Wednesday, March 6, 2013

خوازيق السلطان

أرسل السلطان سليم يستفتي الشيخ علي جمالي أفندي في ثلاث مسائل

الأولى إذا نادى أحد سلاطين الإسلام بالجهاد لإبادة المارقين أي العجم فصادفته عوائق بسبب المساعدة التي يبذلها لهم سلطان أخر من سلاطين المسلمين فهل تبيح الشريعة الغراء لأولهما أن يقتل الثاني و يستولى على مملكته ؟ فأجاب جمالي أفندي : من نصر كافرا فهو كافر

الثانية : إذا كانت أمة من الأمم التي تدين الإسلام يقصد المصريين تؤثر تزويج بناتها من الكفار يعني المماليك الجراكسة بدلا من تزويجهم بالمسلمين فهل يجوز مقاتلة هذة الأمة؟ فأجاب جمالي أفندي : بلا مبالاة و لا مقاضاة

الثالثة : إذا كانت أمة تنافق في احتجاجها برفع كلمة الإسلام فتنقش أيات كريمة على الدراهم والدنانير مع علمها بأن النصارى واليهود يتداولونها هم وبقية الملاحدة فيدنسونها ويرتكبون أفظع الخطايا بحملها معهم إذا ذهبوا إلى محل الخلاء لقضاء حاجتهم فكيف ينبغي معاملة هذة الأمة ؟ فأجاب المفتي العثماني : إن هذة الأمة إذا رفضت الإقلاع عن ارتكاب هذا العار جاز إبادتها.

حدث بالفعل قبيل الغزو العثماني لمصر في 1517م ، فتوى تفصيل لإباحة غزو واحتلال بلد مسلم وضمه إلى الإقطاعية العثمانية ، وحين تسأل تجد إجابة السلطان العثماني "سليم الأول" جاهزة "أن الله أوحى لي بأن أملك البلاد شرقا و غربا كما ملكها الأسكندر ذو القرنين وإنك لمملوك تباع وتشترى و لا تصلح لك ولاية وأنا ابن ملك إلى عشرين جد" التي قالها لـ"طومان باي" حين قبض على الأخير بعيد الاحتلال..

الكلام للمنبهرين أيما انبهار بمسلسل "حريم السلطان" وبالتاريخ الدعائي الذي تصوغه تركيا أتاتورك لحقبة سوداء من تاريخ الإسلام ، والذي يروج له بعض المهووسين في مصر وبعض السلفيين السعوديين وبعض الأغبياء الذين يعتقدون أن تركيا هي "الصدادة" في مواجهة المد الشيعي الطهراني المتطرف.. وفي ذكرى مناسبة إلغاء الخلافة من قبل "أتاتورك" التي تمر هذه الأيام ، صحيح أني ضد الأتاتوركية وضد تنميط الناس باسم الدولة أو باسم الدين ، لكن حتى دولة أتاتورك نفسها تسعى لتجميل وجهها أكثر والظهور بنفس عنصريتها القبيحة في وجه دول لم تنس تركيا أنها كانت تحتلها.. عسكر تركيا الذين يدافعون عن استبداد الدولة العثمانية باسم الدين والفتاوى المقلوظة ..

لا فرق ، يستعمل الدين لتبرير وتمرير الاستبداد وتسويقه سياسياً سواء كان في السلطة أو في المعارضة ، هناك وهنا أيضاً..

Friday, December 14, 2012

كسر يا جدع

ربما كانت هذه التدوينة سبباً في فصلانكم مني إلى الأبد ، الحق بيوجع ، وربما بدت بعض - لنقل معظم - الحقائق ثقيلة الظل ، وليس الإنسان في حالة تسمح له بمواجهة أي شيء بهكذا ثقل ظل حتى ولو كان الحقيقة المرة..

دعوني أكتب عن لقطة صغيرة ، لأن اللقطات الكبيرة تكلمنا عليها سابقاً غير مرة ، شيعها كثيرون بـ"هههههههه" وتركوها حتى أصبحت أمراً واقعاً ، ولست نفسياً على استعداد لذكر أمثلة ، ولا يبدو فيها أن المناخ - يؤسفني أن أقول ذلك - ليس مهيئاً للتفكير بصوت عال ، الأمر الذي تعد "الدين والديناميت" محاولة بريئة لعمله..

وقبل أن أدخل إلى التفاصيل ، اسمحوا لي بأن أدلي بصدمة ، وليس مجرد رأي ، قد ترفضونه بالإجماع ، وربما لا تتحملون قراءة هذه التدوينة لنهايتها بسببه : من بين من كانوا في التحرير طوال الأيام الثمانية عشرة كان هناك عدة آلاف فقط يعرفون أهداف الثورة ويؤمنون بها ، وربما كانت عدة الآلاف تلك على غير انتمائي السياسي - الحمد لله ماليش أي انتماء سياسي ودة شيء أشرف بيه وما يقللش مني كبني آدم - وربما كانت لها تصوراتها المختلفة عن تصوراتي ، وربما لم يلعبوا ذلك الدور الضخم في المشهد الثوري ، وربما لم تتوجه إليهم كاميرات الإعلام وصحف حرامية المال السياسي الذي سرق الثورة -مزعلاكم المال السياسي؟ طب المال السياسي المال السياسي المال السياسي- ولم تتم بروزتهم أو اصطحابهم في لفة تسول سياسي على الفضائيات ، لكنهم ليسوا المعنيين بالآتي بعد..

أرفض رفضاً قاطعاً بالتأكيد وبلا مزايدة قيام الشيخ المحلاوي بتحريض الناس على التصويت بـ"نعم" في الاستفتاء الذي سيبدأ بعد ساعات ، لكن ما أرفضه أكثر هو أن يتم ضرب المسجد بالطوب ، من قبل مجموعة تمثل حقاً وصدقاً الفصائل التي تربحت سياسياً من الثورة وأصبح الحرامية يخطبون ودها لكي يركبوا الثورة على ظهورهم (والصراحة راحة ياعيني ما عندهمش أي مشاكل..ما دام إن بابليك ونوفيلينجز يبقى سو وات)، وكان هناك للاعتراض على الشيخ المحلاوي ألف بديل متحضر وعقلاني ، منه الشكوى للجهات الرسمية وإبراء الذمة ، أو النقاش معه - بأدب - داخل المسجد ، وليس على النحو الذي حدث قبل أشهر عندي في "المنصورة" والذي يتعامل فيه البعض مع إمام المسجد كمطرب يغني على "البست" ، أو في نقل النقاش بعيداً عن المسجد..

وأسأل "باقي الميدان" - بعد أن استثنينا منه من هم بعد الشر الثوار الحقيقيين المؤمنين بمبادئ الثورة الحقيقية وليس المؤمنين بالزعماء وما أكثرهم بكل أسف ، عن طبيعة علاقتهم بدار العبادة أياً كانت ، مسجداً أو كنيسة ، سؤالاً فكرياً صرفاً..

هؤلاء - المدنيون .. تذكروا - أطلقوا مظاهراتهم من مساجد ، وتجمعاتهم من مساجد ، رغم أن المساجد ليست بالمكان الصالح لممارسة الدعاية السياسية لأي فصيل كان ، وهذا رأي كاتب السطور من فترة طويلة و"لن" يغيره ، ثم قبلوا "وثيقة الأزهر" رغم أنها خرجت من جهة دينية ، ولم يطالبوا بخروج الوثيقة من جهة كـ"جامعة القاهرة" التي تعد أول جامعة للتعليم غير الديني في مصر قبل مائة عام ونيف ، والتي تعد رمزاً يجمع عليه المصريون على اختلاف أديانهم ، وعندما تمت مهاجمة بعض الكنائس على يد متطرفين أو مخربين قامت الدنيا ولم تقعد ، الآن انتهت علاقة المصلحة بين "هؤلاء" وبين المسجد كدار عبادة ، ولم يعر أحد انتباهاً للجريمة التي نشرنا عنها في تلك المدونة وقت تمت مهاجمة مسجد في المنوفية ، وكتب عنها كاتب السطور تدوينته "السقف الأخير" ، ليتحول المسجد وربما الكنيسة مع الوقت إلى هدف للعنف السياسي ، شخص داخل المسجد أخطأ خطأً كبيراً ، فما ذنب المسجد كدار عبادة؟ مش عارف.. ومش عايز أعرف..

ما حدث مجرد بداية لسلوكيات أكثر عنفاً في مجتمع أصبح أكثر عنفاً ، تخيل أن حذاءاً قد سرق كما حدث معي منذ بضعة سنوات ، وشعرت أن طاقم المسجد متغافل عن تلك السرقة بما أن لصوص المساجد معروفين عندنا وعمال المساجد يعرفونهم هم وعامة الشعب وفي أحيان يتركوهم ، تخيلوا المشهد الآن في مجتمع لا يطيق أن تقف ذبابة على أرنبة أنفه ، ح أكسر الجامع على اللي فيه ، وأكسره لوحدي ليه ، أجيب الشلة تكسر فيه معانا لحد ما تبقاش فيه نجفة سليمة .. يد الله مع الجماعة .. وإيد لوحدها ماتكسرش.. وبالمرة أعلم على الجامع أنا والشلة ونشيل معانا مبرد مية من المبردات اللي مالهاش لازمة ، ما احنا مجتمع "عبده موتة" و "إبراهيم الأبيض" وفيلم "الجزيرة".. أنا الحكومة ..أنا الحكوووومة..

هل سيكون لنا نفس للتفاخر بالتدين المصري الذي لا يجرؤ معتنقوه على مهاجمة دار عبادة ، سواء أكانت مسجداً أو كنيسة ، ونحن نشاهد في مصر ما قد يشبه بوادر عنف ديني هدفه دور العبادة ، ولسة لما الشيعة ييجوا يونسونا هنا على شوية البهائيين ونبقى دوري أبطال العنف الديني ، مع ظهور منطق "جحا أولى بكسر جامعه" ، أنا ما أكسرش كنيسة ولا معبد يهودي مثلاً ، أما الجامع فمنا وعلينا نروح نكسر فيه براحتنا ، كمن يرفضون معاكسة بنات الحواري الأخرى مكتفين بالتحرش ببنت حارتهم.. دييييني وأنا حر فيه!

المسألة تحولت إلى مصالح في مصالح ، مصلحة للمتطرفين ومصلحة أيضاً لمن يقولون أنهم معتدلون ، لأنصار الدولة الدينية (ودة وارد مع رفضي القاطع ليه) وأنصار مدنية الدولة (ودة الجديد) ، دار العبادة مصلحة للدعاية السياسية مع وضد ، شيخ يقوم بالدعاية بنعم وشيخ يقوم بالدعاية بلا ، الخطبة نعم والورق المتوزع جوة الجامع يقول لأ .. لأ وإيه.. ويجب أن تمثل التدين على مزاج أهلي وإلا فلا ، هذه هي مصلحتي مع المسجد على الأقل ، وأهو بالمرة ننقل الانحطاط خاصتنا خارج أسوار المسجد إلى داخله ، إن بابليك ومن غير فيلينجز.. يبقى سو وات؟.. سلملي على الشعب المتدين تدين سمح بفطرته .. بعد ما تكون سلمتلي على الترماي.. وسك ع البك..

كسر يا جدع بلاش كلام فارغ..

Wednesday, November 21, 2012

دار الإفتاء ، والرشوة ، وأنا وانت!

الوقت ليس مناسباً للحلبسة ، إلا أن حاجتنا للفكاهة والمرح والتسلية تفرض نفسها خاصةً وأن "البعض" يتطوع بإضفاء تلك اللمسات على حياتنا والتي تجعل فترة إقامتنا في دنيا الناس خفيفة وظريفة ولطيفة..

نشرت بوابة أخبار اليوم ومواقع أخرى هذا الخبر : دار الإفتاء تفتي بأن دفع الرشوة لتيسير مصلحة أو للحصول على وظيفة حرام شرعًا!

لا أعرف المشكلة في من ، هل في البوابة نفسها التي اختارت عنواناً مضحكاً كهذا ، والسر هو أننا جميعاً نعرف أن الرشوة حرام ، أم دار الإفتاء التي نفهم من هذا التصريح إن صح نسبه لها أن هناك رشوة حرام ورشوة مش حرام!

هل لدينا شك بأن الرشوة حرام؟

ربما يظهر من يقول أن الرشوة ليست حراماً ، مفكر إسلامي أو باحث إسلامي أو أياً من الحبشتكانات التي يطلقها البعض على أنفسهم لتبرير اجتهاداتهم - هكذا يسمون ما يكتب تحت تأثير البانجو - كيف لا وقد ظهر أحد شيوخ "المؤسسة" المدعو "مصطفى راشد" محللاً الخمر وواصفاً حرمتها المتعارف عليها بأنها وهم!

ياي.. احنا كان مضحوك علينا للدرجة دي؟ هل تعرضنا لخدعة كونية كانت تعتبر الرشوة وتجارة المخدرات والإهمال القاتل حرام ، حتى جاء البيه ليصحح لنا أمور ديننا التي لم يعترض عليها صحابي ولا تابعي ولا مفسر؟.. أوفتي يايي .. احنا عندنا جيش مفكرين إسلاميين يستحقون جائزة نوفل للفكر الإسلامي ، ولولاهم لولا لولا لولا ما كنا نستطيع العيش في هذه الحياة! :(

البعض يقرأ الخبر ذا العنوان المضحك بطريقة أخرى : ينسب البعض القول لمفتي الجمهورية الحالي بأنه حلل أو برر الرشوة في حالات معينة .. وبالتالي تعد تلك الفتوى تصحيحاً للفتوى السابقة - إن وجدت - وعودة للمسار الصحيح ، لكن ما دام المفتي يعرف أن الرشوة حرام فلماذا لم يتراجع أو يوضح وقتها؟

كيف ترون ذلك؟

Saturday, November 17, 2012

الشريعة والإهمال القاتل- استفهام للمعرفة

أمام مطالبات بتطبيق الحدود في الشريعة يجد الإنسان بعد جريمة الأمس نفسه أمام سؤال مهم للغاية : كيف سيتعامل نظام قانوني مبني على الشريعة الإسلامية مع الإهمال القاتل ، أو سلوكيات الإهمال ومنها القيادة تحت تأثير مسكرات أو مخدرات ، وهي أمور لم تكن موجودة وقت الرسول صلى الله عليه وسلم ، وتحتاج لاجتهاد حقيقي يحمي المجتمع من شرورها أكثر من أمور كثيرة يتفيهق فيها البعض بافتكاسات غبية يخيل لهم من غبائهم وتغييبهم أنها اجتهادات..

وكنت أعتقد أن الإسلاميين سيهتمون أكثر من كلاب المال السياسي والمتلبرلين بضحايا هذه النوعية من الحوادث ، والذين يتجاهلونهم لأنهم لا بواكي لهم ولا لديهم ، وكنا ننتظر وسط إسهال ما يسمى بالفتاوى فتوى بحق المهمل القاتل الذي يقتل بإهماله ألف شخص في قطار أو خمسين في حادث أتوبيس كما حدث بالأمس .. لكن ونحن بعد يوم كامل مما جرى في أسيوط ننتظر فتوى أو تعليق على الإهمال القاتل من المؤسسة الدينية الرسمية "الأزهر" أو من الصناديد الذين يتحدثون في السياسة أكثر مما ينبغي لهم باعتبار أن السياسة صارت كرة قدم والكل بيفت فيها..

لا أستطيع أن أخفي إحباطي الشديد جداً من كل فصائل الإسلاميين بلا استثناء ، ومن كل المرشحين "الإسلاميين" للرئاسة الذين ثبت بالدليل العملي أنهم لا يعملون إلا لحساب أنفسهم ويظهرون بطريقة يفهم الرائي منها أنها رياء وخيلاء (قبل أن يتهمني القلاضيش بالدخول في النيات)، ومن كل الشيوخ الذين تقاعسوا عن الاجتهاد في مسألة كتلك تهدد الروح البشرية ، وهي التي لطالما سعى الإسلام لحمايتها من الإهمال والاستهتار والإزهاق..

وحتى يفتح الله عليهم ، وحتى يريدون أصلاً ويعقدون النية على اجتهاد ، يبقى السؤال : ماذا يمكن للفقه الإسلامي أن يقدم في الإهمال المزهق للروح، خصوصاً لو أزهق ألف روح؟

Friday, November 16, 2012

صكوك الإيمان ، وصكوك الشرف.. "العارف بالله" "عادل حمودة"

هو كاتب كبير سناً على الأقل ، قضى فترة طويلة من حياته بمؤسسة صحفية قومية معروفة ، ولن أقول معروفة بماذا ، اتجه مؤخراً للاستصواف ، التصوف الحركي الذي يشكل دملاً في وجه الإسلام تماماً مثله كالحركات التكفيرية ، وبما أن البيه يعطي محاضرات في الإيمان والكفر والاعتدال والتطرف فقد أفتى من جانب واحد بأن ربع الشعب المصري زناة.. وش!

نفس ذلك الشخص الظريف هاجم الشيخ الذي هاجم فنانة خفيفة الموهبة ثقيلة الظل بنفس العبارات تقريباً ، أي أن فضيلة العارف بالله سيادة الكاتب الكبير أحل لنفسه الخوض في أعراض أناس لا يعرفهم ، مصدراً إحصائية من فمه الشريف ، كقلمه تماماً الذي صار في خدمة أحد رموز الفساد الذي يمن علينا بأنه وحش الفلا حامي الحمى ومصارع الفساد وعدو الإفساد..

حقيقة لا فرق بين هذا وذاك ، بين سيادته حمامة التخلية والتحلية وبين أكثر صقور الإسلاميين تطرفاً ، أكثر الإسلاميين تطرفاً يمنح صكوك الإيمان والكفر ، أما سيادة الصحفي المكشوف عنه الحجاب والنقاب والإسدال أيضاً يمنح بدوره صكوك الشرف والعهر ، أنزه من الجميع ، أشرف من الجميع ، أصدق من الجميع ، أحمر على أبوه يا بطيخ..

لا أريد أن أسمع *راء من عينة الإسلام المصري وسماحة الإسلام المصري من هذا الشخص أو من غيره ، فلا المصري أطهر وأنقى من السوداني ولا الباكستاني ولا العكس ، ولم يزعم يوماً أنه أطهر من غيره كما فعل البيه (وغيره من السخاعيين الذين اعتبرونا جنساً آرياً ووصمونا في محيطنا العربي بالعنصرية وعلو الأنا) ويفعل بهوات أخرون بينهم إسلاميون وغير إسلاميين على السواء، أضف لذلك أن المصري يؤمن بأن الله حليم ستار حتى على المنحرفين ، ولا يفتي من جانبه بأن هذه شريفة بالدليل وأن تلك عاهرة نجسة الذيل ، أما صاحبنا المتطهر أكثر من اللازم ، المستحم بالبيتادين ، فلم يكفِه ارتمائه في جناح تيار يرى نفسه أزهد الناس عن الدنيا ويطلق على رموزه لقب "العارف بالله" (على أساس أننا العارفين بسميحة)، حتى يزايد عليه ويسلك نفس سلوكه ونفس سلوك من ينتقدهم دون وجود أي أثر لحمرة الخجل..

العبارة في الشيكارة .. ليس للتطرف إشارة.. وصلت؟

Monday, October 15, 2012

يعني إيه حزب إسلامي؟

كان المرء - "بصراحة"- تائهاً حتى أفاده السيد الفاضل "محمد يسري سلامة" بأن حزب "الدستور" حزب إسلامي ، حقيقة أنا لم أكن أعرف لأي حزب سأقوم بالصويت* في الانتخابات القادمة حتى تأكدت أن حزب "الدستور" قد حصل على الأيزو من السيد "محمد يسري سلامة" ومن بعده "عبد المنعم أبو الفتوح" والذي أصبح بمقتضاه حزب "الدستور" حزب "إسلامي إسلامي" ، على غرار "لعيب تكتيكي تكتيكي"!

لا يثير غضبي في هذه المرحلة من حياتي شيء قدر ما أسمع عن حوار بين شخصين عن شيء ما يتحدثان عنه كحقيقة كونية دون أن يهتم أي من المتحدثين أن يعرف عما يتحدثون ، بل وأشك أن أياً من المتحدثين يعرف عما يتكلم ، ولكنه مصر على التعامل معه على أنه شيء يعرفه كل الناس ، تماماً كمنطق "شفيق يا راجل" بما أنه من العار والشنار ألا نعرف من هو "شفيق عبد ربه" في مسرحية "عش المجانين" قبل ما يقرب من الثلاثة والثلاثين عاماً..

ما أعرفه أن هناك أحزاباً دينية ، وأحزاباً مدنية مبنية على مرجعية دينية.. الحزب الديني يقوده عادةً - وصححوني إن أخطأت بما أن المدونة كلها مبنية على التفكير بصوت عال- رجال دين ، أما الحزب السياسي المدني في نشأته وتكوينه الديني المرجعية فبه أطياف سياسية مدنية عدة ، مبني على التصور "الديني" - أياً كان الدين - للحياة والدولة والسلطة والحقوق والحريات ....الخ ، "الوسط" مثلاً.. وربما "الحرية والعدالة" .. وهناك أحزاب كـ"النور" تمثل حالة وسطى بين الاثنين ، تعتمد آليات مدنية كالانتخاب الداخلي ، لا غضاضة عندهم في ضم أي ممن لا يشاركهم الفكرة السلفية كما يعلنون على الأقل (ولأجل الظهور بمظهر أكثر انفتاحاً قدم الحزب مرشحات في انتخابات 2011)، ولكن هناك هيئة "شرعية" به من كبار الشيوخ السلفيين..

حزب "الدستور" بعيداً عن الفشحطة الثقافية للسيد "محمد يسري سلامة" هو مجرد حزب سياسي مدني ذو مرجعية مدنية صرفة ، مثله مثل "الوفد" و "التجمع" و "الغد" وغيرهم.. ما هو داعي أن يتحدث هو أو غيره عن أن هذا الحزب السياسي المدني "إسلامي" من عدمه؟ عن نفسي مش عارف!

تفسيري الوحيد والغبي بالتأكيد لتصريح السيد "محمد يسري سلامة" هو أنه صفة وليس وصفاً ، كواحد ممن وصفهم "هو" وليس أي شخص آخر بـ"المتطرفين" ومن منن حزبه علينا أنه وضعهم في صدارة المتحدثين باسمه -والكلام له على "تويتر"- في واحد من أغرب تصريحاته وأكثرها إثارة للضحك وليس الجدل .. وما قاله - واعذروني في هذه بما أني لست من المتمكنين إلى هذه الدرجة من أصوليات البلاغة- "صفة استحسان" ، بما أننا في مجتمع متدين محافظ أغلبية سكانه مسلمين ، فحزب إسلامي لديه تعني "حزب حلو"..

على أي أساس أقول أن هذا الحزب ، إن سلمت بكلام السيد "محمد يسري سلامة" "إسلامي حلو"؟ برضه مش عارف..

تلمح في تويتاته الحديث عن الشريعة ، علماً بأنني لم أسمع عن حزب رفض المادة الثانية في الدستور علانية -ولا يستطيع أي حزب أن يرفضها علناً- ولا أعرف أي تعريف يقصده سيادته للشريعة ، الحقوق أم الحدود أم المعاملات ، علماً بأنه كان عضواً في حزب "النور" السلفي ومتحدثاً باسمه ،وتبنى التصور الذي تبناه "النور" للشريعة ، وانتقد في تويتة لاحقة بعض أعضاء الدستور ممن لهم مواقف معلنة وواضحة ضد تطبيق الشريعة ، ولم يقل لنا أنه تخلى عن تصوره "السلفي" للشريعة ، وبالتالي أنه كان على خطأ ، وبالمرة يوضح لنا التصور الصحيح للشريعة من وجهة نظره..

سؤال آخر بجملة الأسئلة : هل الحزب الإسلامي ، أو الحاصل على الأيزو الإسلامي من وجهة نظر "يسري سلامة" و/أو "عبد المنعم أبو الفتوح" مع حفظ الألقاب حزب ينادي بتطبيق الشريعة بكامل أحكامها فيم يخص المبادئ العامة والنظام الجنائي وأحكام المجتمع وعلاقاته من زواج وطلاق ومواريث وفقه التجارة و....و....و... كحزمة واحدة مع مرونة في التطبيق لا تخل بثوابت الشريعة ، أم أنه "لا يخالف الشريعة" من منطق ومنطلق "أنا ما بعملش الصح بس ما بعملش حاجة غلط" ، وبذلك فإن كل الأحزاب إسلامية تقريباً!

أكبر سقطة أن يدعي الحزب أنه حزب مدني ، وأنه "حزب الكل" بطريقة يفهم منها أن الحزب "بتاع كله" ، سلفي تلاقيه ، صوفي تلاقيه ، شيعي تلاقيه ، ماركسي تلاقيه ، صيني تلاقيه ، حزب "الدستور" لكل الأذواق ، وحزب "التجمع" "بتاع الشعب" -وهو كذلك بمنطق مسرحية "العيال كبرت".. وبيني وبينكم ، عندما يدعي الحزب السياسي المدني أنه حزب "إسلامي حلو" ، ماذا ترك للجماعات "الإسلامية الحلوة" إذن ، خاصةً عندما نرى قادة الحزب المدني الكميل ينتقدون تلك الجماعات على أساس أنها تحتكر الحديث باسم الدين وتسوق نفسها باسمه؟ معرفتكش أنا كدة!

أما عن قصة استعانة الأحزاب "المدنية" بمتحدثين "دينيين" يتبنون التصور "الديني" لكل شيء ، فتلك قصة أخرى ربما أكتب عنها بإذن الله في وقت لاحق..
* أيوة قاصد أكتبها كدة..

Sunday, October 7, 2012

بتخاف من مين؟

بما إننا مجتمع متدين فحت ، فمن العادي أن نقحم الله عز وجل في كل أنشطة حياتنا بما فيها الكذب ، مثلاً عندما تزور مكاناً ما يقسم س عليك بالله العظيم أن تشرب معه الشاي ، علماً بأنه لا نية لديه لأن يقدمه لك ، ويحلف لك ص بالله العظيم أنه اشترى تلك السلعة بمبلغ وقدره ، وأنه قدر لك تخفيضاً علشان خاطر العيش والملح وأشياء أخرى ، في حين أنه يستغلك وأنت تبتسم..

الألذ والأكثر تسلية ومتعة ومرحاً هو الإكليشيه الشهير "أنا ما باخافش غير من اللي خلقني" ، وعادة من يردده لا يختلف كثيراً عن الأمثلة السابقة ، فهو ، وأنا ، وأنت وكلنا لدينا ما/من نخاف منه ونخشاه..

هناك من يخاف من العجز ، والكسل ، والفشل ، والمرض ، والفقر ، والإحباط .. هناك من يخاف من المستقبل المجهول ، وهناك من يخاف من الماضي المعلوم .. هناك من يخاف من رئيسه في العمل ، ومن يخاف من زوجته ، ومن يخاف من أستاذه في الجامعة ، ومن يخاف من أهله ، وهناك من يخاف من حزبه ، وحتى من يخاف من خياله .. وكما أن هناك من "يخاف من" فهناك من "يخاف على" ، كمن يخاف على نفسه ، وعلى أسرته وأولاده ، وعلى مصالحه ، وعلى أرزاقه..

هناك خوف مشروع ، وخوف مرضي ، وخوف غير مشروع ، هناك خوف عن قوة ، وخوف عن ضعف ، هناك خوف من السلطة ، وخوف من المال السياسي ، وخوف من المؤسسة الدينية ، وخوف من المتطرفين ، و...و...و....وهو ما يصدق فيه قول "أيمن بهجت قمر" : بيزيد الخوف أضعاف أضعاف .. أول ما نحس إن احنا ضعاف..

نحن ضعفاء ، ومن الطبيعي أن نخاف ، مهما كانت درجة إيماننا بالله عز وجل ، لذلك نستعيذ ونستعين به ، لذلك نحاول أن نحسن من سيرنا وسلوكنا في تلك الدنيا ما استطعنا في ضوء ظروفنا وما هو متاح أمامنا واعتبارات أخرى ، فلا داعي لأن نتعنتر على أنفسنا وغيرنا ونزعم زعماً لسنا على قدره أو مؤهلين لتحمل مسئوليته ، أو أن ندعي أننا لا نخاف إلا من الله عز وجل في حين أننا نخاف من كل شيء خلقه الله ، دون أن نخاف الله في أحيان كثيرة..

عن نفسي لدي مخاوف ، وأعترف ، ما هي مخاوفكم؟

Saturday, October 6, 2012

في الآتي بعد : التطرف الأطفالي

أتوقع أن ينظر لي البعض عقب قرائته لتلك السطور نظرة "توفيق عكاشة" المحلقة وهو فاغر فاه ، لا بأس ، لكن ليعلم الجميع أننا نتحدث عن أمر واقع موجود على الأرض غصباً عن أعيننا أجمعين..

جريدة السيد "إبراهيم عيسى" طالعتنا مؤخراً بخبر عن طفلين متهمين بازدراء الأديان تبولا على ورقة فيها آيات قرآنية ، ولأن الإعلام لدينا يحترف تشتيت الناس عن ما هو أهم وأخطر ، فقد ركز فقط على عقاب الطفلين دون أن يجعل الناس تفكر ولو للحظة فيما فعلا الآن وما يمكن أن يفعلاه في المستقبل هما وغيرهما ، والذي أجزم بالتأكيد أن له علاقة بما أسميه "التطرف الأطفالي"..

والتطرف الأطفالي مثله مثل التشرد الأطفالي الذي نَظَّر له اللمبي ، وجزء كبير من التطرف والطائفية التي نعرفهما كان في البداية تطرفاً أطفالياً ، مر به أناس كثيرون حتى من يدعون أنهم متسامحون ولذاذ ويتبنون الدولة المدنية ووحدة عنصري الأمة ومسلم ومسيحي إيد واحدة ، ومن هؤلاء مثقفون وساسة ورجال أعمال وإعلاميون ، وأتحدى من يقول لي عكس ذلك..

من يرتكب الجرائم الطائفية الطابع ، ومن هم على شاكلة "أبو إسلام" و "موريس صادق" لم يظهروا على تلك الحالة في يوم وليلة ، كل هؤلاء وغيرهم أو بعضهم كان في طفولته ثم في شبابه ثم في نضجه متطرفاً يفكر بشكل طائفي ، ولكن السلوك المتطرف نوعان ، نوع يظهر تلقائياً ، ونوع يكمن ويحتاج فقط إلى فرصة كي يظهر ، وكلهما ارتوى بماء واحد في تربة واحدة..

فناهيك عن بيئة الأب والأم ، التي تتراوح اعتدالاً وتطرفاً محافظةً وانحلالاً بالمستوى الثقافي والاقتصادي والاجتماعي و...و... و... توجد عشرات المؤسسات التي تربي أطفال هذه الأيام ولم تكن متواجدة بالقدر الكافي وقت أن كان كاتب السطور ومن هم "مِن دوره" في سنهم ، لدينا المؤسسات الدينية بكافة أشكالها ، ولدينا الإعلام بكافة أشكاله وبرامجه وصحفه وما ينتقل هنا وهناك من أخبار وشائعات وحبشتكانات ، والكلام موجه لمن "لا" يعتقدون أن أطفال هذه الأيام لا يتابعون من التليفزيون إلا "سبونج بوب"!

سلوكنا كله ، بلغة الكمبيوتر والرياضيات الحديثة ، "مجرد" دالة ، في طابور طويل من المتغيرات ، المنزل ، المدرسة ، المسجد أو الكنيسة ، الشارع ، النادي إن وجد ، أدخل أي متغيرات وستحصل على نتيجة في النهاية.. وانت بقى ومتغيراتك..

ما أتمناه أن نعي، وأن يحترم إعلامنا بالمرة نفسه لمرة من نفسه ويعي التصرفات نفسها قبل ردود الأفعال ، وأن نفكر فيما يمكن أن تؤول عليه الأمور بالنسبة للمتطرفين الصغار إذا ما بقيت نفس المتغيرات على تطرفها .. إنك لا تجني من الشوك ورداً.. وصلت؟

Tuesday, September 11, 2012

غزوة الـ"ديسلايك"..و"الخط الأحمر" : الهلس والهلس المضاد

حاولت التعامل مع المزعقة التي يقوم بها كل من "عمرو أديب" و "محمد مصطفى شردي" على "القاهرة اليوم" كشيء مضحك وفشلت.. يحاول الرجلان إقناع أكبر كمية ممكنة من الناس ، بطريقتهما طبعاً ، لعمل dislike للفيلم أو الفيديو المسيء للرسول الكريم عليه الصلاة والسلام ، كرد فعل يثبت لـ"العالم" أننا "قادرون على رد الإساءة" و"الدفاع عن ديننا" و..و...

لا يلزم بالتأكيد أن تطلق لحيتك وتتكلم كالسلفيين كي تبدي اهتماماً بدينك ، لكن البعض يهتم بالدين من أجل مصلحته فقط ، لا نفتش في النوايا لكن في بعض الأحيان يفتن الفعل على نيته ، والمصلحة هنا باختصار هي الظهور بمظهر الغيور على الدين و/أو غير المعادي له ، أيضاً لكسب الرأي العام المتدين بطبعه ، ولإظهار أنهم لا يقلون غيرة على الدين من جماعات الإسلام السياسي.. طريقة ظريفة ومسلية فعلاً أن تزايد على جماعات الإسلام السياسي بفعل نفس ما يفعلوه وتنتقدهم عليه.. فعلاً إذا لم تستح..

وإن كنتم لا تصدقون ما أقول ، حاولوا معي الإجابة عن مجموعة من التساؤلات ، منها ، بل وأهمها : أين كان هؤلاء من الإساءات المتتابعة للرسول صلى الله عليه وسلم وآل بيته والقرآن الكريم من داخل المسلمين أنفسهم وبأيدي مسلمين؟ ألم يكن بعض هؤلاء يهللون للشيخ الذي قال ذات مرة أن الرسول صلى الله عليه وسلم ليس خطاً أحمر إبان أحداث العباسية-1، هل يصبح خطاً أحمر عندما يسيء له البعض في الخارج؟ لماذا لم نسمع حساً لهؤلاء إزاء الهجوم الصريح والمبطن على الرسول الكريم في كتب ألفها مسلمون؟ لماذا لم يبد هؤلاء اعتراضاً على التخريفة التي أدلى بها "توفيق عكاشة" عن القرآن الكريم؟ لماذا لم نسمع مجرد "همسة عتاب" - مع الاعتذار للبرنامج الإذاعي الشهير - في مواجهة الـ($@$@#$@%@#$%@) "ياسر الحبيب" وهو يسب أم المؤمنين السيدة عائشة بنت أبي بكر رضي الله عنهما وزوجة الرسول عليه الصلاة والسلام؟

هل هي نظرية "ديني وأنا حر فيه؟".. أي أنه من المسموح للمسلمين التجرؤ على الإسلام والتبجح على مقدساته ، ولا مانع من وصف من يفعل ذلك بأنهم "مجددون" حريصون "على سمعة الإسلام والمسلمين" و"تحسين الصورة المغلوطة عن الدين الحنيف في مواجهة افتراءات الغير" وأنهم "حماة الاعتدال" وأي حاجة في شيكارة لزوم تعبئة الليلة ، أما إن فعل غير المسلمين نفس الشيء فياللشنار وياللعار وقولوا للي أكل الحرام يخاف..

لا فرق بين أولئك السادة الأفاضل إذن ومن يتاجرون بالدين ، وكلا الفئتين لا تعرف الدين سوى لمصلحتها فقط ، إن لم يكن "أولئك" أكثر ابتذالاً ، ويذكرونا جميعاً بمشهد شهير للفنان "محيي إسماعيل" في فيلم "خلي بالك من زوزو" وهو يصرخ "لو كان سيفي معي ما احتجت للقلم"!

إلى هؤلاء.. جتكم القرف.. جمعااااااااء..

Wednesday, September 5, 2012

عندما قدم الشيخ بدر خدمة العمر لإلهام شاهين!

أحرج نفسه ، ووضع عدداً كبيراً من الشيوخ في موقف حرج بوقوعه في جريمة دينية فادحة لا تنبغي لعامة الناس فما بالكم برجل دين ، بل وأعطى لنصف ممثلة مثل "إلهام شاهين" قيمةً وحجماً لا تستحقه أصلاً..

بدلاً من أن ينجح في "قلب الدنيا" على ممثلة تصنف أنها من ممثلات مقهى المعاشات في الوسط الفني ، كما يبدو أنه كان يريد ، نجح في أن يكسبها قدراً هائلاً من التعاطف الإعلامي غير المستحق بتوجيهه إهانةً لها كإنسانة وليس كـ(نصف) ممثلة..

وقبل أن يقول أحد "إيه يعني الإعلام" ، أؤكد له أن الشيخ نفسه هو الذي ذهب إلى الإعلام وتكلم ، أي أن الإعلام له أهمية لديه ، ولا يبدو بتلك التفاهة بالنسبة له ، مع رأيي العدائي والمعروف تجاه الإعلام المصري الحالي وبخاصة إعلام المال السياسي المشبوه قبل سنوات والذي لم يتغير ولا يبدو أنه سيتغير في أي وقت..

الآن بدأنا نرى تطرفاً في الاتجاه المضاد ، يرفع من ممثلة ضعيفة الموهبة ، دة إن وجدت أصلاً ، ليعتبرها رمزاً للفن الراقي ، وهو نفس التطرف الذي رفع من أخريات بسبب "نوعية الأدوار اللاتي يمثلنها" رغم ضحالتهن الثقافية والفكرية الفاضحة ، أذكر أن أحد كتبة الأعمدة على قناة مالسياسية ما امتدح في إحداهن واصفاً إياها بأنها على قدر عال من الجرأة والتمرد والوعي ، والصفات الثلاثة لم نشاهدها بالمرة في حواراتها لا مع "طوني خليفة" ولا مع "وفاء الكيلاني" كأمثلة فقط.. أي أن من يقيم الناس على أساس ثقافتهم يمدح من ليس له في البتنجان ، عنداً في التيار الآخر الذي يعتبر الفن بكل أشكاله جريمة!

الاعتدال هو وسط بين رذيلتين تدعم كل منهما تصرفات حمقاء.. حتى ولو كان من يقوم بها ، على الطرفين ، ممن يقولون أنهم معتدلون..

Monday, August 6, 2012

تراويحك عندنا.. المهم انك تتبسط

ربما لا يكون الوقت مناسباً للكتابة في ذلك الموضوع ، لكني رأيت الأمر من السماجة بحيث أنه لا يحتمل بالمرة.. عن نفسي أنصح من يعانون من اضطرابات في ضغط الدم "توخي الحذر" عند قراءة السطور القادمة..

بما أن مسجد منطقتنا صغير ، وحوله ميدان صغير أيضاً ، من العادي أن تجد في ذلك الميدان مساحة تستغل في صلاة التراويح ، يؤمها بالتأكيد كثيرون في هذا الطقس الحار.. وهو ما استغله بعض الظرفاء لتوزيع أوراق دعاية ، كتلك التي يتم توزيعها عادةً بعد صلاة الجمعة خارج أي مسجد (وفي تطور نوعي يتم توزيعها حالياً داخل المسجد نفسه)..

موضوع ورقة الدعاية بسيط : تعالوا إلى المسجد الفلاني للاعتكاف في العشر الأواخر من رمضان! نعم.. بعض الـ"فانز" لبعض الشيوخ يروج للاعتكاف في المسجد الفلاني بصحبة الشيخ "س" و الشيخ "ص" -لن أذكر اسميهما- في مسجد آخر..

بعيداً عن محتوى الورقة الدعائية ، والأسلوب "الدعوي" الذي تعودنا عليه من هؤلاء ، والصورة الموجودة في وجه الورقة عن حسن الخاتمة وسوء الخاتمة والأسلوب التفزيعي المعهود في دعوة الناس إلى "طريق الهداية".. والكلام الموجود في ظهرها كما لو كان دعاية لرحلة سياحية أو لحفل غنائي عن الاعتكاف الـ"تححححححفة" بما أن الاعتكاف لا يصح إلا في المسجد الفلاني ، ما يثير حفيظة أي شخص هو أن هذه الورقة يتم توزيعها على مصلين في مسجد ، وليس على رواد مقهى أو صالة سينما.. كما لو كان ذلك المسجد ملهىً ليلياً ونحن لا نعرف..

الحمد لله الذي لا يحمد على مكروه سواه ، المساجد تنافس الخيام الرمضانية الآن ، بدلاً من الذهاب إلى الخيمة أو قبل الذهاب إلى الخيمة لنذهب إلى خيمة المسجد الفلاني ، لتستمع إلى الشيخ إياه "أبو صوت حلو" ، أو للدقة "أبو عُرَب" ومطالع ومنازل ، الذي "يسلطن" المصلين في صلاة التراويح ، وتخرج مستمتعاً بعد سماعك لآيات البعث والحساب والنار بطريقة تجعلك تذوب عشقاً في جهنم وتتمنى التقاط صورة مع خزنتها، ثم تكتمل المتعة بـ"موال" القنوت من الشيخ المذكور.. المهم إنك تتبسط.. لن تجد مثل تلك الأشياء في الخيمة.. وربما يكون القائمون على تلك المساجد أكثر سخاءاً ويوزعون عصيراً على المصلين في فترة الاستراحة ، وإن كان الشيخ المطرب لا يفضل أن تكون هناك بين ركعات التراويح أي استراحة.. مش جايين نلعب!.. مرة أخرى : المهم إنك تتبسط .. تستمتع بشكل ملتزم ، بدلاً من أن تذهب إلى كافيه أو خيمة لتسمع مطرباً يغني الألحان ، اذهب معنا إلى المسجد لتسمع قارئاً يغني القرآن ، ومع بعض الدموع التي تذرفها خلف الشيخ المتباكي في القنوت تخرج وأنت تشعر أنك أرضيت الله عز وجل ، بما أن البعض يتعامل معه بنفس الطريقة ، قبل أن تذهب في العيد مهرولاً لمشاهدة فيلم "الست" "دينا".. وكدة تبقى حافظ مركزك أمعلم ، دين ، ودنيا ، أو بالأحرى : دين ، ودينا!

من الأحمق الذي يزعم أن أسلوباً بهذه الكمية من "الظرافة" يجذب الناس إلى الدين والتدين؟ هي ليست "ظرافة" بقدر ما هي "قلة أدب" .. فبهذا المنطق تحتاج صلاتك في أي مسجد آخر لا تنطبق عليه الشروط إلى صلاة.. بل وربما تخجل وأنت تجيب عن سؤال صديق لك عن المسجد الذي تصلي فيه التراويح من مجرد ذكر اسم ذلك المسجد الآخر.. والدليل هو ما حدث اليوم ورأيته بأم عيني.. كدة تصلي ورا واحد صوته وحش.. ياوحش؟

ما يحدث ، مضافاً إليه أمور أخرى ، تجعلنا بالتدريج من القوم الذين يهمهم أن يبقوا مبسوطين.. فنفن عباداتك ، فنفن معاملاتك .. زيح العيا مر..

الصبر يا رب..

Thursday, July 26, 2012

المرض .. والعقاب .. ونظرية "أحسن"

مقدمة:أنا واحد من الناس الذين أخذوا ، ويأخذون ، "شبورة" إعلانات التبرعات للمستشفيات بحساسية شديدة ، قناعتي الفكرية وأنا حر فيها ، قد ينظر البعض لتلك الإعلانات على محمل حسن النية ومساعدة المرضى في البحث عن فرصة علاج آدمي ولائق ، وأنا أعتبرها جزءاً من نظرة كراهية غير عادية متغلغلة في ذهنيتنا عن المرضى كلهم بشكل عام ، من مظاهرها إهانتهم في هذا الإعلان أو ذاك..

وعندما تأتي السيرة أتذكر "جلين هودل" ، وهو مدرب كرة قدم إنجليزي شغل لبعض الوقت منصب المدير الفني للمنتخب الإنجليزي ، وكان يعتنق بعض المعتقدات البوذية ، ومن ضمنها أن "المعاقين يدفعون ثمن أخطاء ما قبل الوجود" ، هذا التصريح الذي عد إهانة لذوي الاحتياجات الخاصة وكان سبباً في الإطاحة به من منصبه..

الهودليزم أصبح جزءاً لا يتجزأ فيما يبدو من ثقافة مجتمعنا المتدين السَّمح السِمِح ، والشماتة في المرض لدينا فعل لذيذ ، غير أننا زدنا عليه اعتبار فكرة أن المرض هو عقاب من الله عز وجل يلحقه بأي مخلوق نتيجة سوء سيره وسلوكه..

"فلان الفلاني" أصيب بالسرطان - مثلاً - كنتيجة طبيعية لـ"المشي البطال" الذي ظل عليه طوال حياته من سجائر ومخدرات وخمور ، وحتى لو اتضح أن هذا الشخص مستقيم ولا علاقة له بالسجائر ولا الخمور ولا المخدرات ، يمكن النبش عن أي سبب آخر يستحق من أجله هذا الشخص تلك العقوبة.. "دة أكيد كان بيعمل كذا وكذا".. "دة كان قليل الأدب" .. "دة كان ..." ، "دة كان".. وحتى لو ثبت أن السرطان لديه وراثي ، يبقى باب النبش والنخربة واسعاً..

أما "علان العلاني" المصاب بالإيدز فقد أصيب به كنتيجة طبيعية لسلوكه غير السوي وممارساته المش عارف إيه ، حتى لو اتضح أنه تلقى الفيروس من شخص مصاب عن طريق نقل دم (في مستشفى لا يملك القائمون عليها ولا العاملون بها الحد الأدنى من الدم).. وأول ما يسمع حين تأتي سيرة "ترتان الترتاني" المصاب بالسكري هو "ما هو من طفاسته".. فس على ذلك الأمراض العضوية كلها بشكل عام والمزمن منها والقاتل بشكل خاص..

والمرضى النفسيون طبعاً أشد هؤلاء إثماً وجريمة .. وهؤلاء من وجهة نظر البعض "أعداء الله" وش .. "لو كان ربنا هاديه ، ما كانش عمل كدة فيه".. "فلان الفلاني بيكلم نفسه.. أحسن.. ماهو من عمايله السودة"..

ولن تحتاج للدخول على النت لمتابعة خبر عن وفاة أي شخص مشهور لتجد أمثلة على ذلك المنطق ، فكلما مشيت في الشارع ستتعثر حتماً في مثال أو اثنين..

وبعيداً عن الشماتة في المرض ونظرية "أحسن" ، التي صارت جزءاً من روتين الرخامة في كل أشهر السنة ، ما الذي يدريني ، ويدريك ، أن إصابة س أو ص من الناس بمرض معين هو عقاب إلهي؟ ما أعرفه هو أن الله عز وجل "لا يسئل عما يفعل وهم يسئلون" (الأنبياء : 23) ، له مطلق الحرية في أن يرزق هذا ويمنع عن ذاك ، أن يهدي فلاناً ويضل علاناً .. وهو غني عنا جميعاً .. والمرض مثله مثل الرزق ، يوزعه الله عز وجل على الجميع عاصياً ومطيعاً ومؤمناً وكافراً ، لحكمة يعلمها .. هذا أولاً..

ثانياً.. ألا تستحق النظرة التي يلقاها المرض والمرضى من شعب "متدين" مراجعة جذرية وشاملة؟ هل أصبحنا مثل الشخص "الرخم" الذي سقط في بالوعة فكان أول ما قاله "أحسن"؟ هل أصبحنا كارهين لأنفسنا إلى هذا الحد؟

Wednesday, July 25, 2012

ميسي ، ورونالدو ، والمسلسل ، وخيبة مولانا

نحن نعيش حالياً في أجواء الفرح البلدي بكل ما تحمله الكلمة من معنى ، إذا كنت قريباً من وسيلة إعلان ، فهناك "ستيريوتايبات" و"حوارات" تصلح لمناسبات معينة يتم إطلاقها على الطريقة التي يحيي فيها مطرب "المهرجان" أهل العريس والعروسة ، وهناك تحايا في الإعلام لكل أهل عريس وعروسة ، المجتمع المحافظ ، الليبراليين ، الإسلاميين ، رجال الأعمال ، اليسار ، الناصريين ، الثوريين ، الفلول ، وأنا وانت..

أحد الشيوخ السعوديين تصرف بنفس الطريقة بمناسبة مسلسل "الفاروق" الذي ما كان أن يعرض ولا أن يجاز إلا في ظل موافقة سياسية - دينية ، تحول معها كل الهجوم على كار التمثيل وعلى الفنون ، والذي يتعدى درجة التحريم ، إلى شيء آخر يختلف ، نلمسه من خلال التحية السخيفة التي وجهها المذكور ..

يقول لا فوض فوه :

اسأل نفسك وجاوبها بكل تجرد.. متى قريت سيرة عمر؟ لا تجاوبني أنا كم مرة سمعت اسم عمر في مجلسك واستراحتك

...

أكثر هؤلاء لو تسأله كم كانت مدة خلافة عمر ومتى تولى لا يعرف وأكثرهم يعرف عن رونالدو وميسي ما لا يعرف ربعه عن عمر وغير عمر

تشعر أن مولانا يتحدث فيما يبدو عن عالم غير العالم الذي نعيشه ، يتحدث عن عالم كله حانات وخمور ودعارة ، وليس مجتمعاً فيه مساجد ضخمة يصلي بها عشرات الآلاف خلف إمام أو شيخ معروف لا تنزل كلمته الأرض أبداً ، وفيه بدل القناة الدينية ألف ، وبدل الشريط ألف ، وبدل الفيديو ألف ، وبدل الموقع ألف ، وكلهم يتحدثون بنفس الخطاب "القصصي" المبني كله على "تقديم القدوة" و"العظة والعبرة" سواء فيما يستطيع الناس الاقتداء به وتقليده أو ما يتعدى قدرات البشر في زماننا الراهن بتحدياته وتغيراته..

والمفروض أنه من مهام رجال الدين ، وليس كل مهام رجال الدين ، توعية الناس - حكاماً ومحكومين - ووعظهم بالحكمة والموعظة الحسنة ، وتقديم النماذج بشكل يستطيع الناس استيعابه والاقتداء به ، عملاً بالقول المأثور : إذا أردت أن تطاع فأمر بما يستطاع..

فضح الرجل نفسه وغيره من حيث لا يعلم ولا يدري ، وكشف أنه لا يقوم هو وغيره بعملهم كما يجب ، مثله مثل كثيرين يعجبون بأنفسهم أكثر من اللازم ، ويفصلون الخطب على طول الشريط ، أو يهملها ليتفرغ لتقديم برنامج فضائي ، ويقوم بتضبيط الميكروفون بدقة قبل صلاة التراويح علشان الصوت يطلع حلو، عندما لا تؤدي عملك تقوم فوراً بالإسقاط على الغير ، بالهجوم المبالغ فيه على أي غير من أي نوع من باب "إديله في شكارة في شكارة" و"محدش حيعد ورانا".. ما هو دخل "ميسي" و "رونالدو" بالمسلسل أو بـ"عمر بن الخطاب" رضي الله عنه ، خاصةً وأن من جمهور مولانا عدد لا بأس به من جمهور "ميسي" و "رونالدو"؟.. و/أو ما بالثناء المبالغ فيه على الغير كي تهرب من المسئولية (وهو ما حدث من الرجل مع المسلسل وصناعه) .. ويصبح "الحديت ماسخاً" لأبعد مدى عندما لا يكون ذلك "الغير" علاقة بما تفعل أنت.. هل أخبر الرجل أحد أن الفن ليس من وظيفته القيام بعمل المنبر؟ الفن يطرح أسئلة ويقدم واقع وليس من مهمته تقديم حلول، الحلول مهمة أناس آخرين ، الفن يعتمد على الخيال والواقع (وعلى الخيال بشكل أكبر) ، بينما لدى رجل الدين قيم ومعلومات يوصلها للناس كمعلم يوصلها لتلاميذه ، طبقاً للمنهج الذي يتبناه مولانا على الأقل..

تحية هابطة اللغة والمنطق معاً تليق بأجواء يغلب عليها عدم الفهم ومعاداته ، أشبه بأجواء الحشيش والبيرة ، في الضياع في الضياع على رأي المطرب الشعبي "هوبة" ، ومحاولة للتنصل من الفشل والهرب من المسئولية .. هذا إن كان صاحب التحية قد بلغه درس "شارع الهرم" العام الماضي ، وكيف تحول كثيرون ممن ملأوا صلوات التراويح في رمضان الماضي إلى مشاهدة "شارع الهرم"!

لو كان الفن هابطاً كله ، وحراماً كله ، وأهله كلهم الذي والذين ، لماذا يبيحه الرجل وأمثاله الآن؟ وما الذي سيضمن لنا أنه لن يكفره بأهله غداً؟ لماذا لا يترك عمله للفن والفنانين بينما يتحول الفنانون إلى وعاظ والمهنيون إلى ساسة والساسة إلى أطباء والأطباء إلى محامين؟ ولماذا لا يحتفظ بنصائحه ، أو يحتفظ غيره كل في بلده ، ببعض من نصائحه لحكامه ، بما أن "عمر بن الخطاب" رضي الله عنه وأرضاه كان نموذجاً للحاكم القدوة ، الذي لا تقوم في بلاده اضطرابات ولا ثورات ضد الفقر والتهميش والديكتاتورية؟

يا فرحتي ببعض المنتسبين لرجال الدين الذين يتهربون من عملهم الأصلي ، بل ويسهمون في عمل تمارين إطالة لألسنة الناس بسبب تصريحاتهم ومواقفهم..

للتذكير : هذا ما سبق كتابته في ذلك المكان في العشرين من أغسطس الماضي .. نحن ندور حول أنفسنا بصورة مرعبة..

Thursday, July 19, 2012

ختام الملف .. رءوس أسئلة

بالتساؤلات بدأت ، وبها أختتم..

كيف ترون أنتم أسلمة الفنون؟ هل يجب أن يحمل ما يسميه أصحابه بـ"الفن الإسلامي" وعظاً مباشراً أم ينزل إلى الناس وهمومهم وقضاياهم وحياتهم؟ هل يتقيد بـ"ستيريوتايب" كالذي نراه في الفضائيات الدينية أم يتحرك بحرية في المواضيع والقضايا بضوابط أخلاقية ودينية؟

من في رأيكم يحدد إذا كان الفن إسلامياً من عدمه؟

لو أراد الإسلاميون تقديم الفن بكافة صوره بعد أن جرمه العديد من شيوخهم ومرجعياتهم لسنوات ، لمن سيقدمونه؟ لـ"الملتزمين" من وجهة نظرهم أم لعامة الناس؟ هل ستنجح حيلهم في تخطي ما يعتبرونه "أموراً محرمةً في الفنون" كما تخطى الفنانون المسلمون في قرون سابقة مسألة تحريم التصوير ، أم أن البلادة التي سيطرت على حيلهم الموسيقية ستسيطر على حيلهم في الفنون الدرامية الأخرى من مسرح وسينما ودراما تليفزيونية ، هذا إن لم يعتبرها معظمهم حراماً؟

هل مسيرة الفضائيات "الإسلامية" ، باعتبارها العارض الأبرز لما يسميه أصحابه بـ"الفن الإسلامي" ، تبشر بأي خير في تحسن علاقة الإسلاميين بالفنون ، أم أنها ستكرس أكثر وأكثر لعزلتهم عن الفن ، والاقتصاد ، والإصلاح الاجتماعي ، والحياة ككل؟

لماذا كان الإسلاميون في الماضي أكثر انفتاحاً نحو الفنون من الآن؟ قد لا يعرف الكثيرون أن الإخوان كان لهم فرقة مسرحية ، وتخرج فيها ممثلون من العيار الثقيل كان لهم دور حقيقي في الحياة الفنية المصرية.. لماذا تبنى الجميع الآن عداءً للفن ومحاولات وضعه في قوالب معينة "لا يجب أبداً" أن يخرج منها؟

هل يواجه الفن ثقوب التدين لدى مجتمعنا ، مسلميه ومسيحييه على السواء ، أم يستمر إما في تملق المشاعر الدينية من أجل السوق ، ومن أجل الدعاية السياسية حتى لليبرالية والتيار اليساري؟

أتمنى أن أكون قد نجحت في توصيل عشر ما أردت توصيله ، قد أعود لفتح نفس ذلك الملف في وقت لاحق بتساؤلات جديدة وبمحاولات للبحث عن إجابات ، ودائماً تبقى الكرة في ملعبكم.. كل عام أنتم بألف خير..

Tuesday, July 17, 2012

السؤال الثالث : ما بعد مسلسل "عمر بن الخطاب"

1-بما أن الأمور ستصل إلى المدى الذي نجد فيه البعض حذا حذو التجربة الإيرانية وقرر إظهار الأنبياء على الشاشة ، لماذا كان الإسلاميون يرفضون ذلك ، ثم قبلوه الآن ، لمجرد أن الشيخ "يوسف القرضاوي" أقره؟ لماذا حرمه الإسلاميون على الليبراليين واليساريين وأحلوه لأنفسهم بقواعدهم هم؟ أليس منطق "أيزو رجل الدين" متناقضاً مع الكلام الطويل والمعتاد والممل عن مدنية الدولة؟ وعن أنه لا كهنوت في الإسلام؟ وعن أن الإسلام لا يعرف الدولة الدينية؟ وكل تلك حقائق بالنسبة لنا جميعاً ، باستثناء صنف بعينه من الإسلاميين يقول شيئاً ويفعل آخر عادةً ما يكون هو العكس الصريح له!

2-في المقابل ، لماذا يرى السادة الليبراليون في تقديم الأنبياء والمرسلين على الشاشة قمة الحرية؟ لماذا لم نسمع نفس تلك الأصوات بنفس "التون" عندما نجد في الدول التي تقر تلك الممارسة أصناماً سياسية لا يجوز أن يقربها مخلوق وإلا انتهى به الأمر في السجن أو مستشفى الأمراض العقلية أو في "الترب"؟ ما هو مصير الأعمال الفنية ، أو نوايا الأعمال الفنية التي تجرؤ على انتقاد ونقد النظم القائمة في السعودية أو إيران أو ربما تركيا؟ أليست العائلات المالكة في الخليج تابوهات؟ أليست ما يسمى بالثورة الإسلامية في إيران تابوهاً؟ أليس "أتاتورك" تابوهاً في تركيا ، التي حكم فيها يوماً بالسجن على شخص لعب ببالونة عليها رسم العلم التركي بتهمة "إهانة العلم"؟

3-ألا يبدو غريباً أن تلجأ "ام بي سي" إلى الدين لتسويق نفسها ولتسويق الدراما الخليجية-السورية بهذا الشكل؟ خاصةً بعد أن "فكست" اسطوانة اللعب على "القاعدة" و"تنظيم القاعدة" وطوى النسيان بسرعة الصاروخ مسلسلات كـ"دعاة على باب جهنم" و"الطريق الوعر".. هل هو أيضاً الخوف الذي يصل إلى درجة الجبن من الواقع ، رغم ما يحلو للإعلام الخليجي إثارته من حين لآخر عن كسر الدراما في الخليج للتابوهات الاجتماعية المعروفة هناك؟

4-بما أن الدين مستمر ليوم الدين ، لماذا لا ينزل التناول الديني للدراما للشارع والزمن الحاليين إن كان الغرض فعلاً أن يعود الدين للشارع؟ ليس بالتأكيد في صورة وعظ مباشر لأن الوعظ المباشر هو مهمة المنبر وليس الكاميرا والبلاتوه ، ولكن في صورة فنية تحرض الناس على التفكير والوقوف مع الذات ، ومع تسليمي بأن الأنبياء والمرسلين عليهم جميعاً الصلاة والسلام ، وكذا السلف الصالح ، قدوات يجب أن نقتدي بهم ، لماذا يراد بالدراما أن تتحول - لمصلحة ما - إلى سلفية أكثر من السلفيين المتشددين أنفسهم الذين لا يرون إلا أن يطبق النموذج كما هو بغض النظر عن الزمان أو المكان أو الظروف ، فيغرق في الماضي ليقوم بأفينة الناس وتخديرهم عن الحاضر حيناً ، ويقود الناس إلى الإحباط "هوة أنا آجي إيه في الرسول (ص) أو الصحابة؟ - هوة ممكن يعني أي حاكم يعمل زي عمر بن الخطاب؟"..

هل لديكم إجابة؟ أو أسئلة أخرى؟

Wednesday, July 11, 2012

"شرعنة" الفن.. ومنطق الدجاج

نشر هذا الخبر على بوابة الأهرام في السادس عشر من ديسمبر عام 2010 ، أي قبل الثورة بشهر وتسعة أيام تقريباً ، والواقعة حدثت بعد فشل الأزهر في وقف عرض المسلسل الإيراني "يوسف الصديق" والذي استقبل بتمجيد مبالغ فيه للدراما والنموذج السياسي الإيرانيين ،وبتهليل مبالغ فيه لا يتناسب مع المستوى الفني المتواضع والأخطاء التاريخية الصارخة (دة لو حنتكلم فن وتاريخ)..وبغض النظر عن صياغة "العلاقات العامة" الصارخة في الخبر (والتي تتنافى بالمرة مع أساسيات صياغة الخبر الصحفي بشكل يدركه أي شخص تعلم القراءة حديثاً)، سواء النسخة المنشورة على بوابة "الأهرام" في ذلك الوقت ، أو في الصحف السعودية ، إلا أن الخبر يظهر حقيقتان ، أقلهما أهمية مفادها أن مسلسل "عمر بن الخطاب" يهم الشبكة التليفزيونية السعودية بأي طريقة .. أما الحقيقة الأهم فهي تتلخص ببساطة شديدة في أن البعض يحتاج لرجال الدين لكي يضفي شرعية دينية على الفن!

يشترك النموذجان السعودي والإيراني في شيء واحد : الترويج لدعاية أن كل ما يفعل كل منهما مقدس ، ولا يحتمل الخطأ ، في فترة من الفترات كان يتم الاعتماد على رجال الدين والمؤسسات الدينية بشكل صريح وصارخ ، تماماً كما حدث في الخبر ، أما الآن وقد استقرت تلك الصورة في وجدان الناس ، فيبدو توقيع السلطة الحاكمة وحده يكفي لإظهار أن أي فعل لها هو مقدس لا يأتيه الباطل من أي داهية .. بدليل حملة العلاقات العامة المستمرة وراء المسلسل صحفياً وإلكترونياً رغم أن "المرجعيات الدينية" أعلنت رفضها له ، سواء الأزهر ، أو مؤسسة الإفتاء في السعودية نفسها.. والجديد في اللعبة هذه المرة أن الحكومات تحاول إظهار أنفسها هذه المرة بمظهر الإصلاحي الذي يمثل الإسلام المعتدل المستنير (في مواجهة المؤسسات الدينية المحافظة الطابع)، أمر نلاحظه بشكل صارخ في الحالة السعودية بالتحديد.. ومن قبلها في "إيران" في فترة "خاتمي"..

ويبدو توقيع السلطة الحاكمة على أي فعل بهذا الشكل لسبب بسيط ، وهو أن للسلطة رجال الدين الخاصين بها والمبررين لسياستها ، كأننا نتحدث عن "مصر مبارك" تماماً.. مع الفرق أن "تديين ما ليس بديني" في المجتمع المصري لم يصل إلى مستوى ما يحدث في الدولتين سالفتي البيان.. لا في عهد "مبارك" ولا حتى الآن..

وفي ظل علاقة السلطة الحاكمة في البلدين بالإعلام ، والإنتاج الفني (سواء بشكل مباشر أو بغير مباشر) من العادي أن يوقع رجل الدين على العمل الفني أو يراجعه "شرعياً" من وجهة نظره أو ما يعتبره وجهة نظر الشرع ، سواء في المسلسلات "التاريخية" في الحالة الخليجية (التي تستعين بكفاءات من خارج الخليج لإنتاجها وإخراجها بما أن الدراما الخليجية لا تزال تحبو وتقابل بهجوم من رجال دين متشددين)، أو في كل ما له علاقة بالدراما تقريباً في "إيران" ، حيث يقوم رجال الدين بنفس الدور الذي كان يقوم به "محمد علي" في الاقتصاد في مصر طوال فترة حكمه (1805-1840) : المنتج الأوحد ، الموزع الأوحد ، الرقيب الأوحد ، والمصدر الأوحد ، بما لا ينافي أجندة الدعاية داخلاً وخارجاً.. أمر يبدو مرذولاً عندما نتحدث عن فن وإبداع وأفكار وخلافه..

هل نحتاج إلى "رجال الدين" لضبط الفن و/أو للترويج له؟ هل نحتاجه لأن يقول لنا "افعل" و "لا تفعل" معاً؟ أم لأن يقول لنا افعل ما شئت ما دمت لا تخالف كذا وكذا وكذا؟ هل معرفتنا كعامة ناس ، بيننا الصانع والزارع والطبيب والمهندس وبالتأكيد الفنان بالدين "ميح" لدرجة أننا لا نعرف حلالاً من حرام؟ هل نحتاج لأيزو رجال الدين لكي نطمئن لمشاهدة أي عمل فني أياً كان؟ حتى ولو كان برنامج "عالم سمسم"؟ باعتقادي أن أي شخص مهما كانت درجة انحلاله به شيء من الدين ، بما أننا لا نتحدث عن مجتمع ملحد أو يعبد الأصنام..

وبين شرطتين : هناك فرق بين أن يراجع أساتذة التاريخ وفقهاء الدين تفاصيلاً تاريخية ودينية تتعلق بعمل فني ما ، وبين أن يقوم رجال الدين بمراجعة أي عمل فني مشهداً مشهداً وجملةً جملةً وحرفاً حرفاً و/أو أن يقوم بـ"اعتماد" العمل الفني من عدمه..

ختاماً.. ما يضحك أكثر أن من يهش لهذا الدور لرجال الدين هم أنفسهم من يقولون أنهم ليبراليون ، الليبراليون عادةً ما ينتقدون عامة الناس لأنهم يميلون لرجال الدين ويصدقونهم بداعٍ وبدون ، وهم أنفسهم يفعلون نفس الشيء معتبرين أن تجسيد الأنبياء والمرسلين على سبيل المثال- ما دام أباحه رجال دين - فهو دليل على حرية واستنارة ومواجهة لقوى الظلام ، رغم مواقفهم من رجال الدين وتديين المجتمع ، ولم يسألوا هم أنفسهم عن الاستنارة في مجتمعات بها أصنام سياسية ، ويعتبر فيها تقديم أي تناول فكري أو اجتماعي أو تاريخي معارض للنظام الحاكم في بلادهم جريمة تقترب من الطعن في الأنبياء والمرسلين أنفسهم.. أم ينتظر هؤلاء المستنيرون من رجال الدين أن يصدروا فتوى "تبيح" انتقاد النظم والتابوهات السياسية في أي مجتمع؟

آمل أن أكون قد أوصلت فكرة التدوينة بشكل صحيح.. دمتم بخير..
* وعلى جنب : أليس من الغريب أن يرفض مخرج مسلسل "عمر بن الخطاب" العمل في مسلسل "الشحرورة" بداعي تعرضه - كما يزعم - لقادة وزعماء عرب؟

Tuesday, July 10, 2012

الشيخ "أسامة القوصي" : مفتي الديار السينمائية

وبرغم كل ما سبق ، فإن بطل هذه النكتة ليسوا من مشايخ التطرف الذين اعتدنا على سماع أشياء عجيبة منهم من حين لآخر ، بل هو من "الإسلاميين المعتدلين" طبقاً للتصنيفات الإعلامية ، ويهيل عليه البعض آيات الإشادة لـ"استنارته" .. التي أترك لكم تحديد موقفكم منها ..

مولانا الشيخ قرر تقمص دور الناقد الفني معلناً في حوار له مع موقع "اليوم السابع" أنه من "المقبول" تواجد مشاهد "فاضحة" - التعبير له - طالما أن "الحبكة الدرامية" "توجب ذلك" ، وأن "إلا ان الأفلام الجنسية لها غرض واضح، أما الأفلام الأخرى فهي تهدف للإصلاح، لذلك فإننا نقبل تلك المشاهد في سياق ولا نقبلها في سياق آخر"..

سيادته يقول "من المقبول" ، ولا أعرف بأي منطق ، فلا يقبله منطق المجتمع الذي يرفض تلك النوعية من المشاهد "من غير حاجة" ودون انتظار لفتوى تحريم أو إباحة لمشاهد "الأباحة" خاصةً في فن جماهيري مثل السينما يمكنه أن يقبل تلك النوعية من المشاهد ، حتى وإن تحاكى أفراده عن تلك المشاهد ، فإنهم يفعلون ذلك بـ"حذر" كما لو كانوا يهربون مخدرات ، ولا يقبله المنطق الديني ، في أي دين كان ، أن يقبل مشاهد الجنس المباشر في السينما أو أي فن آخر.. رجال الدين المسيحي في الخارج لهم انتقادات لمشاهد العنف والجنس ، وليس "غريزة أساسية" سوى مثال .. بما أنه من السادة المتحدثين باسم الدين.. ولا المنطق الإبداعي الذي يفترض أن هناك فرقاً ، حتى عند أكثر صناع الفيلم السينمائي تحرراً ، بين ما هو "فني" وما هو "بورنو"..

سيادته يتحدث عن الغرض "الواضح" للأفلام الجنسية ، التي لم يحدد موقفه منها "بعد"، أي أنه ، بما أنه "داعية" و "مفكر إسلامي" ومؤخراً "ناقد سينمائي" ، فهو يعرف أكثر ، وبنظرة عين واحدة ، الفرق بين الفيلم العادي والفيلم الثقافي ، المتحدث باسم الدين ، المبني على أحكام "مطلقة" ، عامة ومجردة (1) مثل القانون ، يفتي في أمور "نسبية" ، فالبعض يرى أن بعض المشاهد الخارجة أمر عادي ، ويرى أن هذا الفيلم "مفيهوش حاجة" ، في حين من الممكن أن يرى آخر ، ليبرالي مثلاً ، نفس الفيلم على أنه "فيلم من إياهم" (2)، وتلك المشاهد كمشاهد مقززة.. وعلى ما أسمع ، وربما يكون العتب على السمع ، يبقى الكلام عن الحبكة الدرامية والتصاعد والذروة والعقدة والصراع الداخلي حقاً أصيلاً لنقاد ومتابعي الفن السابع ، وليس لرجال الدين.. ولأنه يريد تقديم نفسه كسلفي "مودرن" يتحدث عن قبول تلك المشاهد في أفلام غرضها "الإصلاح".. ألم يخبر أحدهم الناقد الفني "مولانا" بأن الأفلام ليست وعظاً ، وبأن الوعظ الحقيقي مكانه على المنبر الذي كاد سيادته أن ينساه ، بما أنه من عجائب مصر السبعين أن يقوم أي شخص بأي عمل في العالم إلا عمله الأصلي!

فعلاً وكما قيلت في أحد الأفلام "أوفر قوي قوي يا انشراح" ..في الوقت الذي هلل فيه البعض للتصريح العبقري الذي يدل على "استنارة" و "حداثة" و ..و ...كشفه البعض الآخر ، ومنهم الناقد السينمائي "طارق الشناوي" الذي وصف تصريح "مولانا" بالمزايدة قائلاً له وبوضوح "نحن فنانون ومبدعون نطالب بحرية الرأي وليس حرية الجنس" ، و"الشناوي" عنده حق ، وأضيف أنه في الوقت الذي يزايد فيه البعض على كل شيء في الفن بما فيه الفن نفسه ، يظهر من يزايد على المزايدين أنفسهم فيدخل في إباحة ما هو مختلف عليه فنياً ومرفوض مجتمعياً باسم الدين، وبنفس منطقهم ، منطق الأستاذ الذي يعرف أكثر ، ورجل الدين الذي يفتي بلا سند وبلا سبب وبلا قراءة وبلا ملاحظة وبلا رجوع لأهل الاختصاص وبلا أي شيء ، تماماً كباقي السلفيين الذين يحلو له انتقادهم.. تذكروا أنه السلفي المودرن الحداثي المستنير الذي سيثري بفتاواه الحياة الفنية بتنظيره لنوع من مشاهد البورنو بما لا يخالف شرع الله!
(1) ولست بحاجة للتذكير بمثال ينسب للعالم الأزهري الراحل الشيخ "محمد أبو زهرة" في شرح تلك النقطة ، حين قال أن الإسلام حرم الزنا حتى لو بامرأة مشركة محترفة عقيمة.. أي أن التحريم مطلق وليس نسبي فيما لم يرد فيه استثناء..
(2)...ولأننا نستنير بالآراء والفتاوى والأحكام لمولانا مفتي الديار السينمائية ، وبما أنه أدرى بالسينما من أهلها ، لماذا لم يخبرنا بمثال أو اثنين عن فيلم جنسي صرف وافقت عليه الرقابة ويعرفه الناس بما أن "أهداف الفيلم الجنسي معروفة"؟..هاهاهاها :(

Sunday, July 8, 2012

إقحام الأنبياء في معارك الهواء

ولا زلنا مع معارك الهواء..

في فترة من الفترات أثير موضوع رفض ظهور الأنبياء في الأعمال الفنية الدرامية من قبل صناع أفلام ونقاد ذوي ميول عالمانية متباينة في درجة تشددها (هناك عالمانية متشددة كما أن هناك تدين متشدد.. للتذكير فقط) ، وكان برنامج "زووم" - لمن لا يزال يتذكره - مسرحاً لتلك النقاشات على مدى أسابيع ، كانت شبه موجهة - هذا رأيي الشخصي - لفكرة أنه "لا داعي" لـ"رفض" ظهور الأنبياء - عليهم جميعاً الصلاة والسلام - وآل البيت النبوي رضوان الله عليهم على الشاشة ، وأن حركة الفتاوى يجب أن تكون "أكثر مرونة" و "أقل تشدداً" في هذا الصدد .. لم تكن أحداث 11 سبتمبر قد وقعت بعد.. كي يضاف إلى الحج "توصيل صورة الإسلام المعتدل السمح المستنير إلى جمييييع أنحاء العالم" و ..و... رغم أن هناك فتاوى أزهرية لعلماء أزهريين كبار ، ولها أسانيدها بالتأكيد فقهياً ومنطقياً..

ومع ظهور هوجة الدراما الإيرانية المدبلجة عاد الموضوع للواجهة من جديد .. خاصةً عندما عرضت بعض الفضائيات المصرية ، ومن بينها "ميلودي دراما" في العام 2010 مسلسل "يوسف الصديق" الذي ظهر فيه ممثل يقوم بدور سيدنا يوسف عليه السلام ، والتي تمسكت بموقفها رغم الرفض العنيف للمؤسسة الأزهرية ولقطاع كبير من الناس ، ولم يخل بالتأكيد الملف الذي عرضته مجلة "الوعي الإسلامي" عدد أبريل نفس العام ، والذي سبق تناوله هنا بشكل ضمني في وقته من عرض الفتاوى السنية والشيعية في تلك المسألة..

وعن نفسي ، رافض لفكرة ظهور الأنبياء على الشاشة جملة وتفصيلاً ولي تحفظات على ظهور أفلام تتناول سيرتهم ، ولي في ذلك أسباب من وجهة نظر متفرج عادي جداً..

1-أولها ببساطة اقتناعي ، واقتناع أعداد كبيرة من الناس بمن فيهم عالمانيون كثر ، بأن للأنبياء وضع خاص جداً في الإسلام يختلف عنه في أي ديانة أخرى ، المسلم العادي يؤمن بكل الأنبياء والمرسلين ولا يفرق بينهم ، ويعتبر أن قصصهم الواردة في الكتب السماوية وآخرها القرآن الكريم تاريخ ديني ، نوع خاص من التاريخ لا يحتمل التأويل ولا عرض وجهات النظر الشخصية فيه ، نؤمن به لأنه دين ، هناك فرق بين أن يكتب "س" عن شخصية تاريخية مثل "جمال عبد الناصر" من وجهة نظره الشخصية جداً فيه وفي الناصرية إيجاباً أو سلباً ، لأنه يبقى شخصاً عادياً مهما كان له أو عليه ، مهما نجح ومهما أخفق، ولا يحظى بالاستثنائية التي يحظى بها الأنبياء ، أما الأنبياء فهم محركون بوحي من الله عز وجل ، ولهم صفات نقر بها كمسلمون لأنها في صلب عقيدتنا.. من العادي جداً أن تكون لهم - عليهم الصلاة والسلام - تلك القدسية في مجتمعاتنا على العكس من مجتمعات أخرى ترى الموضوع بشكل آخر.. تلك القدسية التي أراها لا تعيبنا في أي شيء .. عكس ما قد يعتقد البعض..

بالتالي هناك "مسافة" بيني كشخص متفرج على عمل فني وبين شخصية أي نبي حتى وأنا أتخيلها ، وعادةً الشخص "العادي" - عاماً كان أو غير عام- الذي توجد بينك وبينه مسافة سببها أنك تقدره وتجله وتحترمه لا تراه كثيراً جداً طول الوقت ، مهيب فلا تستطيع - كشخص لم يعاصره على الأقل- أن تنظر في وجهه ، خصوصية المسافة بيني وبين النبي المرسل لا تجعلني كشخص من عامة الناس أقبل فكرة تخيله في صورة شخص أعرفه أو لا أعرفه (=الممثل الذي يقوم بدوره حتى لو كان يمثل للمرة الأولى والأخيرة في حياته)، فما بالكم لو كان ذلك في صورة شخص لي معه "سوابق" ، كأن يسند دوره إلى ممثل كوميدي أو ممثل يذكر بأدوار الشر ، أو أراه في صورة أكثر من شخص ، باعتبار أنه يوجد أكثر من مسلسل يتناول حياة نفس النبي.. ألا يُخشى من ذلك أن يؤثر على صورة الأنبياء لدى مجتمع يفترض أنه غير ملحد وغير منحل؟

2-أحيلكم إلى ما ذكره الكاتب والروائي الراحل "عبد الحميد جودة السحار" في مقاله بمجلة "الهلال" عام 1970.. وهو مهم للغاية :

تختلف القصة في القرآن عنها في التوراة اختلافًا كبيرًا .. فالتوراة تسرد في تفاصيل وتتابع قصص الأنبياء ودور المرأة في حياتهم والصراع بين قوى الخير والشر، وقصة كل نبي تبدأ غالبًا بمولده وتنتهي بوفاته وتروي ما كان من أحداث بين البداية والنهاية، ولما كانت تلك القصص تهتم برواية أفعال الأنبياء فقد أطلق على أسفار العهد القديم أسماء الأنبياء أو من قاموا بخدمات جليلة لإسرائيل مثل إستير ونحميًا ودانيال. أما القصة في القرآن فلا تقصد لذاتها بل للعبرة، لذلك لا توجد في القرآن الكريم قصة نبي كاملة في سورة واحدة إلا قصة يوسف عليه السلام.

ولذلك السبب لم تأتي قصة سيدنا يوسف عليه السلام مفصلة ، ولم يحتوي القصص القرآني على تفاصيل ، منها اسم الفرعون الذي كان يحكم مصر في فترة سيدنا موسى عليه السلام ، ونظيره الذي كان يحكمها وقت ظهور سيدنا يوسف عليه السلام ، واسم السجينين اللذين كانا مع سيدنا يوسف عليه السلام في السجن وفسر لهما رؤياهما ، وأسماء أشقاء سيدنا يوسف عليه السلام .. الغرض هو العظة والعبرة فقط لا أكثر.. تظهر بوضوح حين نقرأها لا حين نشاهدها في عمل فني درامي..

الدراما يا سادة لعبة التفاصيل ، يجب أن يكون لديك تفاصيل ليكون لديك عمل درامي جيد ، أسماء وعلاقات وحقب زمنية يبني عليها المخرج ديكوراته وأكسسواراته ، وفي القصص القرآني لا توجد تفاصيل ، ولكي تقدم عملاً به تفاصيل عليك البحث في مصادر أخرى ، وقد تعلق قدماك في الإسرائيليات وتسقط في بحر غميق من الأخطاء والمغالطات ، قد تتسع طبعاً إذا ما أردت أن تضيف من خيالك بعض التفاصيل الأخرى بما أن كل المصادر لا تكفي، قد تجعل من عملك الفني مهزلة فنية وتاريخية متكاملة ، هذا لو اعتبرنا حسابات مجموعة المؤلفين والمخرجين من عينة "دة فن يا بيه مش دين"..

3-التطور الحالي للفن وفلسفته ،وخصوصاً بما يتعلق بالدراما ، أدعى لأن يصبح تجسيد الأنبياء درامياً مرفوضاً أكثر من أي وقت مضى ، انتهى في الدراما زمن "تقديس النص" ، أصبح الكاتب الآن أكثر حرية من أن يتم سجنه في نص وحبسه في كلماته وضمن حدوده ، بمعنى أن أي نص يؤخذ عنه سيناريو لفيلم أو مسلسل لا يقدم كما هو من الألف إلى الياء بشكل حرفي ، بل يخضع لمعالجة وتحوير تخضع لرؤية كاتب السيناريو أو المؤلف حتى لو تضارب ذلك مع النص وروحه ، لا تستغرب إذا ما رأيت يوماً ما مسرحية "شكسبير" الشهيرة "هاملت" في فيلم فارس كوميدي أو كوميديا موسيقية ، مع الوقت بدأ الكتاب يتعاملون مع "النص الديني" نفس معاملة "النص الأدبي"(1)(2) ، ومع الوقت ، وكرد فعل طبيعي للتسيس والتطرف والتمذهب في بلداننا بدأت نزعة مشابهة في الظهور ، قد يقبل ذلك مع النصوص الأدبية التي لا قداسة لها فعلاً على أرض الواقع ، لكن مع نصوص ذات طبيعة مختلفة ، يبدو ذلك مستحيل القبول..

ومع إمكانية عدم الإبقاء على النص الديني كما هو عليه يبقى هناك احتمالان أحلاهما مر .. الأول أن يشطح أحد السادة الكتاب بشكل يعكس رؤيته هو ويتضارب كليةً مع ما جاء في "النص الديني" ، كأن يغير - مثلاً - في نهاية مسلسله وفيلمه الذي يتناول فيه أحد قصص الأنبياء على العكس مما هو مذكور في القرآن الكريم ، فقط كرؤية فنية .. وفي هذه الحالة لن يكون مجتمعنا ولا مجتمعات كثيرة في العالم "منشكحة" حين تفاجأ بذلك ، والاحتمال الثاني والأسوأ أن يتم العبث بغرض الدعاية السياسية والمذهبية ، وهذه مصيبة سوداء ، خاصةً وأننا في مصر فعلناها مع "ألمظ وعبده الحامولي" قبل ما يقرب من نصف قرن من أن يقدم لنا "محفوظ عبد الرحمن" في "بوابة الحلواني" قصة مغايرة تماماً ، وما قد فُعِل بالأمس مع التاريخ ، قد يفعل اليوم مع أشياء أخرى..

4-لأي عمل فني في العالم هدف ، هذا ما أعرفه ، حتى لو كان هذا الهدف هو مجرد التسلية ، ومع هذا النوع الاستثنائي من القصص ، والذي يحظى مصدره الوحيد بقدسية خاصة جداً - يبقى هناك هدف واحد فقط ، ألا وهو السرد الدقيق في ضوء النص الديني بغرض الوعظ ، فقط ، عكس المسلسلات المأخوذة مثلاً عن نص أدبي يقبل المعالجة والتحوير والإعداد والتمصير وغيره ، هل يخدم ظهور الأنبياء على الشاشة هذا الغرض؟ لا بالنسخ والرقعة والثلث..

لا يوجد أي مبرر من أي نوع فنياً ولا تاريخياً ولا وعظياً ولا .. ولا .. من ظهور الأنبياء على الشاشة ، وظهور ممثل في دور سيدنا يوسف عليه السلام في المسلسل الإيراني أضر بصورة القصة لدينا وحولها من صورتها التي نعرفها عليه إلى عمل اجتماعي متواضع المستوى..

مرة أخرى ، رافضو ظهور الأنبياء على الشاشة ليسوا من المتشددين المتطرفين الذين يعتبرون الفنون كلها حراماً على إطلاقها كما يتصور بعض الأتاتورك ، من بين هؤلاء الرافضين السيناريست الكبير "وحيد حامد" حين انتقد وبشدة محاولات إيران تقديم فيلم عن الرسول صلى الله عليه وسلم ، لأسباب يدخل فيها بعض ما سبق ذكره من نقاط أرجو أن أكون قد أحسنت توضيحها..

باختصار شديد .. تحسين صورة الإسلام يأتي بألف صورة وصورة ، ليس من بينها إظهار الأنبياء على الشاشة لغرض سياسي أو دعائي أياً كان ، وعلى السادة "المبدعين" إن أرادوا الدخول في معارك هواء ، أن ينتقوا معارك حقيقية تستأهل الانتباه والنقاش حولها بحق وحقيق..

كل الشكر للزميل طارق سعد الدين الذي كتب تدوينةً هامةً للغاية كانت مصدراً مهماً لمعلومات كثيرة استرشد بها كاتب السطور حين كتابته لتلك التدوينة..
17-7-2012: ولو أن ذلك يعد مخالفة صارخة لقواعد التدوين ، إلا أنه جاءتني فكرة الفقرة الثالثة بالأمس أثناء مشاهدة حوار على القناة الأولى للتليفزيون الرسمي حول تلك المسألة مع الناقد السينمائي الشهير "رفيق الصبان" .. وفكرة تلك الفقرة أخطر من أن تضاف كتحديث تحت تلك الخانة ، لذا أستميحكم عذراً في أن أضمنها للتدوينة الأصلية..
(1)...ونذكر بأن الفرق كبير بين أن يتم تقديم قصة النبي أو المرسل (عليه الصلاة والسلام) بشكل تاريخي ويتم تحريفها لغرض فني أو دعائي ، وبين أن يستوحي الكاتب من القصة تيمة أو خط يتم تقديمه بشكل فني بعيد عن القصة الأصلية كما يحدث مثلاً مع تيمة الكراهية بين الإخوة غير الأشقاء (الموجود أثرها في قصة سيدنا "يوسف" عليه السلام) في أكثر من عمل فني.. أرى والله أعلم أن الأمر الثاني مقبول ، أما الأول فأعتبره جريمة..
(2) في العام 2008 أثير في الولايات المتحدة الأمريكية وفي أستراليا جدل عنيف حول محاولة لتقديم أحد قصص الإنجيل في مسرحية تحمل عنوان "عيد الجسد" للكاتب الأمريكي الشهير "تيرنس ماكنيللي" قيل فيها أن ذلك الأخير قام بمعالجة القصة نفسها بشكل "عصري" وتقديم أبطالها في الزمن الحالي بمن فيهم السيد المسيح عليه السلام بشكل "مشين أخلاقياً"..

Friday, July 6, 2012

معارك الهواء : يجعجعها "مبدعون" ويكسبها الإسلاميون

قبل أن يتضايق قرائي الليبراليون مما سأكتب ، فقط أطلب منهم بعض سعة الصدر التي أتوقعها عادةً من ليبراليين!

أغلب صناع الأعمال الفنية ينتمون لمدارس فكرية وسياسية لها تصورها بالتأكيد تجاه الدين ،والدولة ، والحريات ، وأشياء كثيرة ، وما يعد تابوهات ، بالنسبة للمجتمع ، لا يبدو كذلك بالنسبة لهم ، ويؤمن بعض هؤلاء ، وليس الكل ، بضرورة كسر تلك التابوهات ، من أجل مزيد من الحرية ، ومن أشهر تلك التابوهات بالتأكيد ما يمت بصلة للدين والسياسة..

ومن أغلب هذا الأغلب مؤدلجون ، نموذج "الفنان الناشط" ، ومن هؤلاء والحمد لله من لا يعرف الفرق بين الفيلم والمنشور ، والمسلسل والمانفيستو ، لديه الفن وسيلة ليس لتوصيل وجهة نظر (لإنه لو حب يوصل وجهة نظره كفنان حيوصلها بطريقة فنية محترمة) قد ما هو لـ"النضال" ، ويعيش بعضهم هذا الدور أفضل من أقوى ممثل عندما يتقمص دوراً ، ولكي تصبح مناضلاً أكثر يجب أن تدخل في معارك ، إن لم توجد تلك المعارك في الحقيقة ، افتعلها أنت.. ومن هذا النوع من دخل معارك لا معنى لها ، ولا قيمة لها ، مع النظم السياسية (التي لم ينتقدها بشكل يحترم العقل وإنما بالصراخ والعويل) ، ومع المؤسسات الدينية (التي فيها من يتفهم الفن وفيهم من لم يتفهمه) ، ومع الشارع (الذي يراه هذا النوع من الفنانين جاهل ومتخلف وكذا وكذا).. ويخرج هؤلاء من معاركهم مصحوبين باستهزاء المجتمع الذي يفترض أن يوجه له هؤلاء "أفكارهم" بدلاً من أن يكسبوه إلى صفهم..

في كل يوم يظهر ألف فيلم ، يختار له صناعه ألف اسم ، بلا مشاكل حقيقية أو مفتعلة ، لكن "خالد يوسف" مثلاً كان له رأي آخر عندما أراد افتعال مشكلة لذيذة مع الرقابة والأزهر عندما أطلق اسم "خيانة شرعية" على فيلمه "خيانة مشروعة" ، وما أن بدأ الاعتراض حتى بدأ هو في الصراخ محتجاً على الحملة العنيفة ضد حرية الفكر وحرية الرأي وحرية الفن وحرية الحرية ، رغم أن الاسم الذي اختاره هو أبعد عن فكرة الفيلم الذي شاهدته وكتبت عنه في حينه في المدونة الشقيقة "فرجة" قبل خمس سنوات ، مع تسليمي بأنه "حر" في أن يفعل ما يشاء ، لماذا افتعل هذا الحوار الفاكس؟ ليلفت النظر إلى فيلم شاهده الملايين في السينمات ثم تهكموا عليه عندما عرض في الفضائيات ، ومنهم من لم ينتظر عرض الفيلم في الفضائيات لكي يتهكم عليه وعلى صانعه!

ويمكنك أن تتساءل كيف شئت عن مستوى موهبة فنانين لا يعرفون إلا المباشرة ، والمبالغة الشديدة في المباشرة ، آل يعني بيعمل shock... في حين أن الغرض الحقيقي ليس إنارة المجتمع أو تنبيه المجتمع كما يظن ويدعي ، أبداً ، بل الغرض هو عمل شو سياسي وديني ، وخصوصاً الشو الديني ، الذي يخرج من بعده الفنان أو المخرج مقروفاً من الجمهور الذي "لم" يستطع استيعاب شطحاته وحبشتكاناته ، رغم أنه كان الممكن - لو كان موهوباً والعياذ بالله - أن يكسبه إلى صفه إن قام بما يريده بشكل "فني" و غير مباشر يعتمد على كل تقنيات الفن ، بما أنه لم ينبهه أحد إلى الفرق بين القصة بطابعها الفني والأدبي و"الحدوتة" التي نحكيها لبعضنا البعض على القهوة ، وبين الشعر والكلام العادي ، وبالتالي كام مشهد من إياهم بلا ضرورة ولا هدف ولا لزوم ولا داعي ، يتفرغ بعدها للصراخ والعويل و("ظلموني .. جرحوني...الخ" مع الاعتذار لـ"حكيم") ، ولنا في "إيناس الدغيدي" ما يملأ مجلداً ويخرج في إطار رؤيته بشكل موضوعي عن نطاق هذه المدونة..

والمستفيد الوحيد معروف طبعاً : الإسلاميون..

1-حصلوا على فرصة من ذهب ليثبتوا فيها أنهم حماة حمى القيم في المجتمعات كلها ، هم لا يفعلون شيئاً أكثر مما يردده الجمهور المحافظ وكاتب العمود المحافظ ، بل إن واقعة تبعد بعض الشيء عن منطق هذه التدوينة هي مطالبة حزب "النور" بمنع عرض "مدرسة المشاغبين" كان لها علاقة بتراكمات كبيرة من كتابات كتبة الأعمدة في الصحف القومية المناهضة للمسرحية والتي تعتبرها كذا وكذا وكذا ، والشيء نفسه مع "تهامي ووديع" رغم مرور ثلاث سنوات على عرض دعاياتهم على فترات ، وسيكتسب الموضوع قبوله عندما يدخل "بتوع ربنا" على الخط في مواجهة أي عمل فني..

2-استثمر هؤلاء جيداً جداً في صورة موجودة في الوسط الفني تربط ما بين الاشتغال في الفن والانحلال ، مع تسليمي أيضاً بأن في كل وسط يوجد الصالح والطالح ، ومعها استطاعوا اكتساب أرض فيما يتعلق بالفنون ، ومعظمهم ينظر للفن في ذاته بكل اشمئزاز واحتقار إن لم يكن يحرمه تماماً ، والناس معهم ، ليس فقط لأن الإسلاميين يتحدثون بلغة الدين (حتى لو حوَّروا تلك اللغة بما يناسب مصالحهم في أحيان كثيرة جداً جداً جداً) ، بل لأنهم أيضاً يخاطبون مجتمعاً له ، وهذا حقه ، سقفه فيما يتعلق بالشعرة ما بين الحرية والانحلال..

3- بالمرة ، بعد أن كسب الإسلاميون المجتمع في صفهم ، قرروا تصفية حساباتهم مع فنانين دخلوا المواجهة ضدهم ، وبصراحة ، لم تكن تلك المواجهة كلها على فكر أو اعتقاد أو تصور ، بالعكس ، كان منها جزء كبير له علاقة بالصدام بين النظام المباركي والإسلاميين ، من رفع منهم السلاح ومن لم يرفع ، بدليل أن مواقف بعض "الصنف إياه" من بعض هؤلاء تغيرت بعد سقوط "مبارك".. ولو لم يشكل الإسلاميين عنصر ضغط ، حتى ولو لم يكن بَنَّاءًا ، على النظام المباركي ، لما أصبح هؤلاء مادة للحرب الإعلامية والفنية - من جانب واحد - ضد الإسلاميين..

وخير دليل طبعاً ما حدث مع "عادل إمام" .. لم يسأل أحد نفسه : لماذا يقوم هؤلاء بحملة على أفلام "عادل إمام" رغم أنهم لا يشاهدونها بحجة أنها حرام؟ ولماذا يقومون بحملة على ممثل هو في النهاية موظف متعاقد مع منتج الفيلم ، لو لم يقم بهذا الدور ، لقام به غيره؟!

4-في أحيان كثيرة يكون التطرف رد فعل لتطرف ، من بعض كتاب السيناريو والمخرجين من تطرفوا مثلاً في مسألة ظهور الأنبياء على الشاشة ، التي يرفضها المجتمع وليس رجال الدين بالمرة جملةً وتفصيلاً ، عندما تتطرف فتستفز المعتدل المسالم ، من المؤكد أنه سيخرج لك المتطرف العدائي ، ليكسب المعتدل المسالم إلى صفه..

تلك المعارك التي يقوم بها بعض المنتسبين إلى الفن ، وأساءوا له ، هي معارك هواء ، شيء من لا شيء ، لا تبنى في الغالب على إيمان حقيقي بمبدأ حتى ولو كان قائماً على عدم وجود سقف لحرية التعبير ، بل على حب للظهور مختلط باصطناع دور الضحية واستدرار التعاطف ، مع قليل من الغباء الذي يزيد من سعار التطرف في حياتنا ، سواء أكان سياسياً أو ذا طابع ديني.. قيل لي في بداية حياتي العملية "أخذ الحق صنعة".. وهم لا يجيدون ما يعتبروها صنعتهم!

وعلى كلٍ، سيأتي الكلام بإذن الله لاحقاً على معركة هواء أخرى.. مثيرة للسخرية أكثر من أي شيء آخر!

Wednesday, July 4, 2012

الفن "الإسلامي" أم ما يطلبه "الإسلاميون"؟

نبدأ من "هشام النجار" أحد كتبة موقعي "المصريون" و "الجماعة الإسلامية" ، حقيقةً كان المقال الذي قرأته "لُقْطَة" بمعنى الكلمة ، بالتأكيد كنت تحتاج لأن تسمع كيف يرى المتحدثون الرسميون - أو من أعلنوا أنفسهم كذلك من جانب واحد - باسم الدين الفنون بكافة أنواعها ، أن تسمع منهم قبل أن تسمع عنهم ، تعرض الكلام على العقل وتزنه بهدوء وموضوعية..

يحاول "هشام" الرد على اتهامات موجهة للإسلاميين ، وليست للإسلام ، فيما يخص الموقف ضد حرية الفنون بكافة أشكالها ، صحيح أنه يبدأ مقاله بالدفاع عن التصور الإسلامي للفن ، وأنه قد حرر الفنان من ابتزاز السلطة ورجال الدين :

تعرض الفن على مدار التاريخ للابتزاز والتقييد من سلطتين ، الأولى سلطة الدين ، فاستخدمه الهندوس والإغريق والبابليون والأفارقة والعرب قبل الإسلام فى خدمة عقائدهم ، وفرضوا على الفنان نمطا وحيدا من الإبداع بتجسيد آلهتهم المعبودة فى تماثيل منحوتة . ووجهت المسيحية الفن لخدمة العقيدة وتحقيق أغراض الكنيسة ، ليس فى العصور الوسطى فحسب ، بل فى عصر النهضة أيضا ؛ حيث حدد القساوسة والرهبان للفنانين الكبار إطار إبداعهم ، وهذا واضح تماما فى أعمال مايكل أنجلو وليوناردو دافنشى وغيرهما .

....

كذلك تعرض الفن والفنان للابتزاز والتقييد من سلطة ثانية غير سلطة الدين ، وهى سلطة الدولة ، وأوضح مثال على ذلك هوليوود وكيف استخدمت أمريكا صناعة السينما فى بسط نفوذها وهيمنتها ونشر قيمها فى الخارج للدرجة التى اعتبر معها جورج بوش الأب السينما الأمريكية أحد أهم الأسلحة التى انتصرت بها الولايات المتحدة الأمريكية فى الحرب الباردة...

....

ويبقى المثال الأوضح والأقرب لنا هو السينما المصرية والفن المصرى على وجه العموم ، فى بلد لا أرى فى تسميتها هوليوود الشرق إلا فى جانب تقليد السينما الأمريكية فى استخدامها لخدمة أغراض الدولة وتطويع المجتمع وإخضاعه ، وسوق الجمهور للرضا والإيمان برؤى السلطة وسياساتها . فمن جانب استخدمت السلطة الحاكمة الفن والفنانين فى الترويج لنهجها فى علاقاتها وسياستها الخارجية ، وقد غلبت على الدراما المصرية طوال العقود الماضية روح الانهزامية أمام النموذج الغربى ، وتشبعت ثقافتنا بالرجل الغربى والأمريكى الخارق القادر على فعل المعجزات ، حتى صار هو منتهى طموح كثير من الشباب الذين تهافتوا على النزوح غربا ، ولو كلف ذلك أحدهم حياته فى عرض البحر فى رحلة هجرة غير شرعية

ويعرض في هدوء لما يتصوره الإسلام .. ضعوا تحت الجملة السابقة ألف خط ، للفنون :

وبمجئ الإسلام فى القرن السابع الميلادى تحرر الفن من سلطة الدين ، عندما توجه للفنان بصيغة النهى الاختيارى ( لا تفعل ) ، بعد أن كان مقيدا لقرون برغبات وأوامر وإملاءات رجال الدين . وإذا أجرينا مقارنة سريعة لوجدنا فارقا هائلا بين سلطة دينية تجعل الفنان خادما لأوامرها ومسخرا لأغراضها حيث لا اختيار له إلا أن يفعل ما أُمر به ، وبين دين يمنح الفنان مجالا واسعا للحرية والاختيار ؛ لأن صيغة الأمر ( افعل ) لا تتيح للفنان اختيارا آخر يتعدى رؤية السلطة ، أما أسلوب ( لا تفعل ) الذى اتبعه الإسلام ، فالفنان معه حر وله كامل الاختيار فى القيام بالبدائل الأخرى ، بعد التقيد بما ورد من نهى فى جزئيات بعينها تتعلق باستخدام الفن كمطية لتحقيق أهداف تنحرف به عن رسالته ودوره فى الحياة . كذلك تعرض الفن والفنان للابتزاز والتقييد من سلطة ثانية غير سلطة الدين ، وهى سلطة الدولة ، وأوضح مثال على ذلك هوليوود وكيف استخدمت أمريكا صناعة السينما فى بسط نفوذها وهيمنتها ونشر قيمها فى الخارج للدرجة التى اعتبر معها جورج بوش الأب السينما الأمريكية أحد أهم الأسلحة التى انتصرت بها الولايات المتحدة الأمريكية فى الحرب الباردة ،

إلى الآن نسمع كلاماً عاقلاً وموضوعياً ، يزيل شبهة أن الإسلام يقف ضد حرية الفنان بشكل عام إلا فيما يختص ما هو حرام وغير مقبول دينياً .. ولكن عند تلك النقطة تشعر أن الكاتب بدأ يضمن هذا الدفاع الموضوعي دفاعاً عن الإسلاميين بما هو ليس فيهم بالمرة..

ففي ظل الصراع على الزعامة الدينية وظهور القيادات المذهبية وجماعات الإسلام السياسي أصبح كل أولئك يتكلمون باسم الدين ، ويحددون بشكل قطعي (ما لا يجب فعله) لا النصوص الموجودة في القرآن الكريم والسنة المطهرة.. كما يحدث مع الموسيقى مثلاً ، التي يعتبرها شيوخ التيار السلفي حراماً صرفاً على إطلاقها ، حتى كفاصل موسيقي في القنوات كما يحدث في كل مكان في العالم بما فيه دول إسلامية، ويتحايلون عليها بالصوت الموسيقي البشري في تناقض غريب ..

ويجيد الإسلاميون عموماً فن "الكلفتة" بالذات فيما يتعلق بتلك النقطة (1)، فما أن يطرح عليهم المرء تساؤلاً في هذا الخصوص حتى يقولون له "انت عايز ترجعنا لسينما القبل والأحضان والملابس الخليعة والمشاهد ...الخ".. كما لو كان أي اعتراض أو محاولة لفهم ما لا يقبله الإسلاميون ، ويقولون من وجهة نظرهم التي لا تحتمل أي نقاش أن الدين يرفضه يعني سينما القبل والأحضان والابتذال و..و.. محدش جاب سيرة الهباب دة نهائي .. (2).. أتحدث عن عموميات بعيدة عن تلك النقطة بعد سيبيريا عن تشيلي..

يحول الإسلاميون بأفعالهم (لا تفعل) إلى (افعل) مقنعة ، تخيل مثلاً أنك واقف مع شخص ما أمام فاترينة محل أحذية ، بها خمسة أحذية على مقاسك تماماً ، نفس الموديل ، ولكن بخمسة ألوان مختلفة ، لينصحك هذا الشخص ، وله عليك دلال ، مثلاً ، بألا تختار الحذاء الأبيض ، ولا البيج ، ولا الزرعي ، بحجة أنها لا تناسبك ، وبذلك لن يكون أمامك منطقياً سوى الحذائين الباقيين ، البني والأسود!

وبالتالي ، تنحرف الأمور عما قاله في نهاية المقال مدافعاً عن التصور الإسلامي ، الذي هو ليس تصور كثير من الإسلاميين :....

أما الإسلام فقد أعطى الحرية للفنان ليكون قادرا على تطوير المجتمع وتبصير الحاكم بعيوبه وبث الأمل والثقة وعلاج الأمراض المجتمعية واستشراف المستقبل وإثراء الحياة العقلية والوجدانية ، والارتقاء بالمشاعر والأحاسيس وتوطيد العلاقات الإنسانية ، وليساهم فى بناء النهضة وليحافظ على ترابط الأسرة والمجتمع .

إلى الدعاية المباشرة وغير المباشرة للنهج ، سواء كان سلفياً ، أو صوفياً ، أو شيعياً ، بالأسلوب الوعظي المباشر أو حتى غير المباشر .. نفس ما كان يأخذه الكاتب على ديانات ما قبل الإسلام!

وبالتالي سيسأل البعض ، ولهم حق :إذا كان الفن في ظل قاعدة (لا تفعل) الذي لا يطبقها الإسلاميون بما يرضي الله البعيد عن كل مظاهر الإسفاف والاعوجاج والترويج للرذيلة وغيرها يتماشى مع ما جاء به الإسلام من قيم وأخلاقيات ، فلماذا مصطلح "الفن الإسلامي" إذن ، بما أنه لا إسلامي في العادة إلا بنص؟ (ولتصححوني في هذه إن أخطأت)؟ هل هناك سينما إسلامية وأخرى غير إسلامية؟ أو دراما تليفزيونية إسلامية وغيرها لا إسلامية؟ هل حدد الإسلام فعلاً تلك المقاييس أم أنها من بنات أفكار اجتهادات وتصورات الإسلاميين بشكل عام؟ ومن أعطى الإسلاميين الفرصة لفرض رقابتهم على الفن فيما يبتعد تماماً عما هو معلوم حرمته في القرآن الكريم والسنة؟

لدي تصور عن إجابة السؤال الأخير قد يكون صادماً بعض الشيء : بعض الفنانين أنفسهم!
(1)...وحنروح لبعيد ليه؟ هناك مقال آخر لنفس الكاتب يلعب فيه نفس اللعبة بشكل غير مباشر.. حتى وإن بدا ذلك عرضاً لأهم ما هو مرفوض دينياً في السينما على سبيل المثال ويمكن -في رأيي - التحايل عليه فعلاً ، وهو ما سأعرض له بإذن الله في وقت لاحق بعيداً عن مزايدة الكاتب..
(2) والغرض من تلك اللعبة واضح ، أن يشغلك بالدفاع المستمر عن نفسك في مواجهة هذا السيل المنهمر من الاتهامات فتنسى قضيتك الأصلية أو تتوه هي وسط زحام الجدل..