Tuesday, September 1, 2009

السادة المفطرون

قلتها في مكان آخر : تخيلوا أي مسخرة وسترونها تحدث حولكم في اليوم التالي..

في الأسبوع الأول من الشهر الكريم فوجئت بلافتة في طريقي للعمل تتحدث عن عقوبة المجاهرين بالإفطار في رمضان ، بصراحة استغربت اللافتة عن نفسي ، قلت في عقل بالي أنه مجرد نقل من بامفليت سعودي بحكم علاقة السلفيين التقليديين (وليسوا الحسانيين) بالمدرسة السلفية السعودية خاصةً وأنهم قد نقلوا في أوقات سابقة تنويهات دعائية صممت للمجتمع السعودي عن مكافحة التدخين* ، وضاعف من استغرابي حقيقة أننا في مصر لا نعرف ظاهرة المجاهرة بالإفطار في رمضان ، ليس فقط بسبب ارتفاع درجة الالتزام التعبدي في الشهر الكريم صلاةً وقرآناً وصياماً بطبيعة الحال ، ولا لطبيعة مجتمعنا نفسه الميالة إلى المحافظة ، أو لعلاقة المصريين عموماً بالعبادات ، ولكن أيضاً بسبب قوة تأثير تيارات مذهبية تولي اهتماماً كبيراً بالعبادات فرائضها ونوافلها (وإن كان هذا الاهتمام قد جاء كثيراً على حساب المعاملات رغم خطورتها التي نعرفها من الكتاب والسنة)..

ولكن هذا الاستغراب تحول إلى ذهول عندما نشرت الشروق قبل أيام خبراً عن حملة قامت بها محافظة أسوان لضبط "المجاهرين بالإفطار"..وأن الحملة ضبطت مائة وخمسة وخمسين في عين العدو من هؤلاء .. أي أن الرقم ليس صغيراً!

أعرف ما أتوقع سماعه عن أن هؤلاء أحرار في أن يفطروا وأنه لا يجب أن تتم ملاحقة هؤلاء فقط لمجرد أنهم يفطرون في نهار رمضان .....الخ.. لكن معلهش.. لدي بعض الأسئلة التي قد تغضب هؤلاء..

في التسلسل المنطقي عادةً ما نتحدث عن دافع الفعل قبل التحدث عن حرية الفاعل في فعل الفعل.. وما أعرفه أن من يجاهر بشيء يجاهر به عن اقتناع وعن موقف ..

لماذا إذن اتخذ هؤلاء الأشخاص هذا الموقف-إن لم تكن المسألة لها علاقة بالإدمان كما قيل؟ لماذا قرر هؤلاء ذلك في الوقت الذي يعيش فيه هؤلاء في مجتمعنا الذي يعرف أن ارتكاب الخطأ في السر يبقى خطأ ، أما ارتكابه نهاراً جهاراً فهو خطأ وبجاحة و"بجاسة عين"؟ .. حتى وإن رأى المفطر نهاراً جهاراً في رمضان أنه حر فيما يفعل ، لماذا يفعل ذلك أمامنا، إذا كان أصحاب الديانات الأخرى التي لا يصومون معنا رمضان لا يفطرون "في وشنا" بهذه الطريقة؟ ما هي الرسالة التي يريد السادة المفطرون توصيلها لنا؟

هل المسألة لها علاقة بفكر قد يعتنقه هؤلا على شاكلة قصة "كريم عامر"؟ وإن كانت كذلك.. أليس من الغريب جداً أن نتحدث عن تلك الأفكار في وسط هادئ بطبعه كأسوان، وبعيد عن الصخب الفكري والثقافي والإعلامي وحتى المذهبي التي تعيشه العاصمة؟ هل انتقل هذا السلوك لنا من مجتمعات أخرى تعيش نفس القصة؟ وهل -بما أننا هنا نفكر بصوت عال ونطرح كل الأسئلة المتاحة- لذلك علاقة بالخطاب الديني السائد رغم ما يوليه من اهتمام شديد بالعبادات؟

لغز جديد يضاف إلى قائمة ألغاز رمضانات كل عام.. أنتظر إجاباتكم..دمتم بألف خير وأعتذر عن التأخير..
* مع تسليمي بخطورة التدخين -وأنا غير مدخن بالمناسبة - لا يشغل التدخين في اهتمامات المدرسة السلفية المصرية ، ولا في المجتمع المصري نفسه ، نفس الاهتمام الذي يشغله في بلاد أخرى ، كما أنه حتى في الدعاية لكل مقام مقال ولكل وسط لغة وطريقة توصيل إذا ما أردت توصيل فكرة أو دعاية أو حتى دعابة ..

Wednesday, August 5, 2009

تبرعوا لإخوانكم البلطجية

كيف عجزت الأمة المصرية في ريفها وصعيدها بقضها وقضيضها طوال أربعة أشهر أن تجمع ثمانمائة ألف دولار فقط لاغير‏,‏ لتفتدي أبناءها المختطفين في الصومال‏.‏ وإذا كان للخارجية المصرية موقفها المفهوم من عدم الرضوخ للإرهاب‏,‏ فماهو عذر المجتمع المدني المصري في التقاعس عن نجدة مواطنيه ؟


أين الدعاة الذين يملأون الفضائيات ببرامجهم وحواراتهم‏,‏ ولماذا لم يدعوا الأمة للتبرع من أجل فك أسر إخوانهم‏,‏ أو ليس هذا من أبواب الجهاد والزكاة؟‏.‏ وأين رجال الأعمال ولماذا لم يبادروا ببذل هذ المال اليسير للإفراج عن ثلاثة وثلاثين مواطنا مصريا‏,‏ والذي إن اضطلع به واحد فقط منهم دون مساعدة من أحد فما كان ليضلعه؟‏..‏ وأين لاعبو الكرة والفنانون ولماذا لم يستغلوا شعبيتهم في الدعوة لهذا العمل الوطني الجليل وجمع المال لبني وطنهم ؟


ليست شيمة المصري أبدا أن يترك إخوانه نهبا لعصابة من اللصوص القراصنة‏,‏ وليست ثمانمائة ألف دولار أمريكي بالمبلغ الذي يعجز المجتمع المدني المصري عنه أليس كذلك‏.‏؟


السطور السابقة هي رسالة في بريد الأهرام بعدد 5/8/2009.. "كلام جميل ، وكلام معقول ، مأقدرش أقول حاجة عنه" سوى إنه كلام شعبوي وفارغ..


أريد أن أعيدكم تسعة عشر عاماً إلى الخلف ، عندما كان كل من له صلة بالدين إبان غزو العراق لدولة الكويت يقول لنا في كل مناسبة أنه إذا جاء إليك البلطجي يطلب مالاً فلا تعطيه إياه تحت أي مسمى وظرف .. وإن قتلك فإنك شهيد .. ما الذي جعل القصة تتغير الآن؟.. وأين الآية الكريمة "إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله .."-الآية (المائدة : 33) والتي كنا نسمعها ونسمع غيرها مراراً وتكراراً عندما كان الإرهاب الأسود يضربنا في عقر دارنا؟ ولماذا لم نسمع من المذكورين أعلاه ومن سيادة كاتب المقال في بريد الأهرام شيئاً عن موقف الدين من قطع الطريق والبلطجة خاصةً وأنها تأتي من أناس محسوبين علينا مسلمين؟


هل يثق كاتب المقال وغيره في "شجعنة" و"نخوة" القراصنة المغاوير الذين يتمتعون بكلمة شرف كتلك التي نجدها - في الأفلام فقط- عند السادة تجار الصنف وتجار السلاح؟ أي أنهم إذا ما دفعنا لهم الفدية فإنهم سيعطوننا الرهائن وعليهم بوسة؟


وهل -والرجل يحدثنا عن الدين وبالدين - سيصل بنا الأمر لتمرير "الحلوان" على كل بلطجي وقاطع طريق سواء في بلادنا أو خارجها؟ أو إلى صرف حصة من زكواتنا تبرعاً للسادة البلطجية؟ وربما يسمع أحد شيوخ الفضائيات دعوة الدكتور الموقر ليطالبنا بنصرة إخواننا البلطجية في "صومالي لاند" و"بونت لاند" على أساس أنهم يرابطون على ثغور بلاد الإسلام وأن ملاليمنا ستكفي البهوات شر الفاقة وتعيدهم إلى الصراط السوي؟


كواحد من ملايين عاشوا الفترتين ، أصبحت لا أعرف ما هو المطلوب بالضبط ، فتح أم تسليك؟ طبطبة أم ترزيع؟ بل ولا أعرف إن كان هؤلاء القراصنة بلطجية أم مجاهدون في سبيل الله؟


لست من المؤمنين بنظرية المؤامرة ، لكني أشعر أن هناك تياراً عاماً ، خاصةً في الإعلام المسيس أو في إعلام المال السياسي ، لتلبيس القيم علينا، وجعلنا نتعاطف مع ممارسات لا تتضارب فقط وصحيح الدين بل وصحيح الفطرة السليمة.. قد توافقونني على ذلك وقد لا توافقون..


إلا أن الشيء الوحيد الذي أتفق فيه مع كاتب المقال على كل الاختلافات سالفة البيان ، هو أن المجتمع المدني المصري تعامل بحالة من اللامبالاة مع القصة برمتها ، ولو حدث ذلك في أي مجتمع آخر لقامت الدنيا ولم تقعد ، لكن لدينا ، والحمد لله الذي لا يحمد على مكروه سواه ، منظمات "حروق إنسان" وناشطون واعتصاميون يصرخون في الشوارع ويمنون علينا بنضالهم بينما هذه هي مشاعرهم الحقيقية تجاه أبناء بلدهم ودينهم الذين اختطفوا على يد عصابات.. ورب ضارة نافعة إذ عرفنا هؤلاء على حقيقتهم..

Friday, July 3, 2009

التطئيف والتطفيف : على خطى "جي-تي-إيه"!

أي مبادرة جادة مثل "مصارحة ومصالحة" ستجد نفسها أمام حائط سد ما دام تطئيف كل شيء منتشراً.. والحقيقة أن التطئيف يشبه من بعيد أنفلونزا الخنازير ، ما إن تظهر الحالة الأولى حتى تستمر العدوى ، وستظل تستمر ما دامت مناعة وطن بأكمله ضعيفة..

فكرت كثيراً قبل الكتابة عن قصة قرية "دير أبو حنس" .. ليس فقط بسبب ما قد يثيره الموضوع من توتر ، بل لأن كاتب هذه السطور يريد توصيل صورة مختلفة ووجهة نظر مغايرة لما سار إليه كثيرون من الناشطين والصحفيين.. مجرد وجه آخر للحقيقة .. الوجه الثقيل الظل بالتحديد..

قرأت القصة من أكثر من مصدر منها "الوفد"،و"اليوم السابع" ، وهالني في الموضوع شيئان .. الأول هو اللجوء المستمر والمزمن لـ"الحل الديني" .. وقد حذرت منه في وقت سابق وفي التدوينة قبل الماضية بالتحديد ، وما زلت عند تحذيري مما ذكرت في التدوينة المذكورة ومن تكراره بغض النظر عن ديانة من يقومون بذلك ، والثاني وهو الأكثر خطورة ما قرأته في مقالات منها مقال "محمد أبو الغار" في "المصري اليوم".. والذي لا يعكس فقط المنطق الغريب الذي حرك ما حدث هناك ، قدر ما يعكس تفكير النخبة التي صنعها المال السياسي في صراعها مع النظام بالإسهام في تدمير البلد بأكمله.. وهم الذين صدعونا طويلاً بأن مصر ليست حزباً ولا نظاماً فقط!

يقول الرجل لا فوض فوه بعبارات "شديدة الذكاء" :

هذه القرية الصغيرة بها دير قديم وتاريخى وسكانها بضعة آلاف من الأقباط، فجأة قرر مسؤول صغير أنه لا يصح أن تكون القرية معظم سكانها أقباط فقرر أن يضم إليها قرى مجاورة لتصبح الأغلبية مسلمة، ثم تم تغيير اسم القرية إلى وادى النعناع وهو الأمر الذى ينم عن غباء شديد وضعف فى الروح الوطنية التى تمزج المسلمين والأقباط..

بسيطة .. هناك من أشعل الأمور هناك فيأتي الكاتب في وجود الصحيفة التي تنشر مقاله لتوافقه مع خطها الفكري -المستقيم طحن- ليسكب جركناً من "أنظف" أنواع البنزين..

ويتواكب هذا الهراء مع ما قاله متطرفون بأن الغرض هو "محو الهوية القبطية للقرية"..

أهلاً!

في بلد عرف التعايش بين الأديان منذ قديم الأزل أصبحنا نتكلم الآن عن منطقتي ومنطقتك .. مناطق للمسلمين ومناطق للأقباط .. وقريباً سيستمر الفرز إلى منطقة للمستصوفين ومنطقة للحسانيين ومنطقة للشيعة .. والشيء مثله بالنسبة للمسيحيين .. كما لو كنا في الجزء الثاني من اللعبة الشهيرة "جي-تي-إيه" حيث تقسم المدينة إلى ثلاث مناطق نفوذ للعصابات المكسيكية واليابانية والأمريكية ، ويا ويله ويا سواد ليله من ينتقل من هذا المكان إلى الآخر.. وجوني زوو ما يعرفش أبوه!*

ثم نتكلم بعد ذلك عن التعايش والمصارحة والمصالحة والوحدة الوطنية!

أي وحدة وطنية تلك التي تغلق فيها كل مجموعة تعتنق ديناً أو مذهباً على نفسها بهذا الشكل؟ كيف تتعايش مع جارك وأنت تغلق كل الأبواب و"تسكر"-مع الاعتذار للشوام- كل الشبابيك والمنافذ؟ أليس الوطن الذي يلوك الجميع به لسانه هو مجموعنا جميعاً؟ وأي تسامح يتحدث عنه الكاتب الفاضل ويعظنا فيه الذي يتحدث بهذا التشنج عن توزيع السكان في قرى أو حتى مدينة؟

هذه الانعزالية موجودة ، وقاومها مثقفون مصريون مسلمون ومسيحيون على السواء ، لكنها تصطدم بواقع يكتسي ببصمات الجميع .. تذكروا أن أحداث الاحتقان الطائفي عموماً تحدث في الأماكن الأكثر فقراً ، فما بالكم بالصعيد غير السعيد ، الذي هو عن عين الحكومة والمنقذ الكرتوني "المال السياسي" ووسائل الإعلام ورجال الأعمال جد بعيد ، وحيث يتواجد الفقر وانخفاض مستوى التعليم في أي مكان يسهل على أي تطرف أياً كان اتجاهه وأياً كان دينه أن "يلعب".. يقمقم الناس في أماكنهم ، ثم يولد لديهم الرعب من كل من حولهم ويشعرهم بالاضطهاد ، ثم يصور لهم نفسه وكأنه مبعوث العناية الإلهية لإنقاذهم بحيثيته الدينية ونفوذه وقدرته على استخدام الصوت العالي ، رافعاً الشعار المقزز الذي رفعته سينما ما بعد الحراك "ومن النهاردة مفيش حكومة.. أنا الحكومة" (للحصول على المعنى الأدق ضع كلمة "دولة" بدلاً من "حكومة") ،و-بالمرة- ليضمن وجود غاضبين تحت سيطرته ويعتنقون فكره ، تمهيداً لتحريكهم من أجل الوصول إلى هدفه المنشود.. هكذا كان السيناريو إبان انتشار التطرف الديني في منتصف الثمانينات وحقبة الجماعات ، وها هو ذا يتكرر مع أشخاص آخرين في مكان آخر.. ولا أحد طبعاً يتعظ .. وفي مقدمتهم المحسوبون على المثقفين كمالة عدد..

صحة القرار أو خطئه كان يمكن مناقشتها والتدخل فيها بعيداً عن لعبة الدين وسطوة المال .. لكن يبدو أنه وكما يحدث في كل مرة .. يصل الجميع متأخرين.. ويعلم الله وحده باقي الأشياء التي تأخرنا على الوصول إليها..

ذو صلة: تحقيق أجراه صحفي "البديل" "أحمد الفخراني" .. وبه الكثير من النقاط التي تستحق الرد ، وأخرى تستحق التأمل .. دون أن ننسى التأثير "البديلي" في الصياغة!
*يعرفه جيداً جداً من لعب هذه اللعبة!

Saturday, June 20, 2009

عركة أولاد خامنئي!

شاهدت اليوم صورة لما يمكن أن يكون عليه الوضع إذا ما قفز المذهب إلى السلطة ، وإن كان يصعب تشبيه الصورة الإيرانية - بيني وبينكم - بأي صورة أخرى!
0-إيران هي إحدى ثلاث دول دينية بمعنى الكلمة في عالم اليوم ، لا يمارس فيها رجال الدين السياسة فحسب ، بل يحركون كل خيوط وعرائس اللعبة تقريباً .. هذه حقيقة يتفق فيها معي أكثر مؤيدي ومعارضي النظام الطهراني على السواء.. والفرق الوحيد بين المؤسسة الدينية المسيطرة على السلطة في إيران ، والمؤسسة العسكرية المسيطرة على السلطة في تركيا (النقيض المنطقي لإيران) ، هي أن تلك الأخيرة تترك لرئيس الحكومة بعض حرية الحركة في المسائل الداخلية والاقتصادية في حدود معينة لا يتخطاها ، وإن تخطاها فالباقي معروف ، أما الأمور أبسط بكثير في إيران التي لا يُترك فيها أي شيء عادةً لرئيس الحكومة ولا لرئيس الدولة ، أياً ما بدا لنا من كاريزما "نجاد" أو "إصلاحية" "خاتمي" و "موسوي"..

