الهادي البشير عليه الصلاة وأزكى السلام أقيمت الحجة على الجميع وأجل حساب من عاصر الرسول ومن جاء بعده إلى نهاية الخلق حتى يوم القيامة (وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر انا اعتدنا للظالمين نارا احاط بهم سرادقها وان يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه)-الكهف : 29.. ومن الحديث النبوي قول الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام : لو أن الدنيا تساوي عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرا منها شربة ماء ..

والمفروض أن المسئولية الأكبر تقع علينا نحن أكثر مما تقع على غيرنا.. نحن الذين عرفنا من ديننا -الخاتم أي الذي ليس بعده- أن العدل هو شيمة المعاملات والتعامل .. وأن الاحتكار جريمة .. وأن الغش حرام.. والربا حرام .. ومع ذلك فاقتصاداتنا -بما فينا إيران- ونحن المؤمنون بالله لا تخل من هذه المصائب كلها .. ثم ننتظر ألا يعاقبنا الله بما نفعل!

ألا يذكركم كلام الرجلين بما قاله ثالثهما "المسلماني"، وبما كتبه العبد لله في تدوينة "Same Same"؟ فكرة الأضداد التي توصلك إلى نفس النتيجة..المسلماني يسقط الشق الديني من المسألة الاقتصادية تماماً فيما نرى "نجاد" و"النجار" يقصران الأزمات على الجانب الديني فقط ثم نجد الثلاثة قد اجتمعوا بشكل غير مباشر على أننا في مأمن من العقاب الدنيوي والأخروي إذا ما غششنا ونصبنا واحتكرنا وهلَّبنا؟

من يعمل ويجتهد ويعدل ويتفادى كل الموبقات الاقتصادية يلقى جزاءه .. ومن يستعبط يلقى جزاءه أيضاً .. آمن بالله العظيم أم لم يؤمن.. وفي مسألة الأزمة الاقتصادية ، والكلام عن "الاقتصاد الإسلامي" وتحويل الزكاة إلى ضريبة .. لنا كلام قريب بإذن الله..والله أعلم..
* كل الشكر لصديقي عبده باشا صاحب مدونة آخر الحارة الذي لفت نظري لتصريحات "نجاد"..

Monday, October 13, 2008

أزهى عصور السكسوقراطية!

لمن يصرخون على "التحرش الجنسي" .. أقول له "ما غريب إلا الشوشو"!

فالمفردات والشتائم والألفاظ ذات الإيحاءات الجنسية منتشرة للغاية بين شرائح متعددة من الشعب .. وفي انتشار مستمر .. ويتعلمها "النشء الصاعد" بطريقة أو بأخرى في مراحل سنية مبكرة إما للتماشي مع المجموع وتفادي العزلة والنظرة "الدونية" لمن لا يعرف "لغة" أو حتى كسلاح دفاعي .. ولم تعد المسألة قاصرة فقط على الشبان فقط .. هناك فتيات يعرفن "اللغة" لنفس الأسباب التي يعرف الذكور من أجلها نفس المصطلحات ..ورغم أنني لم أعش فترات سابقة من التاريخ الاجتماعي المصري إلا أنني أشعر أن مجتمعاتنا لم تكن "مهذبة" لغوياً بالشكل الجميل المنمق الذي كنا نراه في أفلام الخمسينات والستينات ، وكانت "اللغة" مستخدمة فيه هي الأخرى بشكل رائج في مجتمعات أكثر انغلاقاً!

و"اللغة" تزحف بشكل أو بآخر حتى على الفن .. والجنس نفسه أصبح بالمناسبة معياراً من الباب للطاق لـ"الجرأة" في الأعمال الفنية والأدبية .. ومعياراً لجذب شرائح من الجماهير لأعمال فنية وأدبية بعينها (الفيلم دة قصة ولا مناظر).. وهناك من يقول - وهو قول له منطقه ووجاهته- أن الدراما رسبت عن غير قصد إلحاحاً على مفهوم الحب التقليدي بمعنى أن الشخص يجب أن يدخل في قصة حب لكي يتزوج.. (مش الواحد عايز برضه يحب ويتحب؟ -معنى كلام قاله لي أحد السادة المتحرشين).. وحتى في أكثر الشرائح محافظة نجد الإفيهات والإيحاءات الجنسية من أكثر المواضيع مناقشةً..

وهناك علامة يساوي كبيرة موضوعة بين الزواج والجنس .. ويلعب الجنس دوراً كبيراً في الإلحاح المجتمعي والمذهبي الديني (وليس الديني) على الزواج بصفته -فقط كما يزعمون- وسيلة لتقويم الشهوة الجنسية (وسيبكم بقى من المودة والرحمة والنسب والصهر المذكورين في القرآن الكريم)..وهو إلحاح عنيف وظالم على من هم في سن الزواج يضغط عليهم بقسوة ويجبر منهم من يجبر على الدخول في اختيارات خاطئة يدفع أو تدفع ثمنها فيما بعد .. وقد يدفع البعض الآخر لسلوك طرق ملتوية يحقق بها ما يريد.. وفي كل الحالات يظلم نفسه ومن حوله..

والجنس مستخدم في الدعاية المذهبية بشكل مبتذل.. فما الحالة الهباب التي تعيشها "الأمة" والتي من مظاهرها ارتفاع معدلات الطلاق والانفصال (طبقاً لإحصائيات المراكز البحثية البوليسية*) إلا نتيجة طبيعية لتعسير الزواج وغلاء المهور (ولا مانع من الاستشهاد بأحاديث مفرغة من سياقها) تدفع الناس دفعاً إلى الزنا والزواج العرفي (عليه انقسام فقهي كبير حتى داخل المدرسة السلفية) ولعدم "غض البصر" (ولا خلاف على الإطلاق فيه ونحن مأمورون به بنص القرآن الكريم.. لكن هل النظر إلى الحرام وحده هو الحرام الوحيد؟) .. وكل من يجرؤ على انتقاد هذا الإلحاح.. ومعه من يقول بفطرته البسيطة أن "الجواز قسمة ونصيب" ولا داعي لهذا الإلحاح الفج عليه ينتظره التفسير الغبي والجاهل لقول الله تعالى "إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا..." (سورة النور: 19).. لماذا لم نسمع من يمطرون الناس بهذه التفاسير يحاضروننا في "الفاحشة" و"الفحشاء" و"الفحش" وهي مفاهيم تنطبق على أشياء كثيرة في حياتنا؟ إن صدقت مساعيهم في ذلك ربما تتغير الأمور للأفضل كما أسهموا في تغيير أمور أقل أهمية لدى الناس..

انتشار التحرش أمر طبيعي جداً إذا كان هذا هو الواقع.. هناك من يقول أن التحرش ليس سببه مظهر الفتاة وملابسها (وهو قول له ما يؤيده وما يعارضه لدى البعض) فأضيف أنه أيضاً ولو المهور بملاليم والشقق مرمية والشغل في كل حتة (على رأي الشاعر الذي لا أحبه "أيمن بهجت قمر") فسيستمر التحرش وسيستمر الانحراف وستستمر الأمور على ما هي عليه..

إلى أن نعترف بأصل الداء.. وألا نجده يقابل باستسلام مجتمعي وسلبية من قبل كثيرين ممن يعظوننا في الدين.. ساعتها ستتغير الصورة للأفضل بإذن الله..
* ولا داعي لدفعي للإفراط في ذكر رأيي الشخصي في تلك المراكز كي لا أجد نفسي -غصب عني- وقد سقطت في فخ استخدام اللغة! :)

Friday, October 10, 2008

تطهير ..أم غسيل؟

في مجتمعاتنا نقسم أموراً كثيرةً على اثنين .. مع علمنا بأنها لا تقبل القسمة إلا على الواحد الصحيح.. منها "الشرف" و"الحلال والحرام".. من هنا جاءت فكرة هذا التصنيف والذي كان لكاتب هذه السطور مقال سابق فيه قبل أسابيع..

الحلال بين .. والحرام بين .. صحيح أن هناك العديد من مصادر الأموال اختلفنا ونختلف وسنختلف على مدى حلها أو حرمتها إلا أنه من المدهش أن مفاهيم الحلال والحرام تتعطل -أحياناً- في أمور معروف ومحسوم موقفها من الحل والحرمة.. وقد يوضع لها - عن قصد أو غير قصد- معايير جديدة تماماً تستسيغ وتبرر الحرام معلوم الحرمة ما دام فيه "المصلحة".. والكلمة الأخيرة شديدة المطاطية!

ومسائل الأموال بالذات تنطبق عليها الفقرة السابقة .. والمسألة أبعد بكثير مما يحدث مع كل "شرف فتح الباب"..

مثلاً.. لدينا بالتأكيد مشاريع من المعروف أنها بنيت بأموال المخدرات ،والتزييف ، والرشاوي ، ويقال "السيكو سيكو" .. ومن ضمن تلك المشاريع مشاريع خدمية ، ومستشفيات ، وعيادات ، ومساجد.. ولأن الأمر يثير "لخبطة" أخلاقية .. ولأن ديننا يدعو إلى مكارم الأخلاق.. فكان من الطبيعي أن يسأل الناس عن الموقف من التعامل مع تلك المؤسسات أو مع تلك النوعية من المال إذا ما وجهت إلى "المنفعة" العامة..

بالنسبة لي كشخص عادي .. الفتاوى التي ترد على تلك التساؤلات تنقسم إلى ثلاثة أقسام : قسم واضح يرفض تلك الممارسات رفضاً تاماً ، وقسم "عقلاني" كما يقدم نفسه ، وقسم ثالث يُفهَم من فتاواه (ولعله فهم خاطئ) أنه يدعم كل تلك الممارسات المشبوهة السابقة ويبحث لها فقط عن غطاء فقهي..

نركن القسم الواضح على جنب..

وجهة نظر الفريق الثاني بسيطة.. هذه الأموال كسبها صاحبها من الحرام .. ويريد التكفير عما فعل.. فقرر استغلال هذه الأموال -الحرام- في أوجه النفع العام (حيعمل بيها إيه يعني.. حيحرقها ولا حيحدفها في البحر؟).. ما يميز هذا الفريق أنه يعلم تمام العلم حرمة تلك الأموال و"مبيجائرش" في الموضوع.. ويفترض "حسن النية" في أصحاب تلك المشاريع (رغم أن سوء النية قد يكون مفترضاً أيضاً.. بمعنى أن تلك المشاريع المبنية بالأموال الحرام تلك غرضها تحسين صورة صاحبها والرياء والمنظرة وما إلى ذلك)..

أما القسم الثالث فيصدق فيه قول الشاعر "يكاد المريب أن يقول خذوني" .. قد تكون نيته طيبة لكن ما يحدث منه يحرض على الشك.. ويُفهَم منه - أكرر- أنه يهدف لكسر الحاجز النفسي -المفروض وجوده- بيننا وبين تجار المخدرات والحرامية والمرتشين وبين ما يكسبون من أموال .. (ليه لأ ما تتعملش مشاريع من أموال المخدرات والرشوة؟) .. (هوة المرتشي يفرق إيه يا جماعة عن الشخص العادي).. وربما (إيه هو الحرام في تجارة المخدرات؟ مش ربنا بيقول "وأحل الله البيع"؟ مفيش نص في القرآن الكريم بيحرم تجارة المخدرات.. وحرمتها مكتسبة من تحريم وتجريم ولي الأمر ليها)..

لا أدعو للدخول في نوايا الناس .. سواء نوايا المفتين أو نوايا الحرامية أنفسهم.. ولكن ألا يفترض أن يكون الدين أساساً في خلق حالة من الرفض لتلك الجرائم والسلوكيات لا أن يكون غطاءاً لها؟ بعبارة أخرى: ألا يفترض أن تسهم كل الكمية الرهيبة من العلماء والشيوخ والمتحدثين والمحدثين وحتى من يسمون أنفسهم بـ"المفكرين الإسلاميين" (اللي طلعلولنا في البخت) في رفض استخدام "التطهير" كـ"ستار" لـ"الغسيل"؟ ألا يحرص كل هؤلاء على وأد فكرة "الحرام حرام طالما ما باستفيدش منه"* في مهدها؟
* وحكاية استخدام هذه الفكرة مع الفن هي محور تدوينة قادمة بإذن الله..

Sunday, September 28, 2008

قبل اشتعال الديناميت

أعرف أن السطور القادمة عنيفة ، وقد تُفْهَم بشكل خاطئ.. ولكن الأمر يتطلب بعض الصراحة ولو كانت "عنيفة" و "دجَّة" كما يقول إخواننا الشوام..

ما أنا متأكد تماماً من "دجاجته" - من "دِّج" سالفة البيان- هو مقال المستشار السابق "طارق البشري" الذي نشره السبت 27 سبتمبر/رمضان 2008/1429 على رئيسية "الدستور" والذي يتهم فيه الأغلبية السنية بممارسة "الفاشية" ضد الشيعة في معرض هجوم الشيخ "يوسف القرضاوي" على "التبشير" الشيعي في العالم العربي.. عزفاً على نفس النغمة التي عزفتها من قبل "مرجعيات" وشخصيات شيعية وحتى بعض "المفكرين" من "غير" الشيعة أمثال الدكتور "محمد سليم العوا"..وهؤلاء يرون أن ما يحدث "ليس" "تبشيراً" وإنما هو "انبهار" و"إعجاب" بنموذج "إسقاط الشاه" و"المقاومة" في ظل ما يتعرض له متبعو المذهب الشيعي من اضطهاد..

كلام فارغ..ولنكن صرحاء:

1-الأوطان يا سادتي الكرام مبنية على التعايش.. و"العادي" في الأشياء أن تبنى الدول على تعددية من حيث مستوى الثروة ، والتعليم ، والدين ،والمذهب داخل الدين الواحد.. وبالتالي لن يسعد المجموع إذا كان لدى بعض أفراده ما هو ضد هذا التعايش وضد ما استقر عليه ذلك المجموع على اختلاف انتماءات وديانات ومذاهب أعضائه..

لذلك عندما تفكر أي مجموعة من مجموعات "الإسلام السياسي" أيَّاً كان مذهبها -على سبيل المثال- في بناء نموذج سياسي "مضاد" لشكل الدولة فإنها تؤلب عليها الدولة ونظامها السياسي ، وعندما يكون هذا النموذج السياسي إقصائياً مضاداً للمجموع أو متضارباً معه فلن تقابل تلك المجموعة بترحاب كبير على الأقل ممن يتضارب النموذج سالف البيان معه..أذكر بأن المثال السابق عن "مجموعات" "الإسلام السياسي" التي هي لها نظام دخول وخروج وعضوية .. فما بالكم بالتيارات المذهبية الأكثر تواجداً بين الناس والتي يولد كثير منهم بها..

وهذه هي مشكلة العديد من التيارات المذهبية التي تعيش كأقليات داخل العالم الإسلامي وخارجه أيضاً..حتى وإن سلمنا بوجود اضطهاد.. فعبء وجود حساسيات بل وحزازيات من قبل باقي أفراد المجتمع ضد أتباع هذا الاتجاه أو ذاك يقع جزء منه على هؤلاء الأتباع بسبب تصوراتهم المتضاربة مع ما استقر به المجتمع وارتضاه للتعايش بين أبنائه.. وكلما كانت تلك التصورات أكثر تطرفاً وتضارباً كلما كبر نصيبهم من المسئولية..

2-ومشكلة الشيعة مشكلتان.. الأولى أن الخلاف السني الشيعي هو بالأصل خلاف سياسي بامتياز ، قبل أن يكون خلافاً مذهبياً دينياً ، والثانية هي ارتباط المذهب الشيعي بالسياسة عموماً وبدولة بعينها (نموذج دولة الدين-التي يحكمها أو يشارك في صنع سياستها رجال الدين)هي إيران بشكل خاص.. ومشكلة إيران نفسها هي أنها قوة إقليمية لها مشروعها السياسي الذي لا يتضارب فقط مع "النظم"- الفزاعة التي تستخدمها الميديا الموالية لإيران- ولكن مع الناس.. من الممكن أن يتعاطف الكثيرون مع "حسن نصر الله" ومع "الملالي" لكن عندما تصل الأمور لأن يُحكَم هؤلاء الكثيرون بنموذج سياسي على الطريقة الإيرانية فسيرفضون رفضاً قاطعاً.. ليس فقط بسبب التضارب المذهبي ولكن حتى بسبب "تديين الدولة" واختزال الدين في شخص الدولة فقط..

3-وطبعاً ستتضاعف المشاكل مع المجموع عندما تبدأ "الدعوة" للمذهب داخل بلد يعتنق مذهباً آخر ، ويتفق أهله على اختلاف أديانهم ومذاهبهم على رفض الدعوة للمذهب أو للدين داخل مجتمع الدولة الواحدة حفظاً لتماسك الدولة..

يحدثنا المستشار السابق "طارق البشري" عن "الوحدة" والتكاتف ونبذ الخلافات.. وهو في رأيي حديث "مائع" خطابي آخر حاجة.. الوحدة لا تبدأ من نبذ الخلافات بل من نبذ السلوك الخلافي نفسه.. كما أننا مطالبون بمراجعة العديد مما نشأنا عليه فيما يخص علاقة الإسلام بالعصر والخروج من حالة الجمود والفصل العاقل بين شئون الدين والدنيا هم الآخرون بحاجة لمراجعة علاقة الدين بالسياسة لديهم .. ليس تجملاً ولا نفاقاً.. ولكن إن كانوا ، وإن كنا ، نريد تعايشاً بحق وحقيق.. بما أن التعايش هو طريق الوحدة التي يخطب فيها سيادة المفكر-وغيره- ليل نهار دون أن يخبرنا هو - أو غيره- بشكل عملي وعقلاني كيف تتحقق.. حتى لا نكون كمن يحاول تشغيل جهاز كهربائي بدون توصيله بمصدر التيار الكهربائي..

م الآخر :"وحدة" بمفهوم خطابي سمج بدون معالجة ثقافة استعداء المجموع ستخلق حساسيات داخل المجتمع ضد أي مجموعة (بلاش كلمة أقلية) تتبنى تلك الثقافة.. وهو ما يعني مزيداً من الديناميت.. دمتم بألف خير..

Saturday, September 27, 2008

في "شرف" فتح الباب

أمران ذكراني بثالث: الأول هو فتوى قرأتها عند زميلي العزيز "ابن عبد العزيز" في معرض تدوينته "تنقية الشريعة من الفتاوى المريعة" تخص اللحية ..والثاني هو فتوى ، أو "قول" لفضيلة المفتي (بما أن العالم الجليل يأخذ تلك المسألة بحساسية) بصحة صلاة المرتشي.. والثالث هو "شرف فتح الباب".. ومن الثالث سأدخل على الأوليين!

"شرف فتح الباب" يكاد يكون شخصية حقيقية وإن لم تشر إلى شخص بعينه.. كلنا نعيش وسط أشخاص على نفس تلك الشاكلة.. صحيح أن اختيار "محمد جلال عبد القوي" لأن يكون "شرف فتح الباب" بهذا الشكل استفز الكثيرين خاصةً من "الملتزمين" (وتعريف كلمة "ملتزم" مطاط للغاية وعايز له تدوينة لوحده) .. لكن من الصعب أن ننكر أن "فيه منه موجود" وبهذا الشكل ومنا من اصطدم بنماذج مشابهة في دراسته ، أو عمله ، أو حياته بشكل عام..

شرف فتح الباب
"شرف" المتدين قرر تقديم أول تنازل للشيطان .. وبعد التنازل الأول - عادةً - تبدأ باقي التنازلات الأخرى.. وبغض النظر عن السبب "التلفيقي جداً" الذي جعل هذا الرجل يقدم على تصرف يناقض ورعه وتقواه فإن الشيطان أقنعه بمبرر بسيط جداً: لم تعطني الشركة الموشكة على الخصخصة مكافأة أربع وثلاثين عاماً من الخدمة .. إذن فهذا المبلغ من "حقي"..

وبما أننا شعب متدين بالفطرة -كما يقال عنا ونقول عن أنفسنا- وجد هذا "الشرف" أول الأمر من يردعه في صورة زوجته التي ترفض في "إباء" و"شمم" أن يدخل البيت مليم واحد حرام.. ويصل الأمر بها إلى طلب الطلاق منه..

في أول الأمر ، وقبل أن يُقبَض على السيد "شرف فتح الباب" كان الرجل يحاول أن يصلي جاهداً ، ولم يستطِع ، لكن أيام السجن أبقت على تمسكه بالقناعة الشيطانية تلك حتى بعد مفارقة أسوار السجن.. وفور أن تنشأ قصة حب بين "شرف" ومحامية الشركة تتغير -بمائة وثمانين درجة على الأقل- قناعة زوجته وتستحل المبلغ الحرام إذا كان الغرض منه الإنفاق على أولادها!

ما مضى من حلقات المسلسل نكأ جرحاً عميقاً.. هو مفهومنا نحن للحلال والحرام ، فلدى العديد من الناس -ومنهم "ملتزمون"- قناعات قد تنبع من داخل رغبتنا نحن في المال الحرام المغري "لو كان حلال أدينا بنشربه .. لو كان حرام أدينا بنحرقه" .. "حلال حرام أهي فلوس والسلام".. أو يتيحها لك المناخ العام والتأثير الإعلامي "اسرق الحكومة عادي همة شوية حرامية" .. "ما كل الناس بتسرق.. اشمعنى انت اللي حتعمل فيها عم الشريف"(1)..الخ..

وبما أن هذا التصرف ليس حراماً في رأيك فدع القلق واترك حياتك تسير على علاتها.. واصل صلاتك وقف وراء أئمة (ومطربي) التراويح والتهجد وابك ما استطعت ثم عد لممارسة رشاويك وسرقاتك عادي خالص.. الأمر الذي يحيلنا إلى "قول" فضيلة المفتي بصحة صلاة "المرتشي" "إجرائياً".. (طالما استوفت شروطها) وما قاله بضرورة أن يتوب هؤلاء إلى الله وأنه لا ينبغي أن نغلق أبواب الرحمة في وجوههم (لغاية دلوقت الكلام معقول) لكن فضيلته لم يخاطب من يستعمل الصلاة كـ"جُنَّة" وساتر يمارس خلفه ما يشاء(2)..

والمضحك أن هناك تصرفات خرجت من دائرة المحرمات لتحل محلها تصرفات أخرى .. هنا تأتي الفتوى التي أشار إليها "ابن عبد العزيز" في خصوص "اللحية".. وفي رابط تدوينته المشار إليها لاحظوا لهجة السيد صاحب الفتوى.. والتي يستحيل أن نسمعها تقريباً إذا ما تعلق الأمر بمواضيع أخرى نحسبها هينة وهي عند الله عظيمة..

هل أصبح مفهوم الحلال والحرام عندنا -ونحن "الشعب المتدين" -هكذا؟ هل ذهبت التفرقة بين المال الحلال والمال الحرام إلى المتحف في الوقت الذي نتزاحم فيه على الذهاب إلى صلوات التراويح والتهجد؟
(1) ويحلو للبعض الاستدلال بأثر منسوب للصحابي الجليل "عمر بن الخطاب" الذي عاقب صاحب مزرعة لأنه لم يعطِ عاملاً فيه أجره فدفعه للسرقة.. وهو المبرر الجاهز لتبرير بعض أنواع السرقات.. أثر أشك وبقوة في صحته خاصةً وأن الصحابي الجليل "عمر بن الخطاب" تعرض لحملات تشويه وسباب لم يسلم منها بعد مرور قرون على استشهاده..وبالمناسبة لم يعجبني بالمرة تبرير "محمد جلال عبد القوي" لما فعله السيد "شرف فتح الباب" ووصفه إياه بأنه من "ضحايا" الخصخصة!
(2) الحديث نفسه محل تدوينة قادمة قريبة بإذن الله..

Saturday, September 13, 2008

في انتظار القطيع

الناس نوعان بلا ثالث: أناس يتحركون .. وأناس ينتظرون الآخرين..أناس يأخذون القرارات والمبادرات ويتحركون فرادى .. وآخرون يضبطون إيقاع أقدامهم مع القطيع سيراً وتوقفاً..

نعم .. منا كُثُر يفعلون أشياء كثيرة في حياتهم فقط لأن "الناس بتعمل كدة".. لا بدافع ذاتي داخلي تجاه فعل الشيء.. عِش ومت وتزوج ومارس عباداتك "زي الناس".. سواء توافق ذلك أو تعارض مع ما يريحك ويرضي الله ولا يغضبه..

بمعنى أصح: حسِّن سلوكك و"اتلم" في رمضان فقط لأن الناس تفعل ذلك في رمضان.. بعد رمضان افعل كيف شئت.. فقط لأن الناس تفعل ذلك في رمضان.. اختم القرآن الكريم مرة واثنتين وثلاثة في رمضان.. وبعد الشهر الكريم انت حر.. زيك زي الناس..واظب على الصلوات في أوقاتها بنوافلها وسننها في رمضان .. ماهي الناس كلها بتعمل كدة!

لدينا في بلادنا مثل يقول "الكثرة تغلب الشجاعة" .. وحكم القطيع عندنا هو "حكم القوي" المستبد على الضعيف .. ويصبح -في نظر القطيع- كثير من نوافل الأمور فروضاً وكثير من الأشياء العادية جرائماً لا يمحوها إلا الدم.. حتى في أشياء هي كلها علاقةُ بين العبد وربه عز وجل ولا تحتمل تدخلاً من أحد حاكماً كان أو محكوماً..

مصلون
بعبارة أخرى.. وطبقاً لقانون القطيع .. أنت عرضة لتلقي استنكار ، وتوبيخ ، وتعنيف ، إن لم يكن ما هو أكبر ، فقط لأنك لا تتصرف مثل القطيع.. مثلاً.. تشعر أنك ملزم بختم القرآن الكريم ، وأحياناً أكثر من مرة .. وإن لم تفعل تتلقى توبيخاً وتعنيفاً.. رغم أنك قد تفضل ختم القرآن تدبراً لا قراءة - كما دعا إلى ذلك إمام أحد المساجد - بمعرفة معانيه وفهم ما فيه من أوامر ونواهٍ- وهو أمر قد يستغرق ما يزيد على الشهر كله.. ونفس التوبيخ والتعنيف والاستنكار والشجب تسمعه عندما ينمُ إلى علم بعض من حولك أنك لا تصلي التراويح في المسجد "الفلاني" الذي يتوافد الناس أمماً على الصلاة فيه.. "انت مبتصليش هناك ليه يابني؟ دة الراجل الإمام اللي هناك بيختم جزئين كل يوم؟ وصوته أحلى من مدحت صالح وعمرو دياب وهو بيقرا القرآن وبيغـ.. أقصد بيدعي دعاء القنوت؟".. رغم أن الإطالة الشديدة في القراءة تذهب بتركيز المصلي في الصلاة .. وغناء القرآن في الصلاة خاصةً على هذا النحو الفج والمستفز يلقي بالخشوع من الشباك .. وأنه من الممكن أن تجبر على أداء تلك الصلاة في منزلك* .. أو أن يجبرك أي مانع .. سواء عملك الليلي أو مرضك على عدم أداء تلك الصلاة المسنونة من أصله

حكم القطيع لا علاقة له بالرشد.. القطيع مكون من مجموعة من البشر يمكن الضحك عليهم واللعب بهم وتغيير تضبيطاتهم وأذواقهم.. الأمر الذي يفرغ العبادة تماماً من مضمونها..

سؤال شرير على الماشي: أليس من الغريب أن يطلب القطيع من أفراده صراحةً أو ضمناً أن يضبطوا عباداتهم على إيقاعه ، فيم ينتظر نفس هذا القطيع الفتوى الدينية في أمور لم ينزل فيها القرآن الكريم ولم يتحدث عنها الرسول عليه الصلاة والسلام؟

أن تؤدي عباداتك بوازع داخلي من نفسك خير بكثير من أن تنتظر قطيعاً لا يستأسد إلا على أفراده ويحتاج دائماً لمن يقوده ويحركه..

Tuesday, September 9, 2008

البطاقة الحمراء

لا يهمني ماذا قال هذا الشاب لمفتي الديار المصرية في مسجد السيدة زينب.. فهو لم يطالب العالم الجليل مثلاً بالنزول من على المنبر أو التنحي من إمامة الصلاة على طريقة "انزل.. انزل". لكن ما يثير الألم والحنق هو رد فعل مفتي الديار على تصرفات شاب صغير السن .. إن كان هذا الأخير عصبياً ومندفعاً بحكم صغر سنه فكان على العالم الكبير أن يتصرف بحكمة ونضج وهدوء.. علَّ الشاب الصغير يتعظ أو يتعلم ..

الدكتور علي جمعة مفتي الديار المصريةوبعيداً عن الهرتلة اللمبية التي قرأتها في تعليقات قراء "المصري اليوم" والتي تنم عن تعصب أعمى ومقيت لشخوص العلماء قبل مبادئهم (وهي هرتلة اعتدت سماعها من أنصار مذاهب مختلفة كلُ على شيوخه ورموزه وقياداته).. أرى أن فكرة أن يقول أي عالم أو أي إمام مسجد لأي مصلٍ "روَّح يا خويا روَّح" أمر غير مقبول تحت أي ظرف.. حتى لو خالف الشاب النظام والاحترام الواجب للمسجد فهناك إدارة معينة لهذا المكان تتعامل مع الشاب المذكور بالشكل المتبع طبقاً لقوانين ولوائح الوزارة.. الحق ما يزعلش..

عن تجربة شخصية.. البطاقة الحمراء هي البطاقة الوحيدة الموجودة لدى بعض صغار الشيوخ وأئمة المساجد وبعض مَن كتب عنهم زميلنا عبد الرحمن .. وتشهر عند أي خلاف أو أي نقاش.. حاد أو قائم أو منفرج حتى .. حيث يعتبر البعض أنفسهم مثل حكام كرة القدم.. وأن اللاعب لاعب والحكم حكم .. وأن "نحن الحقيقة وأنتم الأوهام" كما حدث معي منذ عامين..أو أن أوشك على الدخول في معركة مع شلة الإمام المحترم كما حدث في أواسط التسعينيات..

ماشي.. هؤلاء صغار خبرةً وسناً.. ماذا عن الكبير؟ عن القدوة؟ عن القائم على مؤسسة الإفتاء "الرسمية" في بلد بأكمله؟ عمَّن يجب أن نسترشد بفتاواه وعلمه الغزير بدلاً من شيوخ الفضائيات والمفكرين الحمبولليين؟..

إذن .. كان على فضيلة المفتي قبل أن يشهر البطاقة الحمراء في وجه المصلي أن يعلن إلغاء صلاة التراويح في المسجد الزينبي..وأن يصلي هو وكل الموجودين في المسجد في تلك الليلة صلاة القيام في بيوتهم وفقاً للآراء الفقهية التي تقول بذلك.. لا أن يدق مسماراً جديداً في نعش ثقة الناس بالعلماء وبمؤسسة الإفتاء.. خطورة ما حدث ويحدث ستظهر فيما بعد.. عندما تأتي الطوبة في المعطوبة وينتهي الوقت المحتسب بدلاً من الضائع..

Thursday, September 4, 2008

الإسلام والحضارة: يعني إيه حضارة؟

فقد جاء الإسلام بثورة عظمى فى تاريخ الإنسانية ودعا إلى الحرية والعدل والمساواة قبل الثورة الفرنسية بقرون طويلة وبفضل هذه القيم العظيمة .إستطاع الإسلام أن يبدع حضارة حقيقية شغلت ثلثى العالم القديم من أوروبا إلى الصين وقدمت إنجازات كبرى فى مجالات العلم والفكر والفن .

السابق هو جزء مما كتبه "علاء الأسواني" صاحب "يعقوبيان" و"شيكاغو" في الدستور يوم 13/8/2008.. والمقال مليء بنقاط أختلف معها بشدة .. هذه منها..

أطلب فقط ممن يقرأون هذه التدوينة أن يقرءوها بهدوء .. ولآخر سطر.. ربما يثير عنوان التدوينة نفسه غضب الكثيرين ولهم الحق.. أطمع فقط في سعة صدوركم..

عندما نتحدث عن الإسلام نتحدث عن العقيدة والعبادات والمعاملات.. كلها قدمت إطاراً أخلاقياً متميزاً لعلاقة الإنسان بربه ، وبنفسه ، وبالآخرين سواء ممن كانوا على دينه أو على غير دينه.. وإن طبقت هذه المعايير فإن الفرد سيعيش بشكل أفضل وبالتالي المجموعة..

ما وصلنا أن تلك المعايير قد طبقت بامتياز في مرحلة النبوة ، وفي السنوات القليلة بعد انتقال الرسول الكريم (ص) إلى الرفيق الأعلى ، ثم سرعان ما تبدلت الأمور تماماً على كل الأصعدة في الفترة التي ظهرت فيه "الحضارة الإسلامية"..في العهدين الأموي والعباسي تحديداً..

نأتي إلى "الحضارة" ..

اختلفنا في تعريف كلمة "الحضارة" .. التيار السلفي والسلفي الجهادي يلخص الحضارة فقط في الجانب الحربي فقط .. والبعض من المستثقفين يلخصها في الإنتاج الثقافي فقط.. وكلاهما تلخيصان خاطئان وظالمان إلى أبعد حد ممكن .. لتجاهلهما الفاضح لما جاء من أجله الإسلام: الفرد.. البني آدم..

حتى في سنوات "النهضة" العسكرية ، و"النهضة" الثقافية .. لم يصلنا أن عامة الشعب قد استفادوا.. ما وصلنا فقط هو أخبار العلماء والحكام والقادة -وهم بالتأكيد الأكثر تأثيراً في مجرى الأمور في تلك المرحلة من التاريخ- أما العامة فكانوا شبه منعزلين عن ذلك كله.. لم يكن ذلك قاصراً على الحضارة الإسلامية وحدها بل كل حضارات العالم القديم بلا استثناء..

لا علاقة واضحة بين "النهضة" العسكرية و"النهضة" الثقافية من جهة وبين الإسلام وقيمه من الأخرى.. فلفترات طويلة سادت العالم وتسوده حضارات كونت جيوشاً قوية ومنظمة وكبيرة التعداد ، وأبنية عملاقة وضخمة ونتاج تقني وفلسفي غزير..ورغم ذلك فقد كانت مسرحاً للظلم والفساد ولكل ما هو ضد ما أتى به الإسلام من قيم.. وحتى في "الحضارة الإسلامية" بمفهومنا نحن.. ولذلك أستغرب أن يتحدث أي داعية عن العصر الذهبي للإسلام مشيراً إلى الخلافة العباسية مثلاً ، وأنه بفضل تمسك المسلمين بقيم الإسلام امتلكوا أسباب "العزة" و"الكرامة" في حين أن ذلك العصر قد شهد العكس على طول الخط ، وأن الحانات كانت منتشرة تماماً مثل انتشار حلقات الزهاد ، وهي كلها أشياء عكس ما يتحدث عنه هذا الداعية أو ذاك المفكر أو سعادة البيه أو أياً ما كان..

إسهام الإسلام الأهم جاء بتقديم ما كان ينقص تلك الحضارات من جانب أخلاقي يحميها ويطيل من فترة صلاحيتها..إطار قوامه العدالة والتسامح والنبل .. وبكل أسف لم تستفد منه كل الدول والدويلات التي تلت مرحلة الخلفاء الراشدين.. لو استفادت به على سبيل المثال الخلافتان الأموية والعباسية على ما حققته من توسع عسكري ونجاح تقني واستفاد الناس من آثاره لكان للأمور كلها شأن آخر..انعكس علينا نحن..

مرة أخرى.. أطمع في هدوئكم وسعة صدركم.. نستكمل بعد قليل بإذن العلي القدير..

الإسلام والحضارة: السقيفة والفتوحات

نبقى مرة أخرى مع ما قاله "علاء الأسواني".. ومع أهم منعطفين في تاريخ الحضارة الإسلامية.. سقيفة بني ساعدة ، والفتوحات الإسلامية.. وكلاهما يؤكد ما سبق ذكره في الجزء الأول..

وكلنا نذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما حضره الموت لم يفرض على المسلمين شخصا معينا ليحكمهم بعده , ولو أنه فعل لما راجعه أحد فى ذلك , لكنه أراد أن يرسى حق المسلمين الديمقراطى فى إختيار حاكمهم بإرادتهم الحرة .. وقد نتج عن ذلك أن عقد المسلمون إجتماع السقيفة وهو بلغة اليوم إجتماع برلمانى ديمقراطى من طراز رفيع

المعروف أن الدين قد تم بنهاية الوحي بدليل قول الله تعالى "اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا"-المائدة (3) وهي من أواخر ما أنزل من الذكر الحكيم- وما بعد تلك المرحلة هي اجتهادات وأحكام بنيت على الأساس الذي أُرسِيَ في فترة النبوة..

ما حدث لم يكن له صلة بالدين.. بل كانت واقعية سياسية من قبل الصحابة رضوان الله عليهم..

لم يحدد الرسول الكريم بالفعل شخصاً يخلفه ، وبالتالي كان يجب على المسلمين أن يختاروا شخصاً يجمعون عليه بحكم حساسية تلك المرحلة (والتي تأكدت فيما بعد) .. وكان الحل هو الشورى التي يعتقد البعض من أصحاب التيارات السياسية أنها تعني الديمقراطية ، وإن كانت في رأيي أبعد وأعمق من ذلك..الشورى في الحياة وليست في السياسة فقط.. قليل من التدبر لكلمة "أمرهم" السابقة لـ"شورى" في الآية يفي بالغرض.. ولنا عنها بإذن الله كلام..

والمذهل.. والمذهل فعلاً .. أنه في الوقت الذي ينتقد فيه بعض الأتاتورك بعنف تلك الحقبة واصفين إياها بأنها فترة تغلب الثقافة القبلية ، نجد الثقافة القبلية نفسها هي الأكثر ترحاباً بفكرة الشورى واتخاذ القرار الجماعي ، كان العرب كذلك أيام الجاهلية ، وكانوا كذلك في وجود الرسول الكريم (ص) أكمل البشر ، وظل كذلك بعد انتقاله إلى الرفيق الأعلى ، على العكس من المجتمعات التي كونت دولاً وحضارات في تلك الفترة حيث سادتها مركزية القرار وأحادية اتخاذه.. إلى درجة كان يعتبر فيها الحاكم ظل الإله على الأرض بل كان نفسه يؤله في مجتمعات بعينها.. لم نكن نسمع في قريش عن سيد واحد متفرد باتخاذ القرارات بل كان الكل يستشارون ويؤخذ رأيهم..

ولم تستفد الدول الإسلامية من هذه الفكرة بشكل كامل فيمَ بعد..سنأتي على ذكر تلك النقطة بعد قليل..

نأتي إلى الفتوحات..

كانت الحروب في تلك الفترة عموماً ضرورة بقاء أكثر منها أي شيء آخر..حتى لو قال من قال أن غرضها التوسع فقط.. التوسع أيضاً في هذه الفترة من تاريخ البشر كان مسألة حياة في ظل وجود قوى لن ترحب بالكيان الوليد.. لهذا كان على الخليفة أبي بكر الصديق ومن بعده عمر بن الخطاب العمل على محورين.. جبهة داخلية مستقرة .. وجيش قوي منظم أمَّن لهم نجاحات عسكرية باهرة في زمن قياسي..

كانت الفتوحات عموماً سلاحاً ذا حدين.. ضمنت انتشاراً جغرافياً أوسع للإسلام وقوةً أكبر لكيان الخلافة ، وأعطت الفرصة للخلفاء للوقوف على نظم إدارة الدولة والحكم السائدة والتي لم يقابل معظمها - كنظم الضرائب والدواوين مثلاً- بأي مقاومة باعتبار أنها شئون دنيوية خالصة لا تتنافى مع ما جاء بالقرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة .. وتصادف في تلك الفترة أن كان الحكم في أكبر دول العالم في تلك الفترة وراثياً ، على عكس ما سار عليه الأمر في عهد الخلفاء الراشدين.. وهنا كانت مرحلة الانتقال من مرحلة ما بعد النبوة إلى مرحلة الدولة المنظمة .. من الشورى إلى ما يشبه الديكتاتورية..

ومن الغريب- كما سبق البيان- أن الحضارة الإسلامية بمكوناتها الثقافية والعسكرية ازدهرت أكثر في مرحلة الخلافتين الأموية والعباسية.. بكل ما فيهما من إقطاع وفساد أخلاقي وتطرف فكري..

أعلم أن السطور السابقة مملة و"رخمة" بعض الشيء الكثير.. لكن قصدت أن أخرج منها إلى عدة خلاصات أريد مناقشتها معكم..

أولها.. من الظلم اعتبار الحضارة مقياساً لنجاح أي دين .. فالعوامل الدنيوية تلعب الدور الأكبر في صنع أي حضارة .. وفهم الفصل بين شئون الدنيا والدين ساعد الحكام على تقبل العديد من النظم السائدة (الحلو منها والوحش) وتطبيقها..وثانيها أن تعليق الاستبداد على شماعة الدين جهل سراح.. فجميع النظم السياسية في العالم ذات علاقة بالدين بمن فيها تلك التي تعتبر الدين أفيوناً الشعوب .. وثالثها.. أنه كان من الممكن أن تبقى الحضارة الإسلامية فترةً أطول لو تمسكت أكثر بالقيم التي جاء الإسلام من أجلها ..تلك القيم التي كان يفترض بها أن تعطي إطاراً أخلاقياً يحمي الدولة ويطيل فترة صلاحيتها.. أن يتعايش الناس بتلك القيم وأن يعملوا بجد ويحققوا نجاحاً يكفيهم غيرهم أهم من ألف كتاب وعشرة آلاف مبنى وعشرين ألف معركة.. دمتم بألف خير .. وكل عام أنتم بخير..

Tuesday, August 26, 2008

وأهه كله برتقال!

كل عام أنتم بخير..رمضان على الأبواب..وعليه علينا أن نذكر أنفسنا ومن يهمنا أمره بما لقننا ويلقننا إياه بعض خطباء المساجد وبعض المفقرين وبعض الكاتوبجية وبعض أعضاء "حزب العزة والكرامة" عن أن وحدة رؤية هلال رمضان أصل من أصول هذا الدين لأنه رمز لوحدة المسلمين ،وعليه فيجب توحيد تلك الرؤية- بالعافية- ليصبح هلال رمضان واحداً في كل من مينديناو وجدة والرباط وطلخا.. حتى ولو اقتضى الوضع الصرف من أموال الدول الإسلامية على إنشاء قمر صناعي "مخصوص" لتوحيد رؤيته!

وبما أننا أمة واحدة فيجب علينا أيضاً أن نتوحد في مواقيت الصلاة ، على العالم الإسلامي كله من أجل تحقيق الوحدة الشاملة واستعادة العزة والكرامة على أن يصلي في نفس الوقت .. ولأن مصر هي أكبر دولة في المنطقة فيجب أن تقدم بتجديدها للخطاب الديني الدرس والقدوة لمن حولها في توحيد مواقيت الصلاة عبر البلاد..

في الجمعة الفائتة نقل التليفزيون شعائر صلاة الجمعة من "مرسى مطروح" بمناسبة عيدها القومي ، وبحسب "المصري اليوم" طلب فضيلة شيخ الأزهر الذي كان حاضراً للصلاة تقديم موعد آذان الظهر لكي يتناسب مع موعده في القاهرة ، علماً بأن فرق التوقيت بين مطروح والقاهرة هو ثلث الساعة فقط!

شي كتيييييير بيعقد.. الواحد في عيشته!

أعرف أن الأمر مستفز وحارق للدم لأبعد مدى ممكن ، لكنه مجرد نتيجة منطقية لهذا الفكر التوحيدي الذي يقضي باعتبار مواقيت الصلاة والصيام هي المظهر الهام والوحيد للوحدة بين المسلمين والذي يجب أن نعض عليه بالنواجز إلى أن ينقطع هو أو تنكسر أسناننا..

ترسخ في ذهنياتنا أن العالم الإسلامي يجب أن يصوم ويفطر في نفس اليوم، وفي ذهنيات مؤذني المساجد خارج الأقاليم أنه يجب أن تضبط ساعتك في مسألة الآذان على ساعة الراديو أياً كان ضخامة فرق التوقيت وتأثيره خاصةً في رمضان.. في "المنصورة" يفترض أن يؤذن لصلاة الفجر قبل القاهرة بأربع دقائق كاملة في شهري يونية ويولية ، وذلك طبقاً لخرائط التوقيت التي أعدتها هيئة المساحة الحكومية المصرية ، وفي أوقات أخرى في العام وطبقاً لنفس الخرائط يؤذن المغرب قبل القاهرة بدقيقتين أحياناً ، وبعدها بثلاث دقائق أحياناً.. هذه هي المنصورة التي تبعد قرابة المائة وخمسين كيلومتراً عن القاهرة ، فما بالكم بمطروح أو أسوان ..

لكن ما قولكم في أن الحكومة نفسها تسير في نفس الاتجاه عندما تصر على تجربة "الآذان الموحد" مستشهدةً بأن مصر كلها تصوم وتفطر وتصلي حسب التوقيت المحلي لإذاعة جمهورية مصر العربية ، الذي هو طبعاً توقيت مدينة الإذاعة ، قاهرة المعز؟.. وهذا يلقى بالمناسبة تأييداً من بعض المفقرين باعتبار أن الوزير يقود معركة حقيقية ضد الجمود في الخطاب الديني ، وأن توحيد مواقيت الصلاة - عنداً في العلم والجغرافيا- هو رمز لتجديد الخطاب !

ممارسة الترميز بهذه الطريقة شيء مقرف يجب علينا أن نتخلص منه إن كان لدينا بقية من حياء.. وإن كنت متشائماً للدرجة التي سيكبر فيها أبناؤنا وهم على يقين على أن وحدة الهلال رمز وحدة العالم الإسلامي والآذان الموحد رمز لتجديد الخطاب الديني وأن "أهل الحل والعقد" هو رمز الديمقراطية في الإسلام وأن أعمدة الإنارة المكشوفة في الشوارع هي رمز السمكة.. وأهه كله برتقال .. ومحدش واخد باله .. وهوة فيه حد النهاردة بيفتكر.. ربنا يستر علينا..

ذو صلة: عماد عمر كتب في اليوم السابع عن مهزلة مطروح..والقصة الكاملة للمهزلة كما نشرتها "المصري اليوم" ونقلها عنها "مصراوي"..

Friday, August 1, 2008

كيف ترون هذه الفتوى؟

ذات مرة .. أفتت دار الإفتاء في مصر بفتوى لا تجيز توريث الحكم شرعاً تحت أي مسمى.. نُشِرَ عن تلك الفتوى ما نشر ، وتم استقبالها وقراءتها بشكل متباين.. فحركات الإسلام السياسي والمعارضون خاصةً المدعومون من "المال السياسي"- الحقيقة الأكبر في السياسة المصرية الحالية- رحبوا بالفتوى أيما ترحيب .. بينما التزم "الحزبوطني" و"آخرون" الصمت..

"مصطفى الفقي" كان من بين الرافضين لتلك الفتوى ، وله مبرراته و "دوافعه" التي لا نريد أن نخوض فيها.. وكان مما قال لموقع "محيط" دوت كوم : "التوريث ليس قضية دينية وإنما مسألة سياسية، وهو تعبير يستخدم في الأنظمة الملكية، أما في النظام الجمهوري فيتم اختيار رئيس الجمهورية عن طريق الاقتراع الحر المباشر كما ينص على ذلك دستور البلاد".. كلام جميل كلام معقول ما أقدرش أقول حاجة عنه من الظاهر .. قلناه كثيراً بطريقة أو بأخرى - ونصر عليه -وقتلناه بحثاً حتى كاد أن يموت.. لا جديد!*

ولكن في اعتقادي أن الرجل حكم على تلك الفتوى من الخارج..

في الفتوى جزء مهم جداً.. نهديه لـ"حبايبنا الحلوين" الذين يعرضون خدماتهم على النخبة الحاكمة وأحياناً على المال السياسي باسم الدين.. والذين نسوا في غمرة ممارسة هوايتهم الذميمة أن الأمور "مش سايبة":

"الشرع لا يمنع ولا يفرض نظاما معينا لصورة الحكم، سواء كانت هذه الصورة ملكية أو جمهورية، أو أى نظام آخر يتفق عليه الناس، ويحقق مصالحهم العليا، كما أنه لا يمنع من الانتقال من نظام إلى آخر إذا ارتضى الشعب ذلك، واجتمعت عليه كلمتهم".

قد نختلف مع الحيثيات .. وقد يرى بعض منا ومنهم كاتب السطور أن النظم السياسية التي حكمت الدول والدويلات الإسلامية سواء في عصر الدولة المركزية (الخلافة) أو في العصر الحالي حكمتها متغيرات سياسية واجتماعية ومعرفية هي صنيعة كل زمن على حدة ، وما يصح فيها قد لا يصح بالضرورة في غيرها.. وقد يرى البعض -ولهم وجهة نظر وجيهة في ذلك-أن الموضوع "مش طالب فتوى".. لكن الجزء السابق يوجه لطمة قوية لكل الانتهازيين والمستفيدين باسم الدنيا وباسم الدين.. تعالوا ببساطة "نفصص" ذلك الجزء على طريقة القانونيين.. وبشكل مبسط..

"الشرع لا يمنع ولا يفرض".. لا قال آه ولا قال لأ..أي أن المسألة كما قيلت في الفتوى "دنيوية" .. وعليه فما يقال عن "أهل الحل والعقد" فيما يسميه البعض "اجتهاداً" من السيد "المفكر الإسلامي" إياه لا محل له من الإعراب ولا محل له إلا المتاحف.. ولا يُقبَل أن نسمع أن فلاناً قد "بايع" الحاكم أو الرئيس الفلاني في بلد اتفق أهله على الانتخاب كوسيلة لاختيار الحاكم.. ولا أن نسمع أن "أحدهم" أعلن ذات الحاكم "أميراً للمؤمنين" في عصر غير العصر وزمان غير الزمان..

والاستنارة هنا كما أراها هو الاحتكام لمعيار المصلحة العامة ، لمبدأ "لا ضرر ولا ضرار" في مسألة لم يرد فيها نص بحل أو تحريم.. وعليه فإن الشأن الذي له علاقة بالمصلحة العامة يترك تماماً لمن تخصهم المصلحة العامة.. استنارة أتمنى أن أراها في فتاوى أخرى..

تلك الكلمات التي وردت في نص الفتوى كافية جداً جداً وتغني عن كل ما سبقها.. وهو درس لجماعات الإسلام السياسي أو قيادات التيارين الصوفي والسلفي أو أي باحث كان عن غطاء "ديني" لتحقيق مصلحة مع النظام أو ضده..عظة لمن يتعظ.. إن كان يرد .. أن يتعظ!

هكذا رأيت تلك الفتوى.. كيف ترونها؟ الكرة في ملعبكم زواري الكرام..

تحديث 6/8: الحزبوطني وصحفه قدوة حسنة لجميع المتطرفين والرجعيين في السير عكس الزمن.. والدليل هو هذا الفاصل من الهراء المركز..
* وإلا لكنا رأيناه وقد هاجم الفتوى إياها..

Saturday, July 26, 2008

بيت اليك - الجزء الثاني

نقترب أكثر من بيت اليَك..

في دورة الكمبيوتر قال المحاضر لنا عبارة رائعة .. ما معناها أنه لكي نختار يجب أن يكون لدينا معيار للاختيار..هذا المعيار هو العقل والنقل في هذه الحالة..ويوفر الإسلام ميزة نجد مشكلة حقيقية في استيعابها وهي فكرة التوازن بين الغيبي والعقلي ..فلا هو جعل عقول الناس أسيرة للخرافة ولا وضعها كليةً تحت سلطة العقل..

عندما تتعطل المعايير فإنك لا تستطيع أن تختار.. عندما تقف "مبلماً" أمام محل للأحذية معجباً بعدد من الأحذية وتريد شراءً زوجٍ منها وتنسى كم معك من النقود فإنك لا تستطيع اختيار الأنسب لك في حال إذا كان المعيار هو السعر في حال تساوي المقاس واللون..

كذلك العقل.. هو الآخر قابل للتعطل والتعطيل أيضاً..

لسنوات طويلة كان العقل عاجزاً عن حل العديد من المسائل ، وإلى قيام الساعة ستقف أمام العقل البشري ومنجزاته الهائلة مسائل تستعصي على الحل.. يحلها فتظهر له غيرها.. كانت العديد من الأمراض بلا عقار يكتشف لعلاجها فكانت تفسر من قبل الناس تفاسير غيبية بدءاً من السحر مروراً بالأرواح الشريرة .. يستوي في ذلك الغرب والشرق..ولا يمكن تحميل ذلك كله للدين رغم ارتباطه بتفاسير خاطئة له.. وأعني بـ"الدين" في العبارة السابقة أي دين..

ويتعطل العقل عندما نخاف.. الخوف من المجهول بشكل عام لا يزال يشكل هوساً حتى في أكثر بقاع العالم تقدماً.. كلما زاد خوفك وذعرك كلما كنت أكثر استسلاماً لمن يعرض عليك أي حل .. أي حل..شوف انت بقى..

وقد تستغربون كما أستغرب أن اندفاع الناس لتصديق ما هو "ملموس" قد يجعلها فريسة للخرافة .. فالناس في فترات سابقة من التاريخ كانت لتصدق أي شيء طالما اقترن بشيء يمكنهم لمسه .. فقد لا تصدق أن فلان الفلاني "واصل" إلا إذا سمعت أو رأيت أو جعلك أحدهم ترى أنه نظر إلى علان فسُخِطَ قرداً و(بصديري) سموكنج.. واستخدم ذلك من قبل "البعض" في عدد من المذاهب للتسويق المذهبي تارة (بعض المحسوبين على السلفية الآن) ، وللإرهاب الفكري تارة (تاريخ التصوف في مصر بالذات مليء بأمثلة) ، وفي عمليات النصب أيضاً..

في أزمنة العجز والضعف و"الفَلَس" قد نكون أكثر عرضة للحصار في بيت اليَك.. لدينا في مصر مثل يقول "اصبر على جار السَّو يا يرحل يا تجيله مصيبة تاخده".. وفي مراحل سابقة من التاريخ كنا في انتظار هذه المصيبة .. نأمل فقط في وجود قوة خارجية قوية تأخذ "جار السَّو" في تذكرة ذهاب فقط.. ولا تأتي في أحيان كثيرة..فقط نعيش على الأمل .. أي أمل .. شوفوا انتوا بقى..

لذلك نحن نعرف الحقيقة ونصدق في نفس الوقت كل ما يقال .. على اختلاف أدياننا ومعتقداتنا .. بحثاً عن معجزة .. بحثاً عن يقين..عن ضوء في نهاية النفق المظلم..

بيت اليَّك ليس باباً مغلقاً حتى وإن حُبِسْنَا فيه عاطفياً و/أو عقلياً.. هذا الباب له مفتاح من قطعتين.. الإيمان الحقيقي والعقل.. الإيمان يجعلك على يقين بأن كل شيء مهما أخذت بالأسباب مرهون بمحرك هذا الكون .. والعقل يجعلك تميز وتختار وتفرز وتجنِّب.. لا يمكن للمفتاح أبداً أن يفتح بقطعة واحدة حيث أن صحيح العقل يقول أنه من الصعب أن تفتح باباً بنصف مفتاح.. أترككم لتشاركونني التفكير .. ودمتم بألف خير..
هام: ليس في ما سبق أدنى تناقض مع مقال سابق في هذه المدونة قبل شهرين..

Sunday, July 13, 2008

بيت اليَك- الجزء الأول

"خانة الياك" أو "بيت اليَك" كما يقول اللبنانيون.. تعبير يدل على حصار صاحبه وحرج موقفه..بطريقة أو بأخرى.. كلنا في بيت اليَّك..

على شاشة إحدى القنوات الفضائية الدينية "إياها".. كان هناك برنامج يذاع فجر كل يوم سبت عن الحسد والسحر والدجل والشعوذة و-هكذا سماه مذيعه- "شغل العفاريت"*.. البرنامج نفسه أشبه بفيلم رعب .. يزيد من قسوته ورعب مشاهده الاتصالات التي يتلقاها السيد المذيع ، وكلها مريعة ومرعبة بما يكفي.. ومن الممكن للشخص العادي أن يحلم بها إن استطاع النوم أساساً..

كثير ممن شاهدوا البرنامج وجدوا أنفسهم في خانة اليَّك.. بين إيمانهم بأن الحسد مذكور في القرآن الكريم ، وبين إيمانهم أيضاً بقول الله العلي القدير "قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا" وبحديث الرسول الكريم لابن عباس رضي الله عنه "واعلم أن الأمة لواجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك ..." إلى آخر الحديث.. وأن هناك من الأشياء التي تقال في هذا البرنامج تتعارض مع العقل وربما مع النص..وعندما تنكر تلك الأشياء تتهم بأنك منكر لما في القرآن الكريم..

نفس الشيء عندما نتحدث عن الكرامات.. الكل يؤمن أن الكرامات يعطيها الله لأوليائه الصالحين ، لكن في المقابل عندما نسمع العديد من تلك الكرامات ، خاصةً وأن نسبة منها قد يكون مكذوباً ، وأن لا يمكن أن نعد أي شخص من أولياء الله الصالحين بشكل اعتباطي ، قد نجد أنفسنا محاصرين بين الإيمان بشيء خرافي وإنكار شيء غيبي لا يكتمل إيماننا إلا به خاصةً وأنه لا مستحيل على قدرة الله عز وجل..

لست سعيداً عندما أجد نفسي مزنوقاً في "كورنر".. ولا أعتقد أن كثيراً ممن يقرأ هذه السطور ومن لا يقرأونها يرضون بأن يبيتوا ببيت اليَّك.. هذا هو دور أهل العلم ودور عقولنا أيضاً في أن نرى ضوءاً في نهاية الطريق..
* سمعت أن البرنامج قد مُنِع.. وأتمنى أن يكون الخبر صحيحاً..الصورة من موقع عن لعبة الطاولة..

Friday, July 11, 2008

وهوة دة بقى اللي حيحلها؟

في "القاهرة اليوم" .. أبدى السيد "طارق حجي" "امتعاضه" من تدريس آيات من سورة المائدة في منهج اللغة العربية ، مفضلاً أن تدرس في مقرر التربية الدينية* ، واستشعرت أنه كان يقول ذلك على سبيل المجاملة..

كان الرجل يريد أن يقول ما قاله فيمَ بعد مسئولون بحزب "التجمع" عندما اقترحوا منع تدريس التربية الدينية بشكل عام كمنهج.. يعني ألا تكون هناك مناهج للتربية الدينية الإسلامية أو المسيحية ويتم تدريس ما أسماه الحزب بـ"القيم المشتركة" بين الدينين من أجل القضاء على الفتنة الطائفية..

ماشي.. لنمضِ مع السيناريو للآخر..

لا تدرسوا الدين في المدارس ، اتركوا النشء الصاعد لكل متعصب في كل مذهب ، اتركوهم لمؤسسة الشارع الأقوى تأثيراً علينا حتى ونحن ندرس مناهج التربية الدينية كاملةً غير منقوصة.. وما أكثر الأمثلة هنا وهناك..

لنمض خطوة أخرى في السيناريو ، شيلوا الأزهر.. ألغوا المؤسسة الوحيدة التي يمكنها تقديم تعليم ديني مستنير.. وستحل المشاكل من تلقاء نفسيتها.. هكذا يعتقد من يطالب بذلك ، أو ممن يدعي الشجاعة ويفضل المراوغة على مواجهة الغير برأيه ولو كان متطرفاً وغريباً وغبياً..

كيف بالله عليكم يواجه الطالب المسلم ما حوله من تعصب منغرس في بيئته تجاه غير المسلمين بل وتجاه الكثير من المسلمين؟ كيف يواجه الطالب المسيحي ما حوله أيضاً من تعصب صار من دفن الرءوس في الرمال تجاهله؟

وكيف يمكن لرجال الدين هنا وهناك أن يواجهوا ويغيروا ما لم يكن لديهم تعليم وتأهيل ديني معتدل ومستنير؟

كان من الممكن أن يقترح الحزب المحترم الإبقاء على مناهج التربية الدينية مع مراجعة محتواها إن كان فيها ما يحرض على التعصب .. يبدو هذا أكثر "واقعية" خاصةً وأن دولاً قطعت أشواطاً أكبر في "الليبرالية السياسية" التي ينادي بها -إن كان يعنيها- لا تزال تدرس التربية الدينية لطلاب مدارسها.. لكن هذه هي مشكلة العقول الحزبية السياسية في مصر .. عقول تحمد العلي القدير على أنها ترى بوضوح موضع أقدامها!

يمكن حل مشاكل الاحتقان الطائفي بطرق كثيرة .. ليس من بينها هذا الحل الغبي..والله أعلم
* وفي تدوينة قادمة بإذن الله ولكن في المدونة الشقيقة "الصحافة فين التعليم أهه" سأعرض وجهة نظري فيما قاله المفكر "طارق حجي".. الذي خانه التوفيق وغالطه الحساب.. لما نيجي لوقتها إن شاء الله..
Image Credits: Islam online dot net.

Friday, July 4, 2008

اسأل الوزيرة!

بالأمس.. وعلى صفحات "البديل".. أدلى شيخ الأزهر بتصريح مثير للجدل أثناء وجوده في تجمع شبابي بالإسكندرية..أترك لكم فقط قراءة هذا التصريح بالكامل كما جاء في "البديل".. فقط ما استوقفني شيء غريب جداً قاله شيخ أكبر جامعة إسلامية في العالم حين سئل عن إضرابات العمال.. فقال والعهدة على "البديل": "وأنا إيش عرفني بالعمال بقي ؟ اسألوا الوزيرة عائشة عبد الهادي في المواضيع دي"!

كانت الوزيرة قد قالت في صحيفة معارضة هي "الوفد" والكلام للجريدة أيضاً أن إضراب عمال العامرية هو "حرام وغير مشروع وغير مبرر".. وكلمة "حرام"-لحسني النية- طالما لم يحدد السياق التي قيلت فيه فهي تشير إلى "الحرام" الفقهي.. والله أعلم!

لم تنفِ الوزيرة تلك التصريحات الغريبة كما هو المتوقع ، بل إن الموقع الرسمي لمجلس الشعب المصري قد نشر نقلاً عن "الأحرار"- المعارضة أيضاً- ملخصاً لتقرير نشرته الأخيرة عن "الفتوى" .. رأى بعض من سألهم معد التقرير ومن بينهم "سيد طه حسن" رئيس نقابة عمال البناء والأخشاب أن الوزيرة قصدت أن الإضراب "مرفوض" .. بينما انتقد ذلك آخرون..

ما أعرفه هو أن الفقيه "يستشير" أهل الاختصاص قبل أن يفتي ، لا أن يحول الفتوى مباشرةً إلى أهل الاختصاص..

وما أفهمه.. ربما يكون ذلك خاطئاً أو ما كنتش واخد بالي.. أن أحكام التحريم هي أحكام عامة ومجردة ، فالزنا حرام ولو كان بامرأة مشركة عقيم محترفة كما قال أحد العلماء رحمهم الله ، قارنوا موقف الوزيرة من إضراب عمال "العامرية" وإضراب "المحلة الكبرى" الأول والثاني (ما قبل 6 أبريل).. هل الإضراب حلال في المحلة حرام في الإسكندرية على سبيل المثال؟ أعتقد أنه لكي تستكمل الفتوى شروطها يجب أن تخبرنا بالحالات التي يكون فيها الإضراب "حلالاً" أو "حراماً" أو "مستحباً" أو "مكروهاً"!

وما أراه عن نفسي أن السؤال الذي سئله شيخ الأزهر كان غبياً بما فيه الكفاية.. كان ينبغي أن يسأل السائل الوزيرة مباشرةً في هذه الحالة عن رأيها في الإضراب وليس عن حله أو حرمته ، وكان ينبغي على الوزيرة ألا تفتي هي ، وإلا تعالوا جميعاً نعلن من أنفسنا طبقاً لما حدث أهل اختصاص ونفتِ كما نشاء!

الحمد لله أنه لم يطلب ممن سأله عن الاحتكار أن يسأل "أحمد عز" بالمرة..

عدنا إلى قصة السليق والحريق التي تناولها كاتب السطور أول هذا العام، إما أن يعطى الأمر "كله" لصاحب الاختصاص فيفتي بما لا يعلم فيما لا يعلم فيضع نفسه في موقف "باااايخ" ، أو أن يتم استبعاده من القصة بأكملها في موضوع يتطلب أخذ رأيه وليس فتواه..

تخرج لنا من حين لآخر مواقف جديدة تثبت لنا أنه لا جديد .. ما سبق كله كان على سبيل "طق الحنك" وسبق "تمزيعه" بحثاً ولكن لا حياة لمن تنادي.. دمتم بألف خير..