1-قبل أيام دارت انتخابات رئاسية عنيفة في إيران بين "أحمدي نجاد" المدعوم فعلياً من قبل المؤسسة الدينية المسيطرة على السلطة في إيران ، وبين "مير حسين موسوي" السياسي المخضرم والمدعوم من "آية الله الخميني" شخصياً والذي تولى رئاسة الوزراء حتى تم "إلغاء المنصب" في عام 1989.. ووسط أحداث مثيرة للجدل تقدم "نجاد" على "موسوي" الذي احتج على النتائج ونزل أتباعه إلى الشارع ووقعت مصادمات دامية وصفتها صحف في المنطقة بأنها ثورة على الثورة ، وهذا كلام فارغ..

2-فالكل هم أبناء ما يسمى بـ"الثورة الإسلامية" التي قادها "الخميني" قبل ثلاثة عقود ، أبناء نفس المدرسة التي يُعَدّ"علي خامنئي" المتحدث الرسمي باسمها ، والذي خطب -الجمعة- وسط حشد غفير بينهم "نجاد" نفسه .. وبالتالي يصعب الحديث عن أي تغيير أو ثورة على الثورة في إيران ، ولو أن شخصاً ما ترشح للرئاسة مطالباً بتغيير المفاهيم عن علاقة الدولة بالدين فسيحدث له ما حدث لـ"سرحان عبد البصير" في الأتوبيس في "شاهد ما شافش حاجة"!

3-ويستشعر من شاهد خطبة "خامنئي" التي جاءت بعد تلك الأحداث بكثير بأن من نزلوا إلى الشوارع ومن قامت الدنيا ولم تقعد عليهم أقلية قليلة جداً وسط "الجماهير الغفيرة" -مع الاعتذار لـ"جلال أمين" - التي يحركها "خامنئي"- أو من في منصبه - بعبارة حماسية فيهتفون ، أو بحديث ذو شجون عن "آية الله" فيبكون ، ووسط نفوذه الديني الكبير عليهم يمكنه أن يقنعهم بأي شيء ، بأي أي شيء مهماً كان غريب الشكل..

4-نحُّوا جانباً فكرة تحيزه الشديد لـ"أحمدي نجاد" ، أغرب فقرات الخطاب كانت عن رفض "خامنئي" لفكرة الاستماع لصوت الشارع أو التحاور مع بعض أطيافه قائلاً "إن البعض يتوهم أن الاحتجاجات الشعبية ستكون قوة ضغط على النظام وهذا تمهيد للدكتاتورية".. وهذا الكلام جميل إذا ما قيل في أي دولة في العالم غير إيران ، التي قامت فيها أشهر ثورة شارع في النصف الثاني من القرن العشرين ، ولولاها لما وقف في هذا المكان يخطب في تلك الآلاف المؤلفة من البشر..
5-ثورة إيران إذن ثورة شارع وليست ثورة شعبية ، في الثورات الشعبية يدفع الناس بشخص ما أو مجموعة ما إلى السلطة (كما حدث في مصر سنة 1805 بشكل غير مباشر) ، ثم يصر الشعب (أو ممثلوه في حالة "محمد علي") على مراقبة أداء من أوصلوه إلى السلطة (وهو ما رفضه طبعاً "محمد علي") ، أما في ثورات الشارع التي يهلل لها البعض عندنا فالأمر يختلف ، مجموعة معينة تقود الجماهير وتحركها إلى أي اتجاه تشاء ، دون سؤال أو مسائلة أو رقابة.. حتى لو انقلبت تلك المجموعة على المبادئ التي لطالما تغنت بها ، بل وحتى لو قالت للشارع أنك كنت ضحية مقلب للكاميرا الخفية.. ولن يغضب الشارع الذي اختارهم ليس بمحض إرادته بين بدائل مختلفة ، ولكن اختارهم لسببين ، السبب الديني المذهبي الذي من الممكن أن يختار من أجله أشخاص آخرين البديل الصوفي أو السلفي في بلاد أخرى ، والسبب الثاني ببساطة هو أن ديكتاتورية الشلة ، أو أي نوع من الديكتاتورية ، تؤمن نوعاً من النظام الصارم الذي يشكل لدى شرائح مهمشة وفقيرة وبسيطة في نصيبها من التعليم نوعاً من أنواع الأمان.. ولو على طريقة البنج الموضعي (الذي جربته في مسائل الأسنان وفشل فشلاً ساحقاً)..

6-وبالتالي فإن وجود أي شكل من أشكال الانتخابات في هذه الدولة مضيعة للوقت ، كأنك تتحدث عن كرتين في الملعب في مباراة لكرة القدم القائمة على تنافس فريقين على كرة واحدة فقط .. من تدعمه المؤسسة هو الفائز ، ولا يستطيع أي مرشح من خارج الدائرة التي تحظى بـ"قبول" -وليس بالضرورة "رضا" -المؤسسة الدينية السياسية اللعب في الحديقة السياسية أو المطالبة بمنصب عن طريق الانتخابات.. كل المرشحين في الأول والأخير هم أبناء "الخوميني" ومن بعده "خامنئي" ، ومع الاعتذار لـ"حسن نصر الله" : خلي القوس مفتوح..

بعض معارضي النموذج الإيراني مذهبياً وفكرياً يتمنون في قرارة أنفسهم - كما أشعر عن نفسي - بأن يكونوا مكان "خامنئي" وبأن تهتف لهم الجموع بنفس الشراسة وأن يتفاعلون معهم لدرجة الإجهاش بالبكاء ، نعم يتمنى هؤلاء ذلك سواء أكانوا من دولا أو دوكهمة ، بل وحتى من يقولون أنهم من أنصار الدولة المدنية ، حد يلاقي دلع وما يتدلعش؟..إذا كان "الخميني" نفسه عمل على مدى أربعة عشر عاماً لتوصيل "زعامته" الدينية للإيرانيين حتى صارت تجري في العروق مجرى الدم ، فربما من كان يستهويه "النموذج" على استعداد لأن يصبر نفس صبره حتى يحقق نفس النتيجة ولو ذهبنا وذهبت بلادنا في ستين ألف داهية..
مؤيدو النموذج الإيراني في مصر -منهم يساريون وأتاتورك وناصريون..متستغربوش- حكايتهم حكاية ، وروايتهم رواية -مع الاعتذار لـ"منير" ، فهم الذين يجعجعون برفض أي نظام سياسي على أساس ديني أو مذهبي ، بينما يؤيدون نظاماً على الطريقة الإيرانية ، وليس لديهم مانع من مشاركة رجال الدين في السياسة بمن فيهم السلفيين الحسانيين أو المستصوفين ، كما صدعونا بضرورة خروج الناس إلى الشوارع للمطالبة بالحرية ، وإذا هم صامتون تجاه ما يحدث للمتظاهرين المطالبين بأن يرأسهم شخص آخر لا يقل "صقورية" عن "أحمدي نجاد"..

قد تحتمل رؤيتي الخطأ قبل الصواب ، لكن ما يحدث في إيران كما أراه ليس دليل ديمقراطية ، وليس دليل حراك سياسي (يعني فشنك هناك زي ما هو فشنك هنا).. إنه مجرد "عركة" بالتعبير السكندري ، بما أن "مصارين البطن بتتعارك".. في نفس شدة عراك آخرين على القيام بدور "خامنئي" على طريقتهم الخاصة وبالمسميات التي يرضونها ، والله عز وجل أعلى وأعلم..

ذو صلة: تقرير عن خطاب خامنئي من "الجزيرة" ، وأبرز عباراته من "العربية".. ورد "موسوي" عليه.. وكيف رأى الكاتب "عمار علي حسن" الصورة نقلاً عن "العربية" عن "الاتحاد" الإماراتية..كما كتب زميلنا "أحمد شقير" في الموضوع..
* مهدى إلى العزيزين "د.أسامة القفاش" و "محمد عادل" صاحب مقال رائع كتبه قبل أشهر عن "مدافع آية الله" كتاب "حسنين هيكل" كما رآه..

Thursday, June 11, 2009

"قداسة" الاجتهاد؟

فضلت العودة بعد غياب طويل بمجرد خاطرة آمل أن أنجح في توصيل وجهة نظري فيها..

لن أتكلم هنا عن المشروع المقترح بقانون نقل الأعضاء في حد ذاته ، ولن أتكلم عمن يطالبوننا بالتبعية الفقهية الكاملة والتامة والغير مشروطة لأن الدخول في حوارات مع هؤلاء وفي هؤلاء أمر رافع للضغط ، وهو آخر ما أريده بعد فترة ارتفع فيها ضغطي على المستوى الشخصي بما يكفي .. فقط أتطرق لنقطة أثيرت في نقاش حول هذا الصنف : "لماذا لا نأخذ برأي أي عالم أو أي دولة اجتهدت في مسألة ما؟ طالما الدولة الفلانية قالت Yes وهي أكثر تشدداً منا لماذا نقول No?"..

سؤال طبيعي بما أن الاجتهاد - الحقيقي - سيء السمعة في بلادنا ، خاصةً في وجود من جعلوا الاجتهاد باجتهاداتهم سيء السمعة.. وفي غياب قامات تتخطى حد "المحدث" إلى حد "الفقيه المجتهد".. مثل الشيخ " محمد الغزالي" رحمه الله..وبالتالي يبدو ما يثار حول الاجتهاد في مجالسنا العامة وعلى صفحات الجرائد ومواقع الإنترنت أشبه بنقاش عن كيفية ضخ الفحم الحجري في ماكينة تعمل بالبنزين!

الاجتهاد مصدر من مصادر التشريع له ترتيبه ، يأتي في مستجد لا نص فيه ، ولكنه قد يمس جانباً فقهياً فيه نص سواء في الأحكام (ما يثار عن علاقة فوائد البنوك بالربا مثلاً ، ولن أناقشه هنا) أو مقاصد التشريع العامة سواء العدالة أو سلامة النفس والمال والعرض ..

وطالما نتحدث عن أمر مستجد تفرضه حاجة (وليس لمجرد العبث الفكري) ، أي أمر لم يكن له وجود في فترة سابقة وسيأتي وقت لن يكون له فيه وجود ، فالاجتهاد في المتغير متغير ، من مكان لمكان ومن زمان لزمان ، طبقاً لاختلاف الزمان والمكان ، ما يترتب عليه نفع أو ضر في بلد قد لا يترتب عليه نفس الشيء في بلد آخر.. لكل مجتمع ظروفه وخريطة المصلحة العامة فيه التي تختلف عن أي مجتمع آخر.. وطبقاً لطبيعة المستجد .. فالمخدرات التي اجتهد العلماء في تحريمها حرمت على أساس أن "كل مسكر حرام" .. وأن المخدرات مواد لها تأثير مسكر ، ولو لم يكن في المخدرات التي لم تظهر بشكلها المتعارف عليه وقت نزول الوحي الخاصية الخواص المسكرة المخدرة المدمرة للصحة بكل حزمة المفاسد المترتبة عليه لما حرمت.. وبالتالي - فرض جدل - سيبقى الاجتهاد بحرمة المخدرات قائماً ما دامت المخدرات على ما هي عليه..

ليس للاجتهاد قداسة ، فقد تم الدين بنص القرآن الكريم ("اليوم أتممت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا" المائدة : 3)- وهي من أواخر ما أنزل من القرآن الكريم- وعليه انتهت مرحلة "التشريع" وبدأت مرحلة "الاجتهاد" في مواجهة المستجدات ، أضف إلى ذلك أن الاجتهاد مجرد رأي ، قد "يصيب" و قد "يخطئ" بنص الحديث ، أي أنه نسبي يحتمل الصحة والخطأ من شخص لشخص ومن بلد لبلد ومن زمن لآخر..

وعليه ، من الممكن أن يجتهد الشيوخ السعوديون - مثلاً - في أمر ما يرونه صائباً بفتوى معينة فيما يخص ظروف المجتمع السعودي ، فاجتهاد هؤلاء قد يحتمل -أصلاً- الصحة والخطأ ، وقد يكون له محله هناك ولكن ليس له محل هنا في مصر .. فالدين واحد (الخمر حرام في أي مكان) ولكن الدنيا مختلفة.. وعليه فقبل الأخذ بأي اجتهاد يأتي أولاً وبشكل حتمي عرضه أولاً على ظروف البلد وخريطة المصلحة العامة فيه (لا ننسَ أن درء الضرر مقدم على جلب المنفعة - مبدأ فقهي إسلامي) .. وليس "شغل الكوبي والبيست" الذي نسمعه هذه الأيام..

ألتمس وبشدة العذر لمن يرى بإلزامية الاجتهاد بشكل عام ، فنحن تربينا جميعاً على مفاهيم عن "وحدة الأمة" ما أنزل الله بها من سلطان ، تختزل وحدة المسلمين في وحدة الهلال ووحدة الفتوى فقط ، وعليه يبدو الاجتهاد الذي تحول إلى فتوى كقرار وزاري يجب تنفيذه حتماً في جميع المصالح التابعة للوزارة ، وهذا ليس صحيحاً على الإطلاق ، والأنكى أنه وصل في زماننا الخلط بين الديني الصرف والدنيوي الصرف والديني الدنيوي إلى أسوأ مستوياته ، وعليه فلنشرب فوضى اجتهادات وفتاوى من هنا لـ"بكرة الصمح" ، وأصبح لدينا بعض المتحدثين في الدين والدعاة وشيوخ الفضائيات وحتى من يزعمون أنهم مفكرون إسلاميون -من عينة صاحبنا "المفكر الإسلامي" إياه المتواضع على طريقة "سعد الدالي" - بدورهم يرون أن الاجتهاد مثل قرارات حكام كرة القدم ، لا نقض ولا استئناف ، وهذا أيضاً ليس صحيحاً على الإطلاق..

نعيب زماننا ، والعيب فيه ، وفينا ، وفي المجتهدين معاً..والله أعلى وأعلم..

Friday, May 8, 2009

أنفلونزا الخنازير :التطئيف والتطفيف

0-اسمحوا لي بأن أدلي بوجهة نظر أخرى مغايرة تماماً لما كتب فيه زملاء وأصدقاء فيما يخص موضوع أنفلونزا الخنازير .. فمع احترامي لكل ما كتب إلا أن هناك جوانب أراها الأخطر يتم إغفالها وتخطيها عن عمد.. وجاء الوقت لنتحدث عنها وفي صميمها وبصراحة شديدة..وكلها تدور حول نقطة واحدة .. كيف تستخدم مجموعات المصالح الدين في مواجهاتها مع السلطة والمجتمع المدني..

1-من "هنا" نبدأ..

أعرف أن "عرب تايمز" ليست مصدراً ذا ثقة عالية لدى الكثيرين ، وأن هناك الكثيرين منا وأنا منهم لهم تحفظات على لغة التقرير ، ولكن هذا يضعنا أمام الحقيقة التي يتعمد البعض إغفالها.. وهي أننا عندما نتحدث عن جامعي القمامة فإننا نتحدث عن مجموعة ضغط ، شأنها في ذلك شأن أي نقابة مهنية لأعضائها مصالح وتدافع عنهم ، تصادف أن يكون من ضمن هذه المجموعة ، أو من ذوي النفوذ القوي داخل المجموعة مسيحيون ، كما تصادف أن يكون بين كبار رجال الأعمال المصريين حجماً وتأثيراً مسيحيون ، وهذا شيء جيد في ذاته لأنه يعكس رغبة حقيقية من المسيحيين المصريين في المشاركة في الحياة العامة في مجتمعهم ، ولأنه يعكس أن المناخ في مصر لا تزال به مساحة للنجاح لأي شخص يعمل أياً كان المعتقد أو الديانة التي يؤمن به(ـا).. ولكن ما أرفضه أن يقوم أي شخص ، أو أي شلة ، أو أي مجموعة ، أياً كان دينه أو دينها ، بأن يتحرك داخل المجتمع ويحقق مكاسب عن طريق الدين أو المذهب أو الطائفة..

وما حدث هو وصف حرفي له..

2-أول جزء في اللعبة هي أن تضع علامة يساوي كبيرة بين مصالح التكتل الذي تسيطر عليه والدين ، فهم اعتبروا ، أو أوعزوا لمقربين لهم في الخارج أن ذبح الخنازير هو بمثابة "عدوان على المسيحيين في مصر" .. رغم أنهم يشكلون نسبة ضئيلة منهم ..وبنفس المنطق يعتبر الحسانيون مثلاً أي دورية لشرطة المصنفات على محل لبيع شرائطهم "مؤامرة على الإسلام".. والغريب جداً أنهم -رجال تحالف القمامة- هم من وقفوا بقوة ضد كل محاولات وزراء البيئة السابقين وفي مقدمتهم "منى مكرم عبيد"- المنحدرة من واحدة من أشهر الأسر المسيحية ذات التاريخ الوطني- لإعادة تدوير القمامة بشكل علمي..

فرجال التحالف يتمسكون بصيغة All-or-Nothing في مواجهتهم مع النظام.. الأرض والموقع والقمامة والخنازير معاً دون تنازل عن أي منها، وأي حل وسط مثل نقل المزارع إلى خارج الكتلة السكنية سيقابل بالرفض ، أو يقبل اليوم ثم يرفض عند الدخول في الجد ،وهي الموضة السائدة في التفاوض مع الحكومة حالياً..

ولأننا في زمن "رامي الاعتصامي" فإن أي مجموعة لا ترى سوى مصالحها فقط ، بغض النظر عن مصالح "الأغيار"- باقي المجتمع - كما الحال بالنسبة لسائقي اللواري عندما أضربوا (يتحرق اللي بيموت ع الطريق) ، والصيادلة في إضرابهم الأول* (يتحرق اللي عايز دوا) .. وهو ما ينطبق حرفياً على حالة جامعي القمامة المتمسكين بمزارع الخنازير بمواقعها وبشروطهم .. أياً كان الضرر الصحي المتوقع -بل شبه المؤكد- من تلك المزارع على العاملين فيها وساكني المناطق المحيطة.. منطق أناني لا يتسم مع التسامح الذي تنادي به الأديان .. لكن ما الحاجة لكل لاعب بالدين سوى أن يأخذ من الدين الجانب الذي يريد؟ الجانب العاطفي الذي يؤجج المشاعر ويشعل الإضرابات ويوقد نيران الفتنة والكراهية..

3-وللإمعان في جعل المسألة دينية أكثر ، يجب إلقاء الكرة في ملعب أتباع الدين الآخر، فبدأت المطالبات بجعل خطب الجمعة عشر دقائق (كان هناك كتاب دوري لوزارة الأوقاف أوصى بذلك منذ سنوات.. ما الفرق؟) ..وأداء صلاة الجمعة في العراء (فين العراء دة؟) ..أو تأجيل الحج والعمرة باعتبار أنها قد تكون فرصة لانتقال العدوى بأنفلونزا الخنازير (متناسين أنه لو استفحل الأمر فسيتم إغلاق كل حدود المحافظات وليس البلاد ولو قبل موسم الحج.. بل قد يصل الأمر إلى حظر التجول)..

4-أثار استغرابي أن يكون المسئول عن تجمع جامعي القمامة رجل دين من حيث المبدأ.. صحيح أن جمع القمامة عمل شريف ..لكن يبقى الاتحاد أو التجمع كما سبق التبيان جماعة ضغط يفترض من رئيسها العمل على حماية مصالحها .. ولأننا في عالم لا تسكنه الملائكة فمن الوارد جداً على المستوى النظري أن يحمي رئيس التجمع مصالح أعضائه مستخدماً سلطته الدينية ،كما يستغل العديدون مثلاً من حملة الرتب العسكرية - ولو كانوا على التقاعد - صفتهم في أعمالهم المدنية في الحكم المحلي والأندية والاتحادات الرياضية..

إن نجح تجمع جامعي القمامة في مسعاهم فسيتحول الموضوع إلى موضة،وسيصبح النافذون من ذوي الصلة بالتنظيمات السلفية أو الصوفية مطلوبين للعمل داخل النقابات والاتحادات العمالية ، كسباً للدين كورقة للتفاوض.. ولإحداث أعلى كمية ممكنة من الضجيج عندما يتطلب "الأمر" ذلك.. وبذلك فسيكون عندنا "بش" و "تس".. إتجار بالدين لتسويق السياسات يقابله إتجار بالدين لمقاومتها.. شفتوا بقينا شعب متدين إزاي؟ :(

هنا أثمن وبشدة الموقف الرسمي للكنيسة المصرية الذي أغلق الباب في وجه هذه اللعبة ، التي إن نجحت فسنكون على أعتاب مونديال للاتجار الديني ، في ظل استغلال الدين- أكرر :أي دين - لحماية مصالح ضيقة بالتطئيف والتطفيف..
*وقد عدلوا عن ذلك بعد الإضراب الأول حيث حددوا- بعد أن لمسوا غضب الشارع - صيدليات معينة تفتح أثناء الإضراب ، وكذلك فعل الأطباء عندما قرروا جعل إضرابهم قاصراً على العيادات الخاصة..

Friday, April 17, 2009

"لزوم" الدلع

لم أعتد -إلا مرة واحدة في المدونة الشقيقة "الصحافة فين التعليم أهه" - منذ بدايتي في التدوين أن أقطع سلسلة من التدوينات المجزأة.. لكن هذه المرة الأمر غريب وغير مفهوم ..

خبران أضعهما بجانب بعضهما وكل منهما أغرب من الآخر ..

الأول.. فضيلة مفتي الديار المصرية يدلي بتصريح نشرته "الدستور" و "اليوم الساقع" مفاده فيه والكلام بنص الموقعين أن الإسلام "دلع المرأة" ، وفي صياغتي "الدستور" وموقع جريدة "الدار" "دلع المرأة زيادة عن اللزوم"!

والثاني .. أن دار الإفتاء المصرية - والتي يرأسها فضيلة مفتي الديار المصرية صاحب التصريح في الفقرة السابقة - أباحت زواج المسيار -الشائع في عدد من دول الخليج.. رغم "نفي" دار الإفتاء للكلام في اليوم التالي بحسب جريدة "البشاير" الإلكترونية..

يرى المفتي أن الإسلام قد "دلَّع" المرأة بشكل زائد عن اللزوم ، دون أن يعرف لنا بطبيعة الحال هذا "اللزوم" وهل من هذا "الدلع" إباحة زواج يضرب بحقوق المرأة التي شرعها الإسلام نفسه عرض الحائط ، حتى ولو كان ذلك بشكل "اتفاقي"-باتفاق الطرفين يعني- ولا أصل له في الكتاب ولا السنة ، ولا علاقة له بالمقاصد التي شرع الله من أجلها الزواج ، السكن والمودة والرحمة.. بل إنه اختزل الزواج كله في شيء واحد فقط .. يناسب أزهى عصور السكسوقراطية التي نعيشها حالياً..

عن نفسي أميل جداً لما قاله الدكتور إبراهيم فاضل الديو في المسألة : "وإذا قيل بأن زواج المسيار عقد استكمل أركانه وشروطه فلماذا يحرم؟ فإنه يجاب على ذلك بأن نكاح المحلل والمحلل له قد استكمل العقد فيه أركانه وشروطه أيضاً، إلا أن الفقهاء أفتوا بحرمته سدا للذرائع، وسد الذريعة أصل من أصول الشريعة قال به كثير من الفقهاء"..

ومع احترامي لفكرة أن لـ"ولي الأمر" فكرة حظر الشيء المباح منعاً للمفسدة .. فإن استخدام تلك الفكرة في الفتوى المشار إليها هو أمر "مضحك" و "غريب" و "يستعصي على الفهم".. "هو صح دينياً بس ولي الأمر منعه لأن فيه مفسدة"؟

الإسلام لم "يدلع" المرأة أكثر من اللازم ، والإسلام لا "يدلع" أحداً أو فئة .. هو فقط يعطيها حقوقها كما يعطي لكل فئة حقوقها، ولو تواجدت شبهة مجاملة لحساب فئة ما فإنها ستأتي حتماً على حساب الأخرى وهو ما يتصادم مع واحد من أهم مقاصده ..وكان على فضيلة المفتي العالم الجليل أن يكون أكثر "حذراً" و "دقة" في استخدام مصطلحاته خاصةً في ظل وجود ميديا تتصيد أي خطأ أو زلة لسان.. فلا مكانته العلمية ولا منصبه يسمحان بنوعية معينة من زلات اللسان ستمطر آثارها السيئة فوق رءوس الكل كليلة..

Thursday, April 16, 2009

في المسألة البهائية - جزء أول

0-السطور القادمة قد تكون صادمة ، لكنها تبقى مجرد محاولة أكثر لفهم قصة "الأقليات الدينية والمذهبية" في بلادنا .. مجرد محاولة قد تخرج منها برد فعل عنيف تجاه شخصي المتواضع ، وقد تخرج منها ببعض الأسئلة المشروعة..

1-أولاً.. يبقى ما حدث في "الشورانية" مرفوضاً بكل المقاييس ، ولا طائل من المزايدة على رفض شيء هو بالأصل مرفوض ، ويبقى البهائيون أقلية بالمقياس العددي والتأثيري داخل المجتمع المصري (مجموع تعدادهم على مستوى العالم ستة ملايين ، مجموع تعداد المسلمين في القاهرة أكثر من ستة ملايين).. وأرفض التفسيرات "الذكية" التي ستخرج طبعاً لتقول أنني أبرر ما حدث للبهائيين بكونهم أقلية..

ولكن..

2-ولكن دعونا لا ننسى مجموعة أخرى من الحقائق .. أولاها أن الأقليات الدينية والمذهبية عادةً ما يتم استغلالها أو توريطها في صفقات من قبل بعض الدول للضغط على بعض الأنظمة والحكومات .. كما تفعل أمريكا وإيران معنا في ملفات البهائيين والشيعة على الترتيب ، وكما تفعل أمريكا والغرب مع الصين في حالة سكان إقليم التبت (والذي لا يخلُ صراعهم مع حكومة بيجينج من بعد ديني).. وثانيها أن الأمر ينطبق أيضاً على الداخل حيث يلعب النظام والمعارضة بورقة الأقليات كل للضغط على المعسكر المضاد .. وإحراجه أمام الخارج الذي "يبتزه" بتلك الورقة.. وهو ما أرى أنه حدث حرفياً في حالة البهائيين..

فالمال السياسي في صراعه مع الحزبوطني قام باللعب بورقة البهائيين ، الذين كانت لهم مشكلة - بل مشاكل- مع النظم المصرية المتلاحقة ، ولما رأى معسكر المال السياسي نفسه متكافئاً في القوة مع الحزبوطني ، وشجعته الثقة على إحراج الحزب الحاكم قام باللعب بورقة البهائيين عن طريق الإعلام ، سواء عن طريق الصحف -"صوت الأمة" وأخواتها- أو الفضائيات "دريم".. ولم يكن السيد "وائل الإبراشي" سوى مجرد أداة- ومنذ متى كان غير ذلك- ساعدته على أداء دوره طبيعة بعض القيادات البهائية التي ظهرت.. ولكي يكون الشو محبوكاً و "حراقاً" أتيحت لتلك الشخصيات الظهور على شاشة الفضائيات وهي الأوسع انتشاراً من كافة وسائل الميديا الأخرى..

3-حقيقة ثانية.. تصرفات قادة أي مجموعة تعكس بنسبة ما اختيارات المجموعة نفسها ، ولا يوجد أكثر من الأمثلة في العالم العربي الذي يعج بأقليات دينية ومذهبية في كل دولة تقريباً.. وهذا يقودنا إلى حقيقة خامسة .. وهي أن لكل أقلية خيار من اثنين.. إما المجموعة .. وإما الاستقواء بالخارج للضغط على النظام لنيل مكاسب ما ..

خيار المجموعة هو الأصعب ، وهو الأصح .. وكان يتطلب من قيادات الأقلية البهائية وأفرادها بذل بعض الجهد .. وإن كان هذا الجهد سيكون مضاعفاً بحكم المشاكل بين "البهائية" والأديان السماوية الثلاث وهو أمر "يصعب" تخطيه -هم مؤمنون بديانتهم ونحن مؤمنون بديننا ولن يستطيع أحدنا إقناع الآخر بتغيير دينه- وبحكم سوء حظ البهائيين الذين اصطدموا بالنظام منذ العهد الناصري حين أغلقت محافلهم ، ثم شبكة البهائيين التي تم ضبطها في أواسط الثمانينات حيث ذروة توحش التطرف الديني والمذهبي في مصر ، و"ما يقال عن" علاقتهم بإسرائيل (والتي تسببت في إغلاق محافلهم منذ الستينيات وحتى الآن)..

خطأ كبير في نظري يمكن أن تقع فيه أي مجموعة أياً كان حجمها ودرجة ثقلها أن تتوقع أنها ستستفيد من أي نوع من الصفقات ، إن من يفتح لك الباب من أجل مصلحته هو أول من سيلقي بك من الشباك بعدما تقضى تلك المصلحة.. والخطأ الأكبر هو أن تعتقد أي مجموعة مهما كان حجمها أن التعايش المشترك هو مسئولية الطرف الآخر ..هذا سيوقعنا في ما يشبه "معضلة السجين" أو ما يشبه "التعازم" في الثقافة المصرية (اتفضل - لا إنت الأول - لا ميصحش - والله انت الأول - عليا الطلاق ...الخ) لدى كل طرف دور يلعبه .. وللأسف فإن الصوت العالي جداً لقيادات البهائيين وللناشطين المؤيدين لهم أنساهم أن للأقلية نفسها دور تلعبه ، أم أننا نتذكر هذا الدور فقط عندما نتحدث عن الأقليات المسلمة خارج العالم الإسلامي وننساه هنا*؟
لا قيمة لأي جهد تبذله أي جهة للتعايش المشترك مع الأخرى دون أن تتحرك تلك الأخيرة.. نستكمل في التدوينة القادمة بإذن الله..
*ولا تناقض بين ذلك وبين ما كتب المدون سابقاً في سلسلة "هاللو هولندا" أو ما سيكتبه لاحقاً..

Friday, March 13, 2009

وزادها المتعلمون جموداً

"قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون" ..بالطبع لا.. أو يفترض كذلك..

أجدادنا كانوا يربطون بين العلم و النور ، فالمتعلم يتمتع بعقل "متنور" لا هو بالمظلم ولا بالمستنور ، يفترض به أن يكون ذا اطلاع واسع ، وأفق أوسع .. كان أجدادنا يؤمنون بذلك ويحرصون على العلم في زمن كانت الأمية والجهل فيه متوحشان .. فما بالك الآن والجامعات والمدارس والمعاهد تخرج أرتالاً من المتعلمين..

وأصبح العديد من هؤلاء المتعلمين إما متعاطفين مع ، أو منتمين إلى شلل مذهبية هنا وهناك ، إما بالوراثة وإما بالتأثر وإما عن اقتناع ، وكان يفترض بالذين تعلموا ، وحصلوا على مؤهلات عليا ، ودخل عدد منهم ما يسمى جهلاً في بلادنا بـ"كليات القمة" وتخرج فيها أن يقودوا حركة للتجديد داخل الاتجاهات الذين انتموا إليها ، ولكن العكس هو الذي حدث..

في التيار السلفي الحساني (وما زلت مصراً على تلك التسمية لتمييز التيار عن السلفية السعودية التقليدية*) أصبحت الغالبية الكاسحة من المتعلمين العاملين في "حقل الدعوة" تميل بكل الوسائل إلى دور "المحدث" بدلاً من دور "الفقيه المجتهد" الذي عرفه الإسلام منذ ظهوره ، والذي يستغل معرفته الدنيوية في الاجتهاد الديني كما عرفنا "أبو حنيفة النعمان" ، في وقت أصبح فيه الاجتهاد الحقيقي حاجة ماسة للغاية والذي لا يتطلب فقط المعرفة بالعلوم الشرعية ولكن معه أيضاً المعرفة التقنية في أمور مثل الطب والهندسة والتجارة.. أما عن غير الدعاة فمنهم من يسير مع تيار جارف يقلل من أهمية العلم الدنيوي ، بل ويعتزل بعضهم العمل الدنيوي الذي تعلم بالسنوات من أجل التأهل لممارسته ، وأصبح هناك شبه ميل بين المتعلمين أكثر للتقيد الشديد بأي فتوى تصدر من كبار شيوخ التيار ، دون الذهاب إلى الكتب ومعاينة الآراء المختلفة واختيار ما يراه صواباً..

ولا يختلف الحال في التيار الصوفي كثيراً ، صديقي "عمرو عزت" كتب في الشروق قبل أسبوع تقريباً فيما له صلة ، ففي وجود جامعيين وحملة رتب علمية تبقى مرجعية شيخ الطريقة - مثلها مثل مرجعية شيوخ السلفية **- أمراً غير قابل للنقاش ، وبالتالي يغيب الصوت الآخر هنا كما غاب هناك ، ويسود الرضاء بالأمر الواقع ، ويزداد التشدد في مواجهة أي مختلف أو أي رغبة في "التجديد"..

يرى البعض أنه من الممكن مقارنة متعلمي اليوم بمتعلمي الأمس عن طريق مقارنة طفلين أحدهما نشيط وشقي لدرجة الأذى بشكل تستحيل معه السيطرة عليه ، والآخر هادئ تماماً خامل تماماً بشكل يثير قلق والديه عليه.. متعلمو الأمس كانت لديهم رغبة متطرفة في التغيير انبهاراً ربما بنموذج ما يسمى بـ"الثورة الإسلامية" ، مما سهل على منظمات وجماعات واتجاهات متطرفة السيطرة عليهم واستغلالهم كقنابل موقوتة في مواجهاتهم مع السلطة والمجتمع ، أما متعلمو اليوم فهم ذلك الطفل الخانع الوديع المتمسك تماماً الذي يرى في "البيج براذر" الأمن الذي يفتقده وفي الماضي حلماً يسعى لتحقيقه وفي كتب الأمس ما يجب أن يكون من رأي لا ينفع معه نقض ولا استئناف..

عن نفسي كشخص عادي يحتمل تحليله كثيراً من الخطأ ، أرى أن طبيعة التعليم نفسه هي السبب في خنوع المتعلمين للأمس وتشددهم في الإيمان به وفرضه على الغير.. تعليمنا اللذيذ علم طلابه منذ نعومة أظفارهم أن المرجعية لكتاب الوزارة وحده ، ولما يريده مؤلفوه وحدهم ، وأنه لا داعي أبداً للتعبير عن رأي في نص أدبي أو عبارة في قصة أو تصرف في كتاب التاريخ أو موضوع للتعبير خشية تطور الأمر إلى "السياسة" - والعياذ بالله- وطالما أن لديك البحر اقصد البحر وخل القنوات كما يقول عنوان موقع "مفكرة الإسلام" الشهير.. لماذا تبحث في كتب أخرى ومراجع أخرى عن إجابات؟ ولماذا تسأل؟ ولماذا تفكر أصلاً؟

من المدهش أن أقرأ أنه في أزمنة الأمس الغابر كانت هناك مراجعات وانتقادات للازدواجيات بين المظهر والمخبر ورفض للسلوكيات الخاطئة داخل كل تيار ، واليوم وجيوش المتعلمين تتخرج من الجامعات كل عام يحدث العكس ، ليتفوق المتعلمون لأول مرة على الغوغاء الذين كانوا ينتقدونهم!.. عذراً للإطالة وثقل ظل الطرح..
*هناك اختلافات في مسائل فقهية وفي وجهات النظر فيما يخص أموراً منها المواقف السياسية والنظرة للنظم السياسية السائدة في المجتمعين..
**...صحيح أنه يوجد في مصر كيانان تنظيميان سلفيان كبيران هما "الجمعية الشرعية لتعاون العاملين بالكتاب والسنة" و "جمعية أنصار السنة المحمدية" إلا أن السلفية المصرية على الأرض لا يجمعها كيان تنظيمي له قوانين وعضوية وقواعد ورئيس ، بل يتقيد المؤمنون بنهجها بآراء الشيوخ والعلماء المحسوبين على التيار بنفس القوة التي يتقيد بها متبعون لتيارات أخرى لـ"قياداتها"..

Wednesday, March 11, 2009

ولا يساعد على الاجتهاد!

خلال فترة التوقف استوقفني خبر غريب عن أحد المشايخ في السعودية يفتي بأن سجود الشكر في مباريات كرة القدم "بدعة" .. بالطبع كان من الطبيعي أن يلتفت معظم من قرأ الخبر للجزء الذي يخص سجود الشكر ، لكن الجزء الأهم هو الآتي بعد :

نحن في دولة تحكم بالشريعة الإسلامية وجميع القوانين مستمدة من الشريعة، ومطالبة البعض بمحكمة رياضية.. ماذا يقصدون بها؟ هل يقصدون أن يأتوا بأنظمة خاصة بعيدة عن الشرع ويتحاكموا إليها؟.. فهذا تحاكم إلى غير ما أنزل الله ولا يجوز شرعا، لكن إذا قصدوا بالمحكمة الرياضية أن تفصل بين الأندية، فهذا منوط به ديوان المظالم ويستطيع كل أحد أن يطالب بحقه من خلالها".

يا سلاااام..

هل لو استجد شيء دنيوي -كالنقل البحري مثلاً- لم يكن موجوداً وقت نزول القرآن الكريم ، وكان من الضروري إيجاد قواعد لتنظيمه أو لتنظيم التعامل حوله بما لا يخل بالضوابط الأساسية للتشريع الإسلامي من عدل وعدم استغلال و..و... أصبح مرفوضاً على القائمين عليه وأولي الأمر اتخاذ تدابير متفق عليها لتنظيمه؟ وهل أصبح الاجتهاد لاستحداث هذه الضوابط المتفق والمجمع عليها بدعة وضلالة هو الآخر؟ ألا تعتمد بعض القوانين المطبقة بالفعل في السعودية ومن بينها قانون نقل الأعضاء الذي يصدع بعض الناس هنا في مصر (بما إننا من وجهة نظرهم لازم نطبقه علشان بس شغال في السعودية وإيران)آذاننا به ليل نهار مبني على الاجتهاد؟

في أماكن من العالم العربي يتطرف البعض في الاجتهاد في وجود صريح النص في القرآن الكريم ، ويتطرف البعض في أماكن أخرى في رفض الاجتهاد حتى فيما لم ينزل فيه نص، في دول ما لا تسمع فتوى في أمر مطلوب فيه الفتوى ، بينما يفتي في دول أخرى "مفكرون" في أمور بديهية لا تستأهل الافتاء..

ومحصلة أفعال كل هؤلاء واحدة .. وسلملي على الاعتدال وتجديد الخطاب..

Tuesday, March 10, 2009

قزقزة الاجتهاد في مقلة الشعب

أذكر جيداً ما قاله النائب صاحب القانون "إياه" الخاص بتوحيد الفتوى ..والذي لا يختلف عن قانون سبقت الكتابة عنه في تدوينة "القانون المامبو والمسخرة الجامبو".. وأعني ما قاله لجريدة "الشروق" اليومية في أهمية أن يكون لدينا "قيادة دينية" مثلما للأديان والمذاهب الأخرى.. وما تذكرته ذكرني بنقطة يحلو لبعض الليبراليين ذكرها ، أنه في النظام البرلماني الناجح- اللي جيلنا ما يوعاش عليه - يكون النائب المنتخب انعكاساً حقيقياً للناس الذين انتخبوه .. النقطة التي يعتبرها الليبراليون نقطة قوة مطلقة في النظام البرلماني الناجح ، وأعتبرها مصيبة سوداء فيه.. إذ أنه في ظل مستوى وعي لا نختلف كثيراً على هشاشته من الطبيعي أن يكون النواب نسخة من كثير ممن انتخبوهم وصوتوا لهم ، بل ومن لم يصوت لهم.. وفي هذه الحالة تصبح الديمقراطية السياسية كلها تحصيل حاصل .. بلا أدنى تأثير على المجتمع من قريب أو بعيد..

الرجل هو واحد من الناس .. زي كل الناس (مع الاعتذار لـ"لؤي") .. الناس الذين ربتهم المنابر على أن وحدة الأهلة بالعافية هي رمز لوحدة المسلمين ، وعلى أن من لا شيخ له فالشيطان شيخه* ، وعلى أن جباية الزكاة فريضة (كما لو كانت ضريبة إلى الحاكم وليست فريضة من الله) ، وعلى أن المسلمين لم يتخلفوا عن الركب إلا في غياب "مرجعية" تتحدث باسمهم .. إلى آخر هذا الكم من الترهات والهبالات التي لا أصل لها في كتاب ولا سنة.. ومن الطبيعي أن هذا الرجل عندما يصل إلى مجلس الشعب يفكر ويقنن ويمارس مهامه الرقابية بالأفكار التي حملها وتشربها مع الذين صوتوا له..

الرجل مع انتقاده -المسيس وليس الاعتقادي أو الفكري- للتشيع يتمسك بواحد من أخطر عيوبه ، وهو مبدأ المرجعية أو القيادة ، التي يعد غيابها أحد أكبر مميزات الإسلام عموماً.. حيث يفتح غيابها الباب أمام حرية الاجتهاد "الحقيقي" و "المسئول" بناء على قواعد وضوابط وتفكير وليس على الفرقعة والخطرفة والتهييس..

لكن العقلية المامبوهية تفرض نفسها ، لماذا لا "نسكر" الباب في وجه الجميع، الصالح والطالح، من يفتي عن علم ومن يفتي عن جهل ، من يجتهد ومن يهلس ومن "يسوق الهبل ع الشيطنة"؟ أليس "الباب اللي يجيلك منه الريش .. سده واستريش"؟ .. عقلية "فراخ"!

ولكي يكون التسكير محكماً يحبذ صاحب القانون طبقاً لما نشره موقع العربية نقلاً عن الأسبوع القاهرية أن تكون هناك لجنة مكونة من مفتي الديار ، وشيخ الأزهر ، ورئيس مجمع البحوث الإسلامية ورئيس محكمة النقض.. هذا عن الموجود في المسودة ، ولكني أتوقع عن نفسي أن يكون في تلك اللجنة فيمَ بعد ممثلون عن الجمعيتين السلفيتين ، والطرق الصوفية ، لكي "يزيد الخير خيرين" - بالنسبة لهذا النوع من التفكير- وتصبح لدينا جهة لـ"ضبط" الفتوى ، وجهة تمثل مرجعية أو قيادة "دينية" لمصر تعكس "وحدة الأمة الإسلامية" و... و...!

في ثقافة المامبو مش مهم تفهم .. افعل كما فعل "محمد صبحي" في مسرحية "تخاريف" عندما قرأ كتاب "الاشتراكية" إلى نصفه وقرر تطبيق الاشتراكية إلى الجزء الذي انتهى من قراءته.. قنن في مسائل كتلك دون أن تسأل ودون أن تجمع آراء ودون أن تحيط بجانب أو أكثر من المسألة التي تريد عمل "قانون" بشأنها.. وهذا ما رأيناه حرفياً في مسودة القانون..

فمن الواضح أن الرجل ومن معه ومن يؤيدونه يتعاملون مع الفتوى كأنها روشتة طبية ، وليس كأنها رأي غير ملزم لا يرد عليه إلا برأي مثله ، ولم يسأل أو يتحرى عن مفاهيم كالفتوى والاجتهاد وفكرة المرجعية التي يتم الإلحاح عليها بغوغائية هذه الأيام .. تماماً كمن يريد التقنين في شئون الأحوال الشخصية دون معرفة القوانين الحالية للزواج والطلاق!

الأنكى أن الرجل ومن يؤيده في نفس المجلس وخارجه يتعاملون مع الرأي - ولو كان تخريفاً- بشكل أعنف بكثير مما يتعامل به مع المقطورات التي تقتل الناس على الطرقات.. يعتبرون أن العصا كافية لمنع من يفتي بغير حق بينما يرون ترك من يقود على الطريق وهو "مونون" أو من يتاجر في المخدرات ، أو من يغش في الأسمنت ومواد البناء أو من يحتكر لـ"ضميره"!

تفكير مامبوهي مامبوزي بعيد عنكم.. يستسهل اللجوء إلى العصا الغليظة ليداري خيبته .. لا يمكن أن يقمع قانون أو عشرة من يفتي بغير علم أو يخرف تحت ستار الاجتهاد طالما أن المؤسسة الأزهرية ضعيفة ومخترقة من جميع التيارات المذهبية ، وطالما أن الاجتهاد الذي يريد الفكر المامبوهي قمعه معطل عن العمل داخل المؤسسة الأزهرية نفسها ، ولا يمكن أن تنتهي ظاهرة الفتيا بغير علم إذا قمعت الاجتهاد بقانون أحمق وأغلقت في وجه الناس باباً يلتمسون فيه الصواب..

هناك مبدأ يعرفه القانونيون يتلخص في أنه من الأفضل أن تترك ألف مذنب بدلاً من أن تقبض على بريء واحد ، وعند المامبوزيين لا فرق واضح بين بريء أو مذنب!

هؤلاء .. كما قلت .. سيشكلون أكبر خطر على الاجتهاد ، تماماً مثلهم مثل المجتهدين بغير علم.. Same Same..

Saturday, January 10, 2009

أول القصيدة

لا يهم استقلال المؤسسة الدينية "الرسمية" في مصر نفراً كثيراً من "الموصقَّافين" ، ولا يهتم هذا النفر بأي دور يلعبه الأزهر ، أو تلعبه دار الإفتاء في مواجهة التمذهب المتطرف.. ولهذا فقد ظهرت حالة من اللامبالاة في مواجهة تصريح أقل ما يقال عنه أنه "غريب" لفضيلة مفتي الديار المصرية..

صدمنا فضيلة المفتي بتصريح فاجأ الكثيرين - وفاجأني بشكل شخصي- عن أن دار الإفتاء ستستقل مادياً وإدارياً عن وزارة العدل .. وهذه أول مرة أعرف ويعرف فيها قسم كبير من الشعب المصري أن دار الإفتاء "كانت" تتبع وزارة العدل رغم أن مفتي الديار يعينه رئيس الجمهورية مباشرةً طبقاً للدستور والقانون .. وليست الصدمة في هذه المعلومة التي لم يخبرنا أحد بها من قبل .. ولكنها ببساطة تكمن في استمرار "تبعية دار الإفتاء لوزارة العدل من الناحية السياسية"!

الجملة الموضوعة بين القوسين لغز كبير يستعصي على الفهم بالنسبة لعقلي المتواضع.. ماذا يعني أن تكون دار الإفتاء مستقلة مالياً وإدارياً وفي نفس الوقت تابعة سياسياً؟ وهذا يفتح الباب على مصراعيه لسؤال سيسئل في يوم أو آخر بطريقة أو بأخرى ، بتجرد وموضوعية وبعيداً عن هراء الشلل المذهبية وجماعات الإسلام السياسي في هذا الشأن : هل الإفتاء في مصر "سياسي"؟ وهل من المنكر والمستَنكَر أن يكون الإفتاء "سياسياً" بشكل عام، أم أن تسييس الإفتاء في اتجاهٍ "ما" عار وشنار وتسييسه في الاتجاه الآخر "زي العسل على قلبي هواك"؟ أسئلة أتركها لكم ملقياً بالكرة في ملعبكم ، أعجب ذلك جوقة "كارهي التساؤل" أم لم يعجبهم..

فقط ما لاحظته أن فضيلة مفتي الديار ضرب عصفورين بحجر واحد ، عصفور "التشكيك" في استقلال دار الإفتاء بالقول أن دار الإفتاء مستقلة مالياً وإدارياً، وعصفور الاستقلال نفسه بالقول أن دار الإفتاء تتبع وزارة العدل سياسيا!

وكما ضرب هذا التصريح عصفورين بحـجر واحد ، فنفس الحجر ضرب آخر أمل في التفاؤل بهذا العام ، الذي أتوقعه على يد كبار الشخصيات المتمذهبة في مصر عاماً حافلاً بالتسلية والمرح والكوميديا ناصعة السواد.. وكم ذا بمصر من مضحكات .. ولكنه ضحك حتى الموت..

Tuesday, January 6, 2009

بِش و تِس

"أحمدك يا رب.. بقى عندنا بش وتس".. مع الاعتذار للفنان الكبير "محمد صبحي"..

لدينا والحمد لله من يرون أن الخروج على - ومن ثم التظاهر ضد -"الحاكم" "الظالم" "فريضة"- طب حطوا معايير عامة ومجردة لـ"ظلم الحاكم" بما إن الفتاوى بطبيعتها عامة ومجردة- ومن يرون أن المظاهرات "حرام"!

لندخل أكثر داخل فتوى "تحريم التظاهر" .. لم يجد العالم الجليل سبباً مقنعاً لـ"تحريم" التظاهر إلا لأنه "يلهي عن ذكر الله" .. هذا الأساس الذي لو طبق بحذافيره لأغلقت القنوات الدينية التي تقدم دروسها في توقيت ما بين الأذان والإقامة بل وبعد الإقامة أيضاً!

موقف مغلف في صورة فتوى.. كما أن للآخرين "مواقفهم" التي يوشكون أن يحولوها إلى فتاوى..

ما هي الجريمة التي كان سيرتكبها أي من أولئك وهؤلاء لو أبعد كل هذا عن الدين؟ لو أنه أعلن موقفه صراحةً وعلى الملأ دون أن يفتي بفرضية أو بتحريم؟ مش عارف..

عن نفسي ، وسبق أن قلت هذا الكلام ومستعد لتكراره، لست من محبي التظاهر كوسيلة للتعبير ، وبالذات لو على الطريقة المستخدمة في بلادنا ، وأرفض وبكل شدة جعل بيوت الله ساحات للمظاهرات السياسية والدعاية المذهبية ، هذا موقفي وأنا حر فيه ، كما أن مؤيدي التظاهر والمتحمسين له لهم مواقفهم وهم أحرار فيها ، لكن ما الخطأ في أن نكتفي بمواقفنا تلك بما هي دون الاستتار بالحرمة والحل ، ودون أن نزيد ارتباك الشخص العادي حين يأتي إلى شيخ الجامع ليسأله : هل المظاهرات فريضة أم حرام؟

ذو صلة: المؤنس المواسي في فهم السيرك السياسي .. للتذكير فقط..
* كل الشكر للزميل "أحمد شقير" على خبر فتوى الشيخ "صالح اللحيدان" ورابطه..

Friday, January 2, 2009

السبب .. الأوحد!

روى البيهقي عن أبي ذر قال: "قلت يا رسول الله ماذا ينجي العبد من النار؟ قال: الإيمان بالله، قلت: يا رسول الله إن مع الإيمان عملاً، قال: يرضخ مما رزقه الله. قلت: يا رسول الله أرأيت إن كان فقيرا، لا يجد ما يرضخ به؟ قال: يأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر.قلت: يا رسول الله أرأيت إن كان لا يستطيع أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر؟ قال: يصنع لأخرق - وهو الجاهل الذي لا صنعة له يتكسب منها - قلت: أرأيت إن كان أخرق، لا يستطيع أن يصنع شيئا؟ قال: يعين مظلوما، قلت: أرأيت إن كان ضعيفا لا يستطيع أن يعين مظلوما؟ قال: ما تريد أن تترك في صاحبك من خير ليمسك أذاه عن الناس، فقلت: يا رسول الله إذا فعل ذلك دخل الجنة؟ قال: ما من مؤمن يطلب خصلة من هذه الخصال إلا أخذت بيده حتى تدخله الجنة".

هذا الحديث سمعته في خطبة للجمعة ، ولم أسمعه في شريط أو على قناة دينية.. فهذه الأمور لا تهم كثيراً ممن يتحدثون هنا وهناك.. ممن لا يلقون بالاً لحقيقة هامة : أن العبادات ليست وحدها كل شيء .. وأن الله سيحاسبنا جميعاً عن أشياء أخرى بالإضافة إلى العبادات..

ما سمعته من هؤلاء منذ أن بدأت مأساة غزة أحد أمرين ، الأول هو "التقصير" في العبادات ، ويستشهد بعضهم بحديث الرماة في غزوة أحد ، والثاني عبارات عامة "عايمة" عن عدم طاعتنا لله وتخلينا عن شرعه واجتناب نواهيه ، كيف؟ لن تحصل على إجابة ، إلا -طبعاً- على النحو "الأول"!

يحدثوننا كما لو كنا نعيش في حانات كبيرة ، وكما لو كان كل الناس يلعبون البوكر ويشربون الجوني ووكر .. وينسون أن مساجد(هم) ، والمساجد عموماً تمتلئ في كل الصلوات -بما فيها الفجر- بالمصلين ، وأن دروسهم يحضرها جيش عرمرم من الناس تغلق من أجلهم الداخلية الشوارع المجاورة ، وأن عشرات الملايين يشاهدونهم على فضائياتهم.. ورغم ذلك فالحالة بين الناس بعضها البعض كما نعرف..

هل هذا يكفي؟ واظب على أداء الفرائض واسرق غيرك وخض في عرضه؟ حج في كل عام واتجر في المخدرات؟ قم الليل ولا تقم بأي عمل نافع لمجتمعك إن اجتمعت لك وفرة في المال؟ واظب على الدروس وأرشد الناس وفي الوقت نفسه إن اختلفوا معك في الرأي "خدهم جوزين إقلام"؟

هم يتكلمون في تلك الأمور "بدون نِفس" كما لو كانوا مجبرين على قولها ، أو سمعوا من انتقدهم لتجاهلها فتكلموا ، عكس أشياء يُختَلَف في حكمها كالنقاب مثلاً.. تجد اللهجة غير اللهجة والحماسة "غير شكل"..

هؤلاء يحملوننا المسئولية عما حدث في غزة لأننا لا نصلي الفجر في جماعة ولا ترتدي نساؤنا النقاب ، وآخرون سيحملوننا المسئولية ما حدث في غزة لأننا لا نحتفل بموالد الأولياء ، وآخرون سيبحثون عن تفاسير أخرى ، وسيجدون من يصدقهم ويهاجم من ينتقدهم في كل الحالات ، ما أسهل الحلول السهلة ، وعلى رأي خطيب مسجدنا فيما معناه أن الناس في زماننا يفضلون العبادة "الشخصية" على العبادة "الجماعية" ..النوافل على فرائض أخرى تتعلق بالعالم المحيط!

طالما نفضل الحلول السهلة ، ونتمسك بمن يذكرنا بالحلول السهلة .. يبقى انسوا ... انسووا...

Saturday, December 6, 2008

وهذا تعقيب من المدون

كل عام أنتم بخير .. هذا أولاً..

أعود بعد شهر من التوقف "المتعمَّد" والمقصود من جانبي كي أعرف ،ويعرف معي من يمرون على المدونة ، إجابة سؤال .. مجرد سؤال من الممكن لـ"رجل الشارع العادي" أن يسأله..

أشعر أن قليلين فكروا في إجابة ، أو حتى فكروا في التساؤل سواء عندي هنا (أبو العلاء وطارق وعمرو غربية تحديداً ولهم حتى مع الاختلاف في وجهات النظر كل تقدير واحترام)، أو في مدوناتهم ، أو بينهم وبين أصدقائهم أو زملائهم أو أنفسهم حتى ، عن مصطلح يتردد أمام أعينهم وآذانهم ليل نهار ، وصدموا حين تساءلوا في "البعض" ممن ناقشهم بإجابات "عايمة" لا تسمن ولا تغني من جوع ، وصدموا أكثر بمن يستنكر فكرة السؤال من أصله ، ويسمعك من منقي قلة أدب الخلاف خيار ، وهم الذين يعظوننا في أدب الخلاف والاختلاف ليل نهار.. ولا مانع من الاحتماء بآيات من القرآن الكريم وأحاديث الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام ، ومنقولات من مقالات وخطب "زعمائهم" و"قادتهم".. مع دروس في الأخلاق والتربية ليكون المتسائل والساعي للفهم عبرة لمن يعتبر..

نحن نعيش وسط جزيرة يحيطنا بها هؤلاء من جميع الجهات ، يرفعون في وجوهنا شعار "انت بتسأل ليه .. عيش عيشة أهلك .. لا تسأل يا أخ علي".. امض في ترديد المصطلحات دون تفكير ودون تحليل ودون حتى أدنى معرفة .. فـ"نحن الحقيقة وغيرنا الأوهام".. الحقيقة التي لم يحتكرها كبار علماء الإسلام في أزمنة سابقة ظهر الآن لنا من يحتكرها ويقول لنا بعلو الصوت .. "ردد واحفظ وانت ساكت".. رغم أن السادة المحتكرين أقل علماً وحكمة بآلاف المرات من أساتذتهم وشيوخهم (وهذا واضح جداً لمن يقرأ لهم أو يناقشهم).. إلا لو كان -طبعاً- للمحتكرين وجهة نظر أخرى.. أقصد "الحقيقة" الأخرى!

على من يرون أن السؤال جريمة ، إذن ، أن يتحملوا "الدين والديناميت" وغيرها .. أو أن يحجموا عن زيارتها .. ولهم منتدياتهم وساحاتهم ومواقعهم التي يستطيعون فيها أخذ راحتهم دون التسلي على مدون "عامي" لا يرقى إلى مستوى ثقافتهم وعلمهم .. وأدبهم أيضاً..

أعتذر عن عدم تفعيل الردود على هذا التعقيب ، على أن يعود في التدوينة القادمة بإذن العلي القدير، وأطلب منكم عدم التعقيب مستقبلاً على هذا التعقيب كي لا نخرج عن الموضوع و"تقلب بخناقات"..الآتي بإذن الله مهم... ومستفز لـ"البعض" الذين يستثقلون دم "العوام" وتساؤلاتهم ويعتبرونهم من فصيلة "الأورانج-أوتان".. كل عام أنتم بخير..

Sunday, November 9, 2008

الاقتصاد الإسلامي :"استفهام" .. لا "استنكار"

للمرة الثانية أتحدث عن الأزمة المالية العالمية ، وعما يُقال على المنابر وفي المقالات عن "النظام الاقتصادي الإسلامي" أو "أسلمة الاقتصاد".. وفي وجود هذه الدرجة من التعصب المقرف صار من السهل على أي شخص أن يردد أي مصطلح لا يعرف عنه أي شيء.. وما دام قد لصق بكلمة "إسلامي" فلا داعي للسؤال عنه أو معرفة ما هو.. بما أنه "الصح" .. رغم أن الحد الأدنى من استخدام العقل يقتضي أن أعرف ما هو صح كي أتفادى وأتجنب ما هو "غلط"..

ما هو فعلاً "الاقتصاد الإسلامي" ، أو "النموذج الاقتصادي الإسلامي"؟ أرجو كعامي غير متخصص "مخه على قده" شرحاً وتوضيحاً .. فالسؤال بالفعل هو سؤال غرضه الاستفهام لا الاستنكار..سؤال له أكثر من شق.. وأرجو ممن يقرأ سعة الصدر والهدوء وعدم العصبية.. كي نصل إلى الحقيقة..

لنتفق قبل الكلام على أن الزكاة فريضة ، والغش والربا حرام ، والاحتكار والاستغلال والتدليس كلها أمور مرفوضة.. ولن أنكر أي من ذلك..

أولاً: رغم الاختلاف الشديد في فهم الإسلام بين أصحاب المذاهب والجماعات والشلل.. هل يوجد نموذج اقتصادي إسلامي "موحد" اتفقوا على فهمه فيما بينهم؟ إن كان كذلك فالحمد لله أنهم اتفقوا على شيء.. وعقبال الباقي.. خطوة على الطريق الصحيح..وإن لم يكن ذلك كذلك.. ما هي ملامح "النموذج الاقتصادي الإسلامي" لدى كل فرقة أو مجموعة؟

ثانياً: وقبل التسبيق بالاتهام واستخدام "الكلام الكبير إياه" .. ما أعرفه أن لكل اقتصاد مصادر تمويل.. ما هي مصادر التمويل في الاقتصاد الإسلامي؟ هل هي الزكاة- رغم قناعتي بأن الزكاة فريضة لا ضريبة ، وأن هناك -بالنقل والعقل- فروقاً بين الزكاة والضريبة التقليدية، وأن عمر بن الخطاب رضي الله عنه طبق الضريبة إلى جانب الزكاة مما ينسف تماماً أي أساس لجعل الزكاة وحدها الضريبة الوحيدة في الاقتصاد الإسلامي.. ما سبق هو "قناعة" قد تتغير إذا اقتنعت بما هو "أفضل"..

ثالثاً: في النظام الاقتصادي "التقليدي" هناك مؤسسات مالية تتولى جمع مدخرات الناس واستثمارها ، ما هو شكل المؤسسات الاقتصادية البديلة في النظام الاقتصادي الإسلامي؟ هل ستلجأ تلك المؤسسات إلى الإقراض؟ هل ستتخلص المؤسسات الاقتصادية الإسلامية من "الفائدة" أم أنها ستلجأ -كما هي الممارسة في مجالات أخرى- إلى "إعادة تعريفها" أو القفز عليها أو .. أو؟ هل ستكون هناك "بنوك" إسلامية أم ستحل مؤسسات أخرى محلها؟ هل شركات توظيف الأموال هي "البديل الإسلامي" للبنوك"؟

رابعاً: ما هو محل قطاعات الاقتصاد الأخرى من الإعراب؟ وأعني الصرافة وتغيير العملات وشركات التأمين و..و..و... .

خامساً: ما هو حجم التغيير المطلوب في الممارسات المحاسبية التي كانت طوال الوقت تعتمد على النظام الاقتصادي التقليدي؟

سادساً: ما هو موقع الدولة من الإعراب في الاقتصاد الإسلامي؟ هل أصدق بعض ما يقوله بعض الناس مثل "جمال البنا" عن أن الدولة هي المحرك الأساسي والأوحد للاقتصاد في الإسلام؟ أو أنه يجب أن يبقى كليةً تحت سيطرة الدولة كما يقول بعض المنتمين لـ"اليسار الإسلامي"؟ أم أن الدولة يجب أن تفتح الباب على مصاريعه للقطاع الخاص؟ أم يجب أن تكون حكماً بين هذا وذاك؟

سابعاً: ما هي ضوابط سوق الأوراق المالية طبقاً لنموذج الاقتصاد الإسلامي سالف البيان؟

أنتظر إجاباتكم..حتى نفهم..

Friday, October 31, 2008

Execuse me?

قبل الدخول في حقول الألغام فضلت إنهاء هذا الشهر بحلبساية خفيفة لكل ممن لا يعاني أمراض السكر وعدم انتظام ضغط الدم..وهذا تحذير صريح لهم من قراءة الآتي بعد..

وقبل الكلام: رجاء أخوي حار.. لن نناقش في هذه التدوينة حكم الغناء .. وأطلب منكم وبهدوء قراءة هذه السطور للآخر..

قبل أيام كان هناك مهرجان للأغنية الدينية في الإسكندرية .. وكان من غرائب هذا المهرجان "تكريمه" لكل من "مشاري بن راشد" و"صلاح الجمل"!

مشاري بن راشد
تم تكريم "مشاري" وهو الذي يقول أنه ليس مطرباً ولم يكن كذلك في يوم من الأيام كما صرح لموقع "عشرينات" الشهير ثم لـ"في الفن".. رغم تقديمه لعدة "أناشيد" منها "طلع البدر علينا" الذي أخرجه "ياسر سامي"* .. أناشيد من النوع الذي يقال عنه أنه "إسلامي" .. رغم أن القول بإسلامية استخدام الصوت مكان الموسيقى يسهل تفنيده بعدم وجود نص عليه في القرآن والسنة وكذلك بذكر أصوله التي لا يجهلها كثيرون.. وأرى أن هذا القول عندي من السخف ما يضعه في منزلة القول بأن "الخديوي إسماعيل" كان يملك "آي بود"!

"مشاري" إذن تم تكريمه في مهرجان "الأغنية" الدينية وهو الذي لا نعرف ولا نفهم إن كان الرجل يغني (أي شيء باستثناء القرآن) أم لا..نأتي لـ"صلاح الجمل".. الذي هو ليس بمغنٍ ولا حاجة..

"الجمل" في تصريح لقناة فضائية تحدث ضمناً عن "سامي يوسف" .. وتحدث أيضاً عن "الدعاء" "الهادف" كما لو كان الدعاء هو الآخر لوناً من ألوان الفن الموسيقي بعكس سطحية ما يقدمه "سامي"!

الحمد لله بقى عندنا "بش" و"تس" .. غناء الدعاء في الصلاة وغناء القرآن في الصلاة وغير الصلاة.. والأمران والحمد لله قوبلا بالتكريم في المهرجان وبالصمت إن لم يكن بالدفاع من قبل العديد ممن استنكروا ويستنكرون ما كتبته في التدوينة السابقة..

ولا يوجد في عموم اللغة العربية ما يصف وبدقة الوضع السابق الذكر سوى كلمة عامية مصرية أحتفظ بسبب عدم ذكرها هنا لنفسي..
* ...وهو لمن لا يعرف مخرج كليب "نجلا" الشهير.. سبق وأن تناول أحد المواقع -"محيط على ما أذكر- فكرة أن مخرجي الكليبات الخارجة جداً يخرجون كليبات دينية أحياناً!

Saturday, October 25, 2008

نجاد والنجار .. والمسلماني مرة أخرى

ما هو الشيء الذي يمكن أن يجمع بين "أحمدي نجاد" و بين "عبد الله النجار"؟

كلا الرجلين علل الأزمة المالية العالمية التي نعيشها إلى انعدام الإيمان بالله!

محمود أحمدي نجادالرئيس الإيراني يرى أن سبب الأزمة هو "انعدام الإيمان بالله" معتقداً أن النظام الإيراني سيحقق وحده العدالة المنشودة التي سيحتاجها العالم كله .. رغم أن إيران نفسها تعاني من أزمات اقتصادية..أما المنظر الديني للحزبوطني فيعزف على نفس الوتر في مقاله الذي نشره في "الجمهورية" قبل أيام..

كلام عاطفي وجميل وفارغ يصلح للقول في خطبة لا يهتم سامعوها بفحواها.. يشبه كثيراً القول بأن الله سبحانه وتعالى يعاقب غير المسلمين بالأعاصير والزلازل والبراكين رغم أنه في بلاد غير المسلمين يوجد مسلمون!

لنتفق على أنه عندما يتحدث متحدث عن "الإيمان" في مقال "ديني" ، أو في سياق ديني موجه لأتباع نفس الدين فإنه -ما لم يظهر من الكلام غير ذلك- يقصد الإيمان بذلك الدين .. سواء أكان كاتب المقال أو المتحدث مسلماً يكتب أو يتحدث عن الإسلام ، أو مسيحياً يكتب أو يتحدث عن المسيحية ، أو بوذياً يكتب أو يتحدث عن البوذية.. ولذا فمن الغريب والمضحك أن تتحدث عن شخص ليس على دينك وتحاكمه بمعايير دينك الذي "لم" يؤمن به!

من الطبيعي جداً أن يتواجد في العالم مسلمون وغير مسلمين (ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعاً) -يونس: 99- وأن الله يرزق الجميع على قدر سواء (كلاً نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظوراً)-الإسراء : 20..وفي ذلك من الحديث النبوي قول الرسول عليه الصلاة والسلام :"لو كانت الدنيا تساوي عند الله جناح بعوضة ما سقى الكافر منها شربة ماء"..

عاقب الله الكفار بكفرهم وقت أن أرسل فيهم رسلاً فكذبوا الرسل فحق عليهم العقاب والتدمير (إن كلُ إلا كذب الرسل فحق عقاب)-ص :14- وبإرسال الهادي البشير عليه الصلاة وأزكى السلام أقيمت الحجة على الجميع وأجل حساب من عاصر الرسول ومن جاء بعده إلى نهاية الخلق حتى يوم القيامة (وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر انا اعتدنا للظالمين نارا احاط بهم سرادقها وان يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه)-الكهف : 29.. ومن الحديث النبوي قول الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام : لو أن الدنيا تساوي عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرا منها شربة ماء ..

والمفروض أن المسئولية الأكبر تقع علينا نحن أكثر مما تقع على غيرنا.. نحن الذين عرفنا من ديننا -الخاتم أي الذي ليس بعده- أن العدل هو شيمة المعاملات والتعامل .. وأن الاحتكار جريمة .. وأن الغش حرام.. والربا حرام .. ومع ذلك فاقتصاداتنا -بما فينا إيران- ونحن المؤمنون بالله لا تخل من هذه المصائب كلها .. ثم ننتظر ألا يعاقبنا الله بما نفعل!

ألا يذكركم كلام الرجلين بما قاله ثالثهما "المسلماني"، وبما كتبه العبد لله في تدوينة "Same Same"؟ فكرة الأضداد التي توصلك إلى نفس النتيجة..المسلماني يسقط الشق الديني من المسألة الاقتصادية تماماً فيما نرى "نجاد" و"النجار" يقصران الأزمات على الجانب الديني فقط ثم نجد الثلاثة قد اجتمعوا بشكل غير مباشر على أننا في مأمن من العقاب الدنيوي والأخروي إذا ما غششنا ونصبنا واحتكرنا وهلَّبنا؟

من يعمل ويجتهد ويعدل ويتفادى كل الموبقات الاقتصادية يلقى جزاءه .. ومن يستعبط يلقى جزاءه أيضاً .. آمن بالله العظيم أم لم يؤمن.. وفي مسألة الأزمة الاقتصادية ، والكلام عن "الاقتصاد الإسلامي" وتحويل الزكاة إلى ضريبة .. لنا كلام قريب بإذن الله..والله أعلم..
* كل الشكر لصديقي عبده باشا صاحب مدونة آخر الحارة الذي لفت نظري لتصريحات "نجاد"..

Monday, October 13, 2008

أزهى عصور السكسوقراطية!

لمن يصرخون على "التحرش الجنسي" .. أقول له "ما غريب إلا الشوشو"!

فالمفردات والشتائم والألفاظ ذات الإيحاءات الجنسية منتشرة للغاية بين شرائح متعددة من الشعب .. وفي انتشار مستمر .. ويتعلمها "النشء الصاعد" بطريقة أو بأخرى في مراحل سنية مبكرة إما للتماشي مع المجموع وتفادي العزلة والنظرة "الدونية" لمن لا يعرف "لغة" أو حتى كسلاح دفاعي .. ولم تعد المسألة قاصرة فقط على الشبان فقط .. هناك فتيات يعرفن "اللغة" لنفس الأسباب التي يعرف الذكور من أجلها نفس المصطلحات ..ورغم أنني لم أعش فترات سابقة من التاريخ الاجتماعي المصري إلا أنني أشعر أن مجتمعاتنا لم تكن "مهذبة" لغوياً بالشكل الجميل المنمق الذي كنا نراه في أفلام الخمسينات والستينات ، وكانت "اللغة" مستخدمة فيه هي الأخرى بشكل رائج في مجتمعات أكثر انغلاقاً!

و"اللغة" تزحف بشكل أو بآخر حتى على الفن .. والجنس نفسه أصبح بالمناسبة معياراً من الباب للطاق لـ"الجرأة" في الأعمال الفنية والأدبية .. ومعياراً لجذب شرائح من الجماهير لأعمال فنية وأدبية بعينها (الفيلم دة قصة ولا مناظر).. وهناك من يقول - وهو قول له منطقه ووجاهته- أن الدراما رسبت عن غير قصد إلحاحاً على مفهوم الحب التقليدي بمعنى أن الشخص يجب أن يدخل في قصة حب لكي يتزوج.. (مش الواحد عايز برضه يحب ويتحب؟ -معنى كلام قاله لي أحد السادة المتحرشين).. وحتى في أكثر الشرائح محافظة نجد الإفيهات والإيحاءات الجنسية من أكثر المواضيع مناقشةً..

وهناك علامة يساوي كبيرة موضوعة بين الزواج والجنس .. ويلعب الجنس دوراً كبيراً في الإلحاح المجتمعي والمذهبي الديني (وليس الديني) على الزواج بصفته -فقط كما يزعمون- وسيلة لتقويم الشهوة الجنسية (وسيبكم بقى من المودة والرحمة والنسب والصهر المذكورين في القرآن الكريم)..وهو إلحاح عنيف وظالم على من هم في سن الزواج يضغط عليهم بقسوة ويجبر منهم من يجبر على الدخول في اختيارات خاطئة يدفع أو تدفع ثمنها فيما بعد .. وقد يدفع البعض الآخر لسلوك طرق ملتوية يحقق بها ما يريد.. وفي كل الحالات يظلم نفسه ومن حوله..

والجنس مستخدم في الدعاية المذهبية بشكل مبتذل.. فما الحالة الهباب التي تعيشها "الأمة" والتي من مظاهرها ارتفاع معدلات الطلاق والانفصال (طبقاً لإحصائيات المراكز البحثية البوليسية*) إلا نتيجة طبيعية لتعسير الزواج وغلاء المهور (ولا مانع من الاستشهاد بأحاديث مفرغة من سياقها) تدفع الناس دفعاً إلى الزنا والزواج العرفي (عليه انقسام فقهي كبير حتى داخل المدرسة السلفية) ولعدم "غض البصر" (ولا خلاف على الإطلاق فيه ونحن مأمورون به بنص القرآن الكريم.. لكن هل النظر إلى الحرام وحده هو الحرام الوحيد؟) .. وكل من يجرؤ على انتقاد هذا الإلحاح.. ومعه من يقول بفطرته البسيطة أن "الجواز قسمة ونصيب" ولا داعي لهذا الإلحاح الفج عليه ينتظره التفسير الغبي والجاهل لقول الله تعالى "إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا..." (سورة النور: 19).. لماذا لم نسمع من يمطرون الناس بهذه التفاسير يحاضروننا في "الفاحشة" و"الفحشاء" و"الفحش" وهي مفاهيم تنطبق على أشياء كثيرة في حياتنا؟ إن صدقت مساعيهم في ذلك ربما تتغير الأمور للأفضل كما أسهموا في تغيير أمور أقل أهمية لدى الناس..

انتشار التحرش أمر طبيعي جداً إذا كان هذا هو الواقع.. هناك من يقول أن التحرش ليس سببه مظهر الفتاة وملابسها (وهو قول له ما يؤيده وما يعارضه لدى البعض) فأضيف أنه أيضاً ولو المهور بملاليم والشقق مرمية والشغل في كل حتة (على رأي الشاعر الذي لا أحبه "أيمن بهجت قمر") فسيستمر التحرش وسيستمر الانحراف وستستمر الأمور على ما هي عليه..

إلى أن نعترف بأصل الداء.. وألا نجده يقابل باستسلام مجتمعي وسلبية من قبل كثيرين ممن يعظوننا في الدين.. ساعتها ستتغير الصورة للأفضل بإذن الله..
* ولا داعي لدفعي للإفراط في ذكر رأيي الشخصي في تلك المراكز كي لا أجد نفسي -غصب عني- وقد سقطت في فخ استخدام اللغة! :)

Friday, October 10, 2008

تطهير ..أم غسيل؟

في مجتمعاتنا نقسم أموراً كثيرةً على اثنين .. مع علمنا بأنها لا تقبل القسمة إلا على الواحد الصحيح.. منها "الشرف" و"الحلال والحرام".. من هنا جاءت فكرة هذا التصنيف والذي كان لكاتب هذه السطور مقال سابق فيه قبل أسابيع..

الحلال بين .. والحرام بين .. صحيح أن هناك العديد من مصادر الأموال اختلفنا ونختلف وسنختلف على مدى حلها أو حرمتها إلا أنه من المدهش أن مفاهيم الحلال والحرام تتعطل -أحياناً- في أمور معروف ومحسوم موقفها من الحل والحرمة.. وقد يوضع لها - عن قصد أو غير قصد- معايير جديدة تماماً تستسيغ وتبرر الحرام معلوم الحرمة ما دام فيه "المصلحة".. والكلمة الأخيرة شديدة المطاطية!

ومسائل الأموال بالذات تنطبق عليها الفقرة السابقة .. والمسألة أبعد بكثير مما يحدث مع كل "شرف فتح الباب"..

مثلاً.. لدينا بالتأكيد مشاريع من المعروف أنها بنيت بأموال المخدرات ،والتزييف ، والرشاوي ، ويقال "السيكو سيكو" .. ومن ضمن تلك المشاريع مشاريع خدمية ، ومستشفيات ، وعيادات ، ومساجد.. ولأن الأمر يثير "لخبطة" أخلاقية .. ولأن ديننا يدعو إلى مكارم الأخلاق.. فكان من الطبيعي أن يسأل الناس عن الموقف من التعامل مع تلك المؤسسات أو مع تلك النوعية من المال إذا ما وجهت إلى "المنفعة" العامة..

بالنسبة لي كشخص عادي .. الفتاوى التي ترد على تلك التساؤلات تنقسم إلى ثلاثة أقسام : قسم واضح يرفض تلك الممارسات رفضاً تاماً ، وقسم "عقلاني" كما يقدم نفسه ، وقسم ثالث يُفهَم من فتاواه (ولعله فهم خاطئ) أنه يدعم كل تلك الممارسات المشبوهة السابقة ويبحث لها فقط عن غطاء فقهي..

نركن القسم الواضح على جنب..

وجهة نظر الفريق الثاني بسيطة.. هذه الأموال كسبها صاحبها من الحرام .. ويريد التكفير عما فعل.. فقرر استغلال هذه الأموال -الحرام- في أوجه النفع العام (حيعمل بيها إيه يعني.. حيحرقها ولا حيحدفها في البحر؟).. ما يميز هذا الفريق أنه يعلم تمام العلم حرمة تلك الأموال و"مبيجائرش" في الموضوع.. ويفترض "حسن النية" في أصحاب تلك المشاريع (رغم أن سوء النية قد يكون مفترضاً أيضاً.. بمعنى أن تلك المشاريع المبنية بالأموال الحرام تلك غرضها تحسين صورة صاحبها والرياء والمنظرة وما إلى ذلك)..

أما القسم الثالث فيصدق فيه قول الشاعر "يكاد المريب أن يقول خذوني" .. قد تكون نيته طيبة لكن ما يحدث منه يحرض على الشك.. ويُفهَم منه - أكرر- أنه يهدف لكسر الحاجز النفسي -المفروض وجوده- بيننا وبين تجار المخدرات والحرامية والمرتشين وبين ما يكسبون من أموال .. (ليه لأ ما تتعملش مشاريع من أموال المخدرات والرشوة؟) .. (هوة المرتشي يفرق إيه يا جماعة عن الشخص العادي).. وربما (إيه هو الحرام في تجارة المخدرات؟ مش ربنا بيقول "وأحل الله البيع"؟ مفيش نص في القرآن الكريم بيحرم تجارة المخدرات.. وحرمتها مكتسبة من تحريم وتجريم ولي الأمر ليها)..

لا أدعو للدخول في نوايا الناس .. سواء نوايا المفتين أو نوايا الحرامية أنفسهم.. ولكن ألا يفترض أن يكون الدين أساساً في خلق حالة من الرفض لتلك الجرائم والسلوكيات لا أن يكون غطاءاً لها؟ بعبارة أخرى: ألا يفترض أن تسهم كل الكمية الرهيبة من العلماء والشيوخ والمتحدثين والمحدثين وحتى من يسمون أنفسهم بـ"المفكرين الإسلاميين" (اللي طلعلولنا في البخت) في رفض استخدام "التطهير" كـ"ستار" لـ"الغسيل"؟ ألا يحرص كل هؤلاء على وأد فكرة "الحرام حرام طالما ما باستفيدش منه"* في مهدها؟
* وحكاية استخدام هذه الفكرة مع الفن هي محور تدوينة قادمة بإذن الله..

Sunday, September 28, 2008

قبل اشتعال الديناميت

أعرف أن السطور القادمة عنيفة ، وقد تُفْهَم بشكل خاطئ.. ولكن الأمر يتطلب بعض الصراحة ولو كانت "عنيفة" و "دجَّة" كما يقول إخواننا الشوام..

ما أنا متأكد تماماً من "دجاجته" - من "دِّج" سالفة البيان- هو مقال المستشار السابق "طارق البشري" الذي نشره السبت 27 سبتمبر/رمضان 2008/1429 على رئيسية "الدستور" والذي يتهم فيه الأغلبية السنية بممارسة "الفاشية" ضد الشيعة في معرض هجوم الشيخ "يوسف القرضاوي" على "التبشير" الشيعي في العالم العربي.. عزفاً على نفس النغمة التي عزفتها من قبل "مرجعيات" وشخصيات شيعية وحتى بعض "المفكرين" من "غير" الشيعة أمثال الدكتور "محمد سليم العوا"..وهؤلاء يرون أن ما يحدث "ليس" "تبشيراً" وإنما هو "انبهار" و"إعجاب" بنموذج "إسقاط الشاه" و"المقاومة" في ظل ما يتعرض له متبعو المذهب الشيعي من اضطهاد..

كلام فارغ..ولنكن صرحاء:

1-الأوطان يا سادتي الكرام مبنية على التعايش.. و"العادي" في الأشياء أن تبنى الدول على تعددية من حيث مستوى الثروة ، والتعليم ، والدين ،والمذهب داخل الدين الواحد.. وبالتالي لن يسعد المجموع إذا كان لدى بعض أفراده ما هو ضد هذا التعايش وضد ما استقر عليه ذلك المجموع على اختلاف انتماءات وديانات ومذاهب أعضائه..

لذلك عندما تفكر أي مجموعة من مجموعات "الإسلام السياسي" أيَّاً كان مذهبها -على سبيل المثال- في بناء نموذج سياسي "مضاد" لشكل الدولة فإنها تؤلب عليها الدولة ونظامها السياسي ، وعندما يكون هذا النموذج السياسي إقصائياً مضاداً للمجموع أو متضارباً معه فلن تقابل تلك المجموعة بترحاب كبير على الأقل ممن يتضارب النموذج سالف البيان معه..أذكر بأن المثال السابق عن "مجموعات" "الإسلام السياسي" التي هي لها نظام دخول وخروج وعضوية .. فما بالكم بالتيارات المذهبية الأكثر تواجداً بين الناس والتي يولد كثير منهم بها..

وهذه هي مشكلة العديد من التيارات المذهبية التي تعيش كأقليات داخل العالم الإسلامي وخارجه أيضاً..حتى وإن سلمنا بوجود اضطهاد.. فعبء وجود حساسيات بل وحزازيات من قبل باقي أفراد المجتمع ضد أتباع هذا الاتجاه أو ذاك يقع جزء منه على هؤلاء الأتباع بسبب تصوراتهم المتضاربة مع ما استقر به المجتمع وارتضاه للتعايش بين أبنائه.. وكلما كانت تلك التصورات أكثر تطرفاً وتضارباً كلما كبر نصيبهم من المسئولية..

2-ومشكلة الشيعة مشكلتان.. الأولى أن الخلاف السني الشيعي هو بالأصل خلاف سياسي بامتياز ، قبل أن يكون خلافاً مذهبياً دينياً ، والثانية هي ارتباط المذهب الشيعي بالسياسة عموماً وبدولة بعينها (نموذج دولة الدين-التي يحكمها أو يشارك في صنع سياستها رجال الدين)هي إيران بشكل خاص.. ومشكلة إيران نفسها هي أنها قوة إقليمية لها مشروعها السياسي الذي لا يتضارب فقط مع "النظم"- الفزاعة التي تستخدمها الميديا الموالية لإيران- ولكن مع الناس.. من الممكن أن يتعاطف الكثيرون مع "حسن نصر الله" ومع "الملالي" لكن عندما تصل الأمور لأن يُحكَم هؤلاء الكثيرون بنموذج سياسي على الطريقة الإيرانية فسيرفضون رفضاً قاطعاً.. ليس فقط بسبب التضارب المذهبي ولكن حتى بسبب "تديين الدولة" واختزال الدين في شخص الدولة فقط..

3-وطبعاً ستتضاعف المشاكل مع المجموع عندما تبدأ "الدعوة" للمذهب داخل بلد يعتنق مذهباً آخر ، ويتفق أهله على اختلاف أديانهم ومذاهبهم على رفض الدعوة للمذهب أو للدين داخل مجتمع الدولة الواحدة حفظاً لتماسك الدولة..

يحدثنا المستشار السابق "طارق البشري" عن "الوحدة" والتكاتف ونبذ الخلافات.. وهو في رأيي حديث "مائع" خطابي آخر حاجة.. الوحدة لا تبدأ من نبذ الخلافات بل من نبذ السلوك الخلافي نفسه.. كما أننا مطالبون بمراجعة العديد مما نشأنا عليه فيما يخص علاقة الإسلام بالعصر والخروج من حالة الجمود والفصل العاقل بين شئون الدين والدنيا هم الآخرون بحاجة لمراجعة علاقة الدين بالسياسة لديهم .. ليس تجملاً ولا نفاقاً.. ولكن إن كانوا ، وإن كنا ، نريد تعايشاً بحق وحقيق.. بما أن التعايش هو طريق الوحدة التي يخطب فيها سيادة المفكر-وغيره- ليل نهار دون أن يخبرنا هو - أو غيره- بشكل عملي وعقلاني كيف تتحقق.. حتى لا نكون كمن يحاول تشغيل جهاز كهربائي بدون توصيله بمصدر التيار الكهربائي..

م الآخر :"وحدة" بمفهوم خطابي سمج بدون معالجة ثقافة استعداء المجموع ستخلق حساسيات داخل المجتمع ضد أي مجموعة (بلاش كلمة أقلية) تتبنى تلك الثقافة.. وهو ما يعني مزيداً من الديناميت.. دمتم بألف خير..

Saturday, September 27, 2008

في "شرف" فتح الباب

أمران ذكراني بثالث: الأول هو فتوى قرأتها عند زميلي العزيز "ابن عبد العزيز" في معرض تدوينته "تنقية الشريعة من الفتاوى المريعة" تخص اللحية ..والثاني هو فتوى ، أو "قول" لفضيلة المفتي (بما أن العالم الجليل يأخذ تلك المسألة بحساسية) بصحة صلاة المرتشي.. والثالث هو "شرف فتح الباب".. ومن الثالث سأدخل على الأوليين!

"شرف فتح الباب" يكاد يكون شخصية حقيقية وإن لم تشر إلى شخص بعينه.. كلنا نعيش وسط أشخاص على نفس تلك الشاكلة.. صحيح أن اختيار "محمد جلال عبد القوي" لأن يكون "شرف فتح الباب" بهذا الشكل استفز الكثيرين خاصةً من "الملتزمين" (وتعريف كلمة "ملتزم" مطاط للغاية وعايز له تدوينة لوحده) .. لكن من الصعب أن ننكر أن "فيه منه موجود" وبهذا الشكل ومنا من اصطدم بنماذج مشابهة في دراسته ، أو عمله ، أو حياته بشكل عام..

شرف فتح الباب
"شرف" المتدين قرر تقديم أول تنازل للشيطان .. وبعد التنازل الأول - عادةً - تبدأ باقي التنازلات الأخرى.. وبغض النظر عن السبب "التلفيقي جداً" الذي جعل هذا الرجل يقدم على تصرف يناقض ورعه وتقواه فإن الشيطان أقنعه بمبرر بسيط جداً: لم تعطني الشركة الموشكة على الخصخصة مكافأة أربع وثلاثين عاماً من الخدمة .. إذن فهذا المبلغ من "حقي"..

وبما أننا شعب متدين بالفطرة -كما يقال عنا ونقول عن أنفسنا- وجد هذا "الشرف" أول الأمر من يردعه في صورة زوجته التي ترفض في "إباء" و"شمم" أن يدخل البيت مليم واحد حرام.. ويصل الأمر بها إلى طلب الطلاق منه..

في أول الأمر ، وقبل أن يُقبَض على السيد "شرف فتح الباب" كان الرجل يحاول أن يصلي جاهداً ، ولم يستطِع ، لكن أيام السجن أبقت على تمسكه بالقناعة الشيطانية تلك حتى بعد مفارقة أسوار السجن.. وفور أن تنشأ قصة حب بين "شرف" ومحامية الشركة تتغير -بمائة وثمانين درجة على الأقل- قناعة زوجته وتستحل المبلغ الحرام إذا كان الغرض منه الإنفاق على أولادها!

ما مضى من حلقات المسلسل نكأ جرحاً عميقاً.. هو مفهومنا نحن للحلال والحرام ، فلدى العديد من الناس -ومنهم "ملتزمون"- قناعات قد تنبع من داخل رغبتنا نحن في المال الحرام المغري "لو كان حلال أدينا بنشربه .. لو كان حرام أدينا بنحرقه" .. "حلال حرام أهي فلوس والسلام".. أو يتيحها لك المناخ العام والتأثير الإعلامي "اسرق الحكومة عادي همة شوية حرامية" .. "ما كل الناس بتسرق.. اشمعنى انت اللي حتعمل فيها عم الشريف"(1)..الخ..

وبما أن هذا التصرف ليس حراماً في رأيك فدع القلق واترك حياتك تسير على علاتها.. واصل صلاتك وقف وراء أئمة (ومطربي) التراويح والتهجد وابك ما استطعت ثم عد لممارسة رشاويك وسرقاتك عادي خالص.. الأمر الذي يحيلنا إلى "قول" فضيلة المفتي بصحة صلاة "المرتشي" "إجرائياً".. (طالما استوفت شروطها) وما قاله بضرورة أن يتوب هؤلاء إلى الله وأنه لا ينبغي أن نغلق أبواب الرحمة في وجوههم (لغاية دلوقت الكلام معقول) لكن فضيلته لم يخاطب من يستعمل الصلاة كـ"جُنَّة" وساتر يمارس خلفه ما يشاء(2)..

والمضحك أن هناك تصرفات خرجت من دائرة المحرمات لتحل محلها تصرفات أخرى .. هنا تأتي الفتوى التي أشار إليها "ابن عبد العزيز" في خصوص "اللحية".. وفي رابط تدوينته المشار إليها لاحظوا لهجة السيد صاحب الفتوى.. والتي يستحيل أن نسمعها تقريباً إذا ما تعلق الأمر بمواضيع أخرى نحسبها هينة وهي عند الله عظيمة..

هل أصبح مفهوم الحلال والحرام عندنا -ونحن "الشعب المتدين" -هكذا؟ هل ذهبت التفرقة بين المال الحلال والمال الحرام إلى المتحف في الوقت الذي نتزاحم فيه على الذهاب إلى صلوات التراويح والتهجد؟
(1) ويحلو للبعض الاستدلال بأثر منسوب للصحابي الجليل "عمر بن الخطاب" الذي عاقب صاحب مزرعة لأنه لم يعطِ عاملاً فيه أجره فدفعه للسرقة.. وهو المبرر الجاهز لتبرير بعض أنواع السرقات.. أثر أشك وبقوة في صحته خاصةً وأن الصحابي الجليل "عمر بن الخطاب" تعرض لحملات تشويه وسباب لم يسلم منها بعد مرور قرون على استشهاده..وبالمناسبة لم يعجبني بالمرة تبرير "محمد جلال عبد القوي" لما فعله السيد "شرف فتح الباب" ووصفه إياه بأنه من "ضحايا" الخصخصة!
(2) الحديث نفسه محل تدوينة قادمة قريبة بإذن الله..

Saturday, September 13, 2008

في انتظار القطيع

الناس نوعان بلا ثالث: أناس يتحركون .. وأناس ينتظرون الآخرين..أناس يأخذون القرارات والمبادرات ويتحركون فرادى .. وآخرون يضبطون إيقاع أقدامهم مع القطيع سيراً وتوقفاً..

نعم .. منا كُثُر يفعلون أشياء كثيرة في حياتهم فقط لأن "الناس بتعمل كدة".. لا بدافع ذاتي داخلي تجاه فعل الشيء.. عِش ومت وتزوج ومارس عباداتك "زي الناس".. سواء توافق ذلك أو تعارض مع ما يريحك ويرضي الله ولا يغضبه..

بمعنى أصح: حسِّن سلوكك و"اتلم" في رمضان فقط لأن الناس تفعل ذلك في رمضان.. بعد رمضان افعل كيف شئت.. فقط لأن الناس تفعل ذلك في رمضان.. اختم القرآن الكريم مرة واثنتين وثلاثة في رمضان.. وبعد الشهر الكريم انت حر.. زيك زي الناس..واظب على الصلوات في أوقاتها بنوافلها وسننها في رمضان .. ماهي الناس كلها بتعمل كدة!

لدينا في بلادنا مثل يقول "الكثرة تغلب الشجاعة" .. وحكم القطيع عندنا هو "حكم القوي" المستبد على الضعيف .. ويصبح -في نظر القطيع- كثير من نوافل الأمور فروضاً وكثير من الأشياء العادية جرائماً لا يمحوها إلا الدم.. حتى في أشياء هي كلها علاقةُ بين العبد وربه عز وجل ولا تحتمل تدخلاً من أحد حاكماً كان أو محكوماً..

مصلون
بعبارة أخرى.. وطبقاً لقانون القطيع .. أنت عرضة لتلقي استنكار ، وتوبيخ ، وتعنيف ، إن لم يكن ما هو أكبر ، فقط لأنك لا تتصرف مثل القطيع.. مثلاً.. تشعر أنك ملزم بختم القرآن الكريم ، وأحياناً أكثر من مرة .. وإن لم تفعل تتلقى توبيخاً وتعنيفاً.. رغم أنك قد تفضل ختم القرآن تدبراً لا قراءة - كما دعا إلى ذلك إمام أحد المساجد - بمعرفة معانيه وفهم ما فيه من أوامر ونواهٍ- وهو أمر قد يستغرق ما يزيد على الشهر كله.. ونفس التوبيخ والتعنيف والاستنكار والشجب تسمعه عندما ينمُ إلى علم بعض من حولك أنك لا تصلي التراويح في المسجد "الفلاني" الذي يتوافد الناس أمماً على الصلاة فيه.. "انت مبتصليش هناك ليه يابني؟ دة الراجل الإمام اللي هناك بيختم جزئين كل يوم؟ وصوته أحلى من مدحت صالح وعمرو دياب وهو بيقرا القرآن وبيغـ.. أقصد بيدعي دعاء القنوت؟".. رغم أن الإطالة الشديدة في القراءة تذهب بتركيز المصلي في الصلاة .. وغناء القرآن في الصلاة خاصةً على هذا النحو الفج والمستفز يلقي بالخشوع من الشباك .. وأنه من الممكن أن تجبر على أداء تلك الصلاة في منزلك* .. أو أن يجبرك أي مانع .. سواء عملك الليلي أو مرضك على عدم أداء تلك الصلاة المسنونة من أصله

حكم القطيع لا علاقة له بالرشد.. القطيع مكون من مجموعة من البشر يمكن الضحك عليهم واللعب بهم وتغيير تضبيطاتهم وأذواقهم.. الأمر الذي يفرغ العبادة تماماً من مضمونها..

سؤال شرير على الماشي: أليس من الغريب أن يطلب القطيع من أفراده صراحةً أو ضمناً أن يضبطوا عباداتهم على إيقاعه ، فيم ينتظر نفس هذا القطيع الفتوى الدينية في أمور لم ينزل فيها القرآن الكريم ولم يتحدث عنها الرسول عليه الصلاة والسلام؟

أن تؤدي عباداتك بوازع داخلي من نفسك خير بكثير من أن تنتظر قطيعاً لا يستأسد إلا على أفراده ويحتاج دائماً لمن يقوده ويحركه..

Tuesday, September 9, 2008

البطاقة الحمراء

لا يهمني ماذا قال هذا الشاب لمفتي الديار المصرية في مسجد السيدة زينب.. فهو لم يطالب العالم الجليل مثلاً بالنزول من على المنبر أو التنحي من إمامة الصلاة على طريقة "انزل.. انزل". لكن ما يثير الألم والحنق هو رد فعل مفتي الديار على تصرفات شاب صغير السن .. إن كان هذا الأخير عصبياً ومندفعاً بحكم صغر سنه فكان على العالم الكبير أن يتصرف بحكمة ونضج وهدوء.. علَّ الشاب الصغير يتعظ أو يتعلم ..

الدكتور علي جمعة مفتي الديار المصريةوبعيداً عن الهرتلة اللمبية التي قرأتها في تعليقات قراء "المصري اليوم" والتي تنم عن تعصب أعمى ومقيت لشخوص العلماء قبل مبادئهم (وهي هرتلة اعتدت سماعها من أنصار مذاهب مختلفة كلُ على شيوخه ورموزه وقياداته).. أرى أن فكرة أن يقول أي عالم أو أي إمام مسجد لأي مصلٍ "روَّح يا خويا روَّح" أمر غير مقبول تحت أي ظرف.. حتى لو خالف الشاب النظام والاحترام الواجب للمسجد فهناك إدارة معينة لهذا المكان تتعامل مع الشاب المذكور بالشكل المتبع طبقاً لقوانين ولوائح الوزارة.. الحق ما يزعلش..

عن تجربة شخصية.. البطاقة الحمراء هي البطاقة الوحيدة الموجودة لدى بعض صغار الشيوخ وأئمة المساجد وبعض مَن كتب عنهم زميلنا عبد الرحمن .. وتشهر عند أي خلاف أو أي نقاش.. حاد أو قائم أو منفرج حتى .. حيث يعتبر البعض أنفسهم مثل حكام كرة القدم.. وأن اللاعب لاعب والحكم حكم .. وأن "نحن الحقيقة وأنتم الأوهام" كما حدث معي منذ عامين..أو أن أوشك على الدخول في معركة مع شلة الإمام المحترم كما حدث في أواسط التسعينيات..

ماشي.. هؤلاء صغار خبرةً وسناً.. ماذا عن الكبير؟ عن القدوة؟ عن القائم على مؤسسة الإفتاء "الرسمية" في بلد بأكمله؟ عمَّن يجب أن نسترشد بفتاواه وعلمه الغزير بدلاً من شيوخ الفضائيات والمفكرين الحمبولليين؟..

إذن .. كان على فضيلة المفتي قبل أن يشهر البطاقة الحمراء في وجه المصلي أن يعلن إلغاء صلاة التراويح في المسجد الزينبي..وأن يصلي هو وكل الموجودين في المسجد في تلك الليلة صلاة القيام في بيوتهم وفقاً للآراء الفقهية التي تقول بذلك.. لا أن يدق مسماراً جديداً في نعش ثقة الناس بالعلماء وبمؤسسة الإفتاء.. خطورة ما حدث ويحدث ستظهر فيما بعد.. عندما تأتي الطوبة في المعطوبة وينتهي الوقت المحتسب بدلاً من الضائع..

Thursday, September 4, 2008

الإسلام والحضارة: يعني إيه حضارة؟

فقد جاء الإسلام بثورة عظمى فى تاريخ الإنسانية ودعا إلى الحرية والعدل والمساواة قبل الثورة الفرنسية بقرون طويلة وبفضل هذه القيم العظيمة .إستطاع الإسلام أن يبدع حضارة حقيقية شغلت ثلثى العالم القديم من أوروبا إلى الصين وقدمت إنجازات كبرى فى مجالات العلم والفكر والفن .

السابق هو جزء مما كتبه "علاء الأسواني" صاحب "يعقوبيان" و"شيكاغو" في الدستور يوم 13/8/2008.. والمقال مليء بنقاط أختلف معها بشدة .. هذه منها..

أطلب فقط ممن يقرأون هذه التدوينة أن يقرءوها بهدوء .. ولآخر سطر.. ربما يثير عنوان التدوينة نفسه غضب الكثيرين ولهم الحق.. أطمع فقط في سعة صدوركم..

عندما نتحدث عن الإسلام نتحدث عن العقيدة والعبادات والمعاملات.. كلها قدمت إطاراً أخلاقياً متميزاً لعلاقة الإنسان بربه ، وبنفسه ، وبالآخرين سواء ممن كانوا على دينه أو على غير دينه.. وإن طبقت هذه المعايير فإن الفرد سيعيش بشكل أفضل وبالتالي المجموعة..

ما وصلنا أن تلك المعايير قد طبقت بامتياز في مرحلة النبوة ، وفي السنوات القليلة بعد انتقال الرسول الكريم (ص) إلى الرفيق الأعلى ، ثم سرعان ما تبدلت الأمور تماماً على كل الأصعدة في الفترة التي ظهرت فيه "الحضارة الإسلامية"..في العهدين الأموي والعباسي تحديداً..

نأتي إلى "الحضارة" ..

اختلفنا في تعريف كلمة "الحضارة" .. التيار السلفي والسلفي الجهادي يلخص الحضارة فقط في الجانب الحربي فقط .. والبعض من المستثقفين يلخصها في الإنتاج الثقافي فقط.. وكلاهما تلخيصان خاطئان وظالمان إلى أبعد حد ممكن .. لتجاهلهما الفاضح لما جاء من أجله الإسلام: الفرد.. البني آدم..

حتى في سنوات "النهضة" العسكرية ، و"النهضة" الثقافية .. لم يصلنا أن عامة الشعب قد استفادوا.. ما وصلنا فقط هو أخبار العلماء والحكام والقادة -وهم بالتأكيد الأكثر تأثيراً في مجرى الأمور في تلك المرحلة من التاريخ- أما العامة فكانوا شبه منعزلين عن ذلك كله.. لم يكن ذلك قاصراً على الحضارة الإسلامية وحدها بل كل حضارات العالم القديم بلا استثناء..

لا علاقة واضحة بين "النهضة" العسكرية و"النهضة" الثقافية من جهة وبين الإسلام وقيمه من الأخرى.. فلفترات طويلة سادت العالم وتسوده حضارات كونت جيوشاً قوية ومنظمة وكبيرة التعداد ، وأبنية عملاقة وضخمة ونتاج تقني وفلسفي غزير..ورغم ذلك فقد كانت مسرحاً للظلم والفساد ولكل ما هو ضد ما أتى به الإسلام من قيم.. وحتى في "الحضارة الإسلامية" بمفهومنا نحن.. ولذلك أستغرب أن يتحدث أي داعية عن العصر الذهبي للإسلام مشيراً إلى الخلافة العباسية مثلاً ، وأنه بفضل تمسك المسلمين بقيم الإسلام امتلكوا أسباب "العزة" و"الكرامة" في حين أن ذلك العصر قد شهد العكس على طول الخط ، وأن الحانات كانت منتشرة تماماً مثل انتشار حلقات الزهاد ، وهي كلها أشياء عكس ما يتحدث عنه هذا الداعية أو ذاك المفكر أو سعادة البيه أو أياً ما كان..

إسهام الإسلام الأهم جاء بتقديم ما كان ينقص تلك الحضارات من جانب أخلاقي يحميها ويطيل من فترة صلاحيتها..إطار قوامه العدالة والتسامح والنبل .. وبكل أسف لم تستفد منه كل الدول والدويلات التي تلت مرحلة الخلفاء الراشدين.. لو استفادت به على سبيل المثال الخلافتان الأموية والعباسية على ما حققته من توسع عسكري ونجاح تقني واستفاد الناس من آثاره لكان للأمور كلها شأن آخر..انعكس علينا نحن..

مرة أخرى.. أطمع في هدوئكم وسعة صدركم.. نستكمل بعد قليل بإذن العلي القدير..

الإسلام والحضارة: السقيفة والفتوحات

نبقى مرة أخرى مع ما قاله "علاء الأسواني".. ومع أهم منعطفين في تاريخ الحضارة الإسلامية.. سقيفة بني ساعدة ، والفتوحات الإسلامية.. وكلاهما يؤكد ما سبق ذكره في الجزء الأول..

وكلنا نذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما حضره الموت لم يفرض على المسلمين شخصا معينا ليحكمهم بعده , ولو أنه فعل لما راجعه أحد فى ذلك , لكنه أراد أن يرسى حق المسلمين الديمقراطى فى إختيار حاكمهم بإرادتهم الحرة .. وقد نتج عن ذلك أن عقد المسلمون إجتماع السقيفة وهو بلغة اليوم إجتماع برلمانى ديمقراطى من طراز رفيع

المعروف أن الدين قد تم بنهاية الوحي بدليل قول الله تعالى "اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا"-المائدة (3) وهي من أواخر ما أنزل من الذكر الحكيم- وما بعد تلك المرحلة هي اجتهادات وأحكام بنيت على الأساس الذي أُرسِيَ في فترة النبوة..

ما حدث لم يكن له صلة بالدين.. بل كانت واقعية سياسية من قبل الصحابة رضوان الله عليهم..

لم يحدد الرسول الكريم بالفعل شخصاً يخلفه ، وبالتالي كان يجب على المسلمين أن يختاروا شخصاً يجمعون عليه بحكم حساسية تلك المرحلة (والتي تأكدت فيما بعد) .. وكان الحل هو الشورى التي يعتقد البعض من أصحاب التيارات السياسية أنها تعني الديمقراطية ، وإن كانت في رأيي أبعد وأعمق من ذلك..الشورى في الحياة وليست في السياسة فقط.. قليل من التدبر لكلمة "أمرهم" السابقة لـ"شورى" في الآية يفي بالغرض.. ولنا عنها بإذن الله كلام..

والمذهل.. والمذهل فعلاً .. أنه في الوقت الذي ينتقد فيه بعض الأتاتورك بعنف تلك الحقبة واصفين إياها بأنها فترة تغلب الثقافة القبلية ، نجد الثقافة القبلية نفسها هي الأكثر ترحاباً بفكرة الشورى واتخاذ القرار الجماعي ، كان العرب كذلك أيام الجاهلية ، وكانوا كذلك في وجود الرسول الكريم (ص) أكمل البشر ، وظل كذلك بعد انتقاله إلى الرفيق الأعلى ، على العكس من المجتمعات التي كونت دولاً وحضارات في تلك الفترة حيث سادتها مركزية القرار وأحادية اتخاذه.. إلى درجة كان يعتبر فيها الحاكم ظل الإله على الأرض بل كان نفسه يؤله في مجتمعات بعينها.. لم نكن نسمع في قريش عن سيد واحد متفرد باتخاذ القرارات بل كان الكل يستشارون ويؤخذ رأيهم..

ولم تستفد الدول الإسلامية من هذه الفكرة بشكل كامل فيمَ بعد..سنأتي على ذكر تلك النقطة بعد قليل..

نأتي إلى الفتوحات..

كانت الحروب في تلك الفترة عموماً ضرورة بقاء أكثر منها أي شيء آخر..حتى لو قال من قال أن غرضها التوسع فقط.. التوسع أيضاً في هذه الفترة من تاريخ البشر كان مسألة حياة في ظل وجود قوى لن ترحب بالكيان الوليد.. لهذا كان على الخليفة أبي بكر الصديق ومن بعده عمر بن الخطاب العمل على محورين.. جبهة داخلية مستقرة .. وجيش قوي منظم أمَّن لهم نجاحات عسكرية باهرة في زمن قياسي..

كانت الفتوحات عموماً سلاحاً ذا حدين.. ضمنت انتشاراً جغرافياً أوسع للإسلام وقوةً أكبر لكيان الخلافة ، وأعطت الفرصة للخلفاء للوقوف على نظم إدارة الدولة والحكم السائدة والتي لم يقابل معظمها - كنظم الضرائب والدواوين مثلاً- بأي مقاومة باعتبار أنها شئون دنيوية خالصة لا تتنافى مع ما جاء بالقرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة .. وتصادف في تلك الفترة أن كان الحكم في أكبر دول العالم في تلك الفترة وراثياً ، على عكس ما سار عليه الأمر في عهد الخلفاء الراشدين.. وهنا كانت مرحلة الانتقال من مرحلة ما بعد النبوة إلى مرحلة الدولة المنظمة .. من الشورى إلى ما يشبه الديكتاتورية..

ومن الغريب- كما سبق البيان- أن الحضارة الإسلامية بمكوناتها الثقافية والعسكرية ازدهرت أكثر في مرحلة الخلافتين الأموية والعباسية.. بكل ما فيهما من إقطاع وفساد أخلاقي وتطرف فكري..

أعلم أن السطور السابقة مملة و"رخمة" بعض الشيء الكثير.. لكن قصدت أن أخرج منها إلى عدة خلاصات أريد مناقشتها معكم..

أولها.. من الظلم اعتبار الحضارة مقياساً لنجاح أي دين .. فالعوامل الدنيوية تلعب الدور الأكبر في صنع أي حضارة .. وفهم الفصل بين شئون الدنيا والدين ساعد الحكام على تقبل العديد من النظم السائدة (الحلو منها والوحش) وتطبيقها..وثانيها أن تعليق الاستبداد على شماعة الدين جهل سراح.. فجميع النظم السياسية في العالم ذات علاقة بالدين بمن فيها تلك التي تعتبر الدين أفيوناً الشعوب .. وثالثها.. أنه كان من الممكن أن تبقى الحضارة الإسلامية فترةً أطول لو تمسكت أكثر بالقيم التي جاء الإسلام من أجلها ..تلك القيم التي كان يفترض بها أن تعطي إطاراً أخلاقياً يحمي الدولة ويطيل فترة صلاحيتها.. أن يتعايش الناس بتلك القيم وأن يعملوا بجد ويحققوا نجاحاً يكفيهم غيرهم أهم من ألف كتاب وعشرة آلاف مبنى وعشرين ألف معركة.. دمتم بألف خير .. وكل عام أنتم بخير..

Tuesday, August 26, 2008

وأهه كله برتقال!

كل عام أنتم بخير..رمضان على الأبواب..وعليه علينا أن نذكر أنفسنا ومن يهمنا أمره بما لقننا ويلقننا إياه بعض خطباء المساجد وبعض المفقرين وبعض الكاتوبجية وبعض أعضاء "حزب العزة والكرامة" عن أن وحدة رؤية هلال رمضان أصل من أصول هذا الدين لأنه رمز لوحدة المسلمين ،وعليه فيجب توحيد تلك الرؤية- بالعافية- ليصبح هلال رمضان واحداً في كل من مينديناو وجدة والرباط وطلخا.. حتى ولو اقتضى الوضع الصرف من أموال الدول الإسلامية على إنشاء قمر صناعي "مخصوص" لتوحيد رؤيته!

وبما أننا أمة واحدة فيجب علينا أيضاً أن نتوحد في مواقيت الصلاة ، على العالم الإسلامي كله من أجل تحقيق الوحدة الشاملة واستعادة العزة والكرامة على أن يصلي في نفس الوقت .. ولأن مصر هي أكبر دولة في المنطقة فيجب أن تقدم بتجديدها للخطاب الديني الدرس والقدوة لمن حولها في توحيد مواقيت الصلاة عبر البلاد..

في الجمعة الفائتة نقل التليفزيون شعائر صلاة الجمعة من "مرسى مطروح" بمناسبة عيدها القومي ، وبحسب "المصري اليوم" طلب فضيلة شيخ الأزهر الذي كان حاضراً للصلاة تقديم موعد آذان الظهر لكي يتناسب مع موعده في القاهرة ، علماً بأن فرق التوقيت بين مطروح والقاهرة هو ثلث الساعة فقط!

شي كتيييييير بيعقد.. الواحد في عيشته!

أعرف أن الأمر مستفز وحارق للدم لأبعد مدى ممكن ، لكنه مجرد نتيجة منطقية لهذا الفكر التوحيدي الذي يقضي باعتبار مواقيت الصلاة والصيام هي المظهر الهام والوحيد للوحدة بين المسلمين والذي يجب أن نعض عليه بالنواجز إلى أن ينقطع هو أو تنكسر أسناننا..

ترسخ في ذهنياتنا أن العالم الإسلامي يجب أن يصوم ويفطر في نفس اليوم، وفي ذهنيات مؤذني المساجد خارج الأقاليم أنه يجب أن تضبط ساعتك في مسألة الآذان على ساعة الراديو أياً كان ضخامة فرق التوقيت وتأثيره خاصةً في رمضان.. في "المنصورة" يفترض أن يؤذن لصلاة الفجر قبل القاهرة بأربع دقائق كاملة في شهري يونية ويولية ، وذلك طبقاً لخرائط التوقيت التي أعدتها هيئة المساحة الحكومية المصرية ، وفي أوقات أخرى في العام وطبقاً لنفس الخرائط يؤذن المغرب قبل القاهرة بدقيقتين أحياناً ، وبعدها بثلاث دقائق أحياناً.. هذه هي المنصورة التي تبعد قرابة المائة وخمسين كيلومتراً عن القاهرة ، فما بالكم بمطروح أو أسوان ..

لكن ما قولكم في أن الحكومة نفسها تسير في نفس الاتجاه عندما تصر على تجربة "الآذان الموحد" مستشهدةً بأن مصر كلها تصوم وتفطر وتصلي حسب التوقيت المحلي لإذاعة جمهورية مصر العربية ، الذي هو طبعاً توقيت مدينة الإذاعة ، قاهرة المعز؟.. وهذا يلقى بالمناسبة تأييداً من بعض المفقرين باعتبار أن الوزير يقود معركة حقيقية ضد الجمود في الخطاب الديني ، وأن توحيد مواقيت الصلاة - عنداً في العلم والجغرافيا- هو رمز لتجديد الخطاب !

ممارسة الترميز بهذه الطريقة شيء مقرف يجب علينا أن نتخلص منه إن كان لدينا بقية من حياء.. وإن كنت متشائماً للدرجة التي سيكبر فيها أبناؤنا وهم على يقين على أن وحدة الهلال رمز وحدة العالم الإسلامي والآذان الموحد رمز لتجديد الخطاب الديني وأن "أهل الحل والعقد" هو رمز الديمقراطية في الإسلام وأن أعمدة الإنارة المكشوفة في الشوارع هي رمز السمكة.. وأهه كله برتقال .. ومحدش واخد باله .. وهوة فيه حد النهاردة بيفتكر.. ربنا يستر علينا..

ذو صلة: عماد عمر كتب في اليوم السابع عن مهزلة مطروح..والقصة الكاملة للمهزلة كما نشرتها "المصري اليوم" ونقلها عنها "مصراوي"..

Friday, August 1, 2008

كيف ترون هذه الفتوى؟

ذات مرة .. أفتت دار الإفتاء في مصر بفتوى لا تجيز توريث الحكم شرعاً تحت أي مسمى.. نُشِرَ عن تلك الفتوى ما نشر ، وتم استقبالها وقراءتها بشكل متباين.. فحركات الإسلام السياسي والمعارضون خاصةً المدعومون من "المال السياسي"- الحقيقة الأكبر في السياسة المصرية الحالية- رحبوا بالفتوى أيما ترحيب .. بينما التزم "الحزبوطني" و"آخرون" الصمت..

"مصطفى الفقي" كان من بين الرافضين لتلك الفتوى ، وله مبرراته و "دوافعه" التي لا نريد أن نخوض فيها.. وكان مما قال لموقع "محيط" دوت كوم : "التوريث ليس قضية دينية وإنما مسألة سياسية، وهو تعبير يستخدم في الأنظمة الملكية، أما في النظام الجمهوري فيتم اختيار رئيس الجمهورية عن طريق الاقتراع الحر المباشر كما ينص على ذلك دستور البلاد".. كلام جميل كلام معقول ما أقدرش أقول حاجة عنه من الظاهر .. قلناه كثيراً بطريقة أو بأخرى - ونصر عليه -وقتلناه بحثاً حتى كاد أن يموت.. لا جديد!*

ولكن في اعتقادي أن الرجل حكم على تلك الفتوى من الخارج..

في الفتوى جزء مهم جداً.. نهديه لـ"حبايبنا الحلوين" الذين يعرضون خدماتهم على النخبة الحاكمة وأحياناً على المال السياسي باسم الدين.. والذين نسوا في غمرة ممارسة هوايتهم الذميمة أن الأمور "مش سايبة":

"الشرع لا يمنع ولا يفرض نظاما معينا لصورة الحكم، سواء كانت هذه الصورة ملكية أو جمهورية، أو أى نظام آخر يتفق عليه الناس، ويحقق مصالحهم العليا، كما أنه لا يمنع من الانتقال من نظام إلى آخر إذا ارتضى الشعب ذلك، واجتمعت عليه كلمتهم".

قد نختلف مع الحيثيات .. وقد يرى بعض منا ومنهم كاتب السطور أن النظم السياسية التي حكمت الدول والدويلات الإسلامية سواء في عصر الدولة المركزية (الخلافة) أو في العصر الحالي حكمتها متغيرات سياسية واجتماعية ومعرفية هي صنيعة كل زمن على حدة ، وما يصح فيها قد لا يصح بالضرورة في غيرها.. وقد يرى البعض -ولهم وجهة نظر وجيهة في ذلك-أن الموضوع "مش طالب فتوى".. لكن الجزء السابق يوجه لطمة قوية لكل الانتهازيين والمستفيدين باسم الدنيا وباسم الدين.. تعالوا ببساطة "نفصص" ذلك الجزء على طريقة القانونيين.. وبشكل مبسط..

"الشرع لا يمنع ولا يفرض".. لا قال آه ولا قال لأ..أي أن المسألة كما قيلت في الفتوى "دنيوية" .. وعليه فما يقال عن "أهل الحل والعقد" فيما يسميه البعض "اجتهاداً" من السيد "المفكر الإسلامي" إياه لا محل له من الإعراب ولا محل له إلا المتاحف.. ولا يُقبَل أن نسمع أن فلاناً قد "بايع" الحاكم أو الرئيس الفلاني في بلد اتفق أهله على الانتخاب كوسيلة لاختيار الحاكم.. ولا أن نسمع أن "أحدهم" أعلن ذات الحاكم "أميراً للمؤمنين" في عصر غير العصر وزمان غير الزمان..

والاستنارة هنا كما أراها هو الاحتكام لمعيار المصلحة العامة ، لمبدأ "لا ضرر ولا ضرار" في مسألة لم يرد فيها نص بحل أو تحريم.. وعليه فإن الشأن الذي له علاقة بالمصلحة العامة يترك تماماً لمن تخصهم المصلحة العامة.. استنارة أتمنى أن أراها في فتاوى أخرى..

تلك الكلمات التي وردت في نص الفتوى كافية جداً جداً وتغني عن كل ما سبقها.. وهو درس لجماعات الإسلام السياسي أو قيادات التيارين الصوفي والسلفي أو أي باحث كان عن غطاء "ديني" لتحقيق مصلحة مع النظام أو ضده..عظة لمن يتعظ.. إن كان يرد .. أن يتعظ!

هكذا رأيت تلك الفتوى.. كيف ترونها؟ الكرة في ملعبكم زواري الكرام..

تحديث 6/8: الحزبوطني وصحفه قدوة حسنة لجميع المتطرفين والرجعيين في السير عكس الزمن.. والدليل هو هذا الفاصل من الهراء المركز..
* وإلا لكنا رأيناه وقد هاجم الفتوى إياها